عن هذا الكتاب
الحمدُ لله الذي أحكمَ ببيانِه الأصول، وأنزلَ ببرهانِه مـا يشفي الصدورَ والعقول. جعلَ القرآنَ للحقِّ مَنارًا، وللخلقِ تبصرةً ونَهارًا، فهو الحبلُ المتين، والمنهلُ المعين، مَن تمسكَ به نَجا وفاز، ومَن رغبَ عنه خـابَ وانحاز.وصلواتُ ربِّي وسلامُه على مَن بُعثَ بالكتابِ المُنير، بَشيرًا ونَذيرًا، وسِراجًا مُستنيرًا، نبيِّنا محمدٍ الذي كان القرآنُ خُلقَه، والوحيُ نُطقَه، وعلى آلِه الطيبين الأطهار، وصحابتِه الأبرار، مَن سلكوا منهاجَه القويم، واتبعوا صراطَه المستقيم، ما تعاقبَ الضياءُ والظلام، وتوالتِ الشهورُ والأعوام .. أما بعد،
فإن شهر رمضان موسم تتنزّل فيه الرحمات، وتُفتح فيه أبواب القرب والاستدراك، وتتهيأ فيه القلوب لسماع كلام الله عز وجل كما ينبغي له أن يُسمع، وتدبّره كما يليق به أن يُتدبّر. وفي هذا الشهر العظيم، تتجدد الصلة بالقرآن، تلاوةً وفهمًا وتفكّرًا واهتداءً.
ومن هنا جاءت هذه المجالس الرمضانية، التي كانت تُنشر في ليالي الشهر المبارك لعام 1447هـ، حيث حرصتُ في كل ليلة على عرض تدبّرٍ لآياتٍ من كتاب الله عز وجل، أختارها متوكلةً عليه، منتقيةً ما كان لها وقعٌ في القلب في حينه، بما يسّره الله تعالى؛ محاولةً للاستبصار بهداياتها، واستحضار معانيها، وربطها بواقع النفس والحياة.
لم تكن هذه التدبّرات دروسًا علمية مجردة، ولا بحوثًا تفسيرية موسّعة، بل كانت وقفات قلبية، يُراد بها الإيقاظ والتذكير وإعادة الارتباط الوطيد بمعايشة معاني القرآن العظيم في حياتنا.
وهذا الكتاب هو ثمرة تلك المجالس؛ جمعٌ لتدبّراتٍ قُدّمت على امتداد ليالي رمضان، في محاولة للاقتراب من نور القرآن، واستلهام هداياته، وتلمّس أثره في تزكية القلوب وتقويم السلوك وإصلاح ما أحدثه البعد عن القرآن العظيم في واقع المسلم والمسلمة.
وهو دعوة مفتوحة لكل قارئ أن لا يمرّ على الآيات مرورًا عابرًا، بل أن يقف عندها وقفة المتأمل، ويسائلها مسائلة المسترشد، ويجعلها دليلًا يهديه في ظلمات الطريق.
فالقرآن لم يُنزّل ليُتلى فحسب، بل ليُتّبع ونورًا يُهتدى به، ومَن لم يجعل له مع القرآنِ “خلوةَ تدبُّر”، فقد فاتَه من الخيرِ أوفَره، ومِن النعيمِ أعظمه.
نسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، مباركًا في نفعه المديد، وأن يفتح لنا به أبواب الفهم والاستقامة، ويرزقنا به حياة القلوب وصلاح الخواتيم، إنه وليّ ذلك والقادر عليه. وصلّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديته واستنّ بسنته إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.