﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾

حيثما التفتَّ أيها المؤمن، تحاصرك أصواتُ المخذِّلين والمرجفين، وأصداءُ المرتابين والمغرورين؛ يسعون أن يزحزحوك عن الطريق، وأن يصرفوك عن سبيل التمكين المبين.

فتأتي آياتٌ من سورة المائدة قويةً هادرة، تعيد لملمة شتات قلبك، وتردّه إلى يقينه الأول، وتبصّرك بسنن الله في العزة والرفعة، وبموجبات النهوض والارتقاء المأمول.

يقول الله عز وجل: ﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)﴾ سورة المائدة.

ولعل أول ما يشد القلب في معاني هذه الآية الجليلة، أن الله عز وجل حين ينهى المؤمنين عن موالاة أعداء الدين، لا يكتفي بالتحذير من الخارج، بل يكشف ما هو أخطر: الانحراف الذي ينشأ داخل الجماعة المسلمة نفسها. وهنا تأتي هذه الآيات لتفضح حالة نفسية دقيقة، حالة القلب المريض الذي لا يجرؤ على إعلان كفره، لكنه لا يملك صدق الإيمان.

﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾

يسارعون لا يذهبون مشيًا هادئًا ..!
فالمسارعة تدل على شوق خفي، وعلى انجذاب داخلي، وعلى خوف يدفع صاحبه إلى الارتماء سريعًا في أحضان من يظن أنهم الأقوى. إنه قلب لم يعد ميزانه الحق والباطل، بل صار ميزانه القوة والغلبة الظاهرة.

ولهذا وصف الله أصل المشكلة: مرض في القلب. مرض الشك، ومرض ضعف اليقين، ومرض التعلق بالدنيا.

فالقلب إذا اعتلّ، اختلّ ميزان الولاء والبراء، وأصبح صاحبه يبحث عن الأمان حيث يظن القوة، لا حيث يوجد الحق.

ثم يكشف القرآن العذر الذي يختبئون وراءه:

﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾

إنه منطق الخوف الدنيوي القاصر، لا منطق الإيمان الأخروي الخالد.
هم لا يرون الصراع بين حق وباطل، بل بين قوى متصارعة، ويريدون أن يحتفظوا بخيط مع الطرف الآخر، تحسبًا لتقلبات الأيام. وخشية من الهزيمة وخسارة الدنيا! وهكذا يتسلل النفاق غالبًا من باب الحسابات الدنيوية، لا من باب العداوة الصريحة.

لكن القرآن يفضح هذا المنطق؛ لأنه في حقيقته سوء ظن بالله عز وجل.
فمن ظن أن نصر الله قد يتخلف عن دينه، أو أن الباطل قد يستقر له الملك، فقد تسلل الشك إلى قلبه وإن ادعى الإيمان.

ولهذا يأتي الرد الإلهي المطمئن ينبض يقينًا:

﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾

و”عسى” من الله وعد. أي أن الأيام التي يخشاها المنافقون ستنقلب، وأن الموازين التي ظنوها ثابتة ستتغير، وأن النصر الذي استبعدوه سيأتي فجأة.

فالله وحده هو الذي يدير حركة التاريخ، لا تحالفات البشر ولا حساباتهم القلقة.

﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾

يا لها من لحظة قاسية … حين تنكشف السرائر، ويظهر ما أخفاه القلب سنين طويلة، ويقف صاحبه أمام نفسه عاريًا من كل تبرير.

لقد ظنوا أنهم يحمون أنفسهم بالازدواجية، فإذا بتلك الازدواجية نفسها تتحول إلى مصدر خزي وندم.

ثم يرسم نور القرآن مشهدًا آخر بعد انكشاف الحقيقة:

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53)

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾

إنها لحظة دهشة المؤمنين.
فكم كان هؤلاء يبالغون في الحلف، وكم كانوا يؤكدون ولاءهم، وكم كانوا يظهرون الحماسة والانتماء.

لكن المشكلة أن الكثرة في الأيمان لا تعني صدق الإيمان. فالمنافق يعوض ضعف الحقيقة بكثرة التأكيدات.

ولهذا لم يقل الله تعالى إنهم أخطؤوا، بل قال:

﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾

حبطت! وليس مجرد خسارة عمل، بل ذهاب أثره كله، كأن العمل لم يكن.
وهذا من أعظم الخسران: أن يبذل الإنسان جهدًا، ويعيش دورًا، ويتعب في بناء صورة لنفسه، ثم يكتشف في النهاية أن كل ذلك تلاشى.

ثم تأتي الخاتمة الثقيلة:

﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾

خسروا كل شيء. خسروا ثقة المؤمنين، ولم ينالوا رضا الكافرين، وضاعت أعمالهم، وبقي عليهم حساب الله جل جلاله.

وهكذا تكشف الآيات سنة من سنن الله في المجتمعات:

القلب الذي لا يثبت مع الحق وقت الشدة، والذي يفتش عن الأمان في أحضان الباطل، سينتهي به الأمر وحيدًا خاسرًا.

أما المؤمن الصادق، فميزانه مختلف. هو يعلم أن الأيام قد تدور، وأن الابتلاء قد يشتد، لكن يقينه ثابت: أن العاقبة ليست للأقوى في لحظة، بل للأثبت على الحق عبر الطريق.

ولهذا فإن أخطر ما يخشاه المؤمن على نفسه ليس العدو الخارجي، بل بذرة المرض إذا تسللت إلى القلب؛ فإن القلب إذا ضعف يقينه، بدأ يبرر، ثم يتردد، ثم يساوم … حتى يجد نفسه – دون أن يشعر – يسارع إلى حيث كان يظن أنه لن يذهب أبدًا.

وهذه الآية تأتي بعد كشف القرآن لحقيقة القلوب المريضة والمنافقين، فكأن السياق كله يقرر سنة عظيمة من سنن الله في الأمم: أن الدين لا يتوقف على أحد، وأن الله غني عن عباده، وأن من ترك الطريق فلن يضر إلا نفسه.

ولا يترك الله المؤمنين يتساءلون، ما الحل؟ وما السبيل للنجاة؟ بل يقودهم مباشرة إلى حقيقة عظيمة وسنة مهيبة، وفضل لا يبارى، بل يُفدى!

فيقول عزّ من قائل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾

إنه نداء للمؤمنين، لكنه يحمل في طياته تحذيرًا عظيمًا: فالإيمان ليس لقبًا يُمنح مرة ثم يبقى إلى الأبد، بل هو طريق يحتاج إلى ثبات، وقلب يحتاج إلى صيانة.

ولهذا لم يقل الله: من يرتد من الناس، بل قال: منكم. أي إن الخطر قد يقع في داخل الصف، وإن القلب إذا لم يتعاهد ما يقوي الإيمان ولا يتحصن من نواقض هذا الإيمان فقد يتغير ويرتد!

والردة مصير الخبيث المرتاب، وإن تستر بالإيمان أمدًا.

لكن العجيب أن الآية لا تقف طويلًا عند المرتدين، بل تتجاوزهم سريعًا إلى حقيقة أكبر:

﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾

كأن الله عز وجل يقول: إن هذا الدين لا يقف على أحد، ولا يتوقف على جيل، ولا يعتمد على فرد. فإذا تركه قوم، جاء الله بغيرهم.

إنها رسالة تكسر الغرور في القلوب، وسنة استبدال تصنع العدل! فالله لا يحتاج إلى أحد، لكن الناس هم الذين يحتاجون إلى شرف الانتساب إلى دينه.

ثم يبدأ نور القرآن في رسم ملامح هذا الجيل الذي يختاره الله لحمل دينه:

﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

قبل الجهاد، وقبل العزة، وقبل الصفات الظاهرة… بدأت الآية بأصل كل خير: المحبة بين العبد وربه.

فليست القضية مجرد التزام بالأوامر، ولا مجرد حركة في الأرض، بل علاقة قلبية عميقة.
فإذا أحب الله عبدًا يسّر له الخير، وفتح له أبواب الطاعة، وقرّب إليه القلوب، وجعل طريق الطاعة عليه سهلًا.

وأما العبد إذا أحب ربه، ظهر ذلك في اتباعه للنبي ﷺ، وفي كثرة ذكره لله، وفي شوقه إلى الطاعة.

إن الدين الذي لا تسكن معه المحبة في القلب يتحول إلى عادات جافة، لكن الدين الذي تسكن معه المحبة يتحول إلى حياة كاملة.

ولذلك أشدد جدًا ودومًا على هذا الأساس الأول في تحقيق الإصلاح والتغيير، إصلاح علاقتك بربك، بتحصيل أسباب محبته ورجاء محبته جل جلاله. لأنه مفتاح كل خير وبوابة كل الفتوحات! وبقدر التقصير فيه يكون التقصير في كل شيء بعده.

ثم تأتي الصفة التي تضبط ميزان العلاقات:

﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾

وهي معادلة دقيقة في بناء الشخصية المسلمة. فالمؤمن الصادق ليس قاسي القلب مع إخوانه، ولا متكبرًا عليهم، بل هو لين الجانب، قريب النفس، رحيم بالمؤمنين.

لكن هذا اللين لا يتحول إلى ضعف، ولا إلى ذوبان في الباطل. فهو عزيز أمام من يعادي دين الله، ثابت لا يذل ولا ينكسر.

وهكذا يجمع الإسلام بين أمرين قد يبدوان متناقضين: الرحمة في الداخل، والعزة في مواجهة الباطل.

ثم تأتي السمة التي تكشف صدق تلك المحبة:

﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

فالمحبة الحقيقية لا تبقى شعورًا في القلب، بل تتحول إلى تضحية.

يجاهدون بأموالهم، وأنفسهم، وكلماتهم، ومواقفهم، وصبرهم. يجاهدون في نصرة الحق، وفي دفع الباطل، وفي حمل الرسالة.

فالدين الذي لا يُبذل لأجله شيء، لا يعيش طويلًا. والقاعدون والمتفلتون يريدون التنصل من واجب الجهاد، فيتعلقون بالأماني ولو كانت هشّة ويوالون الأعداء ولو كانوا كفارًا!

ثم يذكر القرآن علامة القوة الحقيقية في النفوس:

﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾

كم من الناس يعرف الحق لكنه يخشى كلام الناس. وكم من إنسان يتردد بين رضا الله ورضا الخلق.

لكن القلوب التي ربّاها الله على الإيمان تتحرر من هذه القيود. فهم لا يتعمدون إثارة اللوم، لكنهم لا يتركون الحق خوفًا منه.

إنهم يعلمون أن أخطر العبوديات الخفية هي عبودية نظرة الناس وكلامهم. فالقلب لا يكتمل توحيده حتى يتحرر من هذا الخوف.

ثم تختم الآية بإزالة كل شعور بالغرور:

﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾

فكل هذه الصفات العظيمة – المحبة، والجهاد، والثبات، والعزة – ليست من صنع الإنسان وحده. إنها منحة من الله. ولهذا ينبغي لمن وُفّق للطاعة أن لا يعجب بنفسه، بل يشكر الله الذي هداه.

ثم يأتي الختام العظيم:

﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

واسع الفضل، لا ينفد عطاؤه، ولا تضيق خزائنه. وعليم بالقلوب، يعلم من يستحق هذا الشرف.

فليس كل من ادعى نصرة الدين يصلح لحمله، لكن الله يختار من عباده قلوبًا صادقة، وعزائم قوية، ونفوسًا تحب الحق أكثر مما تحب الدنيا.

وهكذا تعلمنا الآية سنة ثابتة:
أن الله إذا رأى من عباده صدقًا رفعهم لحمل دينه، وإذا رأى منهم ترددًا واستبدالًا… استبدل بهم غيرهم.

فشرف خدمة هذا الدين ليس حقًا مكتسبًا، بل فضل يمنحه الله لمن يشاء.

ثم يقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)﴾

فبعد أن كشف الله عز وجل في الآيات السابقة أمر القلوب المريضة، وفضح خوفها من الدوائر وتقلباتها بين معسكرات القوة، ثم أعلن سنة الاستبدال الإلهية وأن الله يأتي بقوم يحبهم ويحبونه… يأتي هذا النور ليحسم قضية الولاء والانتماء حسمًا لا يقبل التردد.

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾

كلمة (إنما) ليست مجرد أسلوب بلاغي، بل هي قيد قاطع يرسم حدود الانتماء. كأن الله عز وجل يقول: لا تتشتت قلوبكم في الولاءات، ولا تتوزع انتماءاتكم بين القوى والاتجاهات، فطريق المؤمن واضح.

إن الولاية في الإسلام ليست شعارًا سياسيًا ولا مجرد تعاطف عاطفي، بل رابطة إيمانية عميقة تبدأ بالله، ثم برسوله صلى الله عليه وسلم، ثم بجماعة المؤمنين.

فمن كان لله وليًا صار تلقائيًا قريبًا من أولياء الله، ومن ابتعد عنهم دل ذلك على خلل في أصل الولاية.

ولهذا لم تقتصر الآيات على ذكر الإيمان المجرد، بل أكدت وصف هؤلاء المؤمنين بصفات عملية:

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾

إنها صورة المؤمن الحقيقي: قلبه خاضع لله، وجوارحه قائمة بطاعته، وماله مبذول في سبيل الخير.

فالصلاة تبني صلته بربه، والزكاة تبني صلته بالناس بما ينفع الناس. وبين الصلة بالله والإحسان للخلق يتشكل المجتمع المؤمن.

وقوله ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ليس مجرد وصف لحركة في الصلاة، بل تصوير لحالة القلب: خضوع لله، وانكسار بين يديه، وتواضع لا يعرف الكبر.

فالمؤمن الذي يحمل راية الدين ليس متعاليًا على الناس، بل خاشعًا لله، ذليلًا بين يديه. وهو خدوم محسن كريم جواد.

ثم يبين القرآن نتيجة هذا الاختيار:

﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾

إنها قاعدة عظيمة من قواعد التاريخ: أن الغلبة في النهاية ليست بكثرة العدد، ولا بوفرة السلاح، بل بالانتماء الصادق إلى حزب الله.

وقد تمر على هذا الحزب لحظات ضعف، وقد يُدال عليه أحيانًا، لكن ذلك لا يغير الحقيقة الكبرى:
أن العاقبة للمتقين.

فالغلبة هنا ليست انتصارا مرحليا في معركة، بل مسار تاريخي طويل تنتهي فيه الكلمة لله عز وجل.

ثم ينتقل القرآن إلى تحذير شديد يكشف سبب الانحراف عن هذا الطريق:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾

إن أخطر ما يضعف الأمة ليس قوة أعدائها، بل الاستخفاف بدينها.

فهؤلاء الذين يسخرون من الدين، ويحتقرون شعائره، ويجعلون الإيمان مادة للضحك والسخرية… كيف يليق بالمؤمن أن يجعلهم أولياء أو موضع ثقة؟

إن من يستهين بدينك لا يمكن أن يكون صديقًا حقيقيًا لك. ومن يضحك من صلاتك لا يمكن أن يحمل همك.

ولهذا ختمت الآية بميزان واضح:

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾

فالتقوى هي الحارس الذي يمنع القلب من الانزلاق إلى هذه الولاءات الفاسدة.

لأن القلب إذا ضعف يقينه بدأ يبحث عن الأمان في غير الله، وعن القوة في غير ولاية الله.

لكن القلب التقي يعلم أن العزة كلها في طريق واحد.

مسار قلب .. مسار أمة!

وهكذا تربينا هذه الآيات تربية عظيمة تضبط الموازين والمقاييس بلا تشويش فترسم خريطة كاملة لمسار الأمة.

فقد بدأت الآيات بكشف مرض القلوب التي تسارع إلى موالاة أعداء الدين خوفًا من الدوائر وتقلبات الزمن.

ثم تعلن بوضوح، أن هذا الدين لا يتوقف على أحد، وأن الله قادر أن يأتي بقوم آخرين يحملون الرسالة بصدق، قلوبهم معلقة بمحبة الله عز وجل، وأخلاقهم متوازنة بين الرحمة بالمؤمنين والعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم.

ثم حسم القرآن قضية الانتماء: فالولاية الحقيقية لا تكون إلا لله ورسوله والمؤمنين، ومن دخل في هذا الصف صار من حزب الله.

وأما من تردد بين الولاءات، أو بحث عن العزة عند من يسخرون من دينه، فقد ضيع ميزان الإيمان.

فالدرس الكبير الذي تتركه هذه الآيات هو أن قوة الأمة تبدأ من وضوح ولائها، وأن النصر ليس ثمرة الحسابات البشرية وحدها، بل ثمرة صدق الانتماء إلى الله.

فإذا صحت القلوب، واستقامت الولاءات، وعاش المؤمنون بعزة الإيمان… فإن وعد الله لا يتخلف:

﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾.

وإن كان من رسالة تتطلب استيعابها عاجلًا من هدي هذه الآيات الجليلة، فهي صفة أهل التمكين والاستعمال في نصرة دين الله تعالى، وإقامة النفس عليها وتربية الأجيال عليها. واستحضار سنة الاستبدال عند كل محطة صراع أو حرب أو نازلة!

فاللهم اجعلنا ممن أحبك حبا شديدًا وأحببتهم، اللهم اجعلنا من الأذلة على المؤمنين الأعزة على الكافرين، اللهم اجعلنا من الذين يجاهدون في سبيلك ولا يخافون لومة لائم، اللهم إنا نسألك من فضلك العظيم.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x