قال الله جل جلاله:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
آية جليلة تأخذ بمجامع القلب، وتستوقف المتدبر بخشوعٍ وشجن!
تكررت ثلاث مرات في القرآن الكريم على لسان نبي الله شعيب عليه السلام:
في سورة هود (الآية 85)، وفي سورة الشعراء (الآية 183)، وفي سورة الأعراف (الآية 85) بلفظٍ قريب:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
إن بخس الأشياء ليس أمرًا محصورًا في ميزان السوق فحسب، بل هو خللٌ قد يتسلل إلى ميزان الحياة بأسرها. وليست هذه الوصية خطابًا للتجار وحدهم، بل هي موجهة إلى العلماء، والدعاة، والخصوم، والأزواج، والأصدقاء، وإلى كل إنسان يمشي على هذه الأرض ويتعامل مع الناس حقًّا وواجبًا.
ولعلَّ من أعظم ما تُوقِظ له هذه الآية، أن الله تعالى قرن فيها بين بخس الحقوق والإفساد في الأرض.
فقد يبدو البخس في أعين الناس أمرًا يسيرًا: تطفيفًا في ميزان يُهمل، أو كلمةً ذُكرت لم تُنصف، أو حقًّا للغمط لم يُذكر، أو جهدًا قُلِّل من شأنه، أو نصيحة أمين، تُزدرى وتُطمر. لكنه عند الله ليس صغيرًا أبدًا، لأنه يمسُّ جوهر العدل ويخرم ميزانه. وإذا اختلّ الميزان، بدأ الفساد يتسلل خفيًّا من حيث لا نشعر، وكلما طال الإهمال، تعاظمت التداعيات، حتى يستحكم الفساد في الأرض.
ومن اعتاد التطفيف في التقدير، هان عليه التطفيف في الضمير.
ومن استهان بحقوق الناس وأشيائهم، كان ظالمًا لنفسه ولهم، وما أفلح الظالم!
ومن عظمة هذا الدين أنه جعل العدل ميزانًا شاملًا لا يُبخس فيه حق، ولا يُغفل فيه فضل. فهو لا يقتصر على الأموال والممتلكات، بل يتجاوزها إلى الأفكار، والأخلاق، والأزمنة، والجهود، والتضحيات، وكل صور الحقوق، لا مع من توافقه فحسب، بل – والأهم – مع من تخالفه.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].
وتأمل كيف يُحدد الله – عز وجل- العدل في مقام الخلاف والخصومة!
لأن أخطر أنواع البخس هو ما نُلبسه ثوب الغيرة على الحق، بينما هو في حقيقته انحيازٌ للنفس. وما أخفى حظوظ النفس حين تتستر بشعار الحق!
إنه خيطٌ دقيق من الانحراف، إن لم يُنتبه له ويُعالج، أفسد في الأرض أعظم إفساد، بإفساد جوهر الرسالة، والإخلاص، وسلامة القلوب.
ومن أعجب ما يشدّ المتدبر في آيات القرآن تلك المعالجة الدقيقة لجذور الفساد وبذور الانحراف قبل أن تستفحل؛ معالجةٌ محكمة، يكفي تأملها وتأمل الحكمة منها، ليخضع القلب تسبيحًا وتعظيمًا: فسبحان ربي الأعلى!
والمجتمعات لا تنهار فجأة… بل يبدأ انهيارها حين يفقد الناس ثقتهم في العدالة. وتبدأ الشرارة من بخس الناس أشياءهم؛ فتنكسر الثقة، وتضيع الأمانة، ويضعف العطاء، ويشتد الحقد، وتتسع دوائر المخالفة.
وهل يصنع ميزان الهوى إلا مزيدًا من القطيعة والتنازع وذهاب الريح؟
وذلك هو الفساد بعينه.
وتأتي قصة شعيب عليه السلام لتلقننا درسًا عظيمًا، كما كل قصص الأنبياء التي تحمل خصوصية تربوية فريدة. ففي قصة شعيب نتعلم كيف يصون التوحيدُ العدلَ في كل شيء؛ فلا يستقيم توحيدٌ يظلم الناس، ولا تُقبل عبادة تقوم على غصب الحقوق وغمطها.
ولا يجتمع بخس وخشية في قلب! فالخشية تمنع البخس، فإن طغى البخس فهذه أمارة انحراف خطير!
وفي سيرة النبي ﷺ نرى عجبًا من الإنصاف، مع المسلم كما مع الكافر، وعلى هذه المعاني ربّى أصحابه رضي الله عنهم.
وبخس الفضل يقتل المروءة، وجحد الإحسان يفسد القلوب، والاستمرار في بخس الناس أشياءهم هدمٌ للدين من داخله.
وقد وثّق لنا التاريخ – في كثير من المرات- كيف تسفك الدماء المعصومة، من حقد أعمى تشكل من الاستهانة بالبخس والغمط! فكان مشهدًا موثّقا للإفساد في الأرض..!
ومن أخطر صور البخس في زماننا النظر إلى الناس بعينين مجحفتين: أبيض مطلق… أو أسود مطلق. فإما أن يُرفع المحبوب إلى مرتبة التفرد والكمال، أو يُسقط المكروه إلى درك: “ما رأينا منه خيرًا قط”.
وهذا ليس من الإسلام في شيء؛ ففي كل إنسان خير وشر، حسنات وسيئات. والمنصف لا يغمط حقًا، ويحذر من حالٍ وصفها الشاعر بفراسة صادقة:
وعينُ الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ
ولكنَّ عينَ السخطِ تُبدي المساويا
وكم وقع من ظلمٍ بسبب غمط حق، أو بخس فضل! وتراكم إغفال هذه الدقائق يصنع فسادًا عريضًا في الأرض.
ومن تأمل في دعوة شعيب عليه السلام وجد شمولية “لا إله إلا الله” وعظمتها؛ إذ جاءت في سياق توجيهات اجتماعية واقتصادية تعالج الانحراف العقدي في هذا الميدان كما في سائر الميادين، لتبني واقع الإنسان كله، وترفعه إلى المكانة التي فضله الله بها على كثير ممن خلق.
ولا شك أن لذلك فضائل جليلة! فبعد النهي عن البخس قال شعيب عليه السلام لقومه:
﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
فما يبقى لك من مال بعد العدل خيرٌ مما تأخذه بالظلم.
وما يبقى لك من مروءة بعد إنصاف الناس خيرٌ مما تكسبه بتشويههم بالبغي.
وما يبقى لك من أمانة ومصداقية في القلوب خيرٌ مما تجمعه من انتصارات وهمية.
إن ترسيخ قاعدة الإنصاف في النفوس، وفي الجماعات، والحركات، والأفكار، والدعوات، ركيزة أساسية لصناعة العدل ونصرته، ولمنع الفساد في الأرض.
وما أعظم أثر الإنصاف في النفوس: مع القريب والبعيد، مع المؤيد والمخالف؛ فإنه يصنع هيبةً… هيبةَ الحق، وما يستتبعه من فضائل وإخلاص لله وحده لا شريك له.
بالحق والعدل والإنصاف والصدق معًا ننتصر، لا بالحق الممزوج بالظلم والبخس والكذب.
ومن بخس الناس أشياءهم، فقد خطا أولى خطوات المفسدين في الأرض، ولا يلومنَّ إلا نفسه.
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ)
(وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)
اللهم اكفنا شر البخس والمبخسين..!