لا بد أن تقف وقفةَ خشوعٍ وتأمّلٍ أمام جلال المعاني التي تحملها سورة الحج؛ تلك السورة الجامعة المهيبة التي انتظمت فيها معاني العقيدة، ومشاهد الآخرة، وأحكام الشريعة، وروح الجهاد، في سياق قويّ يهزّ القلوب ويقيمها على طريق العزة بالإيمان، والاعتزاز بالهوية الموحدة.
هي سورة جمعت بين أحكام الحج وأحكام القتال، فكانت سورةَ عزةٍ وبناءٍ للأمة؛ ربطت التشريع بالعقيدة، والعمل بالتوحيد الخالص، وأقامت بنيانها على تعظيم الله جل جلاله. فهي تُربي القلب على إجلال أمره، في الشعائر الظاهرة كما في سائر أوامر الدين. ومن عظّم شعائر الله أعزّه الله، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
وسورة الحج رسّخت حقيقةً كبرى: أن القوة كلها لله، وأن العبادة لا تصرف إلا له وحده. ولقد تضمنت أول إذن للمسلمين بالجهاد، قال عز وجل: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39].
ومن هنا كان تدبّرها يصوغ في النفس تربيةً على القوة بعد مرحلة الاستضعاف، تربيةً تجمع بين صفاء العبادة وصلابة الموقف، بين الخشوع في المحراب والثبات في الميدان. وإننا اليوم لأحوج ما نكون إلى هذا الهدي، وإلى هذه التربية المهيبة التي تبني الإيمان في القلوب وتبني معه العزة في الواقع.
ونحن نقف على أعتاب خواتيم هذه السورة العظيمة، نستفتح بابًا من أعمق معانيها، حيث يقول جل جلاله:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [ الحج: 77 – 78]
تأتي هذه الآيات الجليلة في ختام سورة الحج، وكأنها وصية جامعة، تلخّص منهج المؤمن في علاقته بربه، وبنفسه، وبالناس، وبالأمة، وبالرسالة كلها.
بدأ النداء بـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، فهو خطاب تشريف، ويا لجلال الوصف!
ثم أمرٌ بالصلاة، وخصّ منها الركوع والسجود.
والركوع خضوع، والسجود ذروة الذل والانكسار. كأن الآية تقول: لن تُبنى حياة الفلاح إلا على أساس الانكسار لله عز وجل.
فالذي يركع ويسجد حقًا، لا يستكبر في الأرض، ولا يعلو على الخلق، ولا يتكبر عن الحق.
ثم قال: {وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ}، فوجه الفهم إلى سعة العبادة وهي أوسع من الصلاة؛ هي منهج حياة، وحضور دائم مع الله سبحانه وتعالى. وفي ذلك لفتة لخصوصية الصلاة في العبادة، عماد هذا الدين.
ولم يقف الخطاب عند العلاقة الخاصة بين العبد وربه، بل قال: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ}.
فالدين ليس حياة عزلة ضيّقة، بل أثر ممتد في الناس. ومن تأمل وجد أن الفلاح عُلِّق على مجموع الأمرين:
عبادة الخالق، ونفع المخلوق.
فمن عبد الله ولم يُحسن إلى عباده نقص من فلاحه، ومن أحسن إلى الناس بلا إخلاص ضاع أساسه فحُرم الخلاص!
ولهذا قال تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، والفلاح هو الظفر بكل مطلوب والنجاة من كل مرهوب. وكأن الآية تقرر قاعدة: لا طريق للفلاح إلا بهذا التوازن الدقيق.
ثم يواصل الخطاب: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}.
والجهاد هنا ليس جهاد قتال فحسب، بل بذل الوسع كله في طاعة الله: بجهاد النفس والمال، بجهاد الشهوات، بجهاد الشبهات، بجهاد الدعوة والتربية، بجهاد الثبات والصبر على الأذى، بجهاد المنافقين والكافرين، بالقول والعمل والحديد!
و”حق جهاده” يعني باستفراغ الطاقة فيه، لا أن يكون على الهامش أو ثانويًا لا أولوية له، بل يكون الله هو الأولوية الكبرى في القرار والاختيار.
وهذه أوصاف في القرآن يتصدع لها القلب، لأنها ترسخ معاني إخلاص الدين لله عز وجل بشكل يقطع الطريق على أي استهانة بجلال شأن التوحيد وإخلاص الدين لله كاملا. وتلك الغاية الكبرى من وجودنا! وتلك أجل مقامات العبودية..!
وهنا قد يتوهم السامع أن هذا تكليف عظيم يشقّ على النفوس، فجاء التطمين: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}.
ليتجلى جمال هذا الدين: فتكاليفه عظيمة في مقاصدها، يسيرة في أدائها. وهو دين يراعي الضعف البشري، ويشرع الرخص، ويخفف عند العجز.
ومن هذه الآية انبثقت قواعد عظيمة مثل: “المشقة تجلب التيسير” و“الضرورات تبيح المحظورات”.
فالجهاد المطلوب ليس فوق الطاقة، بل هو بذل المستطاع.
ومن فقه هذه المعاني، اطمأن قلبه وأحب ربه! فسار إلى الله تعالى بكامل صدقه، وإن كان في أضعف حالات ضعفه! فنحن نسير إلى ربّنا الخبير البصير بحالنا! والصدق في جوهره، الإقبال في أي حال وكل حال!
{مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}
تنساب المعاني بهيبة لتقف عند استدعاء رمز التوحيد الخالص: إبراهيم عليه السلام.
كأن الخطاب يقول: أنتم لستم طارئين على التاريخ، بل امتداد لمدرسة التوحيد الأولى.
ثم: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ}
هذا الاسم ليس حادثًا، بل هو هوية قديمة في الكتب السابقة، ومتجددة في هذا الكتاب.
و“مسلم” تعني المستسلم لله ظاهرًا وباطنًا، اختيارًا لا اضطرارًا.
وهذا وصف يوجب الاعتزاز والاستعلاء بالإيمان ويوجب حفظ شرفه في النفس وبين المسلمين كافة.
أمة الشهادة
{لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}
هنا تتضح عظمة المسؤولية وهيبة الوصف: فالأمة تعبد الله عز وجل بإخلاص، وفي الوقت نفسه هي أمة شاهدة على البشرية.
يشهد عليها نبيها بالبلاغ، وتشهد هي على الناس بالعدل والحق.
فإذا ضعفت في أخلاقها، أو قصّرت في تبليغ رسالتها، اختلّ معنى الشهادة.
وما نشأت فجيعة واقع المسلمين اليوم إلا من هذا الاختلال، وما تراجعت هيبتهم بين الأمم إلا يوم أضاعوا هذا الميزان الذي فيه عزُّهم، وبه تقوم سيادتهم.
ثم ترجع الآيات لترسيخ الأمر بأركان الاستقامة العملية: {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}
فالصلاة صلة بالله، والزكاة صلة بالخلق. والمسلم في هذه الحياة، بين عبودية في السماء، ورحمة في الأرض.
ثم ختم العظيم بالسرّ الأعظم: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ}
لا تعتمدوا على حولكم ولا على كثرتكم، بل على ربكم. فالنجاح ليس بقوة الوسائل، بل بصدق الالتجاء لله الواحد الأحد.
ليس باعتصامكم ببعضكم البعض ولا بأسباب بين أيديكم أو في مساعيكم، إنما باعتصامكم بالله جل جلاله! وفي ذلك الإخلاص بكل هيبته وجلال قدره!
لتصل المعاني إلى مرفأ الأمان الأعظم! ولاية الله عز وجل:
{هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}
وإذا كان الله مولاك، فلن يضيعك. وإذا كان نصيرك، فلن يغلبك أحد.
فكانت خاتمة السورة طمأنينة: وكأنها تقول:
امضوا في طريق العبادة والجهاد والنفع للناس، مطمئنين أن لكم ربًا يتولاكم، ويكفيكم، وينصركم.
فتأمل أيها المؤمن جمال هذا النور، تأمل هذا الاتساق المهيب في المعاني، يحي القلوب فتشرق يقينًا ومحبّة لله جل جلاله!
معالم الطريق
نجد هذه الآيات ترسم معالم الطريق كله:
إقامة للصلاة بانكسار وخضوع لله عز وجل، وإخلاص العباده له وحده لا شريك له، ونفع الناس بامتداد الخير لهم، والجهاد في سبيله، بالبذل قدر الاستطاعة، والنعيم بنعمة التيسيير والحنيفية السمحة، باتباع ملة إبراهيم، والاستعلاء بالإسلام راية وهوية وعقيدة، على سبيل الحق والشهادة، بالثبات على الصلاة والزكاة والاعتصام بالله، الولي النصير عز وجل.
ومن جمع هذه المعاني في حياته، فقد سلك طريق الفلاح حقًا.
تربية نحن بأمس الحاجة لها
ولعلّ مما ينبغي أن نقف عنده بقلوبٍ خاشعةٍ متأدبة، ترجُو صلاحها ومحبة ربها، أن التربية القرآنية في هذه السورة جاءت بنسجٍ محكمٍ لا انفصام له؛ فحيثما ذُكر التوحيد ذُكر معه الجهاد، وحيثما تقرّر التكليف تبيّن الاصطفاء والهوية المسلمة. فلا عبادة بلا رسالة، ولا جهاد بلا عقيدة، ولا اصطفاء بلا استقامة وقوة استجابة.
ولذلك كان ختامها بيانًا لشرف هذه الأمة واجتبائها، وربطًا لها بملة أبيها إبراهيم عليه السلام؛ تثبيتًا لهويتها، وترسيخًا لرسالتها، حتى تعلم أن عزّها في وفائها بهذا العهد، وأن مكانتها بين الأمم مرهونة بصدق قيامها به.
إنها سورة تُنشئ في المؤمن قلبًا خاشعًا لا يتكبر، وعقلاً واعيًا لا ينخدع، وروحًا مجاهدة لا تضعف، وهويةً راسخة لا تذوب.
إنها سورة تربي على: الخشوع… والتعظيم… والثبات… والبذل. فنبضت آياتها توحيدُا وقوة وشهادة.
فكانت بحقّ سورة البناء الشامل للأمة المؤمنة؛ بناء الإيمان في القلوب، وبناء العزة في الواقع، وبناء الشهادة على الناس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فاللهم ربنا ومولانا، لا إله إلا أنت، اجعلنا من خيرة أهل الإيمان والجهاد والشهادة..!
ربنا آمين