﴿إِنَّهُم يَرَونَهُ بَعِيدًا ونراهُ قرِيبًا﴾

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139).

في مثل هذه الظروف من صولة الباطل وعدوان الظالمين على الإسلام والمسلمين، لا بد أن يستبشر المؤمن بقرب الفرج، فما يأتي الفجر إلا بعد أشد ساعات الليل ظلاما، وكلما علا الصهاينة في الأرض اقترب موعد الظفر.

لا بد في مثل هذه اللحظات من بث اليقين والاستبشار، من التذكرة بوعد الله الحق. من تعليم الصغار قبل الكبار قصة الصراع بين الإسلام وقوى الشر، إنها فرصة لنحدثهم عن الأقصى كتاريخ ومستقبل، كواجب وفرض، كحياة لله وفي سبيل الله، يكبر الطفل عُمريا يحمل البطولة في أحلامه وآماله، تلك صناعة الأجيال المنتصرة.

إن مسيرة الإسلام طويلة والعمل له تتوارثه الأجيال، لأنها قصة عظيمة لا تكتب بحبر بل بالدماء، قصة تأخذ من أنفسنا وحياتنا وكل نبض، فالعيش لهدف رباني هو العيش الرغيد، أما العيش بغفلة، لأجل هدف دني، فهو مصدر التعاسة والعجز. لذلك لنصنع من كل تفصيل في المشهد زادا لمسيرتنا، لنصنع منه القوة.

إن أكبر هزيمة في أي صراع، هي الهزيمة النفسية، حين يستسلم المسلم لعدوه ويعجز أمام حيله وأصناف مكره، ينسى أن الله مولانا ولا مولى لهم، ينسى ما مرّ على الصحابة من قبل، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214).

فهذا أحب الخلق لله سبحانه امتحنهم في مشهد الصراع مع الباطل، فصبروا ولم يتزعزع عزمهم لحظة، لأنهم يعلمون أن النصر من عند الله جل جلاله، وأن تحقيقه ليس مسألة سهلة إنما بثمن باهظ ولذلك هو نصر له مكانته له كل معنى!

على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، على صبرهم وثباتهم ويقينهم تتربى الأنفس وتشتد أعواد الأجيال، على حسن التوكل على الله والعمل لدينه بلا كلل ولا ملل، حتى أصغر عمل هو بالإخلاص لله عظيم وعظيم جدا، فإنما ننتصر عليهم بإخلاصنا وصدقنا وحسن اتباعنا، وإن ملكوا كل قوة في الأرض.

لقد نبأنا النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما نشاهده اليوم! وهذه كرامة لأمة محمد! كرامة يجب أن نعطيها حقها من العناية والعمل، من التصديق بالشكر والحمد وحسن التواصي بالصبر والحق، فإن النفوس المؤمنة تبصر البشريات في كل مشهد مظلم لأنها ترى في زاوية ما نورا يتلألأ لا يبصره إلا المبصرون!

هذا وقت بثّ البشريات، وتحريض المؤمنين على الثبات والاتباع لأمر الله، وقت لا يقبل إلا الاستعلاء بالإيمان لأنه سبيل النصر المبين، فليحشد الصهاينة كل ما يمكنهم من مكر! فإنهم المغضوب عليهم ومن يجرأ على تحدي قدر الله ومشيئته! لم يفلح بنو إسرائيل من قبل فكيف يفلح أحفادهم وهم على ذات النهج!

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ* وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤمِنِينَ ۝ إِنّ رَبَّكَ يَقْضي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ۝ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ۝ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ ۝ وَمَآ أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ﴾ (النمل: 76-81)

إنه وقت القرآن وقت الذكرى وقت الفرار إلى الله، فكل الأجوبة في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وسيرته. ما فرط قوم فيها إلا ذلوا! وما تمسكوا بها إلا كان لهم الرفعة في الدارين.

فإن لم نحقق النصر والتمكين نحن! فلن نترك أبناءنا يفجعون! بل سنحقنهم بترياق العزة حقنا، ونصنعهم على الإسلام صناعة الصحابة الأخيار، وما لا يدرك كله لا يترك جله، فكل ما نبنيه اليوم سيحصده غدا أبناؤنا، وبناء مجد أمة يُبنى بجهود تراكمية تكاملية بين أبنائها، لذلك هي أمة واحدة، والمؤمنون بعضهم أولياء بعض.

لقت مر الكثير على هذه الأمة ولم يبق إلا القليل وتشرق عليها شمس التمكين بإذن الله، فصبر جميل، ﴿إِنَّهُم يَرَونَهُ بَعِيدًا ونراهُ قرِيبًا) (المعارج: 6)، نراه قريبا بدرجة قربنا من الله، بدرجة التزامنا بهدي نبيه صلى الله عليه وسلم، فكلما ابتعدنا عن سبيل المؤمنين سنراه بعيدا جدا ونهزم بلا أدنى جهد!

فلتبشر القلوب المؤمنة بأجر عظيم في هذا الزمان، أجر غربة الدين، أجر الصبر على غلبة الباطل، أجر الاستعلاء بالإيمان في زمن جاهلية! ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ (غافر: 77)

مصحفك أيها المسلم، أول عدة لقلبك، ثم حدثني عن قوة الحق، عن فضل الله العظيم!

اللهم قد طال ليل الظالمين فمنّ علينا بفجر مشرق بالإسلام، ينصر فيه أولياؤك ويدحر فيه أعداؤك. اللهم اكتب لنا سهما في كل نصر تنصر به المؤمنين، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا للمرجفين والظالمين. اللهم إنا نستودعك أقصانا الأسير، اللهم أطفئ نار فتنة اليهود فيه!

اللهم انصرنا عليهم على ضعفنا. آمين.

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x