ما أكثر ما تنشغل القلوب بفكرة النصر!
بمشاهد الظفر، ورايات الفتح، وسجود الشكر، والتكبير الذي يطرب له القلب، وباليوم الذي تنقلب فيه موازين القوة، ويُرى وعد الله واقعًا أمام الأبصار!
وهذا كله حقٌّ نؤمن به ونرجوه، والنصر من الله وعدٌ حق، والفتح حق، وهزيمة الكافرين حق؛ ولكن ثمة خطرًا دقيقًا يتشكل في الأثناء، وهو أن ينشغل العبد بثمرة الطريق عن امتحان الطريق، وأن يطول تعلقه بمشهد النصر حتى ينسى أن القضية التي يُمتحن فيها الآن هي القضية المصيرية!
هل نحن أهلٌ لأن يكتب الله لنا القبول والرضوان ونحن في طريقه؟
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ [محمد: 4].
فالنصر ليس هو الامتحان؛ بل هو ثمرة من ثمرات ما بعد الامتحان.
أما الامتحان الحقيقي فهو الآن، نعم في هذه اللحظات والأيام والأشهر التي تعيش الآن!
الآن، حين لا ترى ثمرةً تسرّك، ولا مشهدًا يرفع معنوياتك، ولا فتحًا تشهده بعينيك.
الآن، حين يُطلب منك أن تثبت دون أن ترى نهاية الطريق، وأن تبذل دون أن تضمن أن ترى أثر بذلك، وأن تصدق مع الله في زمنٍ قد لا تجد فيه من يكترث لصدقك، ولا من يشهد لتعبك، ولا من يخبرك متى ينتهي البلاء. هنا يكون الصدق.
فإن كان كل ما يوقظ فيك الهمة هو حلم النصر، فماذا يبقى منك إذا تأخر النصر؟
وإن كان الذي يحملك على البذل هو انتظار أن ترى الفتح، فماذا تفعل حين يطول الطريق ولا ترى إلا مزيدًا من التكليف والصبر والألم والابتلاء؟
إن أخطر ما قد يصيب العامل لدين الله أن يتحول النصر في قلبه من وعدٍ يثق به إلى غايةٍ تستغرقه، فينشغل عن السؤال الأعظم: كيف أنجو؟ كيف ألقى الله وهو راضٍ عني؟ كيف أكون صادقًا معه في السر والعلن؟ كيف أثبت حين لا أرى شيئًا من ثمرات عملي؟
قد لا نحضر مشاهد النصر، وقد لا تشهد أعيننا رايات الفتح، وقد نغادر الدنيا قبل أن نرى ما كنا نرجوه؛ لكن غايتنا الأولى لم تكن يومًا أن نشهد النصر، وإنما أن نلقى الله مقبولين.
أن يمنّ الله تعالى علينا بالقبول، وبالرضوان، وبالثبات حتى نلقاه؛ تلك هي الغاية التي ينبغي أن تستغرق القلب.
أما النصر فموعده عند الله جل جلاله، ووعد الله لا يخلف. وأما الفتح فحق، وسيأتي حين يشاء الله وكيف يشاء. وأما انكسار الباطل وهزيمة الكافرين فحقٌّ لا ريب فيه.
لكن هل ننجو؟!
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغلك الآن.
فلا تجعل تعلقك بمشهد النصر يحجب عنك حقيقة الموقف الذي أنت فيه. ولا تجعل حلم الفتح يُنسيك واجب الساعة. ولا تنظر طويلًا إلى آخر الطريق حتى تنسى أن عليك أن تُحسن السير في أوله.
النصر الذي ينبغي أن تطلبه أولًا هو أن ينصرك الله على نفسك، وأن يثبت قلبك على الحق، وأن يعينك على إيفاء مقامات العبودية حقها الأوفى، وأن يتقبل منك، وأن يرضى عنك.
فإن أدركت ذلك، فقد فزت؛ ولو لم ترَ الراية التي طالما تمنيت أن تراها، ولو لم تسمع التكبير الذي طالما اشتاق إليه قلبك، ولو متَّ قبل أن ترى الفتح. يكفيك أن تلقى الله وقد صدقت.
وهنا يكون النصر الذي لا يُهزم صاحبه أبدًا.
وليس الظفر في ذاته هو الغاية التي يختبر بها صدق العبد؛ فقد يبلغ الناس ما تمنّوا، وتتحقق لهم أسباب القوة والتمكين، ثم يقفون عند ذلك فلا يكون لهم من الله قبول، ولا ينالون رضوانه، وقد يسقطون في فتنةٍ تنقض غزلهم من بعد قوة!
وما قيمة أن تنتصر في مشهدٍ ينظر إليه الناس، ثم تخسر في مقامٍ لا يراك فيه أحد؟
وما قيمة أن تجتاز امتحان القوة أمام أعين الخلق، وأنت لا تجتاز امتحان الصدق حين لا يراك إلا الله تعالى؟
فليكن همّك أن ترعى دقائق عمرك الآن.
هذه الدقيقة التي بين يديك ليست هامشًا في الطريق إلى النصر؛ إنها جزء من امتحانك إلى الله. هذه الخلوة، وهذا الاختيار، وهذه الكلمة، وهذا البذل، وهذا الصبر، وهذه اللحظة التي لا يراك فيها الناس… كلها مما يُنظر فيه إلى صدقك.
استشعر أن الله جل جلالك ينظر إليك الآن؛ لا إلى المشهد الذي تحلم أن تراه يومًا، بل إلى أنتَ الآن: إلى قلبك، ونيتك، وخطوتك، وما تختاره حين لا يراك الناس. ثم اسأل نفسك: لو لم يبقَ بيني وبين لقاء الله إلا هذه الخطوات التي أمشيها الآن، فكيف أريد أن أسير إليه عز وجل؟
فلا تؤجل عنايتك بقلبك إلى يوم النصر، ولا تؤجل التوبة والإخلاص والثبات إلى يوم الفتح؛ ولا تقرر أن الحياة تبدأ لحظة النصر! فإن الذي سيقبلك يوم الظفر هو ربك الذي ينظر إليك في هذه اللحظة. وما النصر إلا مشهد عابر في الدنيا، أما القبول والرضوان فهما الفوز الذي يبقى.
وكم من انتصاراتٍ مضت في محاور التاريخ، ودوّنتها صفحاته، ثم طُويت أخبارها، وانقضت مشاهدها، وبقي السؤال الأعظم: كم من أولئك الذين شهدوا النصر، أو صنعوه، أو كانوا جزءًا من أمجاده، اصطفاهم الله لمراتب الصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقًا؟
اللهم إنا نسألك من فضلك العظيم، ونسألك القبول والرضوان، والثبات حتى نلقاك.
فلا تجعلوا النصر بداية كل شيء؛ بل بداية كل شيء هي الآن.
الآن، حيث أنت، وحيث ينظر الله جل جلاله إلى قلبك وسعيك وخطواتك. فاحفظ هذه اللحظة، وارعَ دقائق عمرك، وأحسن السير إلى ربك؛ فإنك لا تدري أيُّ لحظةٍ تُكتب لك فيها النجاة.
وما دام الله قد اختار لك أن تعيش هذه المرحلة أو تلك، وأن تشهد المكابدة أو تشهد النصر، وأن يكون نصيبك من الطريق هذا الحال أو ذاك؛ فكل ما يختاره الله لنا نحبه، لأن اختيار الله لنا أحب إلينا من اختيارنا لأنفسنا.
وإنما حقيقة النصر أن نخرج منها منتصرين على كل تراجعٍ وارتياب، وكل ضعفٍ في الدين والعمل؛ أن نخرج منتصرين على كل صوتٍ مثبِّط، وكل كيدٍ لشيطانٍ من إنسٍ أو جن، وقد استقمنا كما أمر ربنا، واستجبنا كما يحب ويرضى عز وجل.
فإن كادنا العِدى ابتسمنا ابتسامةَ المنتصرِ المظفَّر؛ فكأننا في أرض النصر، وكأن وعد الله قد أظلّنا، فلا يزيدنا كيدٌ إلا يقينًا، ولا محنةٌ إلا ثباتًا!
اللهم فأحبنا، وأحبب إلينا ما اخترته لنا، وارضنا بك في كل أحوالنا، ولا تجعل غايتنا أن نبلغ ما نحب، بل أن تبلغ بنا ما تحب وترضى جل جلالك.
اللهم اجعلنا ممن اصطفيتهم لرضوانك، وقبلتهم عندك، وحسن أولئك رفيقًا. ممن وعدتهم بوصف: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [ الصف: 12] اللهم آمين.
اللهمَّ أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة
اللهمَّ احفظ الدكتورة ليلى بحفظك واكلأها برعايتك 🤲🥀