تلك الفكرة التي يفتح الله بها عليك فجأة، فتغيّر مسارًا في حياتك، أو تحلُّ معضلةً طال وقوفك عندها، فتتعجب كيف غابت عنك كل تلك المدة، وهي في غاية السهولة والوضوح! ليست تلك مجرد ومضة ذكاء، بل هي نفحة هداية، ومنحة ربانية، يريك الله بها مقدار ضعف عقلك، وأن العقول مهما بلغت لا تستغني طرفة عين عن توفيقه. ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾.
وذلك الصبر الذي ألبسك الله إياه في ساعة العسر، بل في أعوامٍ من العسر، حتى مضيت تحمل من الأثقال ما لو أخبرت به نفسك قبل وقوعه لظنت أنها لن تطيقه أبدًا. ثم إذا تبدلت الأحوال، وأضحى ما كنت تستغني عنه بالأمس مهما ولازمًا اليوم، فتستحضر حالك من خلفك، كيف استطعت العيش بدونه عمرًا، لتعلم أن الذي كان يسير بك لم يكن قوتك، وإنما معية الله ولطفه، وأنه سبحانه هو الذي ربط على قلبك حين كانت الأسباب كلها تدعوك إلى الانكسار. عندها تستشعر معنى قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.
وتلك البصيرة التي اتسعت بها رؤيتك، والأحكام التي أصبحت أرسخ، والنظرات التي غادرها السطح إلى العمق، ليست ثمرة العمر وحده، ولا حصيلة التجربة فحسب ولا حتى حجم الكتب والقراءات؛ بل هي فضل من الله يؤتيه من يشاء. كم من إنسان عاش العمر نفسه، ورأى الأحداث نفسها، وتزود بالكتب والقراءات، ولم يخرج إلا بمزيد من الغفلة والاضطراب، بينما يفتح الله على آخر بالحكمة، فيرى بنورٍ لم يكن يملكه من قبل، وتُسعفه الحكمة لحظة الخطب والامتحان، وهل هناك نعمة تناجز نعمة الثبات حين يضطرب الناس، ونعمة البصيرة حين يرتاب الناس!.
إن من أعظم نعم الله، وأخفاها عن كثير من الناس، ليست الأموال، ولا الصحة، ولا الجاه، وإنما تلك النعم التي تقع في القلب والعقل: هداية فكرة، وثبات نفس، وسكينة روح، وانشراح صدر، ونور بصيرة، وتوفيق إلى الصواب، وصرف عن الخطأ. هذه هي النعم التي تُصلح سائر النعم، وبها تستقيم الحياة، وهي سر السعادة الحقيقي الذي يغفل عنه أكثر الناس.
فربِّ، لك الحمد على ما نعلم من نعمك، وعلى ما لا نعلم، وعلى ما أدركناه بعد حين، وعلى ما لم ندركه إلا بعد أن كشفته لنا الأيام. ولك الحمد على هداياتك الخفية، وألطافك المستورة، وتدبيرك الذي كنا نظنه تأخيرًا فإذا هو عين الرحمة، وكنا نحسبه حرمانًا فإذا هو تمام العطاء.
اللهم لك الحمد في كل لحظة، وفي كل حال، في الغفلة ويقظة القلب، في السعة والضيق، على ما أعطيت وما منعت، وما أخرت وما قدمت. ونستغفرك من تقصيرنا في شكر نعمك، ونسألك دوام فضلك، وحسن معرفتك، وألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.