في زمن مضى، حين ساد الإسلام، كان الناس يُعجبون بالقول والفائدة والنصيحة. فينشغلون بمعايشتها فهما وعملا بغض النظر عن قائلها. فكان للكلمة قيمتها وللمعاني مسؤوليتها وأثرها المجيد!
وفي زماننا، حين استضعف المسلمون، يعجب الناس بالقائل، ويعظمونه ويمجدونه لحد التقديس الأعمى، ويتغاضون عن الأقوال، أحق هي أم باطل، أفيها القوة أم الضعف، أسبق بها أحد أم هي السبق! انتماؤهم للأسماء لا لموجبات الفقه والبصيرة!
وكل ذلك من مخلفات الحكم الجبري وتداعيات العيش تحت الهيمنة والتبعية!
لقد ابتلينا بزمن تتبع فيه الجموع الأسماء على كل شيء وأي شيء، وتقيم الأحلاف والحروب لأجل هذا الاسم أو ذاك، بانفصال تام عن ميزان الحق والعدل، والجرح والتعديل، فتجلت العصبية في أقبح مراتبها ودرجاتها وتفاصيلها. وبُخس الحق وغُمطت الحقوق.
التعصب في زماننا حالة مستعصية جدا ومركبة بتعقيد،
بل هو درجات مثخنة في العقول وطرق التفكير والسلوك وكل نتاج ذلك من أثر..!
ما لم نعالج داء التعصب، ما لم نحرص على اجتثاثه من الصدور، ما لم ندرك خطورته على الإخلاص والصدق والاستقامة،
ما لم نتصدى له بمسؤولية تليق،
فالطريق لا تزال محفوفة بالمآسي التي تتوالى وتزلزل القلوب وتعيد الناس لجادة الطريق بأثمان باهظة.
إن الحديث عن التعصب يتطلب مجلدا من التفصيل والتبيان، وإن تمكنه في الساحة العلمية أكبر الخسارة والانحراف.
ودلالة فشل تستوجب صيحة نذير..!
أفيقوا أيها الناس، لقد نُصبت أصنام الأسماء، فنُحرت البصيرة على عتباتها، وحورب الإنصاف والصدق!
وهذه من أخطر فتن هذا الزمان التي أعمت القلوب والمقل، ولا يزال الناس يتعايشون معها وينجرون لها ويفقدون إخلاصهم لأجلها في كل يوم، ولا حياة لمن تنادي!
التعصب دلالة التعالم المفلس، ودلالة الجهل بعظمة هذا الدين!
وصناعة للغثاء!
لا عيش إلا عيش الآخرة.