هل يُلحد الإنسان بسبب منشور؟!
أتحدث عن وهمٍ خطير يُستخدم للتخذيل والتدليس.
في الآونة الأخيرة، يتردد طرح خطير مفاده أن بعض الكتابات في أحكام الشريعة قد تدفع القارئ إلى الإلحاد، بدعوى أنها “تشدد” عليه أو تعرض له ما يثقل على نفسه.
وهذا الطرح – في حقيقته – لا يقف عند حدود النقد، بل يفتح بابًا واسعًا من الوهم والخلل في فهم طبيعة الإيمان ذاته.
فالإيمان ليس فكرة هشة أو عابرة تُبنى على منشور، ولا قناعة سطحية تهتز بكلمة، بل هو بناء عميق الجذور، ممتد في القلب والعقل، قائم على أصول ثابتة من الوحي والعقل والفطرة.
من عرف الله حق المعرفة، وأدرك حقيقة هذا الدين، لا يمكن أن تُزحزحه كتابة هنا أو رأي هناك.
فهل يُعقل أن يتحول الإنسان من الإيمان إلى الإلحاد لأن كاتبًا تحدث عن حكم شرعي؟! إن هذا التصور في ذاته يعكس فهمًا هشًا لطبيعة الإيمان، وكأن الدين مجرد انطباعات نفسية تتبدل حسب المزاج، لا حقيقة راسخة تقوم على اليقين.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:
من يترك الإيمان بسبب قراءة أو طرح، لم يكن إيمانه قائمًا على أساس متين من الأصل. كانت هناك شبهات كامنة، أو اضطرابات فكرية، أو تعلق بالشهوات، فجاءت تلك الكتابة لتكون مجرد كاشف، لا سببًا منشئًا.
ولهذا، فإن تحميل “الخطاب الشرعي” مسؤولية الإلحاد هو قلب للحقائق؛ إذ يجعل من النتيجة سببًا، ومن العرض أصلًا.
فالمشكلة ليست في الحكم الشرعي، ولا في بيانه، وإنما في قابلية النفس للفتنة، وضعف التأسيس الإيماني، وغياب الفهم الصحيح للدين.
إن الشريعة بطبيعتها تحمل تكاليف، وتخاطب الإنسان بما يزكيه ويرتقي به، لا بما يوافق كل رغباته. ومن طبيعة التكليف أن يجد الإنسان فيه مشقة، لكن هذه المشقة هي جزء من معنى العبودية، لا مبرر للنفور منها أو الانقلاب عليها.
بل إن التاريخ والواقع يشهدان أن من ثبتت جذور الإيمان في قلبه، ازداد يقينًا كلما تعمق في أحكام الشريعة، ورأى فيها الحكمة والعدل والرحمة، حتى وإن خفيت بعض تفاصيلها عليه.
أما جعل “ثقل الأحكام” ذريعة للإلحاد، فهو في حقيقته تعبير عن خلل أعمق: خلل في تصور العلاقة مع الله عز وجل، وفي فهم معنى التسليم، وفي إدراك أن الإنسان عبد مأمور، لا مشرّع مختار لما يوافق هواه فقط.
إن الواجب اليوم ليس تمييع الخطاب الشرعي خوفًا من ردود الفعل، بل بناء الإيمان من جذوره، وتعميق اليقين، وربط الناس بالله قبل ربطهم بالأحكام. فإذا استقرت الأصول، لم تضر الفروع، وإذا صحّ الأساس، ثبت البناء.
الإيمان الحق لا يُهدم بمنشور، ولا يزول بقراءة، وإنما ينهار حين يكون من الأصل ضعيفًا، أو مختلطًا بالشبهات، أو قائمًا على غير يقين. أما القلوب التي عرفت ربها، فتمضي بثبات، لا تزعزعها الكلمات، ولا تعصف بها العواصف.
فمن يحدثك عن وقوع الإلحاد بسبب منشور دعوي، أعلم أنه جاهل بحقيقة الإيمان وإنما يقدم مبررات للتفلت وأمراض القلوب والأهواء المتجذرة.
نسأل الله أن يصرف السوء عن المؤمنين.
قال الله جل جلاله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [ فصلت: 40]