﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾

في قلب القرآن الكريم تنبض سورة عظيمة، هيبة وعزة، سورة لا تشبه غيرها، سورة جاءت لتكشف الحقائق، وتفضح النفوس، وتحدد مسار المؤمن والمنافق، وتعلن صراحة موقف الله سبحانه وتعالى من عباده، ومن المشركين، ومن كل من عارض دعوة الحق. إنها سورة التوبة، أو براءة، السورة التي لم تبدأ بالبسملة، لتؤكد منذ البداية على الصراحة والقطع، وعلى إعلان البراءة من كل ما يعارض الحق.

سورة التوبة هي مرآة للإيمان، ومقياس للطاعة والصدق، وفصل واضح بين الحق والباطل، بين الخوف من الله والرغبة في الهوى، بين المخلصين والمنافقين. إنها السورة التي جمعت في طياتها مقاصد الإسلام الكبرى: التوحيد، حسن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، نصرة الحق، إقامة العدل، بيان حقوق الأمة، وتنظيم الحياة الفردية والجماعية.

من أول كلمة فيها “براءة” إلى آخر آية، ترى فيها توجيه الله لعباده، وتحذيره من الغفلة، وتذكيره بالجزاء، وتحفيزه على العمل الصالح، والجهاد في سبيله، والإخلاص في القول والفعل والاستعداد المهيب لحمل رسالة الدين وأمانة نصرة الحق. هي سورة جاءت لتكون نبراسًا للمجتمع المؤمن، وجدارًا حصينًا ضد الكفر والنفاق، ومرشدًا لكل من يريد أن يعرف قدر الحق وفضل الصدق والتقوى في حياته. سورة تنبض عزة مع كل آية فيها، كيف لا وهي الفاضحة للمنافين والمغيظة للكافرين.

عندما نغوص في آياتها، نكتشف حكمة الله في بيان الحقائق كما هي، وبغض للكذب والخداع، ورفع مكانة من ساروا على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحثها على التوكل والثبات، والتمسك بالعلم والعمل، والتفريق بين من يستحق الثواب ومن يستحق العقاب.

إن هذه السورة، بأسمائها المتعددة: براءة، التوبة، الفاضحة، العذاب، المنقرة، والمشددة، ليست مجرد آيات تُقرأ على سبيل كسب الحسنات فحسب، بل هي رسوخ عقيدة ومنهج، وخريطة حياة لكل مؤمن يسعى إلى رضوان الله عز وجل، ودليل عملي على أن الإيمان الحق لا يكون إلا بالصدق، والإخلاص، والامتثال لأوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله عز وجل.

ولنا هاهنا وقفة مع خواتيمها المهيبة!

يقول عز من قائل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].


يا قلب المؤمن، اسمع هذه النداء: تقوى الله ليست شعورًا لحظيًا، بل حرص دائم على البعد عن المحرمات، والاقتراب من الطاعات، والصدق في الأقوال والأفعال. والصدق هنا ليس مجرد الكلام، بل هو الصفاء في السر والعلن، والنقاء في النية، والوفاء للعهد مع الله ومع الناس.

المؤمن مع الصادقين، قلبه مستقيم، عمله خالص، حياته مثالٌ للبرّ، والبر يهدي إلى الجنة. في هذه الآية، هناك وعد للمخلصين بأن صبرهم وصدقهم لا يضيعان، فلتكن حياتك كلها صدقًا مع الله ومع نفسك ومع الآخرين. ثم لاقترانها بمقام الجهاد المهيب، وكأن الآية تذكرنا أن السير في مضمار الجهاد يتطلب صدقا عظيما، وتقوى الله عز وجل، وكل ذلك له فضائله ومعية الله التي تحفه، وهو عبادة يعيشها الفرد كما الجماعة، المقياس فيها ليس الجهاد كشعار، بل الجهاد بروح الصدق والتقوى، ومن حرم نفسه خسر!

ثم تأتي الآية الجليلة لتخبرنا عن فضل الجهاد والاخلاص في سبيل الله تعالى:

﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: 120].

تأمل: المؤمنون مدعوون لأن يقدموا أنفسهم في نصرة الحق، دون أن يضعوا راحتهم أو أهواءهم فوق واجبهم تجاه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

كل تعب، كل جهد، كل خطوة في سبيل الله تُكتب عملًا صالحًا لا يضيع أجره أبدًا. فالمشقة تصبح سعادة، والكدح يصبح رفعة، وكل نية خالصة تتحول إلى نور يضيء الطريق للآخرين. حتى إغاظة الكافرين عبادة، حتى النيل منهم عبادة، بغض النظر عن حجم الإغاظة والنيل! فسبحان الله كيف يصنع العزة في النفوس! فكيف لأمة بهذا الهدي أن يذلها أعداؤها! إلا أن تكون فرّطت في هدي القرآن العظيم، والجهاد في سبيل رب العالمين!

والآية التالية تؤكد:

﴿وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 121].

تخيل أن كل خطوة، كل إنفاق، كل مجهود، مهما صغر أو كبر، ملاحقٌ بأجر عظيم من الله عز وجل. لا حاجة للشعور بالضياع أو التعب، لأن كل عمل خالص لله سيجد جزاءه، وكل أثر من أثر الخير سيعود إليك أضعافًا مضاعفة. بأحسن ما يكون! والأهم في كل ذلك الإخلاص وحسن الاتباع.

ثم يذكر الله حكمة عظيمة:

﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].

تأمل معي: ليس كل المؤمنين مطالبين بالخروج للقتال، فهناك من يُخصّص للعلم ونشره. والعلم الشرعي هو سلاح لا يُرى بالعين، لكنه يبني الأمة ويصون الدين ويهدي القلوب، ويحصن النفوس من دعوات الإرجاف والتخذيل والضلالة والانحراف عن سبيل المؤمنين التي قد تكون سلاحا أيضا في يد أعداء الدين.

ومن تعلم فقه الدين ووعاه، ثم نشره بحكمة وصدق ابتغاء مرضاة الله لا حظ نفسه، فقد ساهم في جهاد الأمة وصيانتها وتعزيز قوتها، وأرشد الناس لعبادة الله الحق، ونشر ميراث النبوة دون خيانة أو إهمال.

    وهكذا تجمع هذه الآيات المعدودة من خواتيم سورة التوبة حقيقة الإيمان كحياة كاملة: بالتقوى والصدق، والجهاد والصبر، والعلم وحب الخير والهداية للناس.

    وما الصدق إلا أن تقبل كما أنت، لا داعي للخجل، فالله يعرفك كما أنت، لكن صدق إقبالك هو الذي يصنع الفارق.

    كل آية تنادينا: اجعل قلبك صادقًا، عملك خالصًا، جهادك في سبيل الحق، وعلمك نافعة للناس. فلا تقتصر الطاعة على الشعارات، بل اجعلها سلوكًا مستمرًا، حياةً مترابطة بين قلبك وعملك ومجتمعك، وبين الدنيا والآخرة.

    ثم يقول الله عز وجل:

    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 123]

    يا قلب المؤمن، هذه الآية تُعلمنا أن الثبات والشدة في الحق واجب، وأن لا خوف في الدفاع عن الدين، لا خوف من الأعداء إذا كانت النية صادقة. الغلظة هنا صلابة في الموقف، وشجاعة في مواجهة الباطل وإقادم يحدوه اليقين الكامل. وعليك أن تعلم أن كل قوتك مستندة على تقوى الله، فكل خطوة محسوبة في سبيل الحق، والله معك دائمًا.

    وتأتي الآية العظيمة:

    ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: 124]

      تأمل يا مؤمن، كيف أن المؤمن يفرح ويستبشر بالآيات، كيف أن فهمها والعمل بها يزيد القلب نورًا وطمأنينة. والإيمان ينمو بشكل مستمر بالعلم والعمل، والفرحة بالحق تزيد من قوة العزيمة وتصفو النفوس. ولذلك يزداد المؤمنون إيمانا بازدياد إقبالهم على القرآن والاستجابة لأمر الله عز وجل. وذلك بحد ذاته منحة ربانية جليلة تستوجب الحمد والشكر والتواصي!

      لكن هذا الجمال والبهاء ليس حال كل الناس! يقول عز وجل:

      ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: 125]

        فأما من قسا قلبه، ومن حمل شكًّا أو نفاقًا، فكل آية تزداد عليه حزنًا وبلاءً. فالقلب المريض يزداد مرضًا إذا أعرض عن الحق وأبى التوبة.

        هذه الآية تنبه المؤمن إلى أن يراقب قلبه دائمًا، ولا يدعه يفسد بالكسل أو الشك، فإن تجاهله يؤدي إلى الهلاك.

        ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: 126]

          فالله يبتلي الناس ليعلمهم، ليرجعوا إليه، ليثبتهم، لكن من يصرّ على ضلاله، يفوته الدرس. والمؤمن الحقيقي يتفقد إيمانه باستمرار، ويعيد ترتيب قلبه، ويزداد طاعة وحرصًا على الخير. لأن الابتلاء فرصة، والفهم هو ما يميّز المؤمن عن غيره. لكن المنافقين يفشلون في امتحانات الصدق هذه! فلا يتوبون ولا يذّكرون .. لا يرجعون لله ولا يتعظون!

          ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا ۚ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: 127]

            فالمنافقون يخافون الحق، ويتسللون ليتفلتوا، فيزداد قلبهم بعدًا عن الله وضياعًا.
            أما المؤمن، فإن نزول الآيات يجب أن يكون فرصة للاطمئنان، لتقوية الإيمان، وللتحرك بفعل الخير وحمل أمانة دين الله تعالى، بيقين وشجاعة، بلا خوف أو تردد.

            هذه الآيات كلها تنقل القلب من الانكسار إلى الثبات، من الشك إلى اليقين، ومن الخوف إلى الإقبال على الله عز وجل. إنها تعلمنا أن الثبات على الحق يحتاج تقوى وصبرًا، وأن زيادة الإيمان تأتي بالعمل والفرح بالقرآن، وأن القلوب المرضية تفسد بلا اجتهاد وتوبة.

            كل آية هي دعوة للارتقاء، وللصعود في سلم الإيمان، لتكون حياتنا ملأى بالصدق، والثبات، والخوف من الله تعالى، والرجاء فيه جل جلاله.

            ثم تأتي آيات يهتز القلب لها شوقا وحنينا، لسيد الخلق أجمعين:

            يقول الله جل جلاله ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [ سورة التوبة: 128]

            تأمل قلبك، يا مؤمن، في هذه الآية: نبيك من نفسك، يعرف حالك، ويتألم لما تتألم له. كم هو عظيم هذا الحب النقي الذي يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يحرص على هدايتك، ويستبقيك من الشر، ويحب لك الخير قبل نفسه. إنه رؤوف رحيم بالمؤمنين، أرحم بهم من والديهم، وأشدهم حرصًا على سعادتهم في الدنيا والآخرة.

            من هذه الحقيقة نعي أن حب النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته حق واجب على كل قلب مؤمن، وأن السير على نهجه طريق للنجاة والطمأنينة وحسن الخواتيم.

            وتأتي المواساة كلها، والتوصية الأرجى هنا: حيث قال الله عز وجل:

            ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: 129]

              فعندما يصر البعض ولو كثروا، على الإعراض والعناد، تظل دعوتك صافية، لا تتزعزع، لأنك تعلم أن الله كافٍ لك وحده. فيتردد في قلبك: “حسبي الله”، أي: الله يكفيني في كل ما يقلقني ويهمني، واثق أنت من أن لا إله إلا هو، وأنه الحامي والمعين لكل من ابتغى الحق بصدق.

              والتوكل هنا طمأنينة واستسلام كامل لحكمة الله وقدرته، التي تشمل كل شيء، من أعظم المخلوقات إلى أدق التفاصيل في حياتك.

              إن هذه الآيات تجمع بين حب النبي صلى الله عليه وسلم والحرص على المؤمنين، وبين الثقة المطلقة بالله والتوكل عليه في مواجهة حقائق القلوب المفجعة. فالمؤمن يتعلم منها أن:

              يكون قلبه مع النبي صلى الله عليه وسلم، مستنيرًا برؤياه ونصحه، شاكرًا لرحمته وحرصه عليه.

              لا يلتفت إلى العناد أو النفور من الآخرين، بل يمضي في سبيل الحق بثبات وصبر وجهاد.

              يضع ثقته في الله وحده، ويعلم أن من أعظم المخلوقات إلى أصغرها تحت قدرة الله عز وجل، وأنه كافٍ لكل همومه، وموفر لكل حاجاته، وناصره في كل معركة على الحق. هذه هي الرسالة وهذه هي الطريق، فماذا بقي بعد ذلك من عذر للقاعدين!

              هكذا، تجمع هذه الآيات بين الحنان والرحمة، والحزم والثقة، والعمل الصادق والثبات على الطريق المستقيم، لتصبح دروسًا حية في قلب كل مؤمن يسعى للحق، ويبتغي مرضاة الله في الدنيا والآخرة. وتلك هي سبيل العزة لا غيرها!

              وفي الختام،

              إن سورة التوبة رحلة قلب ووجدان، ومرشد لحياة المؤمن، ودليل على ثبات الحق ودوام النصر للمخلصين. هي السورة التي جمعت بين حب النبي صلى الله عليه وسلم، والحرص على المؤمنين، وحثهم على العمل الصالح، والجد والشجاعة والإقدام بلا تلجلج في نشر الحق ونصرته، والتوكل على الله في كل أمر وخطوة.

              تجعلنا هذه الآيات نعي أن الإيمان عمل مستمر، وجهاد دائم، وتقوى ترافق كل خطوة، وصدق يملأ القلوب، وعلم يُنشر بحكمة، ونية صافية تتحول إلى نور يهدي الناس. تدعونا للتأمل في أنفسنا، لنراجع قلوبنا، ونقوي إيماننا، ونجدد ارتباطنا بالله عز وجل، ولنتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم في حرصه علينا، ورحمته بنا، وإخلاصه لدينه. فدته نفسي!

              فالآيات كلها تصوغ فينا رؤية شاملة: أن كل مجهود، وكل إنفاق، وكل كلمة صادقة، وكل خطوة في سبيل الحق محسوبة عند الله عز وجل، وأن من سار على الصراط المستقيم، لم يضل ولا يندم. وأن المؤمن الحق هو من يجمع بين الرحمة والحنان مع الحزم والشدة، بين الحب للحق والثقة بالله، بين العمل الصالح والتوكل الكامل عليه.

              كما تكشف هذه السورة بعمق! أمراض القلوب، وأصناف البشر، وخطورة المسالك، وتأثير دقائق المقاصد في القول والعمل، ما يستوجب يقظة ووجلا ومحاسبة للنفس، ليستمر أداؤها مسددًا، ثم يقظة وحذرا واستعداد مواجهة مع الأعداء. وعدم الاستهانة بأصغر ما يقدم المؤمن لنفسه في سبيل العزة والجهاد، حتى الفرح بالقرآن، معلم حق في المسيرة إلى الله تعالى، فسبحان الله!

              فلنأخذ من هذه السورة نبراسًا يضيء طريقنا، ونموذجًا نحيا به حياتنا، فليكن قلبنا مع النبي صلى الله عليه وسلم محبة واتباعا، وعملنا لله عز وجل إخلاصا واستقامة، وثقتنا في رب العرش العظيم لا تتزعزع، ولنحرص على أن نكون مع الصادقين دوما في القول والعمل، ثابتين في الحق، مطمئنين في كل أمر، مستبشرين بالخير، موقنين بأن الله لا يضيع أجر المحسنين.

              إنها دعوة للتفكر، ودعوة للثبات، ودعوة للجهاد في سبيل الله بكل جوارحنا وفي كل ميادين الجهاد لا نستصغر ميدانًا منها مهما بدى مهملا، لتصبح حياتنا شهادة للإيمان، وللصدق! ونورًا للآخرين وإقامة للحجة لهم أو عليهم، وطريقًا إلى رضوانه والجنة بإذن الله عز وجل.

              (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ* فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)

              وما أعجب خاتمة سورة التوبة!

              تبدأ بالبراءة من المشركين بخطاب شديد وواضح المفاصلة!
              وتنتهي بالمحبة! لسيد الخلق أجمعين، بخطاب رقيق، شديد الرفق والمواساة!

              وفي طياتها معالم الحق وأسباب الثبات للمجاهدين!

              وكأنها تقول، عز هذه الأمة، يبدأ من محبة النبي صلى الله عليه وسلم واتباع منهجه تمام الاتباع ..! ولا تبال بعدها بشيء!

              اللهم اجعلنا من أهل الصدق والعلم، والجهاد والشهادة!

              النشرة البريدية

              بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

              Subscription Form

              شارك
              الاشتراك
              نبّهني عن
              guest

              1 تعليق
              الأقدم
              الأحدث الأكثر تصويت
              Inline Feedbacks
              عرض جميع التعليقات
              زايد طه جمعة الحديد

              أسال الله العظيم رب العرش العظيم ان يجزيك عنا خير الجزاء ..مقالاتك نبراس يستنار به في الظلمات.بارك الله في علمك وغفر لنا ولك وتقبل منك كل كلمة يخطها قلمك.

              1
              0
              Would love your thoughts, please comment.x
              ()
              x