هل يغبط من تكللت قصة حبهما بالزواج؟!

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

دكتورة لديّ استشارة هي عبارة عن حديث يدور في خاطري ومشاعر حسرة أجاهد أن أدفعها كل مرة أرى فيها شاب وفتاة تزوجا بعد علاقة حب نشأت بينهما، وكل مرة اسمع حديثًا يزعمون فيه أنهم سعداء وأن قصة حبهما تكللت بالنجاح وأن تجربتهما كانت موفقة.

أعقد مقارنة بين حالي وحالهم ليس من منظور حسد ولكنها غبطة إن صح التعبير ، فأنا من فضل الله لم أدخل أي علاقة مع أي شاب في حياتي، ولكني لازلت وحيدة لم أتزوج رغم محافظتي على نفسي وسمعتي وأخلاقي..

كيف أدفع هذه الأفكار؟ أفيديني بارك الله فيكِ.

حياك الله وبارك بك،

حتى نصل إلى جواب شافٍ لهذا السؤال، دعيني بداية أشخص معك الواقع، من حيث علاقات الحب.

فالحب يحدث في ثلاث حالات:
الأولى: أن لا يتقصده المرء ولا يسعى إليه، كحال من يطرق مسامعه سمعة رجل أو امرأة صالح وصالحة، أو يرى نظرة أولى أو فجأة تقع في نفسه ونفسها، فيتعامل مع الحدث بما تقتضيه التقوى، فيتقدم للخطبة، ويدخل البيوت من أبوابها،  فيسعى إلى الحلال مترفعا عن طرق الحرام، فإن منع أو حال بينهما عقبات، يصبر ويحتسب ولا يتعدى حدود الله تعالى، فكان مأجوراً مثاباً على صبره وعفته وخشيته وتقواه.

قال ابن القيم رحمه الله: “إذا حصل العشق بسبب غير محظور : لم يُلَم عليه صاحبه، كمن كان يعشق امرأته أو جاريته ثم فارقها وبقي عشقها غير مفارق له: فهذا لا يلام على ذلك، وكذلك إذا نظر نظرة فجاءة ثم صرف بصره وقد تمكن العشق من قلبه بغير اختياره، على أن عليه مدافعته وصرفه”، “روضة المحبين” ص 147

والثاني: أن يكون هذا الحب قد جاء نتيجة اختيار المرء بنفسه، تجده يبحث عنه فيتساهل في النظر للنساء والحديث معهن، والاختلاط بهن، وبغض النظر إن كان يؤدي للزواج أو غير ذلك، فإنه بداية بمعصية لله تعالى.
لأن النظر للمرأة الأجنبية والرجل الأجنبي في الإسلام لا يجوز، وكذلك الخلوة والمواعدة، فكيف باللمس وما يتعدى ذلك من مهالك. فهذه فتن يتجنبها المسلم والمسلمة ولا يستهينان بها.

والثالث: يحدث بعد الزواج، يلخصه لك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصف خديجة رضي الله عنها فيقول : «إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا»، وفي ذلك إشارة إلى أن الحب رزق ومشاعر يجعلها الله تعالى في قلب الإنسان، وبما أنه حب في تقوى الله تعالى وبدون تعدي حدوده فإنه حب ينمو ويقوى ويبارك الله تعالى فيه حين يسقيه الطرفان بالإخلاص، وهو من فضل الله تعالى على الأزواج.

هل الزواج بحب ناجح دائما؟

لا بد أن نتفق بداية على أن في كل إنسان مطالب للعاطفة، لا يمكن إنكارها، وهي بحاجة للإشباع، ولذلك جعل الله تعالى الزواج وسيلة لإعفاف الإنسان، ولكن هذه المطالب تتأذى حين توضع في وسط خطير لا حدود فيه ولا حقوق تصان، فهي مجازفة مؤذية جدا وقد يكون فيها دمار حياة رجل وامرأة، إن وصل بهما الوضع لما لا يحمد عقباه.

والواقع أن نسبة نجاح العلاقات بالحب قبل الزواج قليلة جدا في زماننا، فأكثر العلاقات تفشل وتنكسر وتتحول لعداء وشراسة، وتلك لعنة المعصية! وسهولة الوصول يشتد معها البخس! أما الجزء القليل الذي يستمر الحب بينهما، فيستمران فيه بمعصية الله تعالى، فهما مشتركان في الإثم والعداون كل هذا الوقت الذي يمضي بينهما، وإن تعاهدا على الزواج! فأي قيمة للحب بعد ذلك وهما في هذه الحال؟ ولو قبضا لحظتها لقبضا في حال معصية والعياذ بالله.

ثم إن هذه القلة التي ينتهي بهما الأمر للزواج، هل هما حقا في حياة ناجحة؟ في الواقع هنا تختلف المقاييس بحسب ما نقيس المشهد، إن كان قياسا على حياة الغرب والتحرر والانفلات واللامبلاة بالدين والعرف، فهما ناجحان ومستمتعان بحياتهما معا، لكنها حياة ليست لله تعالى، هي حياة للدنيا، ولنفسيهما، لذلك فهي حياة هدر! حتى لو قضى خلالها الزوجان كل الوقت في رومنسية واهتمام!

والحالة الوحيدة التي يصبح فيها هذا الزواج ناجحا في مقياس الإسلام – وهو المقياس الذي نعيش ونجتمع ونموت عليه- هي حين يستقيم ويستدرك طريقه ويعيد الزوجان ترتيب أمورهما بالتوبة مما كان وبإعادة تصحيح المسيرة باتجاه مرضاة الله تعالى فينقلب التعاون على الإثم إلى تعاون على البر ويمضي قاربهما يتهادى به وبها، حتى يصل إلى شط الأمان. فتصبح حياتهما لله وهذا نصر!

ولا أخفيك أن الكثير – في زماننا خاصة- ممن أقاموا علاقات قبل الزواج وتمادوا فيها وتعدوا حدود الله تعالى – على الرغم من انتقالهم للزواج، إلا أن حياتهم الزوجية تحولت إلى جحيم، فقد انتهى وقت عرض الرومنسيات والأكاذيب والخداع وسقط القناع وظهر كل طرف بكل عيوبه ومحاسنه!

الفرق بين الحب الحقيقي وتجربة الحب!

وفي الواقع ليس كل حب حب! فالحب الحقيقي هو الحب الخالص النقي الذي أحيط بأسباب الحياة، وإلا ذبل، وهذا يعتمد على معتقدات وأخلاق كل طرف في العلاقة.

وأغلب الحالات التي يحصل معها شعور الحب قبل الزواج هي مجرد شعور بالانجذاب المفاجئ لشخص ما، تدفعه الحاجة الغريزية التي تشتد مع الحرمان، للتواصل مع الطرف الآخر بهدف إشباع الحاجات العاطفية.

فيتعلق القلب بهذا الحضور في حياته، ويبني عليه خيالات وأحلام، وقد يكون يشاهد الطرف الثاني بعين أمانيه لا بعين حقيقته! وكثيرا ما يحدث ذلك.

لكن متى يتحطم كل هذا الوهم؟ يتحطم عند امتحانات الصدق والحياة الشديدة، عند الزواج، وتحمل مسؤولياته، والدخول في علاقة الجد والحقوق والواجبات، وحينها ينزل الطرفان إلى أرض الواقع، ويبصر كل منهما بعد هدوء وصفاء، حقيقة شخصية الطرف الآخر وتتلاشى تفاصيل الإعجاب والانبهار!

لذلك يجب الانتباه إلى أن أغلب التجارب التي بدأت بهذا النوع من الحب، انتهت بالانفصال والطلاق، لأنها مشاعر مؤقتة غير دائمة ولأن ما يجمعهما كان خيالا ووهما وحاجة وأماني وليس الحقيقة  بكل ما فيها من نقص وضعف. فيصطدم الطرفان بحقيقة سوء اختياره،  وأن الطرف الآخر لم يعد الشخص الذي يمكنه الركون إليه إلى آخر عمره. ويأتي وقت الواقعية!

مع ذلك هذه الحالة يمكن إنقاذها، بعد الزواج، وذلك حين يكون الطرفان يتمتعان بقدر كافي من الوعي والقدرة على الاستدراك وتحسين أدائهما وأداء علاقتهما بهدي القرآن والسنة، فإن كان ما بينهما صادقا وعميقا، ينجوان،  وإلا فسيتسمر الوضع بينهما في علاقة مشوهة قاصرة ضعيفة، حتى ينقطع الحبل بينهما!

ولذلك لا ينخدع العقلاء بعلاقة قامت على الاندفاع العاطفي، فعين الرضا عن كل عيب كليلة. قد يكون الشخص الذي أعجبت به الفتاة مناسبا لها من حيث التفاصيل الشكلية والظاهرة، لكنه غير قادر على تحمل مسؤولية أسرة، وقوامة وواجبات التربية لأبنائهما. والعكس كذلك، قد يعجب الرجل بالمرأة لتفاصيل شكلية وخارجية لكنه يصطدم بفشلها في تحمل مسؤوليات الزواج.

وحين يصطدمان بالمشكلات الحياتية يستسلمان! والسبب أن الطرفان في مثل هذه العلاقة قد تعودا غالبا على كل شيء محبة وتنازلا، لكن الحياة لا تمضي دائما هكذا، فالحوار مهم لترسيخ القناعات وتصحيح الأخطاء واستدراك ما فات وهو عنصر أساسي في العلاقة لتسير بنور من الله تعالى، فمن فقد ذلك، فقد وسيلة وحلا.

ولعل أكبر عائق أمام هذه العلاقات هو أن الإشباع العاطفي إن حدث يكشف عورة المسافة بين القلبين، من حيث العقيدة والأخلاق! والعلاقة تبقى رهن هذا الرصيد العقدي والخلقي، فكل ما كان رصيدا فقيرا كان الانفصال سريعا.

تقييم الزواج بعد علاقة غير شرعية  

كل ما بني على باطل فهو باطل،  قال الله تعالى: ( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ _ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) التوبة: 109 .

وكفى بها خسارة أن يبنى البيت على معصية الله تعالى، فحتى لو عاش الزوجان أسعد أيامهما، لا ينفي ذلك أنهما في سخط الله تعالى. ويا لها من خسارة عظيمة!

قد تقول سائلة، ولكنهما سعيدان وهذا نجاح ولماذا الإسلام لا يرحب بعلاقتهما بعد الزواج، أقول إن العلاقة الزوجية في الإسلام تكون على هدي الإسلام، وتنتظم وتحتكم لشريعة الله تعالى فما كان غير ذلك فهو فشل وخسران مبين.

 فمن كانت حياتهما مبنية على عدم الخشية من الله تعالى، كيف يرجى لحياتهما أن تكون لله تعالى وعلى استقامة كما أمر الله وهو سبب الفلاح، بدون توبة واستدراك؟!

لذلك مهما أظهر الزوجان من سعادة ومن انسجام ومحبة فكل ذلك لا شيء إن لم يكن حبا في الله وفي مرضاة الله وطاعة لله وإقامة لشريعة الله في علاقتهما وحياتهما،

لا فائدة من حب لا يأخذ بيدك إلى الجنة! لا  قيمة لحب لا يقربك من الله تعالى!

قال ابن القيم رحمه الله:

“فإنَّ التحاب والتآلف إنما هو بالإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿إنّ الَّذِينَ آمَنوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدا﴾ [مريم: 96]

أي يلقي بينهم المحبة، فيحب بعضهم بعضا، فيتراحمون، ويتعاطفون بما جعل الله لبعضهم في قلوب بعض من المحبة.

وقال ابن عباس: “يحبهم ويحببهم إلى عباده”.

قال هرم بن حيان: “ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم”.

وأهل المعاصي والفسوق وإن كان بينهم نوع مودة وتحاب، فإنها تنقلب عداوة وبغضا، وفي الغالب يتعجل لهم ذلك في الدنيا قبل الآخرة، أما في الآخرة فـ ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾.

وقال إمام الحنفاء لقومه: ﴿إنّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بَبَعْضُ ويلعن بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: 25].[1]

فالإسلام لا يمكن أن يقرّ تلك العلاقة الآثمة، ولو كانت بهدف الزواج -، فكان العقاب الرباني العادل لأهلها بالمرصاد. قال الله تعالى: ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ) طـه/124 . المعيشة الضيقة المؤلمة نتيجة لمعصية الله والإعراض عن وحيه .

وقال تعالى: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ) الأعراف/96 ، فالبركة من الله جزاء على الإيمان والتقوى ، فإذا عدم الإيمان والتقوى أو قلّ ، قلّت البركة أو انعدمت .

وقال الله تعالى: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) النحل/97 ، فالحياة الطيبة ثمرة الإيمان والعمل الصالح .

الزواج قدر ورزق وامتحان والحب فضل!

إن المتأمل في شريعة الله يرى ذلك الحرص على صيانة القلوب من الألم، وتطهيرها من المعصية، وتقويتها لتؤدي عبادة التوحيد أبية عزيزة، ولولا تلك الحصانة التي تضعها الشريعة كسياج يصون المرأة والرجل، مما يتربص بهما من مكائد النفس والشيطان، لكانت مجتمعاتنا فاسدة كفساد المجتمعات الغربية، فها هي هذه المجتمعات قد فتحت الباب على مصراعيه لما يسمى الحب، وماذا كانت النتيجة! لقد ارتفعت معدلات الأمهات العازبات بشكل كبير.

ولا تزال المرأة مستهلكة في علاقات تبحث عن السعادة والحب الحقيقي حتى تلقى حتفها وهي في حياة تيه وعبث! قد أخرجت كل طاقاتها الأنثوية في سبيل إرضاء رجل وكل رجل!

لذلك تتعامل المؤمنة في مقام الزواج بيقين أن الله تعالى إن كتب لها زواجا فهو آتيها وإن اعترض كل الناس، وأنه ليس بالضرورة قصة نجاح كاملة، -وإن كانت ترجو ذلك- فتستعد له بإيمان كامل أنه قدر ورزق وامتحان، فتتقي الله تعالى ما استطاعت، فإن كان نصيبها مع رجل يخاف الله تعالى ويحب الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، فحياتها في أمان حتى لو لم تكن بحب! لأن الأمان أهم بكثير من الحب في العلاقة الزوجية، فإن لم يتحقق الأمان فما فائدة الحب!

والحب فضل من الله تعالى كما رأينا وصف النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك، حين تحرمه النفس في علاقة زوجية لا يعني نهاية العلاقة كما يحدث حتما حين يفقد الأمان فيها!

بل تستمر بالعشرة بالمعروف وحسن العهد.

والسعادة الحقيقية ليست فيما يظهره الناس بل فيما تعيشه القلوب حقيقة وكم من أزواج يظهرون المودة والمحبة ظاهرا وهما في تنافر شديد باطنا. والله أعلم بحال القلوب!

ولا يجب أن تنبهر الفتاة المسلمة بعلاقة قامت على معصية، لأن الله تعالى أجل وأعلى من أن تعبده بحب معصية!

ولا يجب أن تنهزم لمشاهد الحب التي يروجون لها وهي فارغة من حب الله تعالى، فكل حب لا يكون في الله عز وجل ولله فهو بغض!

وهنا تختلف النظرة تماما، فالمؤمن يبغض المعصية بحجم حبه لله تعالى وإيمانه، عن أبي الدرداء قال : “لِيحْذَر امرؤٌ أَن تَلعَنَهُ قُلُوبُ المُؤمِنِينَ مِن حَيثُ لَا يَشعُر ، ثمَّ قَال : أَتَدْرِي مِمَّ هَذَا ؟ قلتُ : لَا..

 قَال:  إِنَّ العَبدَ يَخلُو بِمَعَاصِي الله ، فَيُلقِي اللهُ بغضَهُ فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ مِن حَيثُ لَا يَشعُر”.  [2]

وصيتي إليك!

أن تهتمي بعلاقتك بربك سبحانه فهي مفتاح الفتوحات كلها، كلما قويت واشتد التوكل وعظم اليقين، أصبحت الحاجات تقضى بكل يسر! ولذلك توجهي لله تعالى بالدعاء والانكسار والتضرع أن يرزقك زوجا صالحا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وأن يحفظ قلبك من الفتن وكل ما يشغله عن ربك! واحمدي الله تعالى أن حفظ قلبك من فتنة العلاقات المحرمة، قال ابن القيم رحمه الله: “متى رأيت القلب قد ترحّل عنه حب الله والاستعداد للقائه، وحلَّ فيه حب المخلوق، والرضا بالحياة الدنيا، والطمأنينة بها؛ فاعلم أنه قد خُسِف به”[3].

قد خُسف به، وفقد البصيرة وأضاع الطريق والغاية.

قال ابن القيم رحمه الله في إغاثة اللهفان: “الله سبحانه جعل النكاح سببا للمودة والرحمة والمودة وخالص الحب، فكيف تكون الخبيثة مودودة للطيب، زوجا له، والزوج سمى زوجا من الازدواج وهو الاشتباه فالزوجان الاثنان المتشابهان، والمنافرة ثابتة بين الطيب والخبيث شرعا وقدرا، فلا يحصل معها الازدواج والتراحم والتواد، فلقد أحسن كل الإحسان من ذهب إلى هذا المذهب”.

فالطيبة لا تسكن إلا مع طيب!

ثم زواج الصالحة عادة يكون بمن يدل عليها من الصالحين، ولذلك تقوية العلاقات مع أهل العلم والفضل وخاصة من ولي أمرك وأهلك، يسهل أمر زواجك من وسط صالح بإذن الله.

وأنصحك بشدة بعدم النظر وتتبع قصص النساء اللواتي يدخلن علاقات أو يعشن زواجا بدأ بعلاقة محرمة، فإن هذا مما يضعف قلبك، وأنت بحاجة لقلب قوي لمواجهة امتحانات الحياة.

واعلمي، أن الزواج إن شاء الله وحان وقته، فسيمضيه، فلكل أجل كتاب، وأنه إن لم تجدي السكن في زوج، فإن السكن في القرآن والسنة بصيرة وبعد نظر، وإن فشل زواج فإن التقوى خير مكسب!

فلا يتعلق قلبك إلا بمرضاة الله سبحانه، فيكفيك كل هم وفقد!

وأما من بدأت علاقة وهي تبررها بصدق مشاعرها، فأقول سارعي بالتوبة والاستغفار، وإياك وخطوات الشيطان فيرديك ضحية غفلتك! ولا أحد سيبكي عليك أو يشعر بألمك حينها، حين يتخلى عنك “فارس الأحلام” في مننصف الطريق، فلا هو أوفى بعهده وتزوجك، ولا هو كان قادرا على صيانتك وحفظك.

وأما من تورطا معا ثم تزوجا، فلابد من توبة وتصحيح المسيرة لحياة صالحة قوامها الإيمان والتقوى والعمل الصالح .- والله تعالى بقدر صدقكما، يبارك لكما! فلا تجعلا من المحبة بينكما، تلاعنا يوم القيامة!

الحب في الله

لا أزال أكرر وبشدة على كل فتاة مسلمة، تريد ما عند الله تعالى، ليس المهم الزواج أو أحاديث الناس! بل الأهم من تتزوجين، ليس المهم من يجعل الناس يغبطونك على مظاهر خادعة سطحية! بل المهم من يجعل الأولين والآخرين يغبطونك على مرتبتكما عند الله تعالى، ولو كانت حياتكما على الكفاف، أصدقكن النصيحة، إن الزواج لأجل إشباع رغبات الناس فشل، ولكن الزواج حبا في الله وفي سبيل الله تعالى، فقه وبصيرة وسبيل فلاح. فإن تقدم لك الصالح الذي يأخذ بيدك للجنة، فأخلصي وأحسني الصحبة، وإلا، فصبر جميل حتى يقضي الله أمره! وإياك ورجل يصرفك عن سبيل المؤمنين أو يفتنك بفتن الدنيا!

ولا تتحسري على فوات مشاعر حب وسكن، حتى وإن حصل زواج من صالح لم تعرفي معه هذا الفضل، لأن عند الله تعالى لا يضيع شيء، فكل شيء عنده سبحانه بقدر، والابتلاءات مراتب، وفقدان السكن في علاقة زوجية ابتلاء عظيم، ولكن يعالج بالصبر والاحتساب والتقوى، فترتفع المرتبة لمن أخلصت. فكيف يكون مقام العفيفة التي لم ترض بغير طريق الحلال سبيلا لإعفاف نفسها، ثم لم تجد ما تنشده في الحلال وصبرت ولم تقتحم مستنقعات الحرام رغم سهولة الوصول لها وفتنا تفتح أبوابها عليها، فهذه بلا شك مقامها عظيم في الآخرة ولا شك أن الله تعالى سيعوضها خيرا كثيرا لتقواها في الابتلاءات الشديدة. وقولها “إني أخاف الله”.

ولو تزوجت المرأة المسلمة عدة مرات بالطرق الشرعية التي ترضي الله تعالى، ولم تجد هذا السكن وهي تعلم أنها في رضوان الله تعالى وبالحلال، وانتهت جميع تجاربها بالانفصال، لهو خير ألف مرة لها من علاقة غير شرعية وإن تزينت بالحب والسكن! لأن يوما واحدا في معصية، لهو خسارة عظيمة في عمر المؤمنة، على خلاف عمر تقضيه في مرضاة الله تعالى وإن فقدت فيه ما تنشده، فهو عمر تقضيه في طاعة وصبر على ابتلاء!

وإن بقيت المرأة بدون زوج فهو خير لها من رجل يأخذ بيدها إلى الإثم والمعصية، ويزعم أنه يحبها، فهذا ليس بحب، وإنما إجرام بحقها وحق نفسه.

ويبقى أصدق حب، يرجوه المؤمن والمؤمنة هو الحب في الله، وهو ما شهدنا فصولا بهية منه في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسير الصحابة والسلف الصالح رضي الله عنهم، قال ابن عثيمين -رحمه الله-: “والمتحابين في الله لا يفرقهم إلا الموت”.[4]

ذلك أن حبهما قام لأجل الله تعالى واستمر على محبة الله تعالى وفي سبيل الله تعالى فهو حب خالد، لا تؤرقه صوارف الدنيا ولا تنغصه إلزامات البشر.

بقول سيد الخلق أجمعين – صلى الله عليه وسلم – : ( إن الله يقول يوم القيامة : أين المتحابون بجلالي ؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظلَّ إلا ظلِّي ) رواه مسلم ، وقال صلى الله عليه وسلم : “قال الله عز وجل : (المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء)”.

تأملي معي هذه المعاني واسألي الله تعالى من فضله، وفضل الله لا يؤتى بغير سبيل التقوى والاستقامة كما أمر سبحانه، فتلك التجارة الرابحة، فالحياة ليست مجرد دنيا نعيشها ونمتحن فيها بالابتلاءات والفقد! بل الحياة الحقيقية هي حياة القلوب بنور الله تعالى في كل شؤون حياتنا في السراء والضراء في الهزيمة والنصر، ونور الله لا يهدى لعاص!

أسأل الله تعالى أن يشغل قلبك بمعالي الأمور والنماذج السامقة، التي تقربك من الله تعالى ويكفيك شر كل فتنة ما ظهر منها وما بطن ويجزيك خير الجزاء على حفظك لنفسك واستقامتك في زمن عز في الحلال!


[1]  إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (ج2/ ص154)

[2]  حلية الأولياء (1/215)-

[3]  (بدائع الفوائد 743/3)

[4]  [شرح رياض الصالحين (3 / 263)  ].

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest

3 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
عمر الهاشمي

جزاك الله خيرا أختنا الفاضلة وسدد الله قلمك وبارك فيك

منار عصام

اللهم بارك جزاك الله خيرا الجزاء عنا وبارك الله فيكِ.

دلال خليف

جزاكم الله خيرا اختي وبارك الله فيك وفي علمك

3
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x