إنَّ من أكثر ما يبعث الهيبة في القلب عند تدبّر آيات الإيمان، وآيات المعية الربانية، وفضائل الاستقامة؛ ذلك الحديث المتكرر عن الامتحان والتمحيص، وعن كشف ما تخفيه الصدور. إنه الحديث عن الابتلاءات والفتن التي تمتحن حقيقة الإيمان قبل كل شيء، وتُظهر صدق الدعوى من زيفها.
فليس الإيمان مجرد ادعاء يُعلن، بل هو طريق يُختبر فيه القلب وتُمتحن فيه النفس. ولهذا افتتحت سورة العنكبوت آياتها بهذه الحقيقة العظيمة التي تستدعي الوقوف والتدبر والاتعاظ.
إنها تذكّرنا أن سلعة الله غالية … بل غالية جدًا، وأن مراتب القبول والرضوان عند الله عز وجل رفيعة سامية، لا يبلغها إلا من صدق مع الله، وثبت عند الفتنة، وصبر في طريق الإيمان.
يقول الله عز وجل:
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [ العنكبوت: 2]
هذه الآية العظيمة ترسم قانونًا ربانيًا ثابتًا في طريق الإيمان؛ وهو أن الإيمان دعوى تحتاج إلى برهان.
فهل ظن الناس أن مجرد قولهم آمنا يكفي دون امتحان؟
بل هو حقيقة يبرهن عليها الصبر والثبات عند الشدائد. ولهذا يأتي الابتلاء ميزانًا يكشف صدق القلوب. فكما أن الذهب لا يُعرف خالصه إلا بالنار، كذلك الإيمان لا يُعرف صدقه إلا بالابتلاء.
والابتلاء سنة إلهية لا تتخلف، وقد بيّن الله أن حكمته تقتضي الامتحان، لأن بدون الابتلاء لا يتميز الصادق من الكاذب. فالفتن ليست علامة غضب بالضرورة، بل هي سنة ربانية في تمحيص المؤمنين.
ولهذا ابتُلي الأنبياء وهم خير الخلق: فابتُلي نوح بتكذيب قومه وابتُلي إبراهيم بالنار وابتُلي موسى بفرعون وابتُلي محمد ﷺ بالأذى والحصار.
فمن ظن أن طريق الإيمان مفروش بالراحة فقط لم يفهم سنن الله في عباده.
والفتنة نوعان: شبهات وشهوات
وفتنة الشبهات: هي ما يطرأ على القلب من شكوك واعتراضات على العقيدة.
وفتنة الشهوات: هي ما يدعو النفس إلى المعاصي ويصرفها عن الطاعة.
فمن ثبت أمام الشبهات بالعلم واليقين، وثبت أمام الشهوات بالصبر والتقوى، فهذا دليل صدق إيمانه.
والابتلاء يكشف حقيقة القلب لأن الرخاء تزدهر فيه الادعاءات بدون برهان صدق. لكن المحنة تكشف: من يزداد قربًا من الله ومن يفر إلى المعصية، ومن يثبت ومن ينهار، من يشتد يقينه ومن يرتاب!
فالبلاء يمحص الرجال كما تمحص النار الذهب. ودرجات الناس في الصبر مختلفة، فليس الناس في مواجهة الفتن سواء، بل هم على مراتب:
فمنهم من يثبت ويزداد إيمانًا، ومنهم من يضعف ثم يعود، ومنهم من يسقط عند أول اختبار,
ولذلك على العبد أن يكثر من سؤال الله الثبات على دينه. فالثبات نعمة عظيمة لا يملكها العبد بنفسه، بل هي توفيق من الله سبحانه.
وفي الابتلاء تربية إيمانية لما يحمله من تربية للنفس: إذ يطهر القلب من النفاق ويقوي الصلة بالله ويعلم النفس الصبر واليقين ويرفع الدرجات بقدر إخلاص الدين لله، والرضا بما تثخن في النفس الأقدار، ولهذا كان البلاء للمؤمن ارتقاءً إذا صبر واحتسب.
فلا بد أن تعي أيها المسلم، أيتها المسلمةـ أن طريق الإيمان طريق اختبارـ والفتن ميزان الصدق، والثبات أعظم علامة على صحة الإيمان. فمن أراد الجنة فليعلم أن الطريق إليها يمر عبر الصبر على الفتن.
ولو ترك الناس بلا ابتلاء لادعى الإيمان كل أحد، ولكن البلاء يميز أهل الصدق من أهل الدعوى.
ولكل مقدمات، يُكرم لها المرء أو يُهان!
ثم يقول الله عز وجل ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [ العنكبوت: 3]
فإن كانت الآية الأولى قد قررت أن الإيمان لا بد أن يُمتحن، فإن هذه الآية جاءت لتؤكد حقيقة أخرى عظيمة، وهي أن الابتلاء ليس أمرًا جديدًا ولا استثناءً لهذه الأمة، بل هو سنة قديمة في جميع المؤمنين عبر التاريخ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾
أي: لقد امتحنا واختبرنا الأمم السابقة كما نختبر هذه الأمة.
لذلك على المؤمن حين يبتلى أن يعلم أنه يسير في طريق الأنبياء والصالحين، وليس في طريق مهجور.
ولقد ابتُلي المؤمنون قبلنا: بالسجون وبالتعذيب وبالتشريد وبقتل الأحباب وبالحصار وبالمطاردة وبمحاربة عقيدتهم حتى وصل الأمر كما في وصف الحديث أن يقطعوا بالمناشير! ومع ذلك ثبتوا، فكان ابتلاؤهم طريقًا إلى رفعة درجاتهم وخلود ذكرهم.
عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شَكَوْنَا إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا له: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟
قالَ صلى الله عليه وسلم: “كانَ الرَّجُلُ فِيمَن قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ له في الأرْضِ، فيُجْعَلُ فِيهِ، فيُجَاءُ بالمِنْشَارِ فيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُشَقُّ باثْنَتَيْنِ، وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، ويُمْشَطُ بأَمْشَاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ مِن عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، واللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هذا الأمْرَ، حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخَافُ إلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ”. صحيح البخاري.
قال تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾
والله سبحانه يعلم كل شيء قبل وقوعه، لكن هذا العلم هنا علم ظهور وبيان؛ أي ليظهر للناس من هو الصادق ومن هو الكاذب.
فكم من إنسان يتكلم عن الصبر قبل البلاء ويتحدث عن الثبات قبل الفتنة لكنه عندما تأتي المحنة يتغير حاله. تخذله نفسه وأعماله، ويخذله ظلمه وارتيابه، نسأل الله السلامة.
وقد قضت العادة أن يتشابه الناس في أوقات الرخاء ، لكن في أوقات الفتن تظهر معادنهم الحقيقية.
فالصادق إذا ابتُلي: ازداد قربًا من الله وتمسك بدينه أكثر وصبر واحتسب، أما الكاذب: فيتراجع أو يساوم على دينه أو يبيع مبادئه لأجل الدنيا. ولهذا كانت الشدائد هي اللحظة التي يولد فيها الصدق الحقيقي.
وهذه الفتن التي تتوالى، تعمل في الأمة عمل الغربال: ترفع أهل الصدق وتكشف أهل النفاق وتنقي الصفوف كما ينبغي، ولهذا كثيرًا ما تكون المحن سببًا في نهضة الأمة وقوتها، لأن الصفوف بعدها تصبح أكثر صدقًا وصلابة.
ولذلك أيضا يوصف الابتلاء بعملية تنقية الذهب بالنار. فالذهب حين يدخل النار: يذوب وتخرج الشوائب ويبقى المعدن الخالص.
وكذلك القلوب: تظهر فيها الشكوك وتنفضح فيها النيات ويبقى الإيمان الصادق.
فالبلاء للقلوب كالدواء للأبدان، يخرج أمراضها.
وهذه الآيات لا تدعو إلى طلب الفتن، ولكنها تعلم المؤمن كيف يفهمها عندما تقع.
فالمؤمن يسأل الله العافية، لكنه إذا ابتُلي يصبر ويثبت لأنه يعلم أن هذا الطريق هو الطريق الذي سار عليه الصالحون قبله. وسبيل إثبات صدقه حقًا.
وهاتان الآيتان ترسمان قاعدة عظيمة في حياة المؤمن: الإيمان دعوى يجيدها الجميع والابتلاء امتحان يمر به الجميع، والثبات دليل الصدق لا ينجح فيه إلا الصادق حقًا!
فمن صبر على الفتن وثبت على الطاعة كان من الصادقين الذين رضي الله عنهم.
أما من انهار عند أول اختبار فقد كشف الابتلاء حقيقة إيمانه.
ولهذا كان دعاء المؤمنين دائمًا: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك.
ثم يقول الله عز وجل ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [ سورة العنكبوت: 4]
بعد أن بينت الآيات السابقة حقيقة الابتلاء للمؤمنين وتمييز الصادق من الكاذب، جاءت هذه الآية لتكشف وهمًا آخر يقع فيه أهل المعاصي والباطل، وهو ظنهم أن بإمكانهم الإفلات من عدل الله عز وجل.
فكثير من أهل المعاصي حين يرون أنفسهم: يفعلون السيئات ولا يعاقَبون فورًا وتستمر حياتهم كما هي يظنون أن الأمر قد انتهى، وأنهم نجوا من الحساب.
لكن الله يرد على هذا الوهم بقوله: ﴿أَن يَسْبِقُونَا﴾ أي: هل يظنون أنهم سيفلتون من قدرة الله أو يسبقون عقابه؟
وهذا ظن فاسد، لأن الله عز وجل لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
ومن أعظم الأخطاء أن يظن العاصي أن استمراره على راحته وهو يذنب دون عقاب، يعني رضا الله عنه.
فالواقع أن الله قد يمهل ويؤخر ويعطي الفرصة، لكن ذلك ليس إهمالًا، بل استدراج أو إمهال للحساب.
وما أعظم سنة الاستدراج!
فإذا رأيت الله يعطي العبد على معصيته ما يحب، فاعلم أنه استدراج.
والمعاصي غالبًا تنشأ من تصورات خاطئة في القلب. فمن يظن أن الله لا يرى أو لا يحاسب أو أن العقوبة بعيدة، أو أنه يمكن التفلت من رقابة الله أو أن الله يخلف وعده! فإنه يجرؤ على الذنب. ولهذا قال الله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
أي: ما أسوأ هذا الظن وما أفسد هذا الحكم، لأنه يتضمن: إنكار قدرة الله والغفلة عن حكمته والتوهم أن الإنسان يستطيع الهروب من الحساب.
والإنسان الذي يتكبر بالمعصية ويتوهم الإفلات من العقاب في غاية الضعف. إذ يكفي مرض صغير ليعجزه، وحادث لحظة يقلب حياته، أو موت يأتيه فجأة! فكيف يتوهم هذا الضعيف أنه يستطيع الفرار من ملكوت الله جل جلاله؟
ولهذا العاصي في الحقيقة لا يقوى على معصيته، لكنه يقوى عليها بغفلة قلبه.
وهكذا ترسم الآيات صورة متكاملة للحياة الإيمانية:
المؤمن يُبتلى ليظهر صدقه، والمدّعي يُكشف عند الفتنة، وأهل المعاصي لن ينجوا من حساب الله، فالدنيا ميدان امتحان للجميع:
امتحان للمؤمن بالصبر، وامتحان للعاصي بالإمهال، وفي النهاية سيظهر الحق وتنكشف الحقائق. وكلُّ وما قدمت يداه!
هذه الآيات من سورة العنكبوت تؤسس قاعدة عظيمة في فهم الحياة: فليس كل من قال آمنت صادقًا، وليس كل من عصى ناجيًا، ولكن الله يمتحن القلوب ويُمهل العصاة ثم يأتي اليوم الذي تظهر فيه نتائج الامتحان! فلا يلومن الظالم إلا نفسه..!
والسعيد من فهم سنة الله في الابتلاء، وخاف من الاغترار بالإمهال. نعوذ بالله من سوء المنقلب!
ثم يقول الله عز وجل ﴿ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [ العنكبوت: 5]
بعد أن بيّنت الآيات سنة الابتلاء وتمييز الصادق من الكاذب، وأن أهل المعاصي لا يفلتون من عدل الله، تنتقل الآيات إلى توجيه القلوب إلى الغاية الكبرى من هذا الطريق كله، وهي لقاء الله عز وجل.
وهذه الآية تخاطب القلوب المؤمنة التي تحب الله وتشتاق إلى قربه وتسعى إلى رضاه سبحانه.
فكأن الله يقول: يا من ترجون لقائي وتحبون قربي، أبشروا… فإن موعد اللقاء آتٍ لا محالة.
فاللقاء مع الله ليس وهمًا ولا أمنية بعيدة، بل حقيقة قادمة لا بد أن يصل إليها كل إنسان.
وكل ما هو آتٍ فهو قريب، وإن بدا بعيدًا في أعين الناس.
وعندما يتذكر المؤمن أن نهاية الطريق هي لقاء ربه، فإن ذلك يغير نظرته إلى الحياة كلها.
فيصبح الابتلاء عنده طريقًا إلى القرب من الله، والصبر وسيلة للفوز بلقائه، والطاعة دليل محبة لا مجرد تكليف.
ولهذا جاء في الحديث عن أنس بن مالك عن عبادة بن الصامت أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: “من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه”. صحيح مسلم.
لكن الآية تشير إلى حقيقة دقيقة: ليس كل من قال إنه يحب الله صادقًا في دعواه.
ولهذا ختمت الآية بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
أي: يسمع أقوال الناس ويعلم ما في قلوبهم.
فقد يقول الإنسان: “أنا أحب الله وأرجو لقاءه”، لكن قلبه مشغول بالدنيا، وأعماله بعيدة عن الطاعة وسيرته منحرفة عن الاستقامة.
والله يعلم الصادق في شوقه والكاذب في دعواه. جعلنا الله من أهل الشوق للقائه جل جلاله.
ثم يقول الله عز وجل ﴿ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [ العنكبوت: 6]
فالطريق إلى الله يحتاج إلى جهاد لذلك تأتي الآية التالية لتبين أن الوصول إلى هذا اللقاء لا يكون بالأماني فقط بل طريقه وسبيله الجهاد..! بكل أنواعه وأشكاله.
فالإيمان طريق فيه جهاد مستمر. جهاد النفس التي تميل إلى الراحة والكسل، وجهاد الشيطان الذي يزين المعصية ويحرف المسير، وجهاد أعداء الدين الذين يصدون عن الحق ويفسدون في الأرض.
ولهذا كانت حياة المؤمن معركة مستمرة مع الهوى والباطل.
وأول معركة يخوضها الإنسان ليست مع الآخرين، بل مع نفسه. فالنفس بطبعها: تميل إلى الشهوة وتتثاقل عن الطاعة وتبحث عن الراحة.
ولهذا يحتاج المؤمن إلى الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على البلاء.
وهذه الأنواع الثلاثة من الصبر هي أساس جهاد النفس.
وتختم الآية بحقيقة عظيمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾
أي أن الله غني عن عباده الذين خلق! فلا تنفعه طاعتنا ولا تضره معصيتنا، فهو سبحانه كامل في ملكه وكماله.
لكن الطاعة والجهاد في سبيله نفعها كله يعود إلينا نحن، فهي تطهر قلوبنا وترفع درجاتنا وتقرّبنا من لقاء ربنا عز وجل.
والله يأمرنا بما هو رحمةً لنا، ومن عصاه ظلم نفسه. والله هو الغني!
كما قال موسى عليه السلام: “إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ” [إبراهيم: 8].
وإذا جمعنا هذه الآيات المتتابعة من سورة العنكبوت، وجدنا أنها ترسم منهج الطريق إلى الله:
الإيمان لا بد أن يُمتحن بالابتلاء. والفتن تكشف الصادق من الكاذب. وأهل المعاصي لن يفلتوا من عدل الله. والغاية من هذا الطريق هي لقاء الله. والوصول إلى هذا اللقاء يحتاج إلى جهاد وصبر.
فالدنيا كلها رحلة قصيرة، والسعيد من سار فيها: صابرًا على الابتلاء مجاهدًا للنجاة بنفسه مشتاقًا إلى لقاء ربه.
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [ العنكبوت: 7]
وبعد أن بينت الآيات السابقة حقيقة الابتلاء، وكشفت وهم الإفلات من العقاب، ووجهت القلوب إلى الشوق للقاء الله، وأمرت بالمجاهدة في طريقه، تأتي هذه الآية لتفتح باب الرجاء العظيم لكل من سار في هذا الطريق.
ولم يقل الله: “والذين آمنوا” فقط، بل قال: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
فالإيمان في القرآن ليس مجرد فكرة في العقل أو شعور في القلب فحسب، بل هو: اعتقاد في القلب وقول باللسان وعمل بالجوارح.
ولهذا كان العمل الصالح دليل صدق الإيمان، كما أن الثمرة دليل على حياة الشجرة.
ومن أعظم البشارات في هذه الآية قوله تعالى: ﴿ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾
أي أن الله يمحو آثار الذنوب عن عباده المؤمنين الصادقين.
فالعبد مهما كان له من تقصير أو خطأ، فإن التوبة والطاعات والعمل الصالح تكون سببًا في محو السيئات وتطهير سجله من كل مخالفة ومعصية وذنب.
ولهذا قال الله في موضع آخر: “إن الحسنات يذهبن السيئات”. فلا ينبغي للمؤمن أن ييأس بسبب ذنوبه، لأن باب التكفير مفتوح ما دام القلب حيًا بالطاعة. ولا يليق بالمؤمن إلا الاستدراك إلى آخر رمق!
ثم تأتي البشارة الأعظم: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
أي أن الله يجازيهم على أفضل أعمالهم، ويتجاوز عن تقصيرهم.
فالعبد يعمل أعمالًا كثيرة: فيها الإخلاص الكامل، وفيها ما يشوبه نقص أو غفلة، وفيها أمور مباحة لا أجر فيها. لكن الله من كرمه يجعل الجزاء على أحسن العمل، لا على متوسطه ولا على أدناه. وهذا من أعظم مظاهر رحمة الله بعباده.
هذه الآيات من سورة العنكبوت تجمع بين التربية بالخوف والتربية بالرجاء.
ففي البداية: ذكرت الابتلاء وكشفت حقيقة الفتن وحذرت من الاغترار بالمعصية ثم ختمت بالبشارة العظيمة للمؤمنين الصادقين.
فالمؤمن يسير إلى الله بين جناحين:
الخوف من التقصير والفتن والرجاء في رحمة الله ومغفرته.
وإذا تأملنا هذه الآيات المتتابعة من سورة العنكبوت وجدنا أنها ترسم خريطة الطريق إلى الله عز وجل:
يبدأ الطريق بدعوى الإيمان ثم يأتي الابتلاء ليكشف الصدق، وتنقضي الفتن فيتميز الصادق من الكاذب، ويُمهل أهل المعاصي لكنهم لن يفلتوا من الحساب، ثم تتجه القلوب إلى الغاية الكبرى: لقاء الله عز وجل.
ولا يصل العبد إلى تلك الغاية إلا عبر مجاهدة النفس والصبر، إلا عبر الجهاد والثبات، وفي نهاية الطريق ينتظر المؤمن وعد الله بالمغفرة والجزاء العظيم.
فهذه الحياة ليست دار استقرار، بل دار اختبار وتمحيص. والسعيد حقًا ليس من عاش فيها متفلتًا بلا محاسبة ولا غاية، بل من خرج منها وقد ثبت إيمانه، وغُفرت ذنوبه، واستحق لقاء ربه وهو عنه راضٍ. ولهذا كان أعظم ما ينبغي أن يشغل قلب المؤمن هو هذا السؤال:
هل أنا ممن يثبت عند الفتنة، ويجاهد في سبيل ربه، ويسير صادقًا نحو لقاء مولاه؟
فإن كان الجواب نعم، فليبشر بوعد الله الذي لا يتخلف:
﴿ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾.
اللهم لقاء بك جل جلالك، يغبطنا عليه الأولون والآخرون!