وقفة على الهامش .. هامش قد يكون هو الصميم … وفاء لأبي!

وقفة على الهامش .. هامش قد يكون هو الصميم … وفاء لأبي!

خطي القصيد وجودي بحر ألحاني

بثيه حبا لليلى بنت حمدانِ

طاب الشعور وقلبي اليوم ممتلئ

فيه المودةُ أحكيها بتبياني

أخط فيك بحورا لا انتهاء لها

يا من ملافظها كالدُّر وجمانِ

قد كنتِ لي دائما خير العضيد إذا

تاه السؤال بقلبي أو بوجداني

كريمةُ الوقت تدنو إن دنوت لها

مثل القطاف تجدْها غرسها داني

رباه فاكتب لها أجرا ومنزلةً

ربي ألا ارزقها جناتِ رضوانِ

___________

وصلتني قصيدةٌ هذا اليوم، فحرّكت في القلب أشجانًا كانت ساكنة، وأعادتني إلى أبي رحمه الله تعالى … ذلك الرجل الذي له – بعد فضل الله عز وجل عليّ – أعظم الأثر في تعليمي طريق الحرف، وأدب الكلمة، ومنهج البحث، وقواعد العلم. كان أديبًا فصيحًا، يحمل همّ أمته في صدره، وقد أثخنت في قلبه جراح فلسطين، فما كان مما علّمني إياه إلا ويحمل في عمقه نبضَ قضية، وألمَ إحساس، وحرقةَ عجز. في ثنايا دروسه كما في ثنايا ذكرياته!

وإنّي لأرجو الله أن يجعل كل ما أنشره من خير صدقةً جاريةً له، وأن يبلغه أجر كل صنعةٍ علّمني إياها.

وقد عزّ عليّ أن أمانيه التي ضمّها صدره طويلًا وشاركني إيّاها منذ أن أبصرت نور الحياة، لم تُزهر، بل تكسّرت في زحام الحياة، بين عجزٍ مُرّ، وخذلانٍ موجع، وابتلاءاتٍ أنهكت الروح، فلم يُمهل ليشهد مشاهد النصر والعزّ التي يطرب لها قلبه، ولا بزوغ فجر أمانيه العزيزة.

ولعلّ أكثر ما دفعني اليوم إلى الكتابة عنه رحمه الله، أن هذه الأبيات فجّرت ما طال كتمانه، وأيقظت في القلب وجعًا كنت أؤجّل البوح به. فقد أعادتني إلى تلك الليلة المباركة… ليلة خمسٍ وعشرين من رمضان؛ ليلةٌ أرجو أن تكون من ليالي القدر، كنتُ أتهيأ لها مودّعةً ليالي الوتر رجاء فضلها، فإذا بها تتحوّل إلى وداع عمرٍ بأكمله، وسيرة أبٍ تختزنها روح ابنته الوحيدة.

كأنها كانت خاتمةً اختارها الله له، مختومةً بنفحة قربٍ ورجاءٍ، عندها جَمُد القلم وسال القلب!

كتمتُ هذا طويلًا… كتمته وفي صدري قلبُ ابنةٍ تعلّمت من أبيها كيف يفكّر الرجل، وكيف يفرح الرجل، وكيف يحزن الرجل، وكيف يحمل همّه بصمتٍ في حضن غربة أثقلتها التحديات وامتحانات المسير ومكائد الشيطان.

وما هذه القصيدة التي وصلتني إلا نفحةُ امتنانٍ أيقظت في القلب امتنانًا أعمق، وهيّجت شجنًا دفينًا؛ أحمدُ الله أن ساقها إليّ تذكيرًا ووفاءً، وأسأله سبحانه أن يرحم أبي رحمةً واسعة، ويغفر له كما ربّاني صغيرة، ويجزيه عني خير الجزاء.

فالأب مقامه عظيم، وأثره ممتد، وبرّه لا ينقطع برحيله؛ فبرّوا آباءكم بصلاحكم واستقامتكم، واثبتوا على الحق، فإن ذلك من تمام البر، ولا تنسوا الدعاء لهم، خاصة من غيّبهم عنّا الموت، فهم أحوج ما يكونون لدعواتٍ صادقة وصدقات جارية تصلهم في قبورهم.

وكل الشكر والتقدير للشاعرة النبيلة التي خطّت هذه الأبيات؛ فقد لامست بكلماتها شغاف القلب، ودلّت على جمال روحها، ونُبل إحساسها، وسرعة بديهتها، وسخاء عطائها.

كلماتها لم تكن أبياتًا فحسب، بل كانت تذكرة لي أن عليّ واجبًا يجب أن أؤديه، وأنها اللحظة المناسبة للوفاء لأبي الأديب الذي رحل!

وإن حملتني أبياتها من جميل الوصف ما حملت، فأنا أحقر من أن أبلغ ما ذُكر فيها، وإنما الذي يعنيني في كل تلك المعاني إنما هو ذكرى أبي، وظلال حضوره في روحي، فهي المقصودة قبل كل شيء، وهي التي أبكت وأحيت.

فاللهم ارض عن أبي رضًا لا سخط بعده واغفر له واجعلني شفيعة له يوم لقائك جل جلالك.

ورضي الله عن الشاعرة النبيلة، أسأل الله أن ييسر لي برّك بما يليق بك ويقر عينك.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأموات منهم والأحياء،

اللهم أحسن خواتيمنا، واجمعنا بنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه رضي الله عنهم.

والحمد لله رب العالمين.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x