هيبة شعائر العيد وذاكرة الطفولة المؤمنة

ما أعظم العيد حين لا يكون مجرد يومٍ للفرح، بل موسمًا تتجلّى فيه معاني العبودية والجمال والهيبة الإيمانية في أدق التفاصيل. العيد ليس ثوبًا جديدًا فحسب، ولا موائد عامرة، ولا اجتماعات عائلية مسلية، بل هو شعيرة عظيمة تتجلى على معالم الأرض، وتملأ الطرقات، وتفيض من المآذن والقلوب والوجوه المارة.

منذ اللحظات الأولى لفجر العيد، تشعر أن الدنيا قد تبدّلت، وأن في الهواء نبرة مختلفة لا تشبه سائر الأيام. تكبيرات العيد تهز المسامع: “الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد”.. كلمات قليلة، لكنها حين تتردد في المساجد والطرقات تهزّ شيئًا عميقًا في الروح. إنه إعلان عظيم بأن الله أكبر من الهموم، وأكبر من الدنيا، وأكبر من كل ما يثقل القلب. إنه نداء يعيد ترتيب الداخل، ويوقظ فيه معنى العظمة والخضوع واليقين. نداء يهز النفس المؤمنة: هذه شعائر الله ولا يعظم شعائر الله مثل المؤمن! فتستجيب كل ذرة فيه بالتكبير والتهليل والحمد، وتقوم لأداء مهمتها في إيفاء مقامات العبودية حقها الجليل.

ثم انظر إلى الأطفال… يا لهذا المشهد الذي لا يملّه القلب! وجوه صغيرة يغمرها النور، وثياب جديدة يرتدونها بشعور اهتمام كبير، ثم تلك الأعين الواسعة قد تجلى في عمقها الفجر. يمشون بخفةٍ وفرح، اليوم حقا مختلف!

وفجأة بين جموع المصلين يتراءى لك طفل قصير القامة، يحمل لعبته الجديدة كأنها كنز الدنيا، أو يعدّ العيديات بلهفة بريئة، أو يبتسم لكل من يلقاه وكأن الكون كله اليوم صديق له.

الطفل في العيد لا يفرح بالهدايا وحدها، بل يشعر أن الدنيا تحتفي به، وأن لهذا اليوم مكانة تختلف عن سائر الأيام. تظهر بين التفاصيل شخصيته الحقيقية، عزيز أبي، تحفه التكبيرات وتباريك العيد! هكذا يصنع الإسلام في أطفال المسلمين.

وهناك بين المشاهد المزدحمة، شخصيات تختبئ خلف ظل العيد، لكنها تشعر بعظمة المناسبة أكثر من غيرها؛ أولئك الفقراء الذين قد لا يملكون كثيرًا، لكنهم ينتظرون العيد انتظارًا يشبه انتظار المطر بعد موسم الجفاف. ترى في أعينهم معنى الحضور والهيبة والانتماء. كل تكبيرة تعني لهم شيئًا، وكل سلام ومعانقة تشعرهم أنهم جزء من أمة حيّة، وكل عيدية صغيرة قد تصنع في نفوسهم فرحًا لا يُنسى وتتأدب نفوس أخرى من فرحهم حمدًا وشكرًا، هكذا تقدّر النعم ويقدّر المنعم العظيم.

حتى زينة العيد المعلّقة في الشوارع والنوافذ ليست عندهم مجرد ألوان، بل موعد… موعد مع البهجة، مع الإحساس بالحياة، مع الشعور أن للأيام المشرقة بابًا لا يزال مفتوحًا.

والعيد في حقيقته مدرسة تربوية عظيمة لهذا الجيل. جيلٌ يجب أن يُزرع في قلبه تعظيم الله قبل كل شيء، وأن يفهم أن التكبير ليس نشيدًا موسميًا، بل عقيدة وهوية ورسالة. يجب أن يرى الطفل في العيد ارتباط الفرح بالله، وأن يعرف أن هذه الأمة إنما عظمت حين عظّمت ربها، وحين جعلت شعائرها حية في وجدانها وسلوكها. نحن لا نربّي جيلًا ليكبر في العمر فقط، بل ليحمل أمانة، ويحفظ رسالة، ويكون امتدادًا لمعنى الاستخلاف والعزة والرحمة.

ولهذا يجب أن نعتني بهذا الجيل عنايةً عظيمة؛ أن نصنع له ذاكرة جميلة مع الإسلام، ومع المساجد، ومع التكبيرات، ومع الأعياد، حتى ينشأ وهو يشعر أن دين الله ليس ثقلاً على الروح، بل جمال وهيبة ونور وانتماء. إن مستقبل هذه الأمة لا يُبنى بالخطب وحدها، ولا حتى بمعارك السلاح والمراغمة، بل يُبنى في أعين الأطفال، وفي المشاهد الصغيرة التي تستقر في ذاكرتهم، وفي ذلك الشعور العميق الذي يجعلهم يحبون الله وشعائره منذ نعومة أظفارهم.

ويبقى من أكثر مشاهد العيد تأثيرًا تلك التكبيرات المتكررة في صلاة العيد؛ ذلك الترديد المهيب الذي يجعل القلب يرتجف وجدرانه تهتز. الإمام يكبّر، فتجيبه الصفوف كلها بصوت واحد، كأن الأرواح قد توحّدت على معنى واحد: الله أكبر.

تتكرر التكبيرات لا عبثًا، بل لترسّخ في القلب أن التعظيم أصل هذا الدين، وأن العبد كلما عظّم ربّه صغر في عينه كل ما سواه. في تلك اللحظات تشعر أن الزمن يتوقف قليلًا، وأن الدنيا بكل صخبها تتراجع أمام جلال هذا النداء العظيم. لا يمكن لك أن تتفلت!

ثم الركوع والسجود وكل ما يؤديه المصلي في جماعة انتظمت صفوفها انتظاما جميلًا، يا لعظمة شعائر الإسلام! ويا لهيبة جمع يجتمع على التوحيد وتعظيم شعائر الله.

وما أجمل العيد حين يُعاش بهذا المعنى… حين يكون فرحًا يقرّب إلى الله عز وجل، وشعيرةً توقظ القلوب، وذكرى تُربّي الأجيال، ومناسبةً تعيد للأمة شيئًا من روحها وهيبتها. ولا هيبة للأمة إلا في ظلال التوحيد والتكبير، إلا في إقامة كاملة للدين وتعظيم لشعائره، فطوبى لمن أحيا العيد في قلبه وبيته وأمته، وجعل من التكبير شعار عزة، ومن الفرح عبادة شكر، ومن شعائر الله طريقًا لصناعة جيلٍ يحمل راية الجهاد حتى تُرفع فوق قبة النصر بإذن الله الواحد الأحد.


وما العيد إلا فرحتهم … وما العيد إلا طفولة القلب!
وما العيد إلا التكبيرات المهيبة .. وخفق القلوب لمقامات العز!

اللهم لا تحرمنا فضلك العظيم.
أتمه الله عليكم بالقبول والرضوان ومراتب السعادة الأرجى في الدارين.

الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x