هل يجوز فسخ خطبة من أخفى عيبا في الزواج؟

شخص تقدم وبعد فترة من التعارف اكتشفت أنه يعاني من ورم حميد في الوجه يختفي بالحقن ويرجع من جديد، وهو على هذه الحال منذ سنين لكنه لم يسبق قط أن اعترف لي بذلك إلى أن اكتشفت الأمر الذي صدمني صدفة بظهور أعراضه عليه، أصبحت لا أدري ماذا أفعل وهل علي شيء إن رفضت الاستمرار في الزواج؟

حياك الله ومرحبا بك، مما يجب الوضوح فيه بدون أدنى تدليس أو مواراة هو كل الصفات التي يجب أن يعرفها الخاطب والمخطوبة عن بعضهما البعض قبل الإقدام على عقد الزواج، مما يسبب النفور أو الأذى لاحقا إن تم إخفاؤها، فالواجب البيان، وليس الإخفاء لكل مرض أو تفصيل مهم حتى يقدم الخاطب والمخطوبة على بصيرة. وعقدَ الزواج مِن العقود المغلَّظة التي ينبغي مراعاةُ الصدق فيها، وفي الحديث (ومَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا) رواه مسلم.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد :”وإذا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم حرَّم على البائع كتمانَ عيبِ سلعتِه، وحرَّم على مَن علمه أن يكتمَه مِن المشتري، فكيف بالعيوب في النكاح؟!، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمةَ بنت قيس حين استشارته في نكاحِ معاوية أو أبي الجهم: (أمّا معاويةُ فصعلوكٌ لا مالَ له، وأما أبو جهمٍ فلا يضعُ عصاه عن عاتقِه) -رواه مسلم-، فعُلِمَ أنَّ بيانَ العيب في النكاح أولى وأوجبُ”.

وقال شمسُ الدين الرملي في نهاية المحتاج أنَّ ضررَ العيب في باب النكاح أشدُّ مِن باب البيوع؛ “لأنَّ فيه تكشُّفَ بُضْعٍ، وهتكَ سَوأةٍ، وذو المروءة يسمح في الأموال بما لا يسمح به هنا”.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّه بعث رجلًا على بعض السّعاية فتزوَّج امرأة، وكان عقيمًا، فلما قدم على عمر ذكر له ذلك، فقال: “هل أعلمتَها أنَّك عقيم؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعلمها ثم خَيِّرها” رواه عبد الرزاق في مصنَّفه وسعيد بن منصور في سننه.

ولا حرج عليك أن تعترضي على إخفائه المعلومة عنك، فأهل العلم متفقون على أنه إذا كتم أحدُ الخاطبَين عيبًا عن الآخر ثم اكتشفه بعد الزواج، فللطرف الثاني الحقُ والخيار في “فسخ عقد النكاح” عن طريق القاضي الشرعي، بشرط أن يكون هذا العيبُ مِن العيوب التي تُخِلُّ بمقاصد الزواج أو تسبِّب النُّفرة بين الزوجين أو تُخِلُّ بالاستمتاع بينهما.


وفي ذلك قال ابن القيم رحمه الله في زد المعاد:”والقياسُ أنَّ كلَّ عيبٍ يُنَفِّرُ الزَّوجَ الآخرَ منه، ولا يحصل به مقصودُ النِّكاح مِن الرحمة والمودة: يوجِبُ الخيار، وهو أولى من البيع، كما أنّ الشروطَ المشترطة في النكاح أولى بالوفاء مِن شروط البيع، وما ألزم اللهُ ورسولُه مغرورًا قط ولا مغبونًا بما غُرَّ به وغُبن به، ومَن تدبَّر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدله وحكمته وما اشتمل عليه مِن المصالح لم يخفَ عليه رجحانُ هذا القول، وقربُه مِن قواعد الشريعة”.

وفي الموسوعة الفقهية “ذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) إلى أنّه إذا دلَّس أحدُ الزوجين على الآخر، بأن كتم عيبًا فيه يثبت به الخيار، لم يعلمه المدلَّس عليه وقتَ العقد ولا قبله، أو شرط أحدُهما في صلب العقد وصفًا مِن صفات الكمال كإسلام وبكارةٍ وشبابٍ، فتخلَّف الشرطُ: يثبت للمدلَّس عليه والمغرورِ بخُلف المشروط خيارُ فسخ النكاح”.

وقضية الزواج، ميثاق غليظ يبدأ بالصدق والصراحة والشفافية، والبُعد عن كلِّ ما فيه غشٌّ وخِداع، وهذا في كل معاملات المسلمين، قال النبي صلى الله عليه وسلم في المتبايعَين: (فإنْ صَدَقا وبيَّنا بُورك لهما في بيعهما، وإنْ كتَما وكذَبا مُحقَت بركةُ بيعهما) متفق عليه،
فكيف بالزواج وميثاق الله الغليظ!
والحديث هنا ينطبق على الخاطب والمخطوبة فكلاهما مطالب بالصدق والتقوى، والله الموفق.

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x