ليس الجحود دائمًا أن تحمل السيف في وجه المظلوم فتبطش به بلا خشيةٍ من الله تعالى، ولا أن تعين الظالم فتشدّ على المظلوم وثاقَ القهر والظلم. بل قد يكون الجحود غمط الحقوق وبخس الدماء والتضحيات التي بُذلت لتبقى هذه الأمة حيّة. وأقبح منه من ينكرها من أصلها.
إنّ أمةً دفعت من أرواح أبنائها، ومن دموع أمهاتها، ومن أعمار رجالها، ما لا يعلمه إلا الله عز وجل… لا يليق أن تُقابَل تضحياتها بالنسيان، ولا أن تُجازى بالتطفيف والبخس والتنكر.
فمن لم يحفظ لهذه الأمة تضحياتها، ولم يُنصف تلك الأرواح التي بذلت – أو لا تزال تبذل – دفاعًا عن الدين والحق والكرامة، فقد شارك الأعداء في الجريمة وإن اختلفت الأدوات؛ لأن سيف الفجور والبغي، وسيف التطفيف والجحود، لا يقل خطرًا عن سيف العدو بالقتل والتنكيل.
فالعدو يقتل الأجساد، أما الجاحد فإنه يطعن المعاني، ويهدم الوفاء، ويكسر ظهر الأمة حين يهوّن من دماء الصادقين وآلام الثابتين، أو يُنكرها، ثم يصبّ على الأمة كلها سهامَ الطعن والتخوين والبخس عن قوسٍ واحدة!
وما سقطت الأمم حين عجزت عن القتال فقط، بل سقطت يوم فقدت الوفاء والإنصاف، ويوم صار المخلص غريبًا، والمضحي منسيًا، والمخذِّل آمنًا مطمئنًا بين الناس. وما أكثر المخذلين اليوم بيننا، يسيرون بفجور وبغي لا يحفظون لمسلم شرفًا ولا حقًا.
إن أقلّ ما يجب تجاه تلك الدماء والتضحيات الكبيرة، أن تُحفَظ حرمتها، وأن يُعرف قدرها، وأن يُربّى الجيل على الإنصاف لا على التبخيس، وعلى الوفاء لا على التلون؛ فالأمة التي تنسى تضحيات أبنائها، تحفر قبرها بيدها.
وما أقبح الجحود وغمط الحقوق!
ثم إن من أعجب البلاء: أقوامًا لا تستيقظ مشاعرهم إلا إذا نطق الأجنبي أمام العدسات، ولا يرون للمآسي وزنًا حتى تتحدث عنها أمم أخرى!
أما إذا سُفك دم أخيك، وأُسر، وشُرِّد، وسُلب ما بين يديه، وأحاطت به صنوف الطغيان والتنكيل…لأجل كلمة حق، وموقف حق، ودعوة حق، فصمتٌ كصمت القبور!
ثم إذا أمنوا العواقب صاروا أسودًا على أهلهم، يطعنون ويثبّطون ويسخرون من خلف الشاشات، يسألون في تهكم: “أين المسلمون؟” وكأنهم أدّوا حق النصرة، وفرغوا من واجبهم، ولم يبق إلا لوم الآخرين!
أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامةٌ
فتخاءُ تنفرُ من صفير الصافرِ
يستهزئ بالمكلوم، ويشمت بالمبتلى، ويكثر الطعن في أهل البذل والثبات، ثم يظن نفسه خارج دائرة الغثائية التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم!
يا هذا، إن الغثاء ليس وصفًا للأمة وحدها في زمن التداعي … بل بفعلك الخسيس هذا تكون أنت من أخص الناس بوصف الغثاء، ما دمت لا تحمل خشية ولا إنصافًا، ولا تبذل نصرًا ولا صدقًا، ولا تملك إلا التخذيل والشماتة والطعن في ظهور المنهكين.
من عهدته مبخسًا مجحفًا فذاك المخذّل فاحذره، وإن حاضر في الخذلان وواجب نصرة الأمة!
ومن عهدته جريئًا في الطعن وصناعة الإفك وقلب الحقائق، والتعلق بأستار الكافرين والظالمين .. فاحذره فإنه منافق.
هذه الأمة لا تموت… لأن الذي تكفّل بحفظ دينها هو الله جل جلاله، ولأن فيها من الحق والنور ما يبقى إلى قيام الساعة، وتلك بشارة نبينا صلى الله عليه وسلم حين أخبر أن طائفةً من أمته ستظل ظاهرةً على الحق لا يضرّها من خذلها ولا من خالفها.
إنما الذي يموت حقًّا: ضمائر الظالمين، وقلوب الجاحدين، ونفوس الأذلة الذين يبتغون العزة عند من لا عزة له!
إن هذه الأمة حيّة، وإن مرضت فإلى حين، وإن أثخنتها الجراح، وإن تعاقبت عليها المحن، فإن جذوة الحق كامنة فيها، وروح الإيمان نابضة في أوصالها، وكلما ظن الناس أنها انطفأت، بعث الله فيها من يجدّد أمرها، ويوقظ عزائمها، ويعيدها إلى ربها.
فيا أيها الباذلون أرواحهم وأوقاتهم في سبيل ربهم، لا يضرّكم قول المرجفين، ولا تثقل قلوبكم جرأة البهتان والبخس والكفران والتخوين؛ فهذه طريقٌ ما سلم منها أهل الصدق قديمًا ولا حديثًا.
وليكن شعاركم ما قاله نبيُّ الله يعقوب عليه السلام حين ادلهمّت عليه المحن:
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾
وهو ما استحضرتْه أمُّنا عائشة رضي الله عنها يوم ارتفع ضجيج الإفك، وتكاثرت الألسن بالباطل؛ إذ لم يكن للمؤمن عند طغيان الظلم والافتراء إلا الصبر، والصدق، والاستعانة بالله عز وجل.
فاثبتوا أيها الغرباء القابضون على الجمر … فإن صوت الباطل إلى أفول، وأما ما يُبذل لله عز وجل فلا يضيع عند الله أبدًا.
ربح البيع!