image 1

الله أكبر

عن هذا الكتاب

الحمد لله العظيم في علوّه، الكبير في ذاته وصفاته، الذي له الكبرياء في السماوات والأرض، فلا يُقاس به شيء، ولا يُدرك له قدر، ولا يُحيط بعظمته عقل. نحمده سبحانه حمدًا يليق بجلاله، ونشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، قد خضعت له مخلوقاته، شهادةً تُخرج القلب من ضيق الدنيا إلى سعة التعظيم لخالقنا الواحد الأحد، الفرد الصمد، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، قد امتلأ قلبه بتعظيم ربّه، فكان إذا كبّر، كبّر عن يقين، وأوفى لمواطن التكبير حق التقدير. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على درب التعظيم لربه ودينه وشعائره إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الله تعالى هو العليُّ الكبير، الذي عَنَت له الوجوه، وخضعت له الرقاب، واستكانت له جميع المخلوقات، وصغُر أمامه كل عظيم في عيون الخلائق؛ فلا أكبر من الله، ولا أعظم ولا أجَلَّ؛ كما قال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ [النساء: 34]. وهذا الاسم العظيم “الكبير” يقتضي من العبد استشعار عظمة الخالق في كل حين، فالله سبحانه أكبر من كل شيء في هذا الوجود، وأعظم وأجل وأعز وأعلى من كل ما يخطر بالبال أو يتصوره الخيال.
وقد شرع سبحانه وتعالى لعباده أن يكبِّروه، وما شرع تكبيره في المواطن التي شرعها إلا لِحِكَمٍ وغايات تتصدع لها القلوب، وهذا مقتضى حكمته البالغة، وعلمه الواسع سبحانه في جميع ما شرعه؛ وكما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله:
“فإن الله تعالى لم يشرع شيئًا سُدًى، ولا خِلْوًا من حكمة بالغة، بل في طوايا ما شرعه وأمَرَ به من الحِكَمِ والأسرار التي تَبْهَر العقول، ما يستدل به الناظر فيه على ما وراءه، فيسجد القلب خضوعًا وإذعانًا”. ([1])
وكم من الكلمات تتردد على الألسن آلاف المرات، لكنها تفتقد روح المعايشة لمعانيها وفضائلها! وهذا ما أحدثته الصوارف المعاصرة اليوم؛ إذ فصلت المعنى عن وزنه، وصنعت مسافةً جافية بين القول والفعل، حتى باتت الفجوة تتسع بين العبد وربه. ولعل من أعظم تلك الكلمات التي تُلقى اليوم بلا معايشة لهيبتها وعظمتها، كلمة: “الله أكبر”.
إنها الكلمة التي تتردد على الألسنة، وتُرفع بها الشعائر، وتُفتتح بها الصلوات، وتُختم بها الأيام العظيمة في مواسم المسابقة بالخيرات. ومع ذلك، كم من قلبٍ قالها ولم ترتجف جدرانه لمعانيها؟ وكم من لسانٍ ردّدها ولم تنكسر عندها كبرياء النفس وأضغانها؟ وليست المشكلة في مجرد الترديد، بل في غياب “فقه القلوب” الذي يدرك كنه هذه الكلمة التي ترتج لها أركان الروح.
إن “الله أكبر” ليست مجرد لفظٍ يُستفتح به عمل، ولا شعارًا يُرفع في موطن، بل هي إعلانٌ كوني صريح: أن الله أكبر من كل ما تخاف، وأكبر من كل ما ترجُو، وأكبر من نفسك حين تطغى، وأكبر من الدنيا حين تغرّ، وأكبر من كل شريكٍ يُزاحمه في قلبك. إنها الكلمة التي لو استقرت في السويداء حقًا، لغيّرت موازين العبد كلها؛ فلا يبقى للدنيا ذلك الحجم، ولا للخوف ذلك السلطان، ولا للناس ذلك التأثير.
لكن الحقيقة المؤلمة، أن هذه الكلمة العظيمة تحوّلت عند كثيرين إلى “عادة” تُقال بلا استحضار، وتُكرر بلا أثر، حتى فقدت في القلوب هيبتها، وإن بقيت على الألسنة صورتها. وهذا الكتاب ليس حديثًا عن لفظٍ نردده، بل عن حقيقةٍ وجودية نحتاج أن نستعيدها؛ هو محاولة للعودة إلى أصل المعنى: كيف تكون “الله أكبر” حياةً لا كلمة؟ وكيف تتحول من صوتٍ يُسمع إلى يقينٍ يُعاش؟
سنمضي في هذه الرحلة نتتبع مواطن التكبير التي شرعها الله عز وجل، لنكتشف أنها محطاتٌ ربانية لإعادة بناء القلب على التعظيم، وتصحيح مسار الإنسان كلما غفل أو نسي. سنقف عند أسرار هذه الكلمة، لنرى كيف أنها مفتاحٌ لفهم العبودية الحقة.
فإن استطعت – وأنت تقرأ – أن تسمع “الله أكبر” مرةً واحدة بقلبك كما ينبغي… فقد بدأت الرحلة نحو ملكوت التعظيم.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form