قد تمرّ على الإنسان في حياته لحظات يظن فيها أن الأمور تسير بغير ميزان، وأن الظلم قد يعلو، وأن الباطل قد يمتد به الأمد. ولكن القرآن العظيم يعيد ترتيب النظر، ويكشف الحقيقة الكبرى: أن الكون كله قائم على ميزان العدل الإلهي، وأن ما يراه الناس من اضطراب أو تأخر للجزاء ليس خللًا في الميزان، بل هو جزء من حكمة الله في الابتلاء والتمحيص.
نقف اليوم عند آيات جليلة من سورة يونس تفتح للقلب نافذة واسعة على حقيقة العدل، وسرّ الغفلة، وسرعة انقضاء الدنيا، وحتمية اللقاء بالله عز وجل. إنها لا تخاطب العقل فحسب، بل تهز القلب هزًّا، وتوقظ الإنسان من سُبات العادة، ليعلم أن الطريق الذي يسلكه اليوم هو الطريق الذي سيقف عليه غدًا بين يدي الله سبحانه وتعالى.
فهي آيات تُظهر أن الظلم الحقيقي ليس ما يقع على الإنسان، بل ما يوقعه الإنسان بنفسه حين يعرض عن الحق، وأن الزمن الذي يظنه الناس طويلًا ليس عند الله إلا لحظة عابرة، وأن العذاب الذي يستهزئ به المكذبون قد يأتيهم في غفلة وهم لا يشعرون.
يبدأ الخطاب بحقيقة كبرى تهدم كل وهم:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [ يونس: 44]
إنها قاعدة من أعظم قواعد الوجود:
الله سبحانه لا يظلم أحدًا، فلا يزيد في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم، ولا يعاقب بغير جرم. لكن الناس حين تُعرض عليهم آيات الحق فيردّونها، وحين تأتيهم الهداية فيصدّون عنها، فإنهم بذلك يكتبون بأيديهم بداية شقائهم.
فالظلم الحقيقي ليس أن تُبتلى، بل أن ترفض النور حين يأتيك.
وما الطبع على القلوب، ولا الختم على الأسماع والأبصار، إلا نتيجة طريق طويل من الإعراض والعناد.
ثم ينتقل القرآن بالقلب إلى مشهد يهز الغافلين:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾
كم تبدو الدنيا طويلة في أعين أهلها! سنوات من السعي والكدح، وأعمار من الطموحات والآمال. لكن حين يقف الناس في ساحة القيامة، تنكمش هذه الأعمار كلها حتى تبدو كساعة من نهار.
كأن كل ما مرّ لم يكن إلا لحظة عابرة. وكأن الضجيج الذي ملأ الدنيا لم يكن إلا همسًا زائلًا. كل الأرقام، كل مقاييس الدنيا لا يعود لها اعتبار!
عندها تتجلى الحقيقة الموجعة:
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾
الخسارة ليست خسارة مال أو جاه، بل خسارة الأبد كله. خسروا الطريق، وخسروا النعيم، وخسروا فرصة النجاة.
ثم تأتي آيات تسلية للنبي ﷺ ولكل داعية إلى الحق:
﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾
ليست مهمة الرسل أن يعجّلوا العقوبة، ولا أن ينتقموا لأنفسهم، بل مهمتهم البلاغ والبيان.
أما الحساب فموعده عند الله جل جلاله.
فإن رأى المؤمن بعض العدل في الدنيا فذلك من فضل الله تعالى، وإن تأخر الجزاء فذلك موعد محفوظ في علم الله لا يضيع.
ثم يقرر القرآن سنة عظيمة في تاريخ البشر:
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾
ما من أمة إلا قامت عليها الحجة، وما من قوم إلا أرسل الله إليهم من يدلهم على الطريق.
فإذا جاء الرسول وانقسم الناس بين مؤمن ومكذب، جاء حكم الله العادل:
﴿قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
ينجو المؤمنون، ويهلك المكذبون. وهكذا تتكرر القصة في تاريخ الأمم، لأن السنن الإلهية لا تتبدل.
لكن المكذبين في كل زمان يسلكون الطريق نفسه: طريق السخرية والاستعجال.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾
يستعجلون العذاب كأنهم يستعجلون بشرى! وما علموا أن تأخر العذاب ليس عجزًا، بل إمهال من الله لعل القلوب ترجع.
ثم يأتي الرد الحاسم:
﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾
حتى النبي ﷺ لا يملك لنفسه شيئًا إلا ما شاء الله. فكيف يملك تعجيل العقوبة أو تأخيرها؟
إن لكل أمة أجلًا، ولكل مرحلة موعدًا مقدرًا:
﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
فإذا جاء ذلك الموعد، لا ينفع حذر، ولا تؤخره قوة. ثم يصور القرآن فجأة العذاب وهو يأتي في غفلة:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا﴾
قد يأتي ليلًا والناس نيام، أو نهارًا والناس في غفلتهم وأعمالهم.
فأي شيء يستعجل منه المجرمون؟ وأي بشرى في عذاب يدمّر كل شيء؟
ثم يأتي التوبيخ القاسي:
﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنتُم بِهِ آلآنَ﴾
الآن تؤمنون؟ بعد أن وقع العذاب؟ بعد أن انكشف الغطاء؟
إن الإيمان ساعة الشدة لا ينفع إن كان القلب قد أعرض زمن القدرة والاختيار. ولهذا يقال لهم يوم القيامة:
﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾
عذاب لا ينقطع، ولا يفتر، ولا يزول. ثم يختم السياق بيمين عظيم يقطع كل شك:
﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾
القيامة حق. الحساب حق. الجزاء حق.
وما أنتم بمعجزين الله، ولا هاربين من قدره.
هكذا تجمع هذه الآيات بين العدل الإلهي، وسرعة زوال الدنيا، وحتمية الحساب.
فهي تعلمنا أن الظلم الحقيقي ليس ما يلقاه الإنسان من البلاء، بل ما يصنعه بيده حين يعرض عن الحق.
وتعلمنا أن العمر الذي نراه طويلًا ليس إلا لحظة عابرة في ميزان الآخرة، وأن العذاب الذي يستهزئ به الغافلون قد يأتي فجأة حين لا ينفع الندم.
فالسعيد من انتبه قبل أن يقال له: الآن؟ والفائز من جعل الدنيا مزرعة للقاء الله عز وجل.
أما من عاش غافلًا حتى انكشف الغطاء، فسيعلم يومئذ أن أعظم الخسارة ليست خسارة الدنيا، بل خسارة الأبد كله.
ثم يكشف القرآن مشهدًا آخر من مشاهد القيامة. مشهدٌ تتجرد فيه النفوس من كل وهم كانت تتشبث به في الدنيا:
﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ﴾
في الدنيا يتوهم الناس أن المال يفتح الأبواب المغلقة، وأن الثروة تستطيع أن تدفع المصائب وتغير المصائر. لكن حين يقف الظالم بين يدي الله، لو ملك كل ما في الأرض من ذهب وفضة وكنوز لبذله في لحظة واحدة ليفتدي نفسه من عذاب الله عز وجل.
غير أن تلك اللحظة تكشف الحقيقة القاسية: أن ما ينجي الإنسان ليس ما جمعه بيديه، بل ما قدمه بقلبه وعمله.
ثم يرسم القرآن صورة نفسية عميقة:
﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾
إنها ندامة صامتة، ندامة لا يستطيع أصحابها حتى أن يصرخوا بها.
الصدمة أكبر من أن تُقال، والخسارة أعظم من أن توصف. لكن الندم في ذلك اليوم لا يغيّر مصيرًا، ولا يمحو خطيئة.
فقد قُضي الأمر:
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
عدل كامل لا جور فيه، ولا نقص، ولا زيادة. كل نفس تأخذ ما عملت، وكل إنسان يلقى ما قدم.
ثم يرفع القرآن أنظار القلوب إلى حقيقة الملك:
﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾
كل ما يتصارع الناس عليه في الدنيا من سلطان وملك ونفوذ، هو في الحقيقة ملك لله وحده.
فالملوك الذين يظنون أنهم يملكون الأرض، إنما هم عابرون في ملك الله جل جلاله.
ولهذا يأتي التذكير الحاسم:
﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾
ليس وعدًا مجازيًا، ولا تهديدًا رمزيًا، بل حقيقة تنتظر موعدها. ولكن أكثر الناس لا يعلمون، لأن الغفلة تغشي القلوب، ولأن الدنيا تملأ الأبصار.
ثم يقرر القرآن حقيقة الوجود الكبرى:
﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
من بيده البداية بيده النهاية. ومن خلق الإنسان أول مرة، قادر على أن يعيده مرة أخرى.
فالحياة ليست دائرة مغلقة تنتهي بالموت، بل رحلة تبدأ بالميلاد وتنتهي بالرجوع إلى الله عز وجل.
ثم ينتقل السياق من مشاهد الوعيد إلى باب الرحمة، فيفتح للإنسان طريق النجاة:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾
إنه القرآن العظيم!
ليس كتاب معلومات، ولا نصًا تاريخيًا فحسب، بل موعظة تهز القلوب وتوقظ الضمائر.
ثم يصف أثره العميق:
﴿وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾
فكم في الصدور من أمراض! أمراض الشهوات التي تشد الإنسان إلى الأرض، وأمراض الشبهات التي تلبس الحق بالباطل. فيأتي القرآن ليزيل الظلمة، ويعيد للقلب صفاءه.
فإذا شُفي القلب من مرضه، تبعته الجوارح كلها؛ لأن القلب هو القائد الحقيقي للإنسان.
ثم يبين القرآن ثمرة ذلك كله:
﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾
الهداية طريق، والرحمة ثمرة. فمن اهتدى بالقرآن، نال رحمة الله في الدنيا والآخرة.
ولهذا يأمر الله عباده بفرح مختلف عن فرح الدنيا:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾
الناس يفرحون بما يجمعون من المال والمتاع، لكن الفرح الحقيقي هو فرح القلب بالهداية.
فالقرآن والإيمان أعظم من كل كنوز الأرض؛ لأن متاع الدنيا يزول، أما نعمة الدين فتبقى إلى الأبد.
ثم يفضح القرآن خطيئة أخرى من خطايا البشر:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾
حين يضع الإنسان نفسه في موضع التشريع بغير إذن الله تعالى، فإنه لا يغيّر حكمًا فحسب، بل يتجرأ على مقام الربوبية.
ولهذا يأتي السؤال الذي يهدم كل دعوى:
﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾
إما وحي من الله، وإما افتراء على الله. ولا منزلة ثالثة بينهما.
وكما أن تحليل ما حرم الله عظيم، فإن تحريم ما أحل الله عظيم، لا يحق لبشر أن يحل أو يحرم فيفتري على الله عز وجل!
ثم يأتي التهديد الذي يهز القلوب:
﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
أيّ ظنّ يظنه من نسب إلى الله ما لم يقله؟ وأي مصير ينتظر من كذب على خالقه؟
ومع ذلك فإن الله واسع الفضل:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾
رزقهم، وهداهم، وأمهلهم، وفتح لهم أبواب التوبة. لكن أكثر الناس لا يشكرون هذه النعم، بل يستعينون بها على المعصية.
ثم يختم السياق بتذكير عظيم يوقظ ضمير الإنسان في كل لحظة:
﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾
آية يتصدع لها القلب وينحني ركوعا وسجودا، لا إله إلا أنت!
كل حركة في الحياة، كل كلمة تُقال، كل فكرة تمر في القلب، هي في علم الله عز وجل، وتحت شهوده. فلا يغيب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
إنه علم يحيط بكل شيء، وكتاب كُتب فيه كل شيء.
ولهذا فإن حياة المؤمن الحق هي حياة المراقبة الدائمة؛ أن يعمل وهو يعلم أن الله يراه، ويتكلم وهو يعلم أن الله يسمعه، ويتحرك وهو يعلم أن كل شيء مكتوب عند الله.
فإذا استقرت هذه الحقيقة في القلب، صار الإنسان يعيش في الدنيا بقلب يقظ، وروح متصلة بالله، يسير في الطريق وهو يعلم أن كل خطوة فيه تقرّبه من لحظة اللقاء.
واستحضار هذه المعاني لحظة قراءة القرآن سعادة لا تُبارى موجبة للخشوع والانكسار!
وبعد أن عرضت الآيات مشاهد الحساب والندم والعدل الإلهي، ينتقل القرآن فجأة إلى مشهد آخر مفعم بالطمأنينة، كأنما يفتح نافذة نور وسط مشاهد القيامة المهيبة:
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
إنها بشارة عظيمة تهز القلب رجاءً. ففي يوم يملؤه الخوف والاضطراب، ويقع فيه الناس تحت ثقل الحساب، هناك طائفة استثناها الله عز وجل من هذا القلق العظيم.
لا خوف عليهم مما يستقبلهم من أهوال القيامة، ولا حزن يعتصر قلوبهم على ما خلفوه وراءهم في الدنيا.
لقد عبروا الدنيا بقلوب مطمئنة بالله تعالى، فجاءهم الأمن يوم الفزع الأكبر.
لا خوف عليهم! ولا هم يحزنون! مهما أثخنت فيهم تكاليف الاستقامة، مهما كاد لهم الأعداء! فيا لجلال الولاية!
لكن من هم أولياء الله؟
ليسوا أصحاب ألقاب، ولا جماعات مخصوصة، ولا طبقة دينية مغلقة.
إن القرآن يعرّفهم تعريفًا واضحًا صريحًا:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾
الإيمان في القلب، والتقوى في العمل. صدق مع الله في الاعتقاد، واستقامة مع الله في السلوك.
فكل من جمع بين الإيمان الصادق والتقوى الصادقة فهو من أولياء الله، مهما كان اسمه أو نسبه أو مكانه.
ثم يفيض القرآن ببشارة أخرى تملأ النفس رجاءً:
﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾
فالله لا يؤخر كرامة أوليائه كلها إلى الآخرة، بل يذيقهم من طعمها في الدنيا.
فمن بشارات الدنيا:
أن يفتح الله للعبد أبواب الطاعة، ويحبب إليه الإيمان، ويجعل له قبولًا في قلوب المؤمنين، ويريه من لطف الله عز وجل ما يطمئن به قلبه.
وقد تكون البشارة رؤيا صالحة، أو توفيقًا في الطاعة، أو انشراح صدر للخير.
ثم إذا جاء الموت، بدأت البشارات الكبرى:
تتنزل الملائكة عند خروج الروح قائلة: لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون.
ثم تمتد هذه البشرى في القبر، وفي الحشر، وفي الجنة. ولهذا قال الله جل جلاله:
﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾
وعد الله لا يتغير، ولا يتبدل، ولا يتراجع. فمن أقبل بالإيمان والتقوى نال هذه البشرى حتمًا.
ولهذا ختمت الآية بهذه الحقيقة العظيمة:
﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
ليس الفوز أن يملك الإنسان الدنيا، ولا أن يعلو اسمه بين الناس، بل الفوز الحقيقي هو النجاة من النار ودخول الجنة. وهذه هي المرتبة التي تبذل لها الأعمار والأنفاس والأموال والجهود وكل عمل صالح ونية صالحة!
ثم يلتفت الخطاب إلى قلب النبي ﷺ، وكل من يسير في طريق الدعوة لله ونصرة دينه عز وجل:
﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾
سيقول أهل الباطل ما يشاؤون. سيسخرون، ويشككون، ويطعنون. لكن كلماتهم لا تملك أن تغيّر الحقيقة، ولا أن تهزم الحق. لأن العزة ليست في أيدي الناس، بل في يد الله جل جلاله:
﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾
فالذي يطلب العزة من غير الله يطلب سرابًا. أما من طلبها بطاعة الله، فإن الله يرفعه ولو حاول الناس خفضه.
ولهذا قال الله عز وجل:
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾
إنها عزة تقوم على الإيمان، لا على القوة المجردة. وعزة تستمد من السماء، لا من تصفيق الأرض.
ثم يختم السياق بتذكير عظيم يطمئن القلوب:
﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
يسمع أقوالك، ويسمع أقوال أعدائك، ويعلم ما في الصدور من صدق وكذب. فلا يضيع عنده حق، ولا تخفى عليه نية.
ومن علم أن الله تعالى يسمع ويرى، عاش مطمئن القلب، ثابت الخطوة، لا يضطرب أمام ضجيج الباطل.
وفي الختام،
تجمع هذه الآيات رحلة كاملة من الإنذار إلى الرجاء، ومن العدل إلى الرحمة.
بدأت بتذكير الإنسان بأن الظلم الحقيقي هو ظلم النفس، وأن يوم القيامة يوم تنكشف فيه الحقائق، حتى إن الظالم لو ملك كنوز الأرض كلها لبذلها ليفتدي نفسه من عذاب الله عز وجل.
ثم قررت أن ملك السماوات والأرض لله وحده، وأن الحياة والموت بيده، وأن الرجوع إليه حتمي لا مفر منه.
ثم فتحت أبواب النجاة، فبيّنت أن القرآن العظيم موعظة وشفاء وهداية ورحمة، وأن أعظم ما ينبغي أن يفرح به الإنسان ليس مال الدنيا، بل نعمة الإيمان والهداية.
ثم حذرت من أخطر الجرائم: الافتراء على الله وتغيير أحكامه، وذكّرت بأن الله تعالى مطلع على كل حركة في الكون، لا يغيب عنه مثقال ذرة.
ثم ختمت هذه الرحلة بفتح باب الأمل العظيم: باب ولاية الله جل جلاله.
فمن آمن واتقى صار من أولياء الله، ومن كان لله وليًا نال الأمن يوم الخوف، والبشرى في الدنيا والآخرة، والعزة التي لا تزول.
وهكذا يرسم القرآن للإنسان طريقه بوضوح:
طريق يبدأ بالإيمان، ويمتد بالتقوى، ويثمر طمأنينة في الدنيا، وينتهي بفوز عظيم يوم اللقاء.
فالسعيد من جعل قلبه مع القرآن قبل أن يقف بين يدي الرحمن، ومن استعد ليومٍ يعلم فيه أن كل شيء في الدنيا يزول، إلا ما كان لله جل في علاه.
اللهم اجعلنا من أوليائك الأصدق والأتقى والأحب!