﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾

قال الله جل جلاله ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾ [ المؤمنون: 71]

من أعجب ما يقع في حياة الناس أن يُطالَب الحق أن يتبدّل ليرضي الأهواء، وأن يُراد للدين أن يتشكل بحسب الرغبات، وأن يُساق الوحي ليوافق المزاج العام. وكأن المشكلة ليست في الأهواء المنحرفة، بل في الحق الثابت!

وهنا تأتي هذه الآية فاصلةً حاسمة، تقيم ميزانًا لا يتغير:

الحق لا يتبع الهوى، بل الهوى هو الذي يجب أن ينقاد للحق.

لماذا لا يوافق الحق أهواءهم؟

قد يقال: أليس من الأيسر أن يُجعل الحق موافقًا لأهوائهم ليؤمنوا وينقادوا؟ فيأتي الجواب الإلهي الصارم: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾

لأن أهواءهم ليست بريئة، ولا محايدة، بل قائمة على: شركٍ وظلمٍ وشهوةٍ وتعصبٍ!

والكون إنما قام على الحق والعدل، ولو دخل عليه ميزان الهوى لاختلّ نظامه كله.

واختلاف الأهواء وتضادها يجعلها عاجزة عن إقامة نظام حتى في بيت صغير، فكيف يُقام بها نظام السماوات والأرض؟

والآية تقرر قاعدة كونية عظيمة: سبيل الحق أن يُتَّبع، وسبيل الناس أن ينقادوا له.

فالحق ثابت، مطلق، عادل. أما الهوى فمتغير، نسبي، متقلب.

ولو كان التشريع تابعًا لأهواء البشر: لمال الحكم مع الغني دون الفقير، ولغلبت العصبية على العدالة، ولأُبيحت الشهوات بحجة الحرية، ولصار كل إنسان مشرّعًا لنفسه. وحينها لا يبقى نظام، بل فوضى.

بعد هذا البيان يأتي العتاب الإلهي المؤلم: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾

لم يأتهم القرآن بما يُهينهم، بل بما يرفعهم. لم يأتهم بما يُضيّق عليهم، بل بما يكرّمهم.
هو ذكرهم… شرفهم… مجدهم… عزهم بين الأمم.

فالقرآن ليس قيدًا، بل رفعة. ليس تضييقًا، بل هداية. ليس حرمانًا، بل تحرير من عبودية الهوى.

ومع ذلك… أعرضوا عنه!

فأي خسارة أعظم من أن يُعرض الإنسان عن مصدر عزّه؟ وأي حرمان أشد من أن يترك ما فيه شرفه ونجاته؟

والإعراض عن الذكر بداية انحدار. فمن أعرض عن ذكره، أعرض عن هويته. ومن أعرض عن الحق، ضاع في أهوائه.

والقرآن يذكّرك: بمن أنت؟ ولماذا خُلقت؟ وإلى أين المصير؟ وحين يُترك هذا الذكر، يتيه الإنسان بين شهوة آنية ولذة عابرة، حتى ينسى نفسه قبل أن ينسى ربه.

والآية ليست قصة عن مشركي قريش فحسب، بل ميزان يُعرض عليه كل جيل. فكم من إنسان اليوم يريد دينًا: بلا تكاليف، بلا ضوابط، بلا أحكام تخالف رغبته. يريد حقًا لا يزعجه، وتشريعًا لا يصادِم شهوته.

وهذا هو عين ما حذرت منه الآية: لو استجاب الحق لهذه المطالب، لفسد كل شيء.

إن هذه الآية تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والوحي: فالوحي لا ينحني للهوى والحق لا يتشكل حسب الرغبات والعدل لا يقبل المساومة.

فإما أن ينقاد الهوى للحق… فيستقيم كل شيء في قلبك كما استقام بميزان السماء،
وإما أن يُقدَّم الهوى… فيبدأ الفساد في قلب الموازين وإحداث نهاية الظالمين.

فالنجاة كل النجاة أن يكون الحق قائدًا، لا تابعًا. وأن يكون القرآن ميزانًا، لا رأيًا بين آراء.

قال الله جل جلاله ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ﴾

فإن كان القرآن عزّنا… فلماذا نعرض عنه؟ وإن كان شرفنا… فلماذا نستبدله؟

إنها دعوة للعودة إلى ميزان السماء، قبل أن يختل ميزان الأرض.

وفي الواقع، ما من سؤال يمرّ بالقلب، وسط هذا الزحام المتلاطم من المشاهد والقوى والتيارات والآراء، إلا ويجد له جوابًا بيّنًا شافيًا في كتاب الله عز وجل.

فالناس اليوم يكثر نزاعهم حول “الحق”، وكلٌّ يتكلم من موقع المدافع المقتنع، المخلص لما يراه. غير أن الحق ليس ما يتعصّب له الناس، ولا ما ترفعه الشعارات، بل هو ما يصفه القرآن العظيم ويحدده بميزانه الرباني الثابت.

فانظر في النهاية: مع من يكون الحق؟

ليس مع الأكثر صخبًا، ولا مع الأعلى صوتًا، ولا مع الأشد تحزّبًا، ولا الأقوى تحالفًا، بل مع من وافق نور الوحي، واستقام على ميزان القرآن العظيم.

فمن وُفِّق لهذا النور إيمانًا، وبصيرةً، واستجابةً، وعملاً… فهو الموفَّق حقًا، وإن كان وحده.
وأما من أعرض عنه، واستبدل به هوى النفس وضجيج الجدل، فليس له إلا دورانٌ في فراغ، ودندنات لا تزيده إلا بُعدًا وخسارًا.

فالحق يُعرَف بنوره… لا بكثرة أتباعه.

فاللهم اجعلنا من جنده وأوليائك!

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
عبدالرحمان

فا اللهم اجعلنا من جندك واوليائك
اللهم آمين

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x