بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.
تصلني منذ مدة أسئلة كثيرة حول ما يُعرف بـ”نظام الطيبات” المنسوب للدكتور ضياء العوضي، وما يُثار حوله من دعاوى واسعة تتعلق بالصحة والأمراض والعلاج. وقد آثرت ألا أكتب عنه إلا بعد متابعة قدرٍ معتبر من مادته المنشورة، والاستماع إلى عدد من لقاءاته ومقابلاته، والاطلاع على أبرز ما يطرحه أنصاره ومعارضوه، حتى يكون الحكم أقرب إلى الإنصاف وأبعد عن الانفعال.
وقبل الخوض في تفاصيل النظام نفسه، لا بد من تقرير أصل مهم يغيب عن كثير من النقاشات الدائرة حوله، وهو أن الصحة والمرض ليسا مجرد معادلة غذائية بسيطة، ولا يمكن اختزال حياة الإنسان كلها في قائمة من المسموحات والممنوعات الغذائية.
فالله سبحانه هو الذي خلق الأجساد، وخلق لها أسباب الصحة وأسباب المرض، وخلق الداء وخلق الدواء، وجعل الدنيا دار ابتلاء لا دار عافية دائمة. قال النبي ﷺ: «ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء» صحيح البخاري. فوجود المرض في حياة الإنسان ليس ظاهرة شاذة تحتاج إلى تفسير استثنائي، بل هو جزء من السنن التي أجراها الله تعالى في خلقه.
ولهذا مرض الأنبياء عليهم السلام، ومرض الصحابة رضي الله عنهم، ومرض كبار العلماء والعباد والزهاد عبر القرون، مع أنهم كانوا أبعد الناس عن الإفراط الغذائي الذي يتحدث عنه أصحاب النظريات الحديثة. ولم يكن المرض يومًا دليلًا على فساد الإنسان، ولا علامة على جهله، ولا برهانًا على أنه أخطأ في نظامه الغذائي.
بل إن النصوص الشرعية جعلت المرض نفسه بابًا من أبواب الأجر والتمحيص، فقال النبي ﷺ: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» صحيح البخاري.
ومن هنا فإن أي خطاب يوحي للناس بأن الالتزام بنظام غذائي معين كفيل بالقضاء على الأمراض المزمنة عامة، أو أن الأمراض إنما تنشأ أساسًا بسبب مخالفة هذا النظام، هو خطاب يحتاج إلى إلزامه بقدر كبير من الخشية والتقوى؛ لأنه يصطدم بحقائق الشرع والواقع والتجربة الإنسانية جميعًا.
كما أن المتابع للمحتوى المتعلق بنظام الطيبات يلحظ وجود حالة من التضخيم الإعلامي المبالغ فيه، حتى كأننا أمام مشروع يملك تفسيرًا شاملًا لمعظم الأمراض ومفتاحًا سحريًا للصحة والعافية. ومثل هذا الأسلوب لا يخدم الحقيقة، بل يضر بها؛ لأن الحقائق العلمية لا تُبنى على صناعة الإثارة والانبهار، وإنما على البرهان والتجربة والدليل.
ولا أحمل الدكتور ضياء مسؤولية كل ما يقوله أتباعه ومروجوه، غير أن من الملاحظ أن خطابه الذي وجهه لمتابعيه، حمل طابعا أقرب إلى الاصطفاف منه إلى الحوار العلمي؛ وأنشأ تصور حرب بين الحق والباطل، فأصبح النقد عند بعض الأنصار يُعامل وكأنه حرب على الحق، وأصبح المخالف يُصوَّر في أحيان كثيرة وكأنه جزء من مؤامرة واسعة ضد النظام وأهله.
وهذا التصور في ذاته يستحق التوقف؛ إذ نعرف في الواقع أنظمة غذائية كثيرة تمنع أصنافًا بعينها أو تدعو إلى عادات غذائية خاصة، ومع ذلك لم تتحول إلى معارك كونية بين الحق والباطل، ولم يحتج أصحابها إلى تصوير كل اعتراض علمي أو طبي على أنه استهداف متعمد لهم.
ومن أجل ذلك كان من الواجب تناول هذا النظام بميزان العلم والشرع والعقل، بعيدًا عن التهويل والتهوين معًا؛ فما وافق الدليل قُبل، وما خالفه رُد، دون إفراط في التقديس أو تفريط في الإنصاف. والله المستعان.
وقفة مع تسمية “الطيبات”
من أول ما يلفت النظر في هذا النظام اسمه نفسه: “نظام الطيبات”.
وهنا ينبغي التوقف قليلًا؛ لأن لفظ “الطيبات” ليس مصطلحًا مبتكرًا، بل هو لفظ شرعي قرآني له دلالته الخاصة في الوحي.
قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 5].
وقال سبحانه: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157].
والأصل الذي ينبغي أن ينطلق منه المسلم أن الطيبات هي ما أحله الله لعباده، وأن التحليل والتحريم حق خالص لله تعالى، فلا يملك أحد أن يضيق ما وسعه الله، ولا أن يجعل دائرة الطيبات أضيق من الدائرة التي جعلها الشرع.
ولهذا فإن استعمال اسم “الطيبات” لنظام غذائي خاص قد يوحي عند بعض المتابعين بأن ما هو خارج هذا النظام يدخل في دائرة “الخبيثات” أو “المضار” أو “المحرمات”، مع أن الأمر في حقيقته لا يعدو أن يكون اجتهادًا بشريًا في التغذية، يصيب ويخطئ، ويقبل النقد والمراجعة.
ومن هنا ينبغي التفريق بين أمرين:
الأول: حق أي باحث أو طبيب في أن ينصح بترك طعام معين أو التقليل منه لأسباب صحية يراها معتبرة.
والثاني: تحويل هذا الرأي الاجتهادي إلى حكم عام يوحي بأن هذا الطعام خارج دائرة الطيبات التي أحلها الله لعباده.
ومن الأمثلة التي تبرز هذه الإشكالية موقف الدكتور ضياء من الدجاج، حيث يكثر في كلامه التحذير منه بصورة توحي عند كثير من أتباعه بأنه من الأطعمة التي ينبغي اجتنابها مطلقًا.
ومهما قيل في نقد بعض أساليب التربية الحديثة للدواجن أو في الاعتراض على نوعية الأعلاف والهرمونات والمضادات المستخدمة في بعض المزارع التجارية، فإن هذا شيء، والحكم على أصل الدجاج شيء آخر مختلف تمامًا.
فقد ثبت في السنة أن النبي ﷺ أكل الدجاج، وثبت ذلك عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم، ولم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ما يدل على تحريمه أو كراهته.
ولهذا فإن مناقشة واقع بعض أنواع الدجاج المعاصر أمر جائز ومفهوم، أما الانتقال من نقد بعض الممارسات الإنتاجية إلى التزهيد في أصل الطعام الذي أحله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فذلك مسلك لا يسلكه تقي.
كما أن الواقع نفسه يبطل التعميم؛ إذ ليس كل الدجاج سواء، فهناك فروق كبيرة بين أنظمة التربية والإنتاج، وهناك ما يعرف بالدجاج البلدي وغيره من الأنواع التي لا تنطبق عليها كثير من الاعتراضات المطروحة.
وتبقى سخرية العوضي من حديث أبي أيوب الأنصاري – الصحيح – وقصة أكل النبي صلى الله عليه وسلم من الدجاج ومعه الصحابة رضي الله عنهم، وطريقته المتهكمة السفيهة في إسقاط الحديث، مثلبة في صفحته لا تُنسى ولا تُمسح! ولا يعقل أن يقبل مؤمن هذا الأسلوب الوقح في التعامل مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم للانتصار لهواه ورأيه. للتنصل من حقيقة أن الدجاج طعام مباح في الإسلام أكله النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته!
ولهذا يبقى الأصل الشرعي ثابتًا: ما أحله الله فهو من الطيبات، ولا يجوز لأحد أن يضيق دائرة الحلال أو أن يوحي للناس بأن ما أباحه الله قد أصبح في حكم الممنوع أو المذموم بلا برهان شرعي معتبر.
ما هو نظام الطيبات؟
يصعب في الحقيقة تقديم تعريف دقيق ومحدد لنظام الطيبات؛ لأن المتابع لمحتوى الدكتور ضياء عبر السنوات يلحظ قدراً كبيراً من التغيّر والتذبذب في بعض الأحكام والتوصيات، حتى أصبح كثير من أتباعه أنفسهم يختلفون في تحديد ما هو مسموح وما هو ممنوع داخل النظام.
ومع ذلك يمكن تلخيص أبرز ملامحه العامة في عدة ركائز رئيسية:
نظام “الطيبات” هو نموذج غذائي يقوم على تقسيم الأطعمة إلى فئتين أساسيتين: “طيّبة” و“خبيثة/سامة”، وفق تصوّر يرتبط أساسًا بسهولة الهضم، وتقليل الفضلات، وتأثير الطعام على الجهاز الهضمي وما يُسمّى بالالتهابات والاستشفاء الذاتي.
ويقوم النظام في ملامحه العامة على اختيار مجموعة من الأطعمة الطبيعية أو القليلة المعالجة مثل اللحوم والأسماك وبعض النشويات والزيوت الطبيعية والمكسرات والعسل،
مع التشديد على تناول الطعام عند الجوع والتوقف عند الشبع، وتقليل تنوع الوجبة، وربط الصحة العامة بحالة الجهاز الهضمي، إلى جانب اعتماد الصيام المتكرر وتقليل شرب الماء إلا عند الحاجة.
وفي المقابل، يستبعد النظام أو يقيّد بشدة مجموعات غذائية واسعة مثل الدواجن والبيض وكثير من منتجات الألبان والبقوليات ومعظم الخضروات وبعض الفواكه وفي مقدمتها البطيخ -ممنوع كليا- والكنتالوب والبرتقال واليوسفي والكيوي والكاكا والبابايا. والحبوب المكررة وحتى بعض الحبوب الكاملة، إضافة إلى عدد من الأطعمة المصنّعة والمشروبات والأدوية مثل الأسبرين وأدوية الكوليسترول والحموضة.
ومن الإنصاف القول إن بعض هذه المبادئ لا إشكال فيه من حيث الأصل؛ فالدعوة إلى الاعتدال في الطعام، وتجنب الإسراف، وتقليل الأطعمة فائقة التصنيع، وتحسين العادات الغذائية، كلها أمور يتفق عليها كثير من الأطباء وخبراء التغذية، بل يجد المسلم لها أصولاً عامة في الشريعة.
لكن الإشكال لا يكمن في هذه المبادئ المشتركة، وإنما في البناء النظري الذي أُلصق بها، وفي التوسع في إصدار الأحكام على الأطعمة دون أدلة علمية مستقرة، وفي التناقضات الكثيرة التي تظهر عند محاولة تطبيق النظام على أرض الواقع.
فمن أبرز المآخذ على النظام أنه لا يقدم معياراً علمياً واضحاً وثابتاً يفسر للناس لماذا يُمنع هذا الطعام ويُسمح بذاك.
فعلى سبيل المثال:
يُحذَّر من البيض بشدة في كثير من الطروحات، مع أنه من أكثر الأغذية اكتمالاً من ناحية القيمة الغذائية والبروتينات والعناصر الأساسية.
وفي المقابل تُجاز أطعمة ومنتجات يدخل البيض في تصنيعها بصورة مباشرة أو غير مباشرة دون تقديم تفسير مقنع للفارق.
وكذلك:
يُهاجَم عدد من المنتجات الغذائية بحجة أنها مصنعة أو غير طبيعية.
ثم نجد الترحيب بمنتجات أخرى مصنعة لا تقل تعقيداً في مراحل إنتاجها عن المنتجات الممنوعة، بل قد تتجاوزها في حجم المعالجة الصناعية.
ومن الأمثلة التي يثيرها كثير من النقاد: التوسع في التحذير من بعض الأغذية التقليدية المعروفة تاريخياً، مع التساهل تجاه منتجات غذائية حديثة التركيب تحتوي على مزيج من السكريات والدهون والمواد المصنعة.
وهنا يبرز سؤال جوهري:
ما هو الضابط الحقيقي الذي يجعل الطعام “طيباً” أو “خبيثاً” في هذا النظام؟
هل هو التصنيع؟
إن كان كذلك فهناك منتجات مصنعة يُشجَّع عليها.
أم هو التأثير على الهضم؟
فكثير من الأطعمة الممنوعة لا يوجد اتفاق علمي على أنها تضر جميع الناس.
أم هو تأثيره على السكر أو الالتهابات أو الهرمونات؟
فالتفسيرات المطروحة تتغير من مادة إلى أخرى ومن مقطع إلى آخر دون وجود إطار علمي متماسك يمكن اختباره أو التحقق منه.
ولهذا يشعر المتابع أن النظام لا يقوم على قواعد ثابتة بقدر ما يقوم على استنتاجات متفرقة وأحكام جزئية يصعب جمعها تحت نظرية غذائية منضبطة.
كما أن أنصار النظام يبالغون في ربط معظم الأمراض تقريباً بقائمة محددة من الأطعمة، وكأن الجسم البشري يمكن تفسير جميع علله ومشكلاته من خلال بضعة أصناف غذائية فقط، وهو تبسيط شديد التعقيد لحقيقة الأمراض وأسبابها المتعددة، والتي تشمل عوامل وراثية وبيئية ومناعية ونفسية وسلوكية وغيرها.
ولهذا فإن المشكلة الأساسية ليست في الدعوة إلى تحسين الغذاء أو ترك بعض العادات السيئة، وإنما في تحويل اجتهادات غذائية ظنية إلى حقائق قطعية، ثم بناء وعود علاجية واسعة عليها، مع وجود قدر ملحوظ جدًا من التناقضات والاضطراب في التطبيق والاستدلال.
التناقضات التطبيقية في نظام الطيبات
إذا تجاوزنا الشعارات العامة التي يرفعها النظام، وانتقلنا إلى التطبيق العملي والتوصيات التفصيلية، فإننا نصطدم بكمٍّ كبير من التناقضات والإشكالات التي تجعل من الصعب اعتباره نظاماً غذائياً منضبطاً أو مدرسة متماسكة في التغذية والصحة.
وأول ما يلفت النظر أن كثيراً من أتباع النظام أنفسهم يختلفون في تحديد ما هو مسموح وما هو ممنوع، بل إن المتابع لكلام الدكتور ضياء عبر السنوات يجد تغيرات متكررة في بعض الأحكام والتوصيات، حتى أصبح الناس يتحدثون عن “الكلام القديم” و”الكلام الجديد”، ويبحثون عن الناسخ والمنسوخ من آرائه الغذائية، وهي ظاهرة لا تكاد توجد في الأنظمة الغذائية المعروفة التي تقوم على أصول واضحة ومستقرة.
ومن أمثلة ذلك تغير موقفه من بعض الأغذية التي كان يوصي بها ثم عاد للتحذير منها أو التقليل من شأنها، مما يثير سؤالاً مشروعاً: ما المرجعية العلمية التي تضبط هذه التغيرات؟ وهل هي أبحاث جديدة؟ أم تجارب شخصية؟ أم مجرد قناعات متبدلة؟ أم هوى العوضي ومزاجه؟
ومن أكثر ما يلفت النظر كثرة التناقضات في تصنيف الأطعمة نفسها.
ففي الوقت الذي يُمنع فيه البيض أو يُحذَّر منه بشدة، نجد السماح بمنتجات يدخل البيض في تكوينها أساساً.
وفي الوقت الذي يُهاجَم فيه الحليب ومنتجاته، نجد قبول بعض المشتقات المصنوعة منه دون بيان واضح للفارق المؤثر.
وفي الوقت الذي يُذم فيه عدد من الأغذية بحجة أنها مصنعة أو غير طبيعية، نجد الترحيب بمنتجات أخرى مصنعة لا تقل عنها معالجة صناعية، بل قد تكون أكثر تركيباً وتعقيداً.
فإذا كان معيار المنع هو التصنيع، فلماذا يُستثنى بعض المصنَّع دون بعض؟
وإذا كان المعيار هو التأثير الصحي، فأين الدراسات التي تفسر هذا التفريق؟
وإذا كان المعيار هو الهضم والامتصاص، فلماذا تتغير الأحكام بين منتج وآخر يشتركان في المكونات نفسها تقريباً؟
وهذه الأسئلة لا تجد جواباً منهجياً واضحاً.
التكلف في تفسير الأطعمة
ومن المآخذ الظاهرة كذلك التوسع في بناء أحكام غذائية كاملة على تفسيرات غريبة أو دعاوى لا تستند إلى أساس علمي معروف.
فبعض الأغذية تُذم لأسباب لا يعرفها أهل الاختصاص، ولا تقوم على تجارب سريرية أو أبحاث موثقة، وإنما على استنتاجات شخصية أو تأويلات بعيدة.
بل إن بعض المبررات التي تُذكر في تفسير منع بعض الأطعمة أو التحذير منها أقرب إلى الخواطر والانطباعات منها إلى البحث العلمي المنضبط. وصاحب النظام يقول ذلك صراحة عند تحذيره من بعض الفواكه كالبطيخ مثلا! أو عندما يحذر من الشكلاطة “الدارك” دون أن يقدم تعليلا محترما هو مطالب به لأنه يشجع بالموازاة وبشدة على شكلاطة “النوتيلا”. والأمر نفسه مع الطماطم المعلبة في وقت لا يجد فيه بأسا مع”الكتشاب”.
ومما يزيد الإشكال أن هذه التفسيرات لا تُقدَّم بوصفها آراءً قابلة للنقاش، بل كثيراً ما تُطرح على أنها حقائق يقينية مكتشفة، مع غياب الأدلة التي يمكن للمتابع مراجعتها والتحقق منها. ثم يضعك العوضي أمام حقيقة مسلمة لديه، تأخذ هذا الوحي فتنجو أو أنت “الحمار” الهالك!، فهو لا يتورع عن مخاطبة من يعارضه أو يطالبه بدليل أو تفسير، بالسب والتحقير، ولا يجد حرجا في فرض ثنائية: تتبعوني بدون أدنى اعتراض أو استفسار حتى لو انتهى بكم الأمر إلى العناية المركزة، أو فأنتم الجهلة!
توصيات تصطدم بأصول الطب والتغذية
ومن أخطر ما يلاحظ في بعض الطروحات توصيات تتعلق بالأطفال والمرضى وأصحاب الحالات الخاصة.
فقد سمعت له توصية تتعلق بإدخال بعض الأغذية للأطفال في أعمار مبكرة جداً، في مرحلة لم يكتمل فيها نمو الجهاز الهضمي أو المناعي للطفل.
كيف يعقل أن تطعم رضيعا في عمر 3 أشهر “خبز التوست” يُضاف عليه عصير جوافة وسكر بحجة أن الحليب لا يكفيه، هكذا يوصي العوضي الأمهات والآباء! والله جل جلاله يقول: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.
وثابت لدى كل أم وكل صاحب اختصاص في هذا الشان أن الحليب أهم غذاء للرضيع، بل حتى الحيوانات، يدركون هذا بفطرتهم، بينما يأتي العوضي ليقنعنا أن التوست وعصير الجوافة والسكر غذاء صحي للرضيع! ولا عجب فسيجد من يصفق لهذا “الاكتشاف العظيم” ممن يعجب به والكارثة أن يجرب على رضيع فيكون حقل تجارب للجهلة!
ومهما اختلف الناس في تقييم هذه التوصيات، فإن مجرد إصدار توصيات عامة تمس الرضع والأطفال بهذا الاستهتار يمثل أمراً بالغ الحساسية، لأن الخطأ فيه لا يقتصر على نقاش فكري أو غذائي، بل يتعلق بصحة الإنسان وسلامته وبمصير طفل بين يدي أهله!
إنكار حقائق طبية مستقرة
كما يلاحظ المتابع أن النظام لا يقتصر على الاجتهاد الغذائي، بل يتوسع أحياناً إلى التشكيك في حقائق طبية مستقرة أو التقليل من قيمة بعض العلاجات المعروفة.
فقد تكرر في بعض المقاطع إنكار أو التشكيك في قضايا أصبحت من أساسيات المعرفة الطبية المعاصرة، أو التقليل من أهمية بعض الأدوية والعلاجات التي أُثبتت فائدتها عبر عقود من الدراسات والتجارب السريرية. بل وحتى التجربة الشخصية تقف سدا منيعا أمام ادعاءات العوضي، خاصة لمن يعاني من أمراض كالسكري والكلى واضطرابات الغدة الدرقية وغيرها من أمراض أضحى نظام الطيبات – كما يزعم العوضي – العلاج الأساسي لها. ولا عجب أن وصلت حالات حرجة جدا للطوارئ نتيجة الاتباع الأعمى لكل ما ينتشر من توصيات لم تنتقد بالقدر الكافي واللازم.
ومن الإشكالات المنهجية الخطيرة في هذا الطرح أيضًا إنكار بعض الحقائق العلمية والطبية المستقرة، مثل وجود الفيروسات أو الآليات المعروفة لمرض السكري ودور الإنسولين في علاجه. ودور الكلى في الجسم، فهذه ليست فرضيات نظرية أو آراء قابلة للجدل العشوائي، بل نتائج تراكمت عبر عقود من الأبحاث المخبرية والتجارب السريرية والممارسة الطبية اليومية في مختلف دول العالم. إن إنكار هذه الأسس أو التقليل من أهميتها، أو استبدالها بتفسيرات بديلة غير مدعومة بأدلة علمية مماثلة، يؤدي إلى إرباك المتلقي وصناعة تصور مضلل عن طبيعة المرض وطرق التعامل معه. والأخطر من ذلك حين يُقدَّم هذا الإنكار في صورة “يقين علمي بديل”، بينما هو في حقيقته يتجاهل منظومة كاملة من الأدلة المتكررة والمثبتة، ما يجعله خروجًا عن المنهج العلمي القائم على الاختبار والتحقق والتراكم المعرفي. وصدق من قال: من المعضلات توضيح الواضحات، فقد أضحى أنصار العوضي يطالبون الأطباء بإنكار حقائق ثابتة في الطب لمجرد أن سيدهم ينكرها بمزاعمه!
ولا يعني هذا أن الطب الحديث معصوم من الخطأ، فالطب يتطور باستمرار، وكثير من النظريات تتغير مع الزمن، لكن الفرق أن الطب يبني أحكامه على البحث والتجربة والتقييم المستمر، بينما لا يصح أن تُهدم المعارف الطبية المستقرة بمجرد الانطباعات الشخصية أو التجارب الفردية المحدودة. أو بالترويج لنظرية المؤامرة الكونية التي أضحت وسيلة كل دجال!
الادعاء دون بيّنة
من أبرز الإشكالات في هذا الطرح أنه يعتمد في بعض ادعاءاته على إطلاق أقوال كبيرة دون تقديم أدلة موثقة أو قابلة للتحقق، خصوصًا في ما يتعلق بالادعاء بمعالجة حالات مرضية خطيرة مثل السرطان. إذ يزعم صاحب نظام الطيبات أنه تمكن من “علاج عدد كبير من الحالات”، دون عرض تقارير طبية، أو دراسات منشورة، أو حتى توثيق لحالات محددة يمكن الرجوع إليها ومراجعتها بشكل مستقل.
وهذا يثير سؤالًا منهجيًا بديهيًا: أين هي هذه الحالات؟ ولماذا لا توجد بيانات أو ملفات طبية أو شهادات موثقة يمكن اختبارها علميًا؟ فغياب الدليل القابل للتحقق يجعل هذه الادعاءات أقرب إلى الخطاب الإنشائي منها إلى الحقائق الطبية، خاصة في مجال حساس كالأمراض المزمنة والخطيرة التي تخضع عادة لمعايير دقيقة جدًا في التوثيق والتجربة.
صناعة حالة الصراع
ومن الملامح اللافتة كذلك أن الدكتور ضياء كثيراً ما كان يتحدث عن أن الناس سيحاربون مشروعه، وأن المؤسسات ستقف ضده، وأن الأطباء سيهاجمونه. ويشجع أتباعه على شرب الدخان والنظر بازدراء في من ينتقدونهم!
وهذه الطريقة في الطرح تصنع لدى الأتباع شعوراً بأن أي نقد يوجه للنظام إنما هو جزء من مؤامرة مسبقة أو حرب على الحقيقة.
ومشكلة هذا الأسلوب أنه يغلق باب المراجعة العلمية، لأن المتابع يتحول من باحث عن الدليل إلى مدافع عن معسكر، ومن طالب للحقيقة إلى مناصر أعمى لشخص يعتقد ما يقوله وحيا منزلا!
والحق لا يحتاج إلى صناعة أعداء متخيلين لكي يثبت نفسه، بل يكفيه الدليل والبرهان. ثم من الطبيعي جدا أن يستنكر العقلاء المنكر، والادعاءات التي تصادم الحقائق، وهذا ليس دليل صواب الفكرة بل دليل صحة الاستجابة، ثم كيف إذا رافق ادعاء نصرة الحق هذه، انحطاط الأخلاق وقلة الأدب والغرور والاستكبار!
التدخين نموذجاً
ومن أغرب ما طُرح في هذا النظام موقفه من التدخين، حيث ظهر في عدد من المقاطع وهو يقلل من شأن أضراره، بل وينصح به كجزء من نظام الطيبات، فهو يعتبر التدخين غذاء طيبا! ويسخر ممن ترك التدخين خوفاً على صحته ويسفه من طريقة تفكيره!
وهذا الطرح يصطدم بكم هائل من الدراسات الطبية الممتدة لعقود طويلة، والتي ربطت التدخين بأمراض القلب والشرايين وسرطانات الرئة والفم والمثانة وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة وغيرها. وحتى التجارب الشخصية وشهادات المدخنين أنفسهم!
ولا يشترط قبول كل ما تقوله المؤسسات الصحية العالمية، لكن من غير المعقول أن تُهدم آلاف الدراسات والبحوث والمشاهدات السريرية المتراكمة من أجل رأي فردي لا يملك أدلة مكافئة لها. فهل يعقل أن نمسح سجل الحقائق عن مضار التدخين ومعرفة المدخنين أنفسهم بما جنوه على صحتهم من جراء هذا التدخين، وكل ثابت وحقيقة في هذا الباب، لأن العوضي قرر أن يجعل التدخين من الطيبات! لأجل هوى نفسه ولأنه مدخّن بالأساس؟! فهل هذه فتنة أم كارثة وعي! ثم نتساءل كيف يتبع الناس الدجال في آخر الزمان!
إن كان الناس بتبعون كل من يقول الكذب الصريح فكيف نعجب ممن يتبعون من يضللهم بباطل متستر بحق!
الماء حياة!
ومن أكثر ما يثير الاستغراب في نظام الطيبات التقليل من أهمية شرب الماء، بل الدعوة في بعض المواضع إلى عدم شربه إلا في أضيق الحدود، وربط كثير من الأعراض الطبيعية أو الصحية بتفسيرات لا تستند إلى دليل طبي معتبر.
وقد أدى هذا الطرح إلى ظهور تفسيرات عجيبة بين بعض الأتباع، كما يظهر في نماذج منشورة بينهم، حيث أصبح البول الداكن أو شديد الاصفرار يُفسَّر أحيانًا على أنه دليل على “خروج السموم” أو “نجاح النظام الغذائي”، في حين أن هذه العلامة تُعد في كثير من الأحيان من أشهر مؤشرات قلة شرب السوائل والجفاف.
وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج بناء الثقافة الصحية على الشعارات والانطباعات بدلاً من العلم والتحليل الطبي.
فالجسم البشري مكوَّن في معظمه من الماء، والماء يدخل في وظائف لا تكاد تُحصى: تنظيم حرارة الجسم، ونقل الغذاء والأكسجين إلى الخلايا، والتخلص من الفضلات، والمحافظة على حجم الدم، ودعم وظائف الكلى والدماغ وسائر الأعضاء.
ولذلك لم يعتبر الأطباء عبر تاريخ الطب أن قلة البول أو شدة لونه علامة صحة في ذاتها، بل ينظرون إليها كعرض يحتاج إلى تفسير ومعرفة سببه.
أما تحويل البول الداكن إلى بشارة صحية عامة، أو اعتباره دليلاً على نجاح النظام الغذائي، فهو من جنس الاستدلالات الأهوائية، كما يقول المثل “معزة ولو طارت”، فالإنسان يعرف جسده، ويعلم أن نقص الماء يضره بالفطرة السليمة! ويعلم أن تغير لون البول إشارة منذرة، لخلل في ميزان صحته، فكيف يصبح دلالة على سلامته!
كما أن الدعوة إلى تقليل شرب الماء بصورة عامة قد تؤدي عند بعض الناس إلى عواقب خطيرة، خاصة كبار السن ومرضى الكلى ومرضى السكري ومن يعيشون في البيئات الحارة أو يمارسون أعمالاً شاقة.
ومن المعروف أن الجفاف يتسبب في الكثير من الاضطرابات في الجسم، كالإرهاق والدوخة والصداع، ويرفع من احتمالية تشكل حصى الكلى، وتفاقم بعض أمراض الكلى المزمنة، واختلال توازن الأملاح في حالات شديدة، وغيره من أعراض.
ولهذا فإن النصيحة الطبية الرشيدة لا تقوم على منع الناس من الماء أو تخويفهم منه، وإنما على الاعتدال ومراعاة حاجة كل إنسان بحسب عمره وحالته الصحية وبيئته ونشاطه.
والإنسان لا يستطيع العيش بدون ماء إلا لفترة قصيرة جدًا، لأن الماء ضروري لتنظيم حرارة الجسم، ونقل العناصر الغذائية، ووظائف الكلى والدماغ. فعادةً يمكن للإنسان أن يبقى بدون ماء من يومين إلى 4 أيام تقريبًا، وقد تختلف المدة حسب الظروف مثل الحرارة، الجهد البدني، والحالة الصحية.
فإذا مُنع الإنسان من الماء لمدة 3 أيام متواصلة، فإن ذلك يؤدي إلى جفاف شديد وخطير، وقد يصل إلى الوفاة في أكثر الحالات إن لم ينقذه شرب الماء! ومعلوم أن الإنسان يصبر على الجوع أكثر من صبره على العطش.
ومن اللافت أن النبي ﷺ لم يأتِ بمثل هذه التكلفات، فلم يجعل شرب الماء معركة فكرية، ولم يربط صحة الإنسان بإجبار نفسه على العطش، بل كان يشرب الماء ويُسقي الناس ويحث على السقي، وجعل من أعظم الصدقات سقي الماء.
والمشكلة الحقيقية هنا ليست في رأي غذائي يمكن مناقشته، بل في تحويل الملاحظات الشخصية والانطباعات الفردية إلى قواعد عامة تُطبَّق على الناس جميعًا، ثم تفسير كل نتيجة تترتب عليها باعتبارها نجاحًا للنظام مهما كانت مخالفة لما يعرفه الطب أو ما يشاهده الناس في واقعهم وأنفسهم.
فإذا أصبح الجفاف دليلاً على الصحة، والعطش دليلاً على التعافي، والبول الداكن دليلاً على خروج السموم، فإننا نكون قد انتقلنا من النقاش الغذائي إلى بناء تصورات صحية كاملة على استنتاجات نفسية مزاجية لا تقوم على برهان علمي معتبر، وهو ما يوجب مزيدًا من التحذير بشدة.
تناقضات طرحت على سبيل المثال لا الحصر
هي تناقضات تكفي لأخذ الحذر من الانجرار الأعمى لهذا النظام، واعتباره نصا يجب اتباعه كوحي لا يعارض ولا ينتقد. إذ تتمثل أبرز التناقضات في هذا الطرح في غياب معيار ثابت يحكم الحكم على الأطعمة، فتُمنع فيه بعض الأغذية أو تُهاجم دون أساس علمي منضبط، بينما تُستثنى أطعمة مشابهة لها في التركيب أو الضرر المحتمل فقط لأنها تُفضَّل شخصيًا، مثل إباحة النوتيلا مقابل التحذير من الشوكولاتة الداكنة، أو منع الخضروات عمومًا مع استثناء أنواع بعينها كالبامية وفق الذوق لا القاعدة.
كما تُقدَّم توصيات متناقضة حول التغذية والعلاج، كإنكار الحاجة إلى بعض الأدوية أو التقليل من شأن الإنسولين، مقابل طرح تصورات تبسيطية للأمراض تتجاهل تعقيدها الطبي، بل وأحيانًا التقليل من خطورة نتائج واقعية موثقة.
ويزداد الإشكال حين تُطرح أحكام حادة تتعارض مع المعرفة الطبية المستقرة، مثل تفضيل مواد أو سلوكيات غذائية غير مدروسة مقابل استبعاد أغذية مثبت فائدتها، مع التعامل مع الاعتراضات العلمية بالتجاهل أو التقليل من شأنها. أو التأكيد على أن اضطراب النوم ليس مهما في صحة الإنسان كما يزعم صاحب نظام الطيبات، بينما الواقع والتجربة يوثقان بأن اعتدال النوم من نعم الله وأسباب الصحة الثابتة!
وهذا كله يعكس نمطًا من الانتقائية والتبرير بحسب التفضيل الشخصي لا وفق منهج علمي ثابت، مع إنكار أو تهميش الحقائق الطبية الراسخة، وهو ما يجعل هذه التناقضات متكررة ومتعددة إلى درجة يصعب حصرها، وهذا غيض من فيض، إذ يتعذر عمليًا تتبع كل تناقضاته لكثرتها.
ثم إن القول بأن شخصًا “تحسّن” بعد اتباع نظام غذائي معين لا يُعدّ في حد ذاته دليلًا على أن هذا النظام هو السبب المباشر في التحسن أو أنه الحل الصحيح، لأن التحسن الصحي قد ينتج عن عوامل متعددة في الوقت نفسه، مثل تقليل السعرات، تحسين نمط الحياة، تقليل الأطعمة المصنعة، أو حتى تغيّر الحالة النفسية والجسدية بشكل طبيعي. كما أن كثيرًا ممن يروون تجربة التحسن لا يلتزمون بالنظام بشكل كامل ودقيق، بل يطبقون أجزاء منه ويتركون أجزاء أخرى، مما يجعل نسبة التحسن غير قابلة للإسناد إلى النظام نفسه بشكل علمي. إضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد على التجارب الفردية لا يُعد معيارًا علميًا حاسمًا، لأن الحالات الفردية لا تضبط المتغيرات ولا تستبعد الصدفة أو العوامل الأخرى المؤثرة كما لا تذكر حالات الانتكاس والانهيار المقابلة في الجانب الآخر لمن تضرروا من النظام. ولذلك فإن القياس الصحيح لأي نظام غذائي لا يكون بالانطباعات الشخصية أو التجارب الجزئية، بل بالدراسات المحكمة التي تقارن بين مجموعات كبيرة وتحدد بدقة أثر كل عامل على الصحة.
أين يقع الإشكال الحقيقي؟
إن الإشكال الحقيقي في نظام الطيبات ليس في الدعوة إلى الغذاء الجيد، ولا في تشجيع الناس على تحسين عاداتهم الغذائية، فهذه أمور مطلوبة ومحمودة.
وإنما يبدأ الإشكال عندما تتحول الاجتهادات الشخصية إلى يقينيات مطلقة، وعندما يُصوَّر النظام وكأنه مفتاح تفسير الأمراض كلها وعلاجها، وعندما تُقدَّم الانطباعات الفردية على أنها بديل عن العلم والخبرة والبحث والتجربة.
فالغذاء سبب من الأسباب، وليس كل الأسباب.
والمرض قدر من أقدار الله، يقع على البر والفاجر، وعلى الصحيح في غذائه والمقصر فيه. وله أسبابه والتي ليست بالضرورة متعلقة بالغذاء حصرا كما يختزل ذلك نظام الطيبات.
وقد مرض الأنبياء والصالحون والعلماء والعباد، ولم يكن مرضهم نتيجة أكل الدجاج أو البيض أو الخبز، وإنما لأن الدنيا دار ابتلاء، والصحة والمرض كلاهما من سنن الله الجارية في خلقه.
ولهذا فإن الواجب هو الانتفاع بما ثبت نفعه، والحذر مما ثبت ضرره، مع بقاء العقل حاكماً، والدليل مرجعاً، وعدم تحويل أي شخص ـ مهما بلغ علمه أو شهرته ـ إلى مرجعية لا تُناقش ولا تُراجع.
الحذر من الوسوسة الغذائية
ومن أخطر الآثار التي قد تنتج عن بعض الصيحات الغذائية المعاصرة أنها تنقل الإنسان من العناية بصحته إلى حالة من الوسوسة والخوف الدائم من الطعام.
فيصبح منشغلاً بكل لقمة قبل أن يأكلها:
هل هذا الطعام من الطيبات؟
هل هذا الغذاء حذر منه العوضي؟
هل هذا المنتج يسبب المرض؟
هل أخطأت اليوم فأكلت ما لا ينبغي؟
ثم تتحول مسألة الطعام من نعمة يتقوى بها الإنسان على عبادة الله وعمران حياته إلى هاجس يومي يستهلك الفكر والوقت والطاقة النفسية.
وهذا خلاف ما جاءت به الشريعة من رفع الحرج والتكلف عن الناس.
فالإسلام دين الفطرة واليسر، ولم يجعل الطعام ميداناً للتعقيد الدائم ولا للتصنيف المرهق الذي يشغل الناس عن مصالح دينهم ودنياهم.
ومن يتأمل هدي النبي ﷺ يجد أنه أبعد الناس عن هذا المسلك.
فلم يكن ﷺ يفتش عن الطعام تفتيش المتكلفين، ولا يجعل حياته قائمة على قوائم طويلة من الممنوعات والمسموحات، بل كان يأكل مما وجد إذا كان حلالاً، ويشكر الله عليه.
تمر الأيام في بيته فلا يوقد نار، ويعيش على التمر والماء، وربما ربط الحجر على بطنه من الجوع، ومع ذلك لم يُنقل عنه أنه جعل الناس في قلق دائم من أصناف الطعام، ولا أنه شغلهم بتفتيش كل لقمة وكل شراب.
وكان الصحابة رضي الله عنهم يعيشون في بيئات مختلفة، فمنهم الغني ومنهم الفقير، ومنهم من يجد اللحم أحياناً ولا يجده أكثر الأحيان، ومنهم من لا يملك إلا التمر أو الشعير أو اللبن، ولم يكن معيار الصحة عندهم قائماً على القدرة على اتباع نظام غذائي معقد أو مكلف.
بل إن واقع ملايين المسلمين اليوم يذكرنا بهذه الحقيقة.
فهناك من يعيش في مخيمات اللجوء، وهناك من لا يجد إلا وجبة واحدة في يومه، وهناك من يقتات على ما تيسر من الأرز أو الخبز أو التمر أو الماء.
فكيف يُخاطَب هؤلاء بخطاب يجعل الطعام شبكة معقدة من المحظورات والاشتراطات والتفاصيل التي يعجز عنها أكثر الناس؟
إن العناية بالصحة أمر محمود، وتحري الغذاء النافع مطلب مشروع، لكن ذلك شيء، وتحويل الطعام إلى هاجس نفسي دائم شيء آخر.
فالإنسان مأمور بالأخذ بالأسباب، لا بالعيش أسيراً لها.
ومأمور بحفظ صحته، لا بتحويل حياته إلى سلسلة لا تنتهي من المخاوف الغذائية.
ولهذا كان من الحكمة أن يتعامل المسلم مع الطعام بميزان الاعتدال؛ فيأكل ما أحل الله، ويتجنب ما ثبت ضرره، ويشكر نعمة الله عليه، دون إفراط في الإهمال، ودون غلو يوقعه في القلق والوسوسة والتكلف الذي نهى عنه الشرع.
وقد كان السلف يكرهون التكلف، ويعدونه باباً من أبواب الانشغال عما ينفع، لأن الدين لم يُبن على المشقة المصطنعة، وإنما بُني على اليسر والرحمة وتحقيق مصالح العباد.
ومن هنا فإن أي خطاب غذائي يُدخل الناس في خوف دائم من المباحات، أو يجعلهم يشعرون أن صحتهم معلقة بعشرات الشروط والتفاصيل الدقيقة التي لا يستطيع أكثر البشر تطبيقها، يحتاج إلى مراجعة ونقد، لأنه يناقض مقصد السكينة والطمأنينة الذي جاءت به الشريعة، ويحول نعمة الطعام إلى مصدر قلق واضطراب.
المآخذ العقدية: حين يتجاوز الخطاب حدود التغذية
إذا كان الخلاف حول الأنظمة الغذائية أمراً محتملاً، فإن أخطر ما يثار حول الدكتور ضياء العوضي فيما يهمني حقا، وجعلني أحسم أمر نظامه، فليس الجانب الغذائي في ذاته، بل في التصورات العقدية والنفسية التي أحاطت بشخصه وبمشروعه.
فالناس قد يختلفون في الحمية الغذائية، وقد يخطئ الطبيب أو يصيب، لكن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما يتحول صاحب الفكرة من مجرد مجتهد أو صاحب رأي إلى شخصية تُمنح صفات استثنائية تتجاوز حدود البشر.
وإن كان المتابع لأسلوبه في الخطاب يلحظ ذلك الانفصام عن العقيدة والأخلاق في أسلوب حديثه ومنطلقات هذا الحديث، فهناك طامة يجب التحذير منها بشدة! وهي الاستحقاقية التي يعاني منه العوضي وحالة الوهم التي يعيشها!
فمن أخطر ما ثبت لي في هذا الباب ما ذكرته زوجته بنفسها في أحد المقاطع عن العوضي، إذ روت أنه كان يقول:
“يا رب لو كنتَ قد اخترتني لهذه الرسالة فأنزل المطر”، ثم اعتبر نزول المطر تأييداً لذلك.
ومهما كانت تفاصيل القصة أو طريقة فهمها، فإن مجرد بناء شعور الاصطفاء الشخصي على مثل هذه التصورات يفتح باباً شديد الخطورة.
فالمسلم يعلم أن الوحي قد انقطع بوفاة النبي ﷺ، وأن النبوة خُتمت بمحمد ﷺ، وأن الهداية لا تحتاج إلى رسائل خاصة تنزل على أفراد بعده، بل المرجع هو الكتاب والسنة.
ولهذا كان السلف شديدي الحذر من كل خطاب يوحي لصاحبه بأنه مختار على وجه استثنائي، أو أنه يتلقى إشارات خاصة تؤهله لقيادة الناس خارج الأصول المعروفة للعلم والشرع.
والإشكال لا يقف عند هذا الحد، بل إن المتابع لخطاب بعض أتباعه يلاحظ بوضوح حالة من التقديس الشخصي المبالغ فيه، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى عبارات صادمة من قبيل:
“أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وأشهد أن الدكتور ضياء العوضي مرسل من الله.” فهذه العبارة وثقها أحد أنصار الدكتور صاحب نظام الطيبات، لقد تحول لنبي مرسل!! وكلامه وحي منزّل! فانظروا إلى أين وصل الأمر!
ومهما قيل إن هذه العبارات صادرة من أفراد متحمسين لا من صاحب الفكرة نفسه، فإنها مؤشر خطير على طبيعة المناخ الذي نشأ حول الرجل، وعلى تحول المشروع من مجرد نظام غذائي إلى حالة من التبجيل الشخصي غير المنضبط. ودعوة دجل تشكلت في ساحة تحكمها الأهواء أكثر من الحقائق!
وقد عرفت الأمة الإسلامية هذا النمط مراراً عبر تاريخها؛ إذ كثيراً ما تبدأ القصة باجتهاد أو فكرة أو دعوة إصلاحية، ثم تتحول بالتدريج إلى صناعة هالة حول الشخص نفسه، حتى يصبح قوله معياراً للحق، ويُنظر إلى مخالفيه باعتبارهم أعداء أو محاربين للحقيقة.
ومن المآخذ كذلك ما يظهر أحياناً من تعبيرات توحي بأن الرجل لا يقدّم اجتهادات غذائية قابلة للنقاش، بل حقائق قطعية يُقابَل معارضوها بالسخرية أو الاتهام أو التحقير، وكأن القضية ليست بحثاً علمياً بل معركة بين أهل حق وأهل باطل. فصنع لنفسه نظام حلال غير الذي أنزله الله تعالى .. وجعل استحقاقيته كوحي منزل دون أدنى برهان أو بيّنة، سوى الإلزام الأصم.
ومن أبرز المآخذ عليه، تكراره الثناء على النصارى ووصفهم بأنهم “أكثر إيمانًا” في بعض المواضع، وهي عبارة مضللة وجائرة، لا تستقيم مع الميزان الشرعي؛ إذ إن الإيمان في الإسلام له حقيقة محددة، وأعظم أركانه الإيمان بالله ورسله وخاتمهم محمد ﷺ، فلا يصح إطلاق مثل هذه الأحكام العامة التي توهم تفضيل من أشرك بالله وكفر بخاتم الأنبياء على أنهم أكثر إيمانا، والله عز وجل يقول: ﴿ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا﴾ [ مريم: 90 – 91] فعن أي إيمان يتحدث؟!!
ومن المآخذ العقدية والفكرية كذلك ما يظهر في بعض أطروحاته من الجرأة على الجزم بأمور غيبية أو شرعية لم يقم عليها دليل معتبر، ثم بناء نتائج كبيرة عليها.
ومن ذلك جزمه المتكرر بأن الشجرة التي نهى الله آدم عليه السلام عن الأكل منها هي شجرة الحنطة، ثم بناء جملة من الاستنتاجات الغذائية والفكرية على هذا الجزم.
وهذا من جهة المنهج العلمي والشرعي محل إشكال ظاهر؛ لأن تعيين تلك الشجرة لم يثبت فيه نص صحيح عن النبي ﷺ، ولم يرد في القرآن الكريم ما يحدد نوعها.
وقد ذكر المفسرون أقوالًا متعددة في ذلك؛ فقيل: هي شجرة التين، وقيل: العنب، وقيل: الحنطة، وقيل غير ذلك. وأكثر هذه الأقوال منقول عن أهل الكتاب أو عن بعض التابعين، ولا دليل قاطع على واحد منها.
ولهذا قال الإمام ابن جرير الطبري بعد استعراض الأقوال:
“والصواب في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه، فأكلا منها كما وصفهما الله به، ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلاً على ذلك في القرآن ولا في السنة الصحيحة… وذلك علم إذا عُلم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به.”
وهذا كلام نفيس يقرر أصلًا مهمًا في باب العلم، وهو أن المسلم يقف حيث وقف الدليل، ولا يحول الظنون والاحتمالات إلى يقينيات، ولا يبني عليها أحكامًا واسعة وآراءً مصيرية.
وقد ثبت أن النبي ﷺ أكل الحنطة وخبز الحنطة، كما ثبت أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يأكلونها، ولم يرد في الشرع ما يدل على ذمها أو تحريمها.
ومن أشهر الأدلة:
عن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر قالت: «ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض». والبر هو القمح (الحنطة). والحديث في الصحيحين.
وعن سهل بن سعد الساعدي قال: «ما رأى رسول الله ﷺ النقيَّ من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله». والنقي هو الدقيق الأبيض المنخول من القمح. فلما سُئل: هل كانت لكم مناخل؟ قال: لا. والمعنى أنهم كانوا يطحنون القمح ويأكلونه دون تنخيل كامل.
وثبت في أحاديث كثيرة أن خبز الشعير كان غالب قوت النبي ﷺ بسبب حاله المعيشية والزهد وقلة ذات اليد، لا لأن الحنطة محرمة أو مذمومة.
ولهذا لم يقل أحد من أهل العلم المعتبرين إن الحنطة محرمة أو أنها مذمومة لكونها الشجرة التي أكل منها آدم عليه السلام.
بل حتى لو افترضنا جدلًا أن الشجرة كانت حنطة، فإن هذا لا يقتضي تحريمها؛ لأن الله لم يحرم الحنطة على ذرية آدم، بل أحلها لعباده، وأكلها الأنبياء والصالحون عبر القرون.
ولهذا فالإشكال المنهجي ليس فقط في الجزم بأن الشجرة هي الحنطة، بل في الانتقال من هذا الترجيح إلى بناء موقف سلبي من القمح نفسه، مع أن الشريعة أباحته، والنبي ﷺ أكله، والصحابة أكلوه، ولم يرد نص واحد يذمه من هذه الجهة.
ولهذا قال العلماء: الأصل في المطعومات الحل والإباحة حتى يرد دليل التحريم، ولا يجوز جعل شيء من الطيبات التي أحلها الله في منزلة المحرمات أو الخبائث بغير برهان شرعي.
ومن هنا فالإشكال ليس في ترجيح أن تكون الشجرة حنطة، فذلك قول قال به بعض أهل العلم، وإنما في الجزم بذلك وكأنه حقيقة قطعية، ثم استعمال هذا الجزم لتفسير أحكام الغذاء والأمراض، بل ولإقناع الناس بأن نوعًا معينًا من الطعام يحمل دلالة سلبية ممتدة منذ قصة آدم عليه السلام.
وهذا لون من الاستدلال لا يعرفه أهل العلم الراسخون، الذين يفرقون بين ما ثبت بالنص القطعي، وما هو مجرد احتمال أو قول تفسيري لا يترتب عليه حكم شرعي ولا مصلحة عملية.
ولذلك فإن هذه الأمثلة تكشف مشكلة أعمق من مجرد رأي غذائي، وهي مشكلة المنهج نفسه: منهج الانتقال من الظن إلى اليقين، ومن الاحتمال إلى الجزم، ومن الخاطر الشخصي إلى الحقائق الملزمة للناس. وهذه آفة فكرية خطيرة إذا اجتمعت مع الترويج الإعلامي وكثرة الأتباع وضعف النقد.
وهذا المسلك مخالف لطبيعة العلم الشرعي والطبي معاً؛ فالعلماء والأطباء يخطئون ويصيبون، ولا عصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ.
وأما القول بأن الطحين الأبيض المستخدم اليوم مُعالج بدرجة تفقده كثيرًا من قيمته الغذائية، وأن الإفراط في استهلاكه لا يُعد خيارًا صحيًا مثاليًا، فهو في الجملة رأي معروف ومتداول بين عدد كبير من أخصائيي التغذية منذ زمن، حتى قبل ظهور نظام الطيبات المثير للجدل. إذ نجد في التوصيات الغذائية العامة نصائح واضحة بتقليل الاعتماد على الخبز الأبيض والمنتجات المكررة، والاتجاه إلى الحبوب الكاملة والخبز الأسمر لما يحتويه من ألياف وعناصر غذائية أكثر فائدة. وهذا المعنى في حد ذاته ليس جديدًا ولا محل نزاع كبير من حيث الأصل، بل هو من المسائل التي استقرت في الأدبيات الغذائية الحديثة إلى حدٍّ كبير، وأصبح شائعًا في الإرشادات الصحية حول العالم. إنما الإنكار هنا على تحريم مطلق يعتمد على تفسير قاصر للنص الشرعي.
كما أن بعض الطروحات في تفسير الأمراض والكون والشرائع تتجاوز أحياناً حدود الاجتهاد الطبي إلى التأويلات الغيبية والادعاءات الكبرى التي لا تقوم على برهان شرعي ولا على دليل علمي معتبر، مما يوجب مزيداً من التثبت والحذر.
ولهذا فإن القضية في نظري ليست قضية بيض أو دجاج أو حليب أو قمح، وإنما قضية منهج في التلقي.
فالمسلم لا يسلّم عقله لأحد، ولا يجعل شخصاً بعينه مرجعاً مطلقاً في الدين والطب والحياة، ولا ينجرف خلف الهالات الإعلامية أو قصص الكرامات أو دعاوى الاصطفاء.
بل يزن الأقوال بالكتاب والسنة والعلم الصحيح، ويعلم أن الحق لا يُعرف بكثرة الأتباع، ولا بانتشار المقاطع، ولا بالقصص المؤثرة، وإنما يعرف بالدليل.
ومن هنا فإن الواجب عند سماع مثل هذه الدعاوى أو الإشارات أو المبالغات أن يكون المرء أكثر حذراً لا أكثر اندفاعاً، لأن الانحرافات الكبرى في التاريخ لم تبدأ غالباً بأخطاء فقهية أو طبية، وإنما بدأت حين تحولت الثقة بشخص إلى تسليم مطلق له، وحين ارتفعت مكانة المتبوع في نفوس أتباعه فوق الحد الذي أذن الله به للبشر.
فما النظام الصحي الذي يمكن للمسلم أن يطمئن إليه؟
بعد هذا العرض والنقد، قد يسأل القارئ: إذا كانت هذه المبالغات والإطلاقات غير مقبولة، فما المنهج الصحي الأقرب إلى الاعتدال؟
والجواب أن المسلم ليس محتاجًا إلى نظريات متكلفة ولا إلى أن يعيش أسيرًا لقوائم لا تنتهي من الممنوعات والمسموحات، بل يكفيه أن يجمع بين هدي الشرع وما ثبت نفعه من أسباب الصحة.
وأول ذلك أن يدرك أن الصحة نعمة عظيمة ينبغي حفظها، لكنها ليست غاية الحياة، وأن المرض والعافية كلاهما من أقدار الله التي يبتلي بها عباده.
فليس كل مريض مقصرًا، وليس كل صحيح أكثر الناس التزامًا بالأسباب، بل قد يمرض الأنبياء والصالحون، وقد يعيش الإنسان على أكمل الأنظمة الغذائية ثم يبتلى بما شاء الله له من البلاء.
ومن هنا فإن أعظم أصل في باب الصحة هو تحقيق التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب المشروعة، فلا يعتمد العبد على طعام ولا دواء ولا طبيب اعتمادًا ينسيه ربه، ولا يهمل الأسباب بحجة التوكل.
أما في جانب الغذاء، فأقرب المناهج إلى السنة هو الاعتدال.
فيأكل الإنسان إذا جاع، ويتجنب الشره والإسراف، ويقوم من طعامه قبل الامتلاء المفرط، مستحضرًا قول النبي ﷺ: «مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكَلاَتٌ يُقِمْنَ صَلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ». أخرجه الإمام الترمذي
ويحرص على الأغذية الطبيعية قدر استطاعته، من اللحوم والأسماك والفواكه والخضروات والحبوب والأطعمة المعروفة بين الناس، دون أن يدخل في وساوس لا تنتهي حول كل صنف من أصناف الطعام.
كما يستحب له تقليل الاعتماد على الأطعمة فائقة التصنيع والمشروبات المليئة بالسكريات والإضافات الصناعية، لأنها من أكثر ما أجمع المختصون على ضرره عند الإفراط فيه.
وفي الوقت نفسه لا يحرم على نفسه ما أحله الله، ولا يجعل الطعام ميدانًا للتشدد والتنطع، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
ثم ليستجب الإنسان لحاجة جسده الفعلية دون إفراط أو اضطراب، فالجسم قد يُظهر أحيانًا ميولًا أو رغبة في نوع معين من الطعام، كالتمر مثلًا، وهو غذاء معروف بقيمته الغذائية وسهولة استفادة الجسم من سكرياته ومعادنه. وقد تُفهم هذه الرغبة أحيانًا على أنها إشارة إلى احتياج معين لبعض العناصر، مع التنبيه إلى أن هذا لا يُؤخذ على إطلاقه ولا يُجعل قاعدة ثابتة، إذ إن الشهية قد تتأثر بعوامل متعددة مثل العادات الغذائية، والحالة النفسية، ومستوى النشاط البدني، وليس بالضرورة أن تكون دائمًا مؤشرًا دقيقًا لنقص غذائي محدد. لذلك فالأصل هو الاعتدال، وتلبية احتياجات الجسم ضمن نظام غذائي متوازن يراعي التنوع ويمنع الإفراط أو الحرمان.
ومن المهم كذلك المحافظة على شرب الماء بالقدر الذي يحتاجه الجسم، لأن الماء من أعظم نعم الله على الإنسان، ولا تستقيم وظائف البدن بدونه. وبالتجربة فإن شرب كمية كافية من الماء يبقي الجسم في حالة جيدة ونشطة
كما أن الحركة والرياضة من أهم أسباب الصحة، وقد كان المسلمون عبر تاريخهم أهل قوة وعمل وسعي، ولم تكن الصحة عندهم مرتبطة بالطعام وحده، بل بالنشاط والحركة والنوم الكافي والبعد عن الكسل. وليس بالتدخين! والأماني الحالمة. بل بالحركة والنشاط.
ويُضاف إلى ذلك العناية بالنوم المنتظم، والبعد عن السهر المفرط، والمحافظة على الطهارة والنظافة، والاعتدال النفسي، والبعد عن القلق المزمن والغضب المستمر، فهذه كلها من الأسباب المؤثرة في صحة الإنسان.
ثم لا ينسى المسلم التداوي إذا مرض، فالنبي ﷺ قال: «تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء إلا داء واحدا»، فقالوا: يا رسول الله وما هو قال: «الهرم». رواه الترمذي.
فلا يجعل الغذاء بديلاً مطلقًا عن العلاج، ولا العلاج بديلاً عن الغذاء، بل يعطي كل سبب قدره ومنزلته. وليعتنني بقلبه ورسالته كمسلم في الحياة فلذلك موجبات معية في نفسه وصحته لمن أبصر.
والقرآن والصلاة شفاء، والسعي في خدمة الإسلام شفاء، والجهاد في سبيل الله شفاء، والانشغال بهموم الإسلام شفاء!
وخلاصة الأمر أن المنهج الصحي الأقرب إلى روح الإسلام هو:
قلة الإسراف لا قلة الطعام.
والاعتدال لا الحرمان.
والأخذ بالأسباب لا تقديسها.
والثقة بالله لا الثقة بالأنظمة.
والاستفادة من الطب لا عبادته.
والانتفاع بالغذاء لا تحويله إلى عقيدة.
فإذا اجتمع للإنسان توحيد صحيح، وقلب مطمئن بالله، وطعام معتدل، وحركة نافعة، ونوم حسن، واستفادة من العلاج عند الحاجة، والتأسي بالهدي النبوي في الطعام والعلاج، فقد أخذ بأسباب الصحة التي يقدر عليها البشر بلا تنطع ولا تكلف، وبقي بعد ذلك ما يجريه الله من عافية أو ابتلاء، وهو سبحانه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين.
هذا ما تيسر في عجالة .. والله الموفق. نسأل الله تعالى أن يكفي المسلمين شر الفتن ما ظهر منها وما بطن ويهدينا لما فيه خير الدنيا والآخرة ويشغلنا بالحق ويصرف عنا السوء.
النشرة البريدية
بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.
جزاكم الله خيرا على هذا البيان الشافى الوافى ، فإن هذا النظام تحول إلى عقيدة عند كثير من الناس والإشكال حقا يكمن فى منهج التفكير والحكم على ما يعرض للمسلم من أفكار وأطروحات وأنه ليس فى الإسلام تقديس للأشخاص ، والأصل كما ذكرت القياس بميزان الشرع والعلم والعقل لا ميزان الهوى والمزاج . ومما أعجبنى تفنيد جزئيات التناقض والإشكالات الكثيرة فى النظام ، والختام بالمنهج الصحى الذى ينتمى لروح الإسلام.
جزاكم الله خيرا على هذا البيان الشافى الوافى ، فإن هذا النظام تحول إلى عقيدة عند كثير من الناس والإشكال حقا يكمن فى منهج التفكير والحكم على ما يعرض للمسلم من أفكار وأطروحات وأنه ليس فى الإسلام تقديس للأشخاص ، والأصل كما ذكرت القياس بميزان الشرع والعلم والعقل لا ميزان الهوى والمزاج . ومما أعجبنى تفنيد جزئيات التناقض والإشكالات الكثيرة فى النظام ، والختام بالمنهج الصحى الذى ينتمى لروح الإسلام.