نساء تحت الخيام … ماذا يصنع بهن طول البلاء؟

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد:

أخبارهنّ تتسرّب بين ثنايا الصفحات والمشاهد، ثم تُطوى في صمتٍ بارد، لتُدفع إلى زوايا النسيان والهامش. فهذه القضية – في نظر كثيرين – معقّدة، مؤجَّلة، لا تنتمي إلى جدول “العاجل”. أمّا الموت، فلكل أجلٍ كتاب، وكأنّه صار تفصيلًا عابرًا؛ بالبرد أو بالحر، بالجوع أو بالنسيان…كلّه موت، لا يكاد يوقظ ضمائر أنهكها طول البلاء فتبلّدت مقاييسها مع الزمن.

وفي هذا الركن المنسي من العالم أو ذاك، تحمل مسلماتٌ على أكتافهنّ أثقالًا لو وُضعت على الجبال لصدعتها. تمضي دقائق حياتهنّ تحت خيامٍ مهمَّشة، من قماشٍ رقيق، لا يصدّ بردًا ولا يحجب صوتًا ولا يستر أنينًا. خيامٌ غدت عوالم صغيرة تتشبث بالصبر واليقين، وتدفع عن قلوب ساكنيها هواجس اليأس ووساوس الانكسار، وتهمس في عمقها: ستنجلي يومًا… فهذا نصيبنا من ابتلاءات الحياة.

إن العيش تحت خيام النزوح ليس مجرد فقر في المأوى، بل هو في حقيقته امتحان قاسٍ للجوهر الإنساني. تحت هذه الأقمشة التي كثيرًا ما تتمزّق، وتفتح ذراعيها للأمطار والرياح، تغيب الخصوصية؛ ذلك الحقّ الإنساني البديهي الذي تمنحه الجدران. فتصبح الحياة كلّها مرئية، مكشوفة، بلا أسرار ولا حواجز. وكذلك حالة القلب، تتعرى ويخرج ما في الصدور، من خير من شر ومما يخفى!

وفي مناطق نزوحٍ استثنائية، تتجدّد المعاناة كل يوم: بحثٌ مضنٍ عن قطرة ماء نظيفة، كفاحٌ مرير لتدبير وجبة من “الموجود”، ومع تعاقب الأيام، تعيش النساء قسوة الشتاء القارس، ولسعة الصيف اللاهبة، في جسدٍ واحد تتقلب عليه الأحوال والقلب المثقل واحد.

وتتراكم الأعباء عليهنّ أضعافًا؛ فإلى جانب ألم الحاجة ومرارة النزوح، وذكريات الأمس مع أحبة مضوا للقاء الله تعالى .. أو يتصبّرون معهن بين أحضان العجز، يحملن مسؤولية لملمة الأسرة، ورعاية الأطفال، وصناعة دفءٍ في محيطٍ يحاصره القلق والخوف وهواجس المستقبل. وفي ظل نقص المستلزمات الصحية والطبية، تغدو كل لحظة تحدّيًا جديدًا يُضاف إلى سجلّ صمودٍ مفتوح في صفحات الزمن على امتداد محور لا يُعرف مداه.

ومع ذلك، ومن قلب هذا الواقع القاسي، تولد قصة المدافعة: مدافعة الحزن، ومدافعة اليأس. فمن بين الخيام، تخرج نساء بقاماتٍ عالية، قائدات بنفوسٍ عزيزة، ومدبّرات شؤون يخترعن الحلول في غمرة الفقد. تنبري منهنّ معلمات يقفن على ثغر التعليم، ولو تحت ضوء الشموع، وأخريات يصنّ الذاكرة والهوية من الذوبان. فتمتد سواعد البذل تجود بما يشد الأزر ويحفظ للأيام عزها وفضلها.
لن نستسلم… نحن هنا مؤمنات موقنات، صابرات متصبرات، ننتظر نصر الله لنا في الدنيا والآخرة، ونصر الله قريب. مهما تباعدت إشاراته في أفق الأحداث المتدافعة. فمقاييسنا مقاييس الآخرة لا هذه الدنيا الفانية.

وبعضهنّ لم يرضخن لظروف النزوح والحصار، فحوّلن الخيمة إلى روضة مبهجة؛ لمدرسة شحيحة الوسائل، لكنها غنيّة بالرسائل. لأن من يقوم عليها، ومن يتعلّم فيها، نفوسٌ أبصرت الحقّ بالعين المجردة، ووعت حقيقة الصراع بحضور قلب وجوارح، ولم تعد أسيرة التغييب وهدم الوعي الممنهج. فلم تسمح لشيطان أن يكسر همتها ولا لظرف شديد أن ينسيها غايتها الوجودية ومراتب القبول الأرجى. قد علمت أن المعاناة التي يحفها الإيمان في سبيل الله تعالى موجبة للفضل، فلا تذهب هدرًا. إنها محطة تمحيص، ترفع الدرجات وتمحو السيئات: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

وفي خضم هذه التفاصيل التي تبعث بالشجن، تبقى أرجى العبادات في مقام الخذلان الذي طالت فصوله، هي الصبر والمصابرة. عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: وجدنا خيرَ عيشِنا الصبر.

وليس الصبر ضعفًا، بل هو أرقى مراتب القوة؛ هو اليقين بأن بعد العسر يسرًا، وأن الله لا يضيع أجر الصابرين المصابرين من عباده، فترتفع الأماني وتشرق الأسارير بما عند الله عز وجل. أما صفحات المجد فهي في الدنيا تخط بأنفاس الصبر والمصابرة، وهي صفحات لم تُكتب يومًا في زمن الترف والدعة، بل سُطّرت بالدموع والآلام. وفي المؤازرة شفاءٌ للروح، وإحياءٌ للمعنى.

قدوات خالدة… وقدوات تُصاغ اليوم

إن تاريخنا زاخر بنساءٍ عظيمات واجهن الشدائد بقلوبٍ ثابتة وعزائم لا تلين، فكنّ منارات للصبر واليقين، وامتد أثرهن عبر الزمان ليضيء دروب المستضعفين في كل عصر. فهذه هاجرُ رضي الله عنها، يتركها نبيُّ الله إبراهيم عليه السلام في وادٍ غير ذي زرع، ومعها طفلٌ رضيع، فلا تجزع ولا تنهار، بل تسعى بين الصفا والمروة، وقلبها معلّق بالسماء، يردد يقينًا راسخًا “إذن لا يضيّعنا”. فتفيض الرحمة من تحت قدمي طفلها، ويُخلَّد صبرها شعيرةً إلى قيام الساعة.

وتلك آسيةُ امرأة فرعون، تثبت على إيمانها في قصر الطاغية الأعتى، بين زينة الملك وجبروت الكفر، فتختار الله على الدنيا، وتحتمل العذاب حتى الموت، ثابتة على مبدئها، عالية الروح، لا تنكسر. وهكذا هي القلوب المؤمنة: لا تهزمها القصور ولا تفتّتها القيود، كمن جعلت من خيمتها قصرًا يصون إيمانها ويدفع روحها إلى العلياء.

وأمّنا أمُّ سلمة رضي الله عنها، تصبر وتُبتلى وتهاجر، مثقلة بالجراح والفقد، فتحتسب أمرها لله، فيجبرها ربّها بجبرٍ لا يُدانيه جبر، ويعوّضها بزواجها من نبيه ﷺ، لتبقى شاهدةً على أن ما عند الله خيرٌ وأبقى، وأن بعد الصبر فتحًا ورحمة.

وعلى خطى المؤمنات الخالدات، تسير اليوم نساء الخيام في غزة والسودان وسوريا والعراق واليمن، وفي كل بقعةٍ تُنصب فيها الخيام أو الأكواخ تحت أسقفٍ مهترئة وجدرانٍ مضطربة. نساء يواجهن فقدًا موجعًا، ونزوحًا قاسيًا، وبلاءً تطول فصوله، ومع ذلك يقدّمن قدوة عصرهنّ الحديث في الثبات والعزة والصبر.

فيا زهرات المخيمات،
يا حاملات رايات الكرامة في زمن الامتهان،
لا تدعن قسوة الظروف تسرق منكنّ أحلامكن. اجعلن من الوقت مصنعا للمسابقة بالخيرات، ومن الخيمة محرابًا للعلم والعبادة والتواصي بالحق والصبر، ومن الضيق أفقًا للأمل واليقين وحسن الظن بالله العظيم.

تعلّمن مهارة، اقرأن كتابًا، علّمن من حولكن؛ فالعلم نور لا تطفئه الخيام، والعمل عبادة لا تقطعها ظروف، واليقين عزّ لا يسرقه النزوح.

لستن وحدكنّ؛ فقلوب الملايين معكنّ، ودعوات الصادقين تحفّكن، والتاريخ سيكتب صمودكنّ بأحرفٍ من نور. استمددن قوتكن من إيمانكن، ومن تماسككن، ومن قصص العظيمات اللاتي سبقنكن على درب الابتلاء والثبات. وما دام نور القرآن ينير قلوبكن وأعمالكن، ورجاء رحمة الله ومحبته ومعيته أولى مطالبكن، فأنتن لستن مجرّد ناجيات،
أنتنّ صانعات النصر الحقيقي: نصر الثبات على القهر، ونصر الإيمان على الخوف،
ونصر اليقين على اليأس. في زمن تداعي الأمم على أمة الإسلام، وزمن الاستضعاف والوهن!

لابد أن تتآزرن قويات، صابرات، محتسبات، فقد رسمتن ملامح القدوات .. باستعانة بالله واستعلاء بالإيمان. ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ مهما طالت فصول البلاء.

طول البلاء امتحان صدق عظيم

كثيرًا ما يُتناول البلاء من زاوية الفرج القريب، والأجر الجزيل، وترقّب العوض والجبر، حتى ليخال المرء أن التبديل آتٍ لا محالة، وأن الحال سيتحوّل قريبًا إلى ما هو أحسن.
غير أن الواقع يخالف هذا التصوّر أحيانًا؛ فثمّة بلاء يطول، ويطول كثيرًا، وقد يدرك الإنسان أجله ولم يُرفع عنه الكرب بعد. هنا نكون بإزاء طول البلاء؛ ذلك الابتلاء الممتد الذي لا يمرّ عابرًا، بل يستقر في الحياة سنواتٍ وربما عقودًا، حاضرًا بآثاره، ثقيلًا بتداعيات امتداد فصوله.

وفي هذا الامتداد، تتعرّى النفس على حقيقتها، وتنكشف أعماقها كما لم تنكشف من قبل. تسقط الزوائد، وتظهر الجواهر أو الشقوق، ويُفرَز الخير والشر في أدقّ تجلياتهما؛ فطول البلاء لا يترك للإنسان مساحة للتمويه، بل يضعه وجهًا لوجه مع ذاته.

وقد نبّه القرآن إلى هذا المقام، وقدّم له القدوة الأسمى في قصة نبيّ الله أيوب عليه السلام، الذي طال ابتلاؤه حتى صار مثالًا للبلاء الممتد، وصبر بالموازاة صبرًا عظيمًا، لا تشوبه شكوى، ولا يقطعه اعتراض.

وإن الامتداد الزمني للبلاء ليس مجرد تتابع أيام، بل هو بوتقة صهرٍ حقيقية للروح. فالبلاء العارض قد يُواجَه بجلَدٍ ظاهري، وبصبرٍ تغذّيه غريزة الأمل القريب. أمّا البلاء الذي يضرب بجذوره في عمق الحياة، ويغدو جزءًا من المشهد اليومي، فهو الذي يختبر معدن اليقين، لا مجرّد القدرة على الاحتمال. عنده تتساقط الأقنعة، ويتميّز الصادق من المدّعي، ويظهر الإيمان المستقر في القلب من الإيمان المرتجف عند أول هزة من نازلة.

وأثر طول البلاء في النفس هو أثر التجريد؛ إذ يجرّد الإنسان من كل ما كان يتكئ عليه من أسباب مادية أو سند بشري، حتى لا يبقى له إلا الله. في هذه المرحلة، لا يعود الصبر فعلًا عابرًا، بل يتحوّل إلى حالة وجودية، ومقام روحي، يرى فيه العبد أن تأخّر الفرج عين الحكمة، وأن امتداد الابتلاء امتداد لفيض الأجر.

وهنا يبلغ الفهم ذروته: أن الغاية ليست في زوال الألم، بل في رضا المبتلي سبحانه، وأن العبرة ليست بانتهاء البلاء، بل بحسن الخاتمة وشرف الخواتيم، وبالحال التي يلقى بها العبد ربّه. فقد يحين الأجل والبلاء قائم، لكن الرابح هو من خرج منه بقلبٍ سليم، ويقينٍ راسخ، وتسليمٍ لا تشوبه ذرة ارتياب.

أيوب عليه السلام: نموذج الصبر واليقين مع طول البلاء

قال السعدي رحمه الله: “قوله تعالى: ﴿ وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 84]؛ أي: جعلناه عبرة للعابدين، الذين ينتفعون بالصبر، فإذا رأوا ما أصاب أيوب عليه السلام من البلاء، ثم ما أثابه الله بعد زواله، ونظروا السبب وجدوه الصبر”.

إن قصة نبيّ الله أيوب عليه السلام هي الترجمة العملية الأصدق لمفهوم طول البلاء. فقد كان ابتلاؤه شاملاً؛ مسّ المال، والولد، والصحة، والمكانة الاجتماعية، ولم يكن عارضًا ولا عابرًا، بل امتدّ حتى صار مضرب المثل في الصبر على الامتحان الطويل.

ولم يكن صبر أيوب عليه السلام مجرّد تحمّلٍ صامت في حال ضعف، بل كان صبرًا جميلاً مشبعًا باليقين والرضا. لم يشتكِ ربّه، ولم يتبرّم من قضائه، بل ظلّ لسانه رطبًا بالذكر، وقلبه عامرًا بالتسليم. وحين توجّه بالدعاء، لم تكن دعوته صرخة متضجّر، وإنما مناجاة عبدٍ عارف بربّه: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83].
دعوة موجزة، بلغت قمّة الأدب مع الله في البلاء الطويل؛ لا طلب فيها بالفرج، ولا اعتراض على القضاء، بل عرض حالٍ بين يدي الرحمة المطلقة.

لقد كان طول البلاء في حياة أيوب عليه السلام هو الامتحان الأخير الذي برهن فيه أن علاقته بربه لم تكن علاقة منفعة مشروطة، بل علاقة عبودية خالصة. وحين اكتمل مقام الصبر واليقين، جاء الفرج تامًا شاملًا؛ جبرًا في الجسد، وسعةً في الرزق، ورفعةً في الذكر، ليبقى أيوب عليه السلام شاهدًا خالدًا على أن نهاية الصبر الجميل جبرٌ عظيم.

وهنا يبرز السؤال الذي يتردّد في القلوب عند اشتداد المحن: لماذا نحن، وليس غيرنا؟
والجواب الذي تعلّمه قصة أيوب، أن الاصطفاء للبلاء ليس علامة خذلان، بل قد يكون مظهر عناية، وأن حكمة الله أعظم من أن تُحاط بعقولنا المحدودة. فالله يبتلي من يعلم أن في قلبه طاقة على الصبر، أو قابلية للارتقاء، أو مقامًا يريد أن يبلغه. وليس البلاء مقياس القرب أو البعد، بل طريقة التربية الإلهية للنفوس، يرفع بها أقوامًا، ويطهّر بها قلوبًا، ويهيّئ بها عبادًا لأدوار لا تُنال في زمن العافية.

فما نحن فيه، وإن جهلنا حكمته، إنما يجري بعلمٍ محيط، وتقديرٍ رحيم، وعدلٍ لا يظلم مثقال ذرّة. ومن أدرك هذا، سكن قلبه، واطمأنّ يقينه، وعلم أن الله ما اختار له إلا ما يليق به… وإن تأخّر الفهم، فلن تتأخر الحكمة.

الحكمة الإلهية في تأخير الفرج

من الناحية الفكرية، يطرح طول البلاء سؤالاً عميقاً حول الحكمة من الزمن الإلهي في مقابل الزمن البشري. نحن البشر نحسب الفرج بالساعات والأيام، بينما الحكمة الإلهية قد تقتضي امتداداً لا ندرك مداه. هذا التأخير ليس نسياناً أو إهمالاً، ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [ مريم: 64] بل هو تدبير دقيق يهدف إلى تحقيق غايات أسمى: كرفع الدرجات: فكل يوم يمر على المؤمن وهو صابر محتسب، ترتفع به درجته في الجنة، حتى يبلغ منازل لم يكن ليبلغها بعمله.

وتطهير الذنوب: فالبلاء الطويل كفارة مستمرة، تمحو الخطايا وتصقل الروح، حتى يلقى العبد ربه نقياً مطهراً.

وترسيخ العبودية: فطول البلاء يرسخ في القلب حقيقة العبودية المطلقة، وأن الأمر كله لله، وأن الفرج لا يأتي إلا من عنده، فيقطع التعلق بالأسباب ويصل القلب بالمسبب.

ثم لا ننسى حكمته تعالى في فضح المنافقين والظالمين واصطفاء الشهداء والصالحين!

قال الله جل جلاله ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) ﴾ [ آل عمران]

إنها حكمة بالغة تجعل من البلاء الطويل منحة في ثوب محنة، فلو جاء الفرج سريعاً، لربما لم تُستكمل عملية الصقل الروحي، ولما نضجت ثمرة اليقين في القلب ولما تباينت الصفوف، وإنما هي سبيل تمييز وتمحيص، فلنسأل الله الثبات ولنتأدب بأدب البلاء!

أدب التضرع في زمن البلاء الطويل

قال الله تعالى ﴿ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[ الأنعام: 43]

حين يطول البلاء، لا يكون الامتحان في شدّته فحسب، بل في امتداده. فالألم العابر قد يُحتمل، أما الألم الذي يستوطن الأيام ويلازم التفاصيل، فهو الذي يختبر حقيقة الإيمان، ويكشف عمق الأدب مع الله. هنا، لا تُقاس النفوس بقدرتها على الصبر اللحظي، بل بثباتها على حسن الظن، وبسلامة لسانها وقلبها من التسخّط وكفران النعم.

إن أدب التضرع هو أن يقف العبد على باب ربه وقوف المنكسر الواثق، لا وقوف المعاتب المحتج. هو أن يمدّ يديه بالدعاء دون أن يمدّ لسانه بالاعتراض، وأن يعرض حاجته دون أن يساوم على قضائه. فليس كل دعاء عبودية، كما أن ليس كل شكوى صدقًا. والعبودية الحقّة أن تقول: يا رب هذا حالي، وأنت أعلم بي، وأرحم بي من نفسي. ولذلك كانت دعوة أيوب عليه السلام قمّة في الأدب حين قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
لم يقل: لماذا طال البلاء؟، ولم يقل: إلى متى؟، بل قدّم وصف الحال، وختمه بتفويض الرحمة. هكذا يكون التضرع: انكسار لا اعتراض فيه، وتذلّل لا محاكمة ترافقه.

أما التسخّط، فهو أخطر ما يفتك بالقلب في البلاء الطويل. يبدأ همسًا، ثم يتحوّل إلى سؤال مشوب بالريبة، ثم إلى مقارنة بالآخرين، ثم – والعياذ بالله – إلى اتهام يمس بعدالة الله عز وجل. عندها لا يكون البلاء هو المصيبة، بل ما أحدثه البلاء في الإيمان. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾
أي على طرف، فإن طال الخير اطمأن، وإن امتد البلاء انقلب على وجهه.

ويزداد الخطر حين يقود التسخّط إلى كفران النعم. فطول البلاء قد يُعمي البصر عن بقايا النعم، ويجعل القلب لا يرى إلا ما فُقد، وينسى ما بقي. ينسى العبد نعمة الإيمان، ونعمة الحياة، ونعمة الدعاء ذاته، ونعمة المعية المرافقة ونعمة أن الله يسمع أنينه في سره. وكفران النعم لا يكون بإنكارها فقط، بل بالاستخفاف بها، وبالنظر إليها على أنها لا تُذكر أمام الألم، وكأن الله لم يُبقِ للعبد شيئًا يُشكر عليه.

وهنا يظهر ضعف الإيمان لا في الدموع، بل في سوء الأدب. فالمؤمن قد يبكي، وقد يئن، وقد يشتد حزنه، لكن إيمانه يمنعه أن يسيء الظن بربه، أو أن يجعل البلاء معيار محبة الله أو سخطه. قال النبي ﷺ: “عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير”.
فالخير ليس في زوال البلاء فقط، بل في كيفية حمله.

وأدب التضرع في البلاء الطويل يقوم على ثلاث:

  • حفظ القلب من الاعتراض، وإن ضاق الألم.
  • حفظ اللسان من كلمات التسخّط، وإن ثقل الصبر.
  • حفظ الإيمان من التراجع البطيء الذي يحدثه طول الانتظار.

ومن لم يحفظ هذه الثلاث، خسر البلاء وأجره معًا.

فيا من طال بلاؤها، لا تجعلي الامتحان سبب سقوطك، بل باب اصطفائك. لا تُخاصمي أقدار الله تعالى الماضية، ولا تُقارن جراحك بسلامة غيرك، فالله أعلم حيث يجعل عباده، وأعلم أي القلوب تحتمل، وأيها تُرفع بالوجع لا بالعافية. وما أجمل الرضا بأقدار الله المؤلمة فهي الموجبة للمنح التي تُفدى!

والبلاء لا يدل على هوان، وتأخر الفرج لا يعني الغضب، وحسن الأدب في زمن الشدة هو أعلى مراتب الإيمان. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
وفي هذه الآية وحدها، سكينة لمن طال بلاؤها إن صدقت.

جماليات البلاء الممتد، وللبلاء جماليات!

قال ابن القيم رحمه الله: “الصبر من آكد المنازل في طريق المحبة، وألزمها للمحبين،… وبه يعلم صحيح المحبة من معلولها، وصادقها من كاذبها، فإن بقوة الصبر على المكاره في مراد المحبوب يُعلَم صحَّة محبَّته”.

إن طول البلاء ليس نهاية الطريق، بل هو طريق بذاته؛ طريق شاق، نعم، لكنه مفروش بالأنوار لمن أحسن السير، وبالأسرار لمن صدق التوجّه. يفتح في القلب نوافذ على حقيقة الدنيا وسرعة زوالها، وعلى حقيقة الآخرة ودوامها. فإذا كان البلاء العارض يذكّرنا بضعفنا، فإن البلاء الممتد يعلّمنا عمق اتصالنا بالله عز وجل، ويهذّب فينا معنى العبودية الخالصة.

ويكفي من شرف هذا البلاء أن نرى الدنيا على حقيقتها لا تساوي جناح بعوضة، ونعيش لذّة المعية وهدي الآية الجليلة ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ كما قال السعدي فيها:”بشارة عظيمة، أنه كلما وجد عسر وصعوبة، فإن اليسر يقارنه ويصاحبه، حتى لو دخل العسر جحر ضب لدخل عليه اليسر، فأخرجه كما قال تعالى ( سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ) وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا”.

فيا أيتها المبتلاة التي طال بها الأمد، لا تجعلي امتداد البلاء بابًا لليأس، بل اجعليه سلّمًا للارتقاء والاصطفاء. إيّاك أن يتحوّل الدعاء إلى اعتراض، أو الشكوى إلى تسخّط، أو السؤال إلى سوء أدب مع الله عز وجل. تعلّمي من أنبياء الله كيف يكون التضرّع بأدب، وكيف يُعرض الحال دون منازعة القضاء، كما قال أيوب عليه السلام: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، وكما قال يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾.

وتزودي لملاحم الارتقاء فهي الأرجى لمراتب القبول الأعلى، وتذكري أن أعظم ما يعين على الثبات في طول البلاء: دوام الصلة بالله، بصلاة تُحفظ في وقتها، ودعاء لا ينقطع، وقرآن وذكر ينبعث معه القلب موحدا وإن أثقلته الأيام. فهذه العبادات تشد أزر القلب المبتلى، وهي حبل نجاته في ظلمة الأيام والحوادث. ومن فرط فيها فرط في أهم أسباب ثباته. قال السعدي رحمه الله: “لما كان الصبر يستمد من القيام بطاعة الله، والإكثار من ذكره، أمره الله بذلك فقال: ﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الإنسان: 25]؛ أي: أول النهار وآخره، فدخل في ذلك الصلوات المكتوبة، وما يتبعها من النوافل والذكر والتسبيح والتهليل والتكبير في هذه الأوقات”.

ثم حسن الظن بالله مهما طال الأمد، فالله سبحانه يقول: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ  (157)﴾  فالحمد لله الذي جعل الدنيا دار امتحان لا خلود، ولمثل مراتب الخالدين تعمل الهمم التواقة المؤمنة.

ثم ضبط اللسان عن قلة الأدب والحياء من الله تعالى، وصونه عن كلمات السخط، فكم من أجر ضاع بكلمة، وكم من بلاء طال بفحش اللسان والاستهانة بذلك.

ثم استحضار الأجر، فكل دقيقة صبر رصيد لا يفنى، وكل وجع محفوظ، وكل دمعة محسوبة، لا يضيع عند الله شيء أبدا.

تذكّري يا أمة الله، أن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه، لا ليكسره، بل ليصقله، ولا ليهينه، بل ليرفعه. فليكن أيوب قدوتك في الصبر، والقرآن مرجعك لزيادة اليقين، وإعظام التوكل، وأعظمي كذلك الاحتساب، فما عند الله أعظم مما فُقد، وأبقى مما تألّم القلب لأجله.

﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، وفي هذا الأجر الذي لا يُحصى، يكمن الجبر كلّه، والعوض كلّه، والفرج كلّه وإن طال البلاء.

وجبر الله هو الجبر الأوفى، فاللهم ثبت قلوبهن وأيدهن بنصرك وبالمؤمنين وأقر أعينهن بعزة الإسلام والعوض الأرجى والسعادة في الدارين والقبول والرضوان.

قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 24].

والحمد لله رب العالمين وصلّ اللهم على نبيك محمد الصادق الأمين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه وسار على نهجه إلى يوم الدين.

هذا المقال نشر افتتاحية في مجلة أسنة الضياء العدد الرابع:

للتحميل من هنا:

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
عبد الحافظ بن مبروك

جزاكِ اللّه خيراً دكتورة ليلى
صورة واقعية عما تعانيه المرأة في الحروب وفتن هذا الزمان.
مقال يكتب بماء الذهب
اللّه يحفظكِ من كل سوء ومكروه 🤲🌴

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x