سورة الشورى من السور المكية الجليلة التي تعالج أعظم قضايا الإيمان: قضية الوحي، والتوحيد، ووحدة الرسالات، ومرجعية الحق. وهي سورة تبني في قلب المؤمن ميزانًا واضحًا بين هداية السماء واضطراب الأرض، وتقرر أن الطريق إلى الله لا يقوم على أهواء البشر، بل على الوحي الذي أنزله الله رحمةً للعالمين.
وتتجلى في هذه السورة معالم العقيدة الصافية؛ فتربط بين ملك الله للسماوات والأرض، وبين حقه المطلق في التشريع والحكم، وتبين أن اختلاف الناس لا يزيل الحق، وأن المرجع الأخير في كل أمر إنما هو إلى الله وحده لا شريك له. ومن تأمل آياتها وجدها تبني في النفس يقينًا راسخًا بأن النجاة في الاعتصام بالوحي، والهلاك في التعلق بغير الله تعالى.
ولننظر كيف تأتي هذه الآيات لتكشف حقيقة من أعظم حقائق الانحراف البشري: انحراف الولاية.
يقول تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ [ سورة الشورى: 6]
إنها صورة متكررة في تاريخ البشرية: قوم يتركون ولاية الله الحق، ويتعلقون بأولياء من دونه، يوالونهم بالحب والطاعة والاتباع، حتى تصبح تلك الولاءات بديلاً عن الولاء لله عز وجل. لكن القرآن يكشف زيف هذا المشهد كله بكلمة حاسمة: هؤلاء ليسوا أولياء على الحقيقة، وإنما هي ولاية موهومة صنعها الهوى وزينها الباطل.
أما الله سبحانه فهو الحفيظ الذي لا يضيع شيئًا من أعمالهم؛ يحصيها عليهم بدقة، ثم يلقون جزاءها يوم الحساب. وفي الوقت نفسه يقرر للنبي ﷺ حقيقة رسالته: ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾، فالهداية ليست بالإكراه، وإنما بالبلاغ. فالرسول يبلغ، والله يحاسب.
ثم يذكر الله منته العظمى بإنزال هذا الوحي:
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَتُنذِرَ يَوۡمَ ٱلۡجَمۡعِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ﴾
قرآنًا واضح الألفاظ، بيّن المعاني، نزل بلسان القوم ليقيم الحجة عليهم، وليكون النور الذي يبدد ظلمات الضلال. بدأ إنذاره من أم القرى، مكة المكرمة، ثم انطلقت رسالته لتبلغ الآفاق كلها. فالوحي يبدأ من موضع، لكنه ليس حكرًا على مكان؛ إنه خطاب للإنسانية كلها.
ومحور هذا الإنذار هو يوم الجمع: اليوم الذي يجتمع فيه الأولون والآخرون بين يدي الله عز وجل، يوم لا يختلط فيه الحق بالباطل، ولا تختبئ فيه النيات خلف المظاهر. هناك تنكشف الحقيقة الكبرى:
﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾
تقسيم حاسم لا ثالث له، بعد أن تنتهي رحلة الاختيار في هذه الحياة.
ثم يبين القرآن أن اختلاف الناس ليس عجزًا في القدرة الإلهية، بل هو جزء من الحكمة الإلهية:
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِ﴾
فالله قادر على أن يجمع الناس كلهم على الهدى، لكنه أراد أن تكون الحياة ميدان اختبار؛ ليميز الصادق من المدعي، والمؤمن من المعرض. فمن اختار طريق الهداية أدخله الله تعالى في رحمته، ومن ظلم نفسه بالإعراض عن الحق حُرم الولاية والنصرة:
﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
وهنا يعود القرآن ليصحح أصل المسألة من جديد:
﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۖ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡوَلِيُّ وَهُوَ يُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾
فمن ذا الذي يستحق الولاية غير الله؟! هو الذي يحيي الموتى، وهو القادر على كل شيء، وهو الذي يتولى عباده بتدبيره ورحمته. يتولى المؤمنين خاصةً فيخرجهم من الظلمات إلى النور، ويربيهم بلطفه، ويعينهم على السير إليه.
أما الأولياء الذين يتخذهم الناس من دون الله فسراب؛ لا يملكون حياةً ولا موتًا، ولا نفعًا ولا ضرًا. فكيف تُترك ولاية الحي القيوم لولاية العاجزين؟
ثم تختم الآيات بقاعدة عظيمة في بناء الحياة والدين:
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾
فكل خلاف في أصول الدين أو فروعه، مرده إلى الوحي: إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فما حكم به الوحي فهو الحق، وما خالفه فليس إلا ظنًا أو هوى.
وهنا يتجلى المعنى الكامل للعبودية حين يقول المؤمن:
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
فالتوكل اعتماد القلب على الله جل جلاله، والإنابة رجوع القلب إليه عز وجل. وهذان الأصلان يجتمع بهما كمال العبد: أن يعبد الله ويستعين به، وأن يقصد وجهه ويعتمد عليه.
وهكذا ترسم هذه الآيات طريق النجاة بوضوح: ولاية لله وحده، واتباع للوحي، وردٌّ لكل خلاف إلى حكم الله عز وجل، وتوكل صادق علي سبحانه، وإنابة دائمة إليه جل في علاه. فمن استمسك بهذا الطريق اهتدى، ومن التمس الولاية في غيره تاه في متاهات التاريخ التي ما زالت تعيد أخطاءها جيلاً بعد جيل.
وتتواصل آيات سورة الشورى في بناء هذا التصور الرباني الشامل، فبعد أن قررت حقيقة الولاية لله وحده، ومرجعية الحكم إلى وحيه، تنتقل إلى آفاق أوسع من التعريف بعظمة الرب الذي يستحق هذه الولاية والطاعة.
يقول تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾
إنها كلمة تفتح أبواب التأمل في أصل الوجود كله. فالله هو الفاطر؛ الذي شقّ ظلمة العدم فأوجد السماوات والأرض بقدرته وحكمته، لا عن مثال سابق، ولا بمعين أو شريك. فإذا كان هذا الكون العظيم كله أثرًا من آثار قدرته، فكيف يُعدل به غيره في الولاية أو العبادة؟
ثم يلفت القرآن النظر إلى آية قريبة من حياة الإنسان اليومية، لكنها تحمل سرّ استمرار الحياة:
﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾
ليست الحياة البشرية سلسلة أفراد متفرقة، بل بناء متكامل يقوم على السكن والمودة والرحمة. فالزوجية ليست مجرد نظام اجتماعي، بل آية من آيات الحكمة الإلهية؛ بها يستقر القلب، وتستمر الذرية، وتتجدد الحياة جيلاً بعد جيل.
ثم يمد هذا النظام نفسه إلى عالم الحيوان:
﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾
فهو نظام كوني شامل، تنتظم به حياة البشر والدواب معًا، فيتكاثر الخلق وتستمر النعمة. ولهذا قال:
﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾
أي يبثكم ويكثركم في هذا النظام البديع الذي جعله الله تعالى سببًا لعمران الأرض.
لكن وسط هذه الآيات الكونية العظيمة تأتي القاعدة الكبرى في العقيدة:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
فهو الخالق الذي لا يشبهه مخلوق، ولا يقاربه شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وكل ما يخطر ببال الإنسان من صور الكمال فالله أعظم منه وأجل.
ومع تنزيهه المطلق عن المماثلة يثبت القرآن صفات الكمال له:
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
يسمع اختلاف الأصوات على تعدد اللغات وتنوع الحاجات، ويرى خفايا الوجود ودقائقه؛ يرى دبيب النملة في ظلمة الليل، كما يرى حركات الكواكب في فضاء السماء. فليس في هذا الكون سرّ يغيب عن علمه، ولا حركة تفلت من بصره جل جلاله.
ثم ينتقل السياق إلى حقيقة أخرى من حقائق الربوبية:
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾
أي له مفاتيح الملك كله؛ مفاتيح الرحمة والرزق، والنفع والضر، والعطاء والمنع. فالخلق جميعًا مفتقرون إليه في كل لحظة، لا يملكون لأنفسهم رزقًا ولا حياة ولا نجاة إلا بإذنه.
ولهذا قال سبحانه: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾
يوسّع على من يشاء، ويضيّق على من يشاء، لا عبثًا ولا ظلمًا، بل بعلمٍ محيط وحكمة بالغة. فقد يكون التضييق رحمة، وقد يكون التوسيع ابتلاء، وكل ذلك يجري تحت علم الله الذي لا يغيب عنه شيء:
﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
ثم تبلغ الآيات ذروة الامتنان الإلهي على البشرية، حين تذكر أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده: نعمة الدين.
﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ﴾
إنه دين واحد عبر التاريخ؛ وصية الله لنوح، ووحيه لمحمد ﷺ، وما أوصى به إبراهيم وموسى وعيسى. اختلاف الشرائع في بعض التفصيلات، لكن الأصل واحد: عبودية الله وحده، وإقامة الدين على أساس التوحيد.
ولهذا جاءت الوصية الجامعة:
﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾
إقامة الدين ليست مجرد اعتقاد في القلب، بل قيام شامل بشريعته وأخلاقه وعباداته، في النفس والمجتمع والحياة كلها. كما أن وحدة الدين تقتضي وحدة الأمة، فلا تتحول الخلافات الجزئية إلى رايات تفرق القلوب وتمزق الصفوف.
لكن هذه الدعوة إلى التوحيد الخالص كانت دائمًا ثقيلة على قلوب المشركين:
﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾
لأن التوحيد يهدم كل الأصنام التي تعلقت بها النفوس، سواء كانت أصنام حجارة أو أصنام شهوات أو سلطات.
ومع ذلك فإن الهداية ليست بعيدة على من صدق في طلبها، فالله عز وجل يقول:
﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾
فالاجتباء فضل من الله تعالى، لكن طريقه يبدأ من قلبٍ منيب؛ قلبٍ يرجع إلى ربه، ويتجه إليه بصدق، فيفتح الله له أبواب الهداية.
ثم تحذر الآيات من مرض قديم يتكرر في تاريخ الأمم: مرض التفرق بعد العلم.
﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾
لم يكن سبب اختلافهم الجهل وحده، بل البغي والحسد وطلب العلو في الأرض. حين يدخل الهوى إلى قلوب أهل العلم يتحول العلم نفسه إلى ساحة نزاع.
وفي قوله جل جلاله بشأن توقيت الاختلاف، “بعد ما جاءهم العلم”، تشخيص دقيق لما تفعله الأهواء بالنفوس والناس!
ولو شاء الله لعجّل لهم العقوبة، لكنه أمهلهم بحلمه:
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾.
ثم يخبر عن حال من جاء بعدهم من ورثة الكتب، فإذا بهم يقعون في لون آخر من الضلال:
﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ﴾
فالأولون اختلفوا بغياً، والآخرون اختلفوا شكًا وارتيابًا، وكلا الطريقين يفضي إلى التفرق والضياع.
وهكذا ترسم هذه الآيات لوحة متكاملة: إلهٌ خالقٌ متفرد بالكمال، بيده مفاتيح الكون، أنعم على عباده بالدين الواحد الذي يجمع القلوب، وحذرهم من مصير الأمم التي فرقت دينها بعد العلم.
فمن عرف ربَّه بهذه الصفات، وعرف نعمة الدين بهذه الحقيقة، علم أن أعظم النجاة أن يقيم الدين في نفسه، ويحفظ قلبه من البغي والهوى، حتى لا يكون من أولئك الذين عرفوا الحق ثم تفرقوا عنه.
وتتتابع آيات سورة الشورى بعد ذلك لترسم للنبي ﷺ ولأمته طريق الدعوة في عالم يموج بالاختلاف والجدال. فبعد أن بُيِّنت أصول العقيدة، وحُدِّدت مرجعية الحق، جاءت الوصية الجامعة التي تختصر منهج الرسالة كلها:
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾
فلأجل هذا الدين العظيم، ولأجل هذا الوحي الذي أنزله الله تعالى هدايةً للناس، فلتكن الدعوة قائمة لا تفتر، ولتكن الاستقامة ثابتة لا تميل. فالدعوة بلا استقامة دعوى فارغة، والاستقامة بلا دعوة انكفاء على النفس؛ ولذلك جمع الله بينهما: إصلاح النفس أولًا، ثم إصلاح الخلق بعد ذلك.
وليست الاستقامة مجرد ميل عاطفي إلى الخير، بل هي التزام دقيق بأمر الله عز وجل: بلا إفراط ولا تفريط، بلا خضوع لضغط الواقع أو هوى الناس. ولهذا جاء التحذير الصريح:
﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾
فالأهواء هي الطريق الذي ضلت به الأمم من قبل؛ حين تركت الوحي واتخذت أذواق البشر ومصالحهم ميزانًا للحق. ولهذا لم يقل الله تعالى: لا تتبع دينهم، لأن الدين الذي أنزله الله واحد في أصله، ولكنهم هم الذين حوّلوه إلى أهواء متفرقة.
ثم يرشد القرآن إلى منهج الحوار مع المخالفين، فيقول:
﴿وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ﴾
فأساس المناظرة ليس التعصب لاسم أو جماعة، بل الإيمان بكل ما أنزل الله تعالى من الكتب حقًّا. وهذا إعلان لعالمية الإسلام وشموله؛ فهو لا ينكر رسالات الله السابقة، بل يصدقها ويضعها في موضعها الصحيح.
ثم يعلن النبي ﷺ غاية دعوته:
﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُم﴾
فالعدل هو روح الرسالة، وهو الميزان الذي تُوزن به الأقوال والمواقف. فلا يحمل الداعية بغض قوم على أن يجور عليهم، ولا يمنعه اختلافهم عن إنصافهم. فالله رب الجميع، والناس جميعًا عباده:
﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾
ثم يضع القرآن حدًّا للجدال العقيم بعد وضوح الحق:
﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم﴾
أي إذا ظهرت الحجة وانكشف الطريق، لم يبق للمراء موضع. فالمجادلة إنما شُرعت لإظهار الحق، فإذا بان الحق فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، لأن النهاية ليست في ساحات الجدل، بل في يوم اللقاء:
﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾
وهنا يكشف القرآن حال أولئك الذين يصرّون على الجدل بعد وضوح الدليل:
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾
أي يجادلون في الحق بعدما استجاب له أهل العقول والبصائر، وبعدما قامت البراهين القاطعة. هؤلاء لا يبحثون عن الحقيقة، بل يدافعون عن أهوائهم. ولذلك حكم القرآن على حجتهم حكمًا قاطعًا:
﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِم﴾
أي ساقطة باطلة، لأن كل حجة تخالف الحق فهي باطل مهما زخرفت بالألفاظ أو لبست ثوب العقل.
ومن كان هذا حاله فمصيره معلوم:
﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾
لأنهم لم يجهلوا الحق، بل أعرضوا عنه بعد أن عرفوه.
ثم تعود الآيات إلى أصل القضية كلها، فتذكر مصدر الحق الذي يحتكم إليه الناس:
﴿اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾
فالكتاب هو الوحي الذي يبين الحقائق، والميزان هو العدل والعقل الصحيح الذي يزن الأقوال والأعمال. وباجتماعهما يستقيم ميزان الحياة: وحي يهدي، وعقل يزن.
فكل دليل يخرج عن هذين الأصلين – عن الوحي والميزان – فليس إلا شبهة متهاوية، مهما تلونت بعبارات براقة أو حجج ظاهرها القوة.
ثم يوقظ القرآن القلوب بحقيقة قريبة قد تغيب عن الناس:
﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾
فالساعة ليست حدثًا بعيدًا في آخر التاريخ، بل احتمال قائم في كل لحظة. وما من جيل ظنها بعيدة إلا فاجأه الموت قبلها.
ولهذا يختلف موقف الناس منها اختلافًا عجيبًا:
﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾
يطلبونها استهزاءً وتكذيبًا، كأنهم يتحدون الوعد الإلهي. أما المؤمنون فحالهم على النقيض تمامًا:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾
خائفون منها، لا لأنهم يشكون في وقوعها، بل لأنهم يوقنون بها، ويعلمون ما فيها من حساب وجزاء. ولهذا قال تعالى:
﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾
حق لا مرية فيه، ووعد لا يتخلف.
ثم يختم السياق بحكم صارم على من يجادل في أمرها:
﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾
وأي ضلال أبعد من إنكار الدار التي خُلق الخلق لأجلها؟ دار البقاء والجزاء، التي تتجلى فيها عدالة الله وفضله جل جلاله.
أما هذه الدنيا التي يختلف الناس عليها ويتنازعون من أجلها، فما هي إلا ظل عابر؛ كراكب استظل بشجرة ساعة ثم مضى وتركها. لكنها مع قصرها هي ميدان الاختبار، والطريق الذي يحدد مصير الإنسان في تلك الدار الباقية.
وهكذا تعود بنا آيات سورة الشورى إلى حقيقتها الكبرى:
دينٌ واحد من عند الله عز وجل، دعوة قائمة على الاستقامة والعدل، وميزان من الوحي والعقل، ونهاية حتمية عند يوم الجمع حيث ينكشف كل شيء. فمن استمسك بالوحي اهتدى، ومن تبع الهوى ضل، ومن تذكر الآخرة استقام، ومن نسيها تاه في جدل الدنيا الذي لا ينتهي.
ثم تمضي الآيات في سورة الشورى لتكشف وجهًا آخر من وجوه ربوبية الله تعالى، وجهًا يجمع بين الرحمة والقدرة، وبين اللطف والقوة، فيقول سبحانه:
﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾
إنها كلمة تختصر عالمًا واسعًا من عناية الله بخلقه. فاللطف الإلهي ليس مجرد رحمة ظاهرة، بل تدبير خفيّ يسري في حياة الإنسان من حيث لا يشعر. لطفٌ يدرك خفايا الصدور، ويعلم دقائق النفوس، ويهيئ لعباده أسباب الخير قبل أن يخطر لهم في بال.
كم من إنسان ساقه الله إلى طريق الهداية بأسباب لم يكن يتوقعها، وكم من بلاءٍ ظنه العبد شقاءً فإذا به باب نجاة، وكم من حرمانٍ ظنه خسارة فإذا هو عين العطاء. فربما صرف الله تعالى عن عبده مالًا أو جاهًا أو سلطانًا، لأنه يعلم أن في ذلك هلاكه، فيضيق عليه رزقه ليحفظ عليه قلبه ودينه.
ولهذا قال سبحانه:
﴿يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ﴾
فالرزق ليس مجرد حسابات مادية، بل هو تدبير رباني يجري على مقتضى الحكمة واللطف. يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، لا لعجزٍ ولا لبخل، بل لأنه القوي العزيز الذي بيده خزائن السماوات والأرض، لا يعجزه شيء ولا يفوته شيء.
ثم يكشف القرآن قانونًا عظيمًا من قوانين الحياة، قانون المقاصد والنيات:
﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلۡأٓخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِي حَرۡثِهِۦۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا﴾
فالحياة أشبه بحقلٍ واسع، والناس فيه زُرّاع. كل إنسان يزرع بعمله ونيته، لكن اختلافهم في المقصود هو الذي يحدد مصير الحصاد. فمن جعل الآخرة غايته، وسعى لها سعيها، فإن الله تعالى لا يكتفي بقبول عمله، بل يضاعفه ويباركه ويزيده أضعافًا كثيرة.
أما من ضاقت همته فلم يرَ أبعد من حدود الدنيا، فجعلها غاية قلبه ومقصود جهده، فإن الله تعالى يعطيه منها نصيبه الذي قدره له، لكنه يخرج من الدنيا خالي الوفاض من نصيب الآخرة:
﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: من طلب الآخرة نال خير الدارين، ومن طلب الدنيا وحدها خسر الآخرة وإن ظفر ببعض متاعها.
ثم تعود الآيات إلى أصل الضلال الذي وقع فيه المشركون، فتقول:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾
فالمشكلة لم تكن مجرد شرك في العبادة، بل تعدّت ذلك إلى الشرك في التشريع؛ حين جعل الناس لأنفسهم أو لغيرهم حقَّ وضع الدين، وتحليل الحرام وتحريم الحلال.
وهذا أعظم صور الانحراف، لأن الدين في حقيقته عهد بين العبد وربه، لا يُؤخذ إلا من الوحي الذي أنزله الله تعالى. فإذا صار التشريع تابعًا للأهواء، تحولت العبادة إلى تقاليد، وتحول الدين إلى أداة في يد البشر.
لكن الله بحكمته أمهلهم، فلم يعجل لهم العقوبة:
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾
أي لولا الأجل الذي قضى الله تعالى أن يؤخر إليه الحساب، لعُجّل الحكم بين الحق والباطل. ولكن العدل الكامل مؤخر إلى ذلك اليوم العظيم الذي يجتمع فيه الخلق جميعًا.
ولهذا يختم التحذير بقوله:
﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
عذاب ينتظر كل من ظلم نفسه بالشرك أو بالتحريف في دين الله عز وجل.
وهكذا، إذا اجتمعت هذه الآيات كلها في سياقها، ظهرت لنا لوحة إيمانية متكاملة ترسم معالم الطريق بوضوح لا لبس فيه.
تبدأ السورة بتقرير الولاية لله وحده، وتنتهي بإظهار لطفه بعباده؛ وبين البداية والنهاية تمتد رحلة العقيدة كلها: دعوة إلى الاستقامة، وتحذير من الأهواء، وبيان لمرجعية الوحي، وتذكير بيوم الجمع، وكشف لقوانين الهداية والضلال، وفضح لأوهام الذين يجعلون الدين تابعًا لأهوائهم.
فالله هو الخالق الذي ليس كمثله شيء، وهو الملك الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، وهو المشرِّع الذي شرع الدين لعباده، وهو الحكم الذي تُرد إليه الخصومات، وهو اللطيف الذي يدبر شؤون عباده، وهو القوي العزيز الذي لا يُغلب.
والناس في ضوء هذه الحقائق فريقان لا ثالث لهما:
فريق جعل قلبه للآخرة فزرع لها، فسقاه الله بلطفه وزاده من فضله حتى يلقى حصاده يوم القيامة مضاعفًا.
وفريق انشغل بحَرث الدنيا وحدها، فأخذ منها ما كُتب له ثم وقف يوم الحساب بلا زاد.
فالسورة كلها نداء واحد يتردد في أعماق القلب: أن اجعل ولاءك لله عز وجل، ومرجعك إلى وحيه جل جلاله، وقصدك إلى آخرته سبحانه، واستقم على طريقه وحده لا شريك له، ولا تغتر بزينة دنيا عابرة، فإن النهاية المحتومة يوم يجمع الله الخلق جميعًا، ويظهر الحق ظهور الشمس، ويعلم كل إنسان يومئذ أيَّ زرعٍ كان يزرع.
اللهم ثبتنا على سبيل الاستقامة كما تحب وترضى، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن وأيدنا بنصرك وبالمؤمنين، اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، واختم لنا بخاتمة الشهادة في سبيل الحق والشهادة!