آياتٌ من سورة المائدة، لخصت سننًا ماضية، وأحكامًا بالغة، وحملت في طياتها مواساةً رفيعة وهديًا جليلًا؛ تستحق وقفة تدبّرٍ خاشعة.
يقول عزّ من قائل: ﴿ ۞ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ۚ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 41]
في هذه الآية العظيمة، يفتح الله لنا نافذةً على قلب النبي ﷺ، وعلى سننٍ ثابتة في مسيرة الدعوة والقلوب.
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ}
نداءٌ رحيم، يربّت على قلبٍ عظيم.
تأسرك هذه المواساة، من الله جل جلاله لرسوله ﷺ..! والله يعلم حال قلب رسوله ﷺ.
والرسول ﷺ لم يكن يحزن لنفسه، ولا لهيبته، ولا لمكانته، وإنما كان يحزن على القلوب التي تذوق نور الإيمان بألسنتها، ثم ترتدّ عنه بقلوبها. كان حزنه رحمةً، وحرصه شفقةً، وحرارته صدقًا في إرادة النجاة للخلق.
لكن الله يعلمه هنا درسًا من دروس الطريق:
ليس كل من قال “آمنا” يُحزن عليه إذا انكشف زيفه.
فالحزن إنما يكون على ما له أصل ثابت، أما ما لم يتجاوز الشفاه إلى شغاف القلب، فذهابه ربحٌ لا خسارة.
{مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ}
إنها مأساة الانفصال بين اللسان والقلب.
كلماتٌ بلا جذور، ومواقف بلا يقين، وانتماءٌ بلا روح.
وهؤلاء لا يُبنى عليهم ركن، ولا يُستند إليهم في شدة؛ إن حضروا لم ينفعوا، وإن غابوا لم يُفقدوا. لأن الإيمان إذا لم يخالط بشاشة القلب، بقي قشرةً رقيقة، تذروها أول ريح فتنة.
ثم تنتقل الآية إلى وصف آخر:
{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ}
إنهم لا يسمعون للحق، بل للكذب؛ لا يطلبون الهدى، بل ما يوافق أهواءهم. آذانهم مشرعة لكل شبهة، وقلوبهم مهيأة لكل تحريف. يسمعون لرؤوس الضلال، أولئك الذين {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ}، يقتطعون النصوص من سياقها، ويحمّلون الألفاظ ما لم يُرَد بها، ليصنعوا دينًا على مقاس أهوائهم.
وهنا تتجلى خطورة الهوى إذا لبس لبوس الدين.
إنهم لا يطلبون حكم الله ليتبعوه، بل يعرضون أنفسهم عليه ليختاروا منه ما يشتهون:
{إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا}
دينٌ مشروط، وطاعةٌ انتقائية، وولاءٌ معلّق على موافقة الرغبات.
وهذا ميزان دقيق يُمتحن به القلب:
هل نُحاكم إلى الشرع تفلتًا، أم تعبّدًا؟
هل نرضى بحكم الله إذا وافقنا فقط، أم نرضى به لأنه حكم الله؟
فالآية تكشف أن القضية ليست علمًا فحسب، بل طهارة قلب.
{أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ}
لأنهم لم يريدوا طهارتها.
فطهارة القلب هي أن يتجرد لله، وأن يطلب الحق لذاته، وأن يرضى بحكم الله وافق هواه أو خالفه.
ومن هنا نفهم أن أعظم الهدايات ليست كثرة الحجج، بل سلامة الآساس والمنطلق!
ثم يأتي الحكم الفصل:
{وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا}
ليس كل قلب ينجو، وليس كل مُعرض يستدرك، إذا اختار العمى وأصرّ عليه. فالهداية فضل، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، والرسول ﷺ نفسه لا يملك لقلبٍ أعرض شيئًا إذا أصرّ على ضلاله.
ولهذا كان ختام الآية وعيدًا مزدوجًا:
{لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}
فالذي يعبث بالدين، ويتلاعب بالحق، ويمتهن النصوص لأجل هواه، يفضحه الله في الدنيا قبل الآخرة؛ لأن الدين لا يُخدع، والحق لا يُستعمل مطية بلا ثمن. والله جل جلاله يعجّل العذاب لمن ظلم باسمه، وتحايل باسم شريعته.
إنها آية تواسي المؤمنين: لا تحزنوا على من كشف الله زيفه.
وهي في الوقت ذاته مرآةٌ للمؤمن: احذر أن تكون من الذين يقولون بألسنتهم ما لم تستقر به قلوبهم. واجعل ميزانك في كل حكم: الرضا بالله حاكمًا، لا بالهوى قائدًا.
فالنجاة ليست في ادعاء الإيمان، بل في طهارة القلب وصدق هذا الإيمان.
وليست في سماع كل صوت، بل في تمييز الحق من بين الضجيج.
وليست في موافقة الدين لأهوائنا، بل في موافقة أهوائنا للدين.
وهنا يكمن الفارق بين قلبٍ يُراد له التطهير، وقلبٍ تُرك لفتنته. ويا لهول الفتنة وما تجلبه على النفس والناس!
ثم تأتي آية جليلة أخرى: فيقول الله عز وجل:
﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [ المائدة: 42]
في هذه الآية من سورة المائدة يتجلّى مشهدٌ آخر من مشاهد انحراف القلوب، لكنّه هذه المرّة يكشف بوضوح علاقة الفساد العقدي بالفساد الأخلاقي والمالي.
{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ}
ليست القضية فكرةً طارئة، ولا زلّة لسان عابرة، بل هو مسار حياة.
يسمعون للكذب سمعَ استجابةٍ وانقياد، لا سمعَ تمحيصٍ ونقد.
ثم لا يقفون عند حدود الكلمة المنحرفة، بل يتغذّون على الحرام، {أكّالون للسحت}، يعتاشون على المال الخبيث، ويقيمون مصالحهم على الظلم.
وهنا يعلّمنا القرآن أن من اعتاد الكذب سهل عليه أكل الحرام، ومن أفسد باطنه بالشبهات أفسد ظاهره بالشهوات. فالانحراف لا يأتي منفردًا، بل تتساند حلقاته: شبهةٌ في الفكر، ثم شهوةٌ في السلوك، ثم اعتيادٌ يُطبع على القلب.
ثم يخاطب الله نبيّه ﷺ:
{فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}
وكأن الخطاب يحمل في طيّاته معنى الكرامة والاستغناء؛ فوجودهم عندك ليس تشريفًا لهم، بل اختبارٌ لهم. وأنت لست محتاجًا إلى تحاكمهم، ولا إلى اعترافهم، ولا إلى قبولهم. إن أعرضت عنهم فلن يضرّوك شيئًا، لأن الحق لا يتقوّى بإقبالهم، ولا يضعف بإدبارهم. وهكذا يعلم الإسلام الاستغناء بالله عز وجل.
{وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا}
طمأنةٌ للمؤمن، في أي مقام كان، شاهدًا على الحق، أو داعية للحق، أو قاضيا بالحق، أو عالما بالحق: لا تجعل رضا الناس ميزانًا للحق، ولا تخشَ من غضب من لا يطلب الحق أصلًا.
لكن إن اخترت الحكم، فلا مجال للمجاملة:
{وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ}
ولو كانوا خصومًا، ولو كانوا ظلمة، ولو كانوا أعداء.
فالعدل في الإسلام ليس مكافأةً للمستحقين فقط، بل هو عبادةٌ لله، تُؤدّى لأن الله يحبها وما يحبه الله هو الخير كله وتمام الصلاح والبشرى.
وهنا يبلغ المعنى ذروته:
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}
تأمل وصف “يحبهم”، أي أن الحكم بالقسط بين الناس، من أسباب محبة الله عز وجل.
والحب الإلهي منزلةٌ لا تُنال بكثرة الكلام ولا الادّعاء، بل بالاستقامة في المواقف الصعبة، حين تتعارض الأهواء، وتشتد الضغوط، ويغدو العدل ثمنه باهظًا. وما أصعبه من امتحان للمتعصّب! ولصاحب الهوى، ولعبد نفسه! وما أسرع انفضاح من لم يخلص دينه لله عز وجل!
ثم في هذه الآية درسٌ بليغ:
أن فساد السماع يقود إلى فساد المكسب، وأن من تحاكم للشرع على سبيل الهوى لا يُستجاب له، وأن كرامة الحق في الاستغناء عن الناس إن لم يطلبوه صادقين، وأن العدل قيمةٌ مطلقة، لا تُعلَّق على هوية الخصم.
هي إذًا دعوة إلى تطهير السمع من كل كذب، وتطهير اليد من كل سحت، وتطهير القلب من كل هوى. وهي في الوقت ذاته تثبيتٌ لأهل الحق: كونوا عادلين ولو مع من ظلمكم، لأن العدل ليس إكرامية انتقائية للناس، بل عبوديةٌ لرب الناس. ومن صدق في هذه، واستجاب لأمر الله تعالى كما أمر، متّعه الله بفضائل الاستقامة العظيمة.
فما أجمل الوقوف في صف المقسطين، لا المطففين ولا الظالمين. وما أجمل ما يجلبه العدل على الفرد وعلى الجماعة.
وهكذا يبقى الميزان قائمًا، لا تميله الأهواء، ولا تُحرّفه المصالح، لأن فوق الجميع ربًّا يحب المقسطين.
وبعد هذا التشخيص الدقيق، والتفصيل المهيب، لمفاتيح الخير والتوفيق، ينتقل الهدي القرآني إلى الآية التالية:
يقول عز وجل: ﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [ المائدة: 43]
في هذه الآية يتجلّى عجبٌ إلهيّ يهزّ الضمائر:
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 43]
هو تعجّبٌ ليس لخفاء الحكم، بل لفساد القصد.
فالقضية ليست بحثًا عن حقٍّ ضائع، وإنما بحثٌ عن حكمٍ يوافق الهوى.
الهوى حين يتزيّا بلباس البحث عن الحق!
{وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ}
أي: بأيّ وجهٍ يطلبون حكمك؟
ليس لأنهم يوقنون بصدقك، ولا لأنهم يعظّمون ما جئت به، بل لأنهم ضاقوا بحكمٍ عندهم لا يرضي شهواتهم.
كان عندهم كتابٌ فيه حكم الله، ولكن المشكلة لم تكن في النصّ، بل في النفس. فالذي لا يخضع للحقّ وهو بين يديه، لن يخضع له ولو جاءه من السماء.
وهنا تدبّرٌ عظيم:
قد يحمل الإنسان بين دفّتي كتابه حكم الله، ويقرأه صباح مساء، لكنه إذا لامس هواه أعرض عنه، كأن لم يسمعه قط.
فليست المشكلة في وجود الأدلة، بل في فساد الإرادة.
{وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ}
الحقّ واضح، والنصّ حاضر، والحجّة قائمة. فإذا تركوا ما في كتابهم، فالمشكلة ليست في الحجة والبيان، بل في الصدق والاستسلام.
كم من إنسانٍ يسأل عن الحكم، لا ليعمل به، بل ليختبر: هل يوافق رغبتي؟ فإن وافقها قال: هذا هو الدين! وإن خالفها قال: نبحث عن قولٍ آخر!
وهذا هو المرض الذي تكشفه الآية: تحويل الشريعة إلى تابعٍ للرغبات، بدل أن تكون الرغبات تابعةً للشريعة.
والأعجب أنهم لما حُكم بينهم بحكم الله الموافق لما في كتابهم، أعرضوا عنه أيضًا. فلم يكن رفضهم سببه اختلاف الشريعة، بل رفضهم لأصل الانقياد نفسه.
{ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ}
كأنّ الإعراض صار طبعًا ومنهجًا، لا موقفًا عابرًا أو استثنائيًا. فالقلب إذا اعتاد ردّ الحق، صار النفور منه سجيةً لا يشعر بها.
ومقياس الإيمان الحقيقي هو في الانقياد لأمر الله تعالى بلا تلجلج، وليس الانتقاء على حسب ما يميل الهوى!
{وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ}
ولذلك جاء هنا، نفيٌ الإيمان عن صنيعهم، لأن الإيمان ليس معرفةً فحسب، ولا انتسابًا لكتابٍ مقدّس، بل هو خضوعٌ وتسليم وحسن اتباع.
والمؤمن إذا بان له حكم الله قال: سمعنا وأطعنا. أما من جعل هواه إلهه، فلا يسأل: ما حكم الله؟ بل يسأل: ماذا أريد أنا؟ ثم يبحث في النصوص عمّا يبرّر رغبته.
فهو يجعل الالتفاف على شريعة الله تعالى وسيلته لتفلت. وبعض البشر بارعون جدًا في ذلك .. ولذلك كانوا صنيع فتنة في أنفسهم وعلى الناس!
وهنا يتجلّى المعنى الخطير: حين تتحوّل الأهواء إلى آلهة، وتتحوّل النصوص إلى أدوات تبرير، يضيع الإيمان وإن بقيت العناوين.
مع أنهم لو أطاعوا الله واستقاموا كما أمر، لكان خيرا لهم، ولوجدوا في ذلك التأييد والفتح.
وهكذا نجد أن كلّ من طلب الفتوى ليُجيز ما يشتهي، وكلّ من أعرض عن حكمٍ ثبت عنده لأنه لا يوافق مزاجه، فقد مسّه من هذا الوصف نصيب.
فالحقّ لا يُطلب على سبيل التجربة! بل للاتباع. والشريعة لا تُستشار لتُقاس على الأهواء، بل تُتّبع لتُهذّب الأهواء. وعلى هذا وبهذا، تنتظم الصفوف وتجتمع كالبنيان المرصوص، فلا شيء يحقق وحدة الصف، كوحدة بالشريعة وعلى الشريعة.
إن الإيمان الحقّ أن يكون مرجعك وحي الله لا رغبات نفسك، أن تُقدّم أمر الله ولو خالف هواك وما تميل له، وأن تنقاد له ولو كلّفك ما كلّفك، ولو سخر منك الناس أو حاربوك!
فاللهم طهّر قلوبنا من هوىً يصدّنا عن حكمك، واجعلنا إذا علمنا الحقّ خضعنا له، وإذا سمعناه استجبنا، ولا تجعلنا ممن يُحكّمون شرعك طلبًا لهوى، ثم يتولّون عنه إذا خالف ما يشتهون.
ويستمر النور، في رسم طريق الفلاح نحو مراتب الارتقاء الأرجى، فيقول الله جل جلاله بعد ذلك:
﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [ المائدة: 44]
في هذه الآية يتجلّى مشهد العظمة في تنزيل الكتب، وثقل الأمانة في حملها، وخطورة التفريط في حكمها:
﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: 44]
{فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} والهدى طريقٌ مستقيم، والنور بصيرةٌ تُبصر به مواضع القدم. فالهدى يدلّك إلى الحق، والنور يكشف لك زيف الباطل.
ليس الكتاب نصوصًا جامدة وكلمات راكدة! بل روحٌ تُحيي القلوب، ومصباحٌ يبدّد ظلمات الجهل والحيرة والشهوة. وحين يُفقد النور، لا تضيع الطرق فحسب، بل تضيع الموازين! وتلك هي الفجيعة المثخنة!
{يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا}
وصفهم بالإسلام هنا عميق الدلالة؛ فهم أعظم الناس مقامًا، ومع ذلك أعظمهم انقيادًا.
لم يكونوا فوق الكتاب، بل كانوا أول من يخضع له. فالسيادة الحقيقية ليست في التحكم بالوحي، بل في التسليم له.
وإذا كان صفوة الخلق يسيرون خلف الكتاب، فما عذر من جاء بعدهم أن يتقدّم عليه أو يبدّله أو يحرّفه؟ وما أقبح الاستكبار باسم الشريعة!
{وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ}
هم العلماء العاملون، والمربّون المعلّمون، الذين يحملون العلم لا زينةً للمجالس، بل أمانةً لله.
{بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ}
لم يقل: حُفظوا، بل {استُحفِظوا}؛ أي كُلِّفوا بحفظه، وحُمِّلوا مسؤوليته، وجُعلوا أوصياء عليه.
فالعلم ليس امتيازًا، بل تكليف. ليس رفعةً بلا تبعة، بل مقامٌ تُسأل عنه يوم القيامة.
من حُمِّل العلم، حُمِّل البيان. ومن عُرِف بالحق، لزمه أن يقف معه، ولو خالفه الناس.
فمن سلك طريق العلم فقد بايع الله عز وجل على أن يُظهر الحق ويبلّغه للناس، وألا يكتم منه شيئًا. ولا يخون أمانته ولا يُرخصه للتعصبات والأهواء وحظوظ النفوس والجماعات!
ثم يأتي التحذير الصريح من آفتين خطيرتين، تهدمان رسالة العالم وغاياته الجليلة:
{فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ}
{وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا}
الخوف من الناس… وحبّ الدنيا.
هاتان الآفتان إذا دخلتا قلب العالم أفسدتا علمه، فيكتم حقًّا خوفًا، ويبدّل حكمًا طمعًا، ويبيع دينًا بمنصبٍ زائل، أو مالٍ فانٍ.
والثمن قليل مهما كبر، لأن ما يُقابله هو آيات الله عز وجل.
فأي صفقةٍ هذه؟ أن يُباع النور بظلمة، والهدى بضلالة، والباقي بالفاني؟
الآية تُشعرك أن أهل العلم ليسوا كغيرهم. فالجاهل قد يُعذر بجهله، أما العالم فجهله خيانة.
إن قَصّر في خاصة نفسه أثم، وإن قصّر في تعليم الناس أثم أضعافًا.
العالم إمّا أن يكون وارثًا للأنبياء، وإمّا أن يكون بابًا من أبواب الضلال إن خان الأمانة.
ثم يأتي التقرير الحاسم:
{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}
الحكم بغير ما أنزل الله ليس مجرد خطأ إداري، بل انحراف عقديّ إذا كان عن اعتقادٍ بجوازه،
أو هوىً مقدَّمٍ على الوحي.
فالحكم عنوان الولاء: لمن تنقاد؟ لله أم لهواك؟ للوحي أم للمصلحة التي يقررها هواك؟
والانحراف هنا قد يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر المخرج من الملّة والدين!! فالأمر جدّ وليس بالهزل..!
وفي كل الأحوال… هو انحراف عن النور إلى الظلمة، له أثمانه وتكلفته. التي يدفعها كل من تخلى عن شريعة ربه!
فهذا مصاب جلل، فيه خسارة الدين والآخرة، ودنيا بلا دين ولا آخرة، مهلكة وخسران مبين، نعوذ بالله من مصيبة تعطيل وتهميش شريعة رب العالمين.
وهذه الآية تُعيد ترتيب المفاهيم: فالكتاب هدى ونور، لا ثقافة وتراث. والأنبياء قدوة في الخضوع للشريعة لا الهيمنة عليها، والعلماء أمناء، لا تجّار نصوص. والخشية الحقيقية ليست من الناس، بل من رب الناس جميعا.
إنها دعوةٌ لأن يكون العلم عبادة، والحكم أمانة، والفتوى مسؤولية، والشريعة مرجعًا لا ينازعه مرجع.
فاللهم اجعلنا من أهل النور، ولا تجعلنا ممن استُحفظوا فضيّعوا، ولا ممن باعوا الآخرة بدنياهم،
وارزقنا علمًا نافعًا، وعملاً صادقًا، وقلبًا يخشاك وحدك دون سواك.
أقيمت الحجة!
من الآية (41) إلى (44) من سورة المائدة تتكشّف أمامنا لوحةٌ متكاملة لانحراف القلوب حين تفقد صلتها الصادقة بالوحي.
بدأ المشهد بقلوبٍ تسارع في الكفر، تسمع للكذب سمعَ انقياد، وتُصغي للباطل طلبًا له لا لغفلة عن حقيقته. ثم رأيناها تأكل السُّحت، فدلّ ذلك على أن فساد السماع أورث فساد المكسب، وأن الشبهة إذا استقرّت في القلب جرّت وراءها الشهوة في السلوك.
ثم ارتقى البيان إلى تعرية دافعهم الأعمق: ليسوا طلابَ حق، بل طلابَ هوى. يحكّمون النبي ﷺ لا تسليمًا، بل تجربةً وانتقاءً، فإن وافق الحكم رغبتهم قبلوه، وإن خالفها أعرضوا عنه. فالخلل لم يكن في النصّ، ولا في البيان، بل في الإرادة التي أرادت للدين أن يتبعها بدل أن تتبعه.
ثم جاء الميزان الفاصل: الكتب التي أنزلها الله هدىً ونور، يحكم بها الأنبياء وهم أعظم الناس إسلامًا وانقيادًا، ويُؤتمن عليها العلماء، لا ليحرفوها، بل ليشهدوا بها، لا ليخشوا الناس، بل ليخشوا الله ربّ الناس.
وهنا يكتمل المعنى:
قلبٌ يسمع للكذب، ينتهي به الأمر إلى تحريف الحكم. وعالمٌ يخشى الناس، يبيع آيات الله بثمنٍ قليل. ومجتمعٌ يجعل الهوى حَكَمًا، يُسلب عنه وصف الإيمان.
إنها سلسلة مترابطة:
فساد السمع .. فساد القصد .. فساد الحكم .. فساد المجتمع .. فساد الخاتمة!
وفي المقابل، طريق النجاة واضح:
طهارة السمع، وصدق الإرادة، والانقياد للوحي، والعدل في الحكم، والخشية من الله وحده.
والآيات لا تتحدث عن قومٍ مضوا فحسب، بل ترسم قانونًا ثابتًا في حياة الأمم:
الأمة التي تُقدّم أهواءها على وحي ربها، وتُخضع النصوص لمصالحها، وتُسكت العلماء أو تُرغِمهم على المجاملة، تفقد نورها، ولو بقيت بين أيديها الكتب.
أما الأمة التي تعظّم الوحي، وتحمل العلم أمانة، وتقيم العدل ولو على نفسها، فهي أمةٌ تمشي على نور من الله، ولا يضرّها من خالفها.
إنها دعوةٌ صارخة: إمّا أن يكون الوحي هو الحاكم، وإمّا أن يكون الهوى هو الإله. ولا يجتمع النور والظلمة في قلبٍ واحد.
فاللهم اجعلنا ممن أحببتهم وأيّدتهم ورضيت عنهم.
اللهم اجعلنا ممن يقيم شريعتك وينصرها ويرفع رايتها إلى آخر رمق.
اللهم آمين