اليوم تتجه أبصار الملايين إلى ملعبٍ يضج بالهتاف، بينما تتجه أنظار المكلومين تحت وطأة الحروب إلى السماء؛ ينتظرون رحمةً ترفع عنهم البلاء، أو فجرًا ينهي ليل المأساة الممتدة.
هناك من يترقب صافرة البداية، وهناك من يترقب صفارة الإسعاف.
هناك من يخشى ضياع كأس، وهناك من يخشى ضياع ولد، أو بيت، أو آخر ما بقي من أهله.
ويا للعجب… كم من قلب خفق للاعب لا يعرف اسمه، ولم يخفق لأخٍ في الإسلام يبيت على الجوع والخوف والدمار!
وليست المشكلة في كونها مجرد لعبة، بل المشكلة في أمةٍ انقلبت عندها الموازين؛ حتى صارت الكرة تُقدَّم على الصلاة، والمباراة على القرآن، والتشجيع على الدعاء، واللاعبون أبطالًا، بينما تُنسى بطولات الثابتين والمرابطين.
أيُّ عقلٍ هذا الذي يسهر ساعاتٍ – بكامل تركيزه على الأقدام – يتابع تسعين دقيقة، ثم يثقل عليه أن يقف بين يدي ربه على قدميه، عشر دقائق؟
وأيُّ قلبٍ هذا الذي يحفظ أسماء اللاعبين، ولا يعرف أسماء الصحابة، ولا يتألم لدماء المسلمين، ولا يحمل همَّ أمته؟
لقد نجح أرباب هذه الصناعة أن يصنعوا من الكرة دينًا عند قوم؛ تُنتظر مواقيتها، وتُعطَّل لأجلها الأشغال، وتُؤخَّر بسببها الصلوات، وتُقدم على جميع الأولويات، وتُستنزف فيها الأموال، ثم يخرج أصحابها بالملايين والمليارات، بينما يخرج كثير من الجماهير بخسارة الوقت، وغفلة القلب، وفراغ اليد.
يا عبد الله… سيسألك الله عن عمرك، ولن يسألك: من حمل الكأس؟ وسيسألك عن صلاتك، ولن يسألك: من سجل الهدف؟ وسيسألك عن نصرتك لدينك، وعن قلبك أين كان يوم استُضعف المسلمون، لا عن الفريق الذي شجعته.
فلا تجعل يومك شاهدًا عليك، واجعل للصلاة مكانها، وللقرآن نصيبه، وللدعاء لإخوانك سهمه، وللقضايا التي تنزف في كل زاوية من بلاد المسلمين تستغيث، حضورها في قلبك.
فإن الأمم العظيمة تُعرف بما تحمل من رسالات، لا بما تحفظ من نتائج المباريات، والمؤمن أكبر من أن يُستدرج إلى غفلةٍ تُلهيه عن آخرته، بينما أمته تناديه، وربه يدعوه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾.
وعلى الدعاة ومنابر التوجيه أن يتقوا الله جل جلاله، وألا يكونوا سببًا في تعميق الغفلة وتطبيع الانشغال المفرط بمباريات كرة القدم، حتى لا تُشغل الأمةُ بما يلهيها عن واجباتها ورسالتها وأولوياتها. فالتهوين من أمر الفتنة بالكرة، جريمة بحق الأمة المستضعفة.
نسأل الله أن يرد المسلمين إلى دينهم ردًا جميلًا، وأن يرفع عن أهل فلسطين والسودان والروهينجا والأويغور واللاجئين وسائر المستضعفين البلاء، وأن يجعل قلوبنا معلقةً بطاعته، لا بما يصد عنها. وحسبنا الله ونعم الوكيل.