قال الله جل جلاله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (الفرقان: 20)
جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآية الجليلة: “وقوله: ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون ) أي: اختبرنا بعضكم ببعض، وبلونا بعضكم ببعض، لنعلم من يطيع ممن يعصي; ولهذا قال: ( أتصبرون وكان ربك بصيرا ) أي: بمن يستحق أن يوحى إليه، كما قال تعالى: ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) [ الأنعام : 124 ]، ومن يستحق أن يهديه الله لما أرسلهم به، ومن لا يستحق ذلك.
وقال محمد بن إسحاق في قوله: ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون ) قال: يقول الله: لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون، لفعلت، ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بهم، وأبتليهم بهم”.
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ۗ أَتَصْبِرُونَ﴾
إنها سنة ماضية؛ فالناس يفتن بعضهم بعضًا، بالكلمة، والموقف، والقدوة، والشبهة، والسلطان، والإعلام، وحتى بالتأويلات التي تُلبس الباطل ثوب الحق. وما نراه اليوم ليس إلا صورةً من صور هذه السنة الربانية؛ فقد كثرت الفتن، وتنوعت مسالكها، حتى صدق فيها وصف النبي ﷺ حين أخبر عن زمان يكثر فيه الالتباس، وتشتبه فيه السبل، ويصبح الثبات على الحق غربة. فقال ﷺ: «بَادرُوا بالأعْمَالِ فِتَنًا كقِطَعِ الليلِ المظْلِمِ، يُصْبحُ الرَّجُلُ مؤمنًا ويُمْسِي كافرًا ويُمْسِي مؤمنًا ويُصْبحُ كافرًا، يبيعُ دينَه بعَرَضٍ مِنَ الدُّنِيا» رواه مسلم.
ولعل أخطر هذه الفتن – وكلها خطيرة – تلك التي لا تأتي في صورة المنكر الصريح، بل تتزين بثياب الحكمة، وتتحدث بلسان المصلحة والحنكة، حتى يغدو الباطل عند كثير من الناس رأيًا معتبرًا، والمنكر اجتهادًا سائغًا، والتنازل عن الثوابت فقهًا للواقع.
وتتسع قاعدة “الضرورات تبيح المحظورات” في كل يوم، حتى تبتلع حدودها، فتغدو الضرورة بابًا لكل تنازل، والمصلحة مطية لكل مخالفة، ويصبح كل منكر قابلًا للترقيع، وكل انحراف قابلًا للتزيين، وكل تجاوز يجد من يكسوه لباس الفقه، فيلتبس الحق بالباطل، ويعسر على الناس التمييز بين ما أنزل الله وما صاغته الضغوط والأهواء. ويصعب عليهم بالتالي، فهم قيمة الثبات ما دام التنازل بكل مراتبه مبررًا ومقبولًا، ثم ما جدوى الصراع والمفاصلة إن كان الانحياز للأعداء سبيل التمكين المرتجى بتكلفة التنازل “الهيّنة” لا تكلفة الثبات “الثقيلة”؟
إن الضرورة في الشريعة باب ضيق، تحكمه النصوص والضوابط، لا الأهواء والرغبات، ولا يُفتح إلا بقدره، ثم يُغلق بانتهاء سببه. أما تحويله إلى منهج دائم يبرر به كل مخالفة، فهو من أعظم أبواب التحريف التي تذوب فيها معالم الدين شيئًا فشيئًا.
ولهذا جاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا ليكونا شعارًا يوظّف ساعة الاحتياج له، بل ليكونا السياج الذي يحفظ هذا الدين من أن تمتد إليه يد التحريف، فيبقى الحلال بينًا، والحرام بينًا، والحق واضحًا وظاهرًا، لا تُخمِد نوره ضبابية التفلت.
فإذا أخطأ فرد أو جماعة أو قيادة، فليس من النصيحة أن يُصبغ الخطأ بلون الصواب، ولا أن يُجعل المنكر بطولة، ولا أن يتحول الاجتهاد المخالف إلى نموذج يُحتذى ويُمجّد. فالحق لا يقوى بالتبرير، وإنما يقوى بالصدق معه، والباطل لا يصبح حقًا لأن قائله عظيم، ولا لأن ظرفه شديد، ولا لأن الواقع يضيق.
وإذا كان المسلم قد يعجز عن التغيير باليد أو باللسان، فإنه لا يجوز أن يعجز عن إنكار القلب؛ لأن القلب آخر حصون الإيمان، فإذا سقط هذا الحصن، لم يبق بعده إلا الاعتياد على المنكر، ثم الدفاع عنه، ثم الهجوم على من ينكره. ونصبح أمام نسخة لا علاقة لها بالإسلام بل محاربة للإسلام!
ولذلك يجب على المسلم الحذر من داء إرخاص الحق للأهواء، وتبدل المواقف وتلونها حسب ما يقتضي حال الهوى والمصلحة؛ فالخطأ في موقف يبقى هينا، إذ قد يقع من بشر فيتوبون منه أو يرجعون عنه، أما أن يصبح الميزان تابعًا للموقع والمصلحة، فتلك فتنة تهدم أصل العدل في النفوس ولم يعد معها قيمة لمبدأ أو عقيدة، إذ تصبح “البراغماتية” هي الدين والعقيدة.
وكم رأينا من كان بالأمس يشتد إنكاره على غيره إذا وقع في مخالفة، ويستدل بالنصوص، ويعظم حدود الله، ويؤكد أن الحق لا يعرف بالرجال، ثم إذا دارت الأيام ووُضع هو أو من ينتسب إليه في الموقف نفسه، تبدلت اللغة، وتغيرت القواعد، وأُخرجت النصوص نفسها لتؤدي معنى آخر، وصار ما كان بالأمس منكرًا اجتهادًا، وما كان انحرافًا مصلحة، وما كان يُستنكر بشدة أصبح ضرورة لا بد منها.
وهنا لا تكون الفتنة في الفعل وحده، بل في ازدواجية الميزان؛ إذ يصبح الحق تابعًا للانتماء، لا الانتماء تابعًا للحق، ويُعرف الحكم بمن قام به، لا بما أنزل الله فيه.
إن النصوص لم تُنزَّل لتكون أدوات في يد الخصومات، نحتج بها على مخالِفينا ثم نبحث عن مخارج منها لأنفسنا، وإنما أنزلها الله لتحكم الجميع، القريب والبعيد، والمحب والمبغض، والضعيف والقوي. فإذا أصبحت النصوص تُلوى أعناقها لإرضاء الجماهير، أو تُقتطع من سياقاتها لتلبية نداء المصالح، أو يُستدعى منها ما يخدم الموقف ويُغفل ما يقيّده ويضبطه، فقد انتقلنا من اتباع الوحي إلى توظيف الوحي، ومن الاحتكام إلى النص إلى استخدام النص.
ومن أشد الفتن أن يعتاد الناس هذا التلون حتى لا يعودوا يستغربونه، فيغدو الثبات على المبدأ تشددًا، ويصبح تبديل المواقف بحسب المصالح فقهًا ومرونة، ويُمدح من يحسن تبرير الواقع أكثر ممن يحسن بيان الحق.
ولهذا كان المؤمن الصادق يراقب قلبه قبل أن يراقب أقوال الناس، ويسأل نفسه دائمًا: هل كنت سأقول هذا لو كان الفاعل خصمي؟ وهل كنت سأنكر هذا لو صدر ممن أحب؟ فإن استوى عنده الناس في ميزان الشرع، فقد اقترب من العدل، وإن اختلفت الأحكام باختلاف الأسماء والرايات، فليعلم أن الفتنة قد وجدت طريقها إلى قلبه قبل أن يجدها في واقع الناس.
وتستمر هذه الحال من فتنة “البراغماتية”، يغذيها الوعد بالنصر القادم يُخدّر الضمير، ويُسكِت كل صوت يدعو إلى التقوى أو الغضب لحرمات الدين ومقدساته أو إيفاء مقامات الشريعة وأحكامها حقها، وكأن الغاية المرتقبة تُسقط واجب الاستقامة في الطريق إليها، وكأن الغاية تُبرر الوسيلة المخالفة، مع أن الله لا ينصر أمةً وهي تُصر على مجاملة الباطل وتبرير المنكر.
وإن أصر البعض على تبرير هذه البلوى التي يُرخص فيها الدين .. إلى حين كما زعموا، لما رأينا صفاقة المجاهرة والتبرير، ولاستتر المبتلى! روى مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله”.
واليوم لم يعد البلاء في وقوع المنكر فحسب، بل في الاحتفاء به، وتلميعه، وتسويقه، والثناء على أهله، حتى غدا المعروف غريبًا، والمنكر عند كثيرين عنوانًا للحكمة والحنكة.
فتأمل كمّ الفتن المركبة، فتن كقطع الليل المظلم تتوالى والناس في غفلة يجادلون عنها! قال الله عز وجل: ﴿ هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ (النساء: 109).
أفيون الشعوب
ثم في غمرة كل ذلك، والحاجة الماسة لاستنهاض الهمم والضمائر، تبرز فتنة أخرى تزيد المشهد ظلاما وقسوة، قد غفل عن خطورتها الملايين! وكيف لا تكون فتنة وهي تُشغل الأمة بما يستهلك أعمارها، ويستنزف مشاعرها، ويصرفها عن واجباتها الكبرى. إنها فتنة كرة القدم!
وإنها لمصيبة أن تتحول لعبة شعبية إلى قضايا مصيرية، وتصبح موضع الولاء والبراء، ويُستنزف فيها الوقت والمال والعقول، بينما تتراجع القضايا التي بها عز الأمة ودينها.
لقد غدت كرة القدم عند كثيرين عالمًا كاملًا من الانفعال والجدل والانتظار؛ تُعقد لها الآمال، وتُهدر لأجلها الساعات، وتُستهلك فيها الطاقات، حتى كأن هدفًا في شباك فريق صار أعظم وقعًا في النفوس من ضياع دين، أو جهل أمة، أو انهيار قيم، أو انحراف أجيال أو سفك دماء المسلمين.
والعاقل من يعرف مراتب الأشياء، فلا يجعل الهامشي أصلًا، ولا يجعل الترفيه رسالة العمر، ولا يرضى أن تتحول الأمة إلى جمهور يصفق، قد تجرعت من أفيون الملاعب لحد الثمالة! بينما ميادين العلم والدعوة والإعداد تنتظر رجالًا يحملون همها.
والمتأمل في حال كرة القدم يعجب من هذا التعلّق المفرط بها، حتى كأنها أصبحت قضية أمة ورسالة جيل! ولو أن هذا الحماس، وذلك التنافس، وتلك الساعات الطويلة، صُرفت إلى ما ينفع الأمة من الرماية، والسباحة، وركوب الخيل، وسائر ما يُعدّ الإنسان قوةً وعدةً، لكان خيرًا لهم وأبقى أثرًا. فعلى معاني الإعداد، وقوة البدن، والمجاهدة، وتحمل المسؤولية، تتربى الأجيال، لا على مطاردة كرة لا تنفع في مدافعة عدو، ولا في حماية دين، ولا يكسب المنهمك فيها – على هذا الوجه من الإفراط – أجرًا ولا حسنة.
إن الفتن من حولنا كثيرة، والمتشابهات متزاحمة، والدعاة إلى التلبيس أكثر من أن يُحصوا، وليس للعبد نجاة إلا أن يعتصم بكتاب ربه، وسنة نبيه ﷺ، ويتمسك بهما ولو بقي وحيدًا.
فالوحدة مع الحق خير من كثرة مع الباطل، والغربة في سبيل الله شرف، إذا كانت على هدي محمد ﷺ، لا تبديل فيها ولا تحريف، ولا مجادلة عن باطل، ولا مداهنة في دين الله عز وجل.
وسيظل في هذه الأمة طائفة ظاهرة على الحق، لا يضرها من خذلها ولا من خالفها، لأنها لم تجعل معيارها رضا الناس، وإنما رضا الله، ولم تجعل بوصلتها ضغط الواقع، وإنما هدي الوحي.
روى البخاري عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ”. وفي رواية لمسلم:”لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ”.
قال ابن تيمية رحمه الله: “هذا الحديث حديث ثابت متواتر من جهة استفاضة ثبوته عند الأئمة، ومخرج في الصحيحين من غير وجه وفي غيرهما. وهذا الحديث فيه تقرير لكون الأمة سيدخلها افتراق واختلاف في مسائل أصول الدين، ولهذا وصف عليه الصلاة والسلام هذه الطائفة بأنها الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، وأنهم على أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم”. انتهى من “شرح حديث الافتراق”(1/31).
والجمع على الحق سنة، والإعداد للأمة عبادة، ووحدة الصف مقصد عظيم، لكن كل ذلك لا يكون على حساب ثوابت الشريعة، ولا بإذابة الفوارق بين الحق والباطل، ولا بتحويل المنكر إلى معروف باسم المصلحة، فإن البناء الذي يقوم على التنازل عن الأصول لا يثبت طويلًا، وإن بدا شامخًا في أعين الناس.
وقد أقام نبينا – فدته نفسي – الحجة مبكرًا جدا.
فأحاديث آخر الزمان زادٌ يثبت القلب، ويورث اليقين، ويطمئن المؤمن أن الحق لا يموت، وأن دين الله باقٍ ظاهر، مهما تكاثف الباطل، وتلون أهله، وتتابعت الفتن.
فإذا رأيت أكثر الناس يخوضون في تبديل الدين، وينقضون عراه عروةً عروة، ويزينون الباطل، ويجادلون عنه بغض النظر عن مبرراتهم الكثيرة أو المضللة أو الوقحة، فلا تستوحش؛ فإن النبي ﷺ أخبر بذلك قبل أن يكون. فالزم غرز الوحي، وتمسك بالحق، ولا تغتر بكثرة السالكين إلى غيره، فإن النجاة ليست مع الأكثرين، وإنما مع من وافق هدي النبوة، ولو كان وحده بين الناس.
وتبقى كلمة أخيرة
إن العداد لا يتوقف. والصحائف لا تنسى. والملائكة تكتب. والله يعلم السر وأخفى.
حقوق أُهدرت، ودماء سُفكت، وواجبات تُركت، ومنكرات ارتُكبت، وكلمات قيلت لتزيين الباطل أو المجادلة عنه، أو تسويغ الظلم أو إسكات صوت الحق أو السخرية منه أو بخس مواقف نصرته؛ كل ذلك محفوظ في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
فاعلم أنك مسؤول بين يدي الله، فلا تجادل عن منكر ظاهر، ولا تتكلف الأعذار لأهله؛ فكل امرئ يلقى ربه بحجته، والله أعلم بسريرته، وهو وحده الذي يعلم صدق المعذرة من زيفها، ولا يدري أحدٌ هل قُبل عذره أم رُد عليه. فلا تحمل عن أحدٍ تبعةً لم يكلّفك الله بها، وإياك أن تلقى الله وفي عنقك كلمة زينت بها باطلًا، أو خذلت بها حقًا، أو بررت بها ظلمًا، أو لبست بها على الناس دينهم. ولا تستهن بوزر الكلمات، فستلقى الله بكلماتك.
احفظ نقاء قلبك، فإن فساد القلب يبدأ حين يألف المنكر، ثم يبحث له عن الأعذار، ثم يغضب ممن ينكره. ومن سلك هذا المسلك لم يُبق للحق في قلبه هيبة ولا شرفًا.
وفي زمن الفتن، قد يكون أعظم الجهاد أن تحفظ ميزانك، فلا تقول إلا حقًا، ولا تشهد إلا بالعدل، ولا تطبع مع الظلم، ولا تزين الباطل، ولا تجعل الضغوط مبررًا لتبديل أحكام الله والتلون في الدين.
فإما كلمة حق تُرضي الله، وإما صمت يسلم به الدين؛ أما أن يكون اللسان جسرًا يعبر عليه الباطل إلى قلوب الناس، فتلك خسارة لا يجبرها اعتذار يوم يقوم الأشهاد.
اللهم سلم! اللهم سلم! اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن وأحينا وأمتنا على كلمة التوحيد وسنة خاتم النبيين. محمد الأمين، غير مبدلين ولا مفتونين، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.