مُترجم: نهاية القومية، هل هناك بديلٌ للدول؟

هذا التقرير مترجمٌ عن مجلة New Scientist لديبورا ماكنزي، المعلومات والآراء الواردة فيه تعود للمصدر لا على «تبيان».


تُعدُّ الدول القومية السبب الأول لبعض أكبر مشاكلنا، سواء كانت حروبًا أهليةً أو حتى اختلالًا في المناخ.  وفي هذه الأثناء يشير العلم إلى خياراتٍ أخرى هي الأفضل لتوازن الحياة على  هذه الأرض.

لنحاول، للحظةٍ واحدةٍ، تصور العالم دون  نظام الدول،  لنتخيل خريطةً  لا تظهر فيها تلك المساحات الملونة المحدَّدة بخطوطٍ واضحةٍ، لكلٍ منها حدودٌ وحكوماتٌ وقوانينُ خاصةٌ بها. لنحاول وصف أي شيءٍ في مجتمعنا – كالتجارة والسفر والعلوم والرياضة، والحفاظ على السلام والأمن – من دون ذكرٍ لأسماء الدول. لنحاول وصف أنفسنا: لدينا  الحق في جنسيةٍ واحدةٍ على الأقل، والحق في تغييرها، ولكن ليس لدينا الحق في البقاء دون أي جنسيةٍ.

تلك المساحات الملونة على الخريطة قد تكون ديمقراطياتٍ،أو ديكتاتورياتٍ أو فوضوية بشكلٍ كبيرٍ لتكون إحداها، لكن جميعها- تقريبًا- تزعم أنها شيءٌ واحدٌ: دولةٌ قوميةٌ، أو أراضٍ خاضعةٌ لسيطرة جماعةٍ من الناس، أو شعبٌ يحق له تقرير مصيره كحال الحكم الذاتي.  وهو ما يمثل في النهاية الأمم المتحدة  التي يصل عددها الآن 193 ..

تتزايد أعداد الناس التي تريد دولةً خاصةً بها تزايدًا متصاعدًا، من الإسكتلنديين الذين يصوِّتون من أجل الاستقلال إلى الجهاديين الذين يعلنون دولةً جديدةً في الشرق الأوسط. الكثير من قصص الأخبار العريضة اليوم، عن الصراعات في غزة وأوكرانيا إلى الخلافات بشأن الهجرة وعضوية الاتحاد الأوروبي، جميعها مرتبطةٌ بالدول القومية على نحوٍ ما.

وحتى مع عولمة اقتصادياتنا، لا تزال الدول القومية المؤسَّسةَ السياسية الأولى في عصرنا اليوم. أصواتٌ كثيرةٌ صوَّتَت للأحزاب القومية في انتخابات الاتحاد الأوروبي هذا العام لتثبت أن القومية لا تزال على قيد الحياة – حتى مع محاولة الاتحاد الأوروبي تجاوزها.

ومع ذلك، هناك شعورٌ متزايدٌ بين خبراء الاقتصاد وعلماء السياسة والحكومات حتى الوطنية منها، أن الدولة القومية ليست بالضرورة أفضل وسيلةٍ تُدار بها شؤوننا، بل يجب أن ندير الأمور الحيوية مثل إمدادات الغذاء والمناخ على نطاقٍ عالميٍّ، عكس الأجندات السياسية للدول القومية التي تطمس فكرة المنفعة العالمية لتركز على منفعة القُطر… من جهةٍ أخرى وعلى نطاقٍ  أصغر، يبدو أن المدن والإدارات الإقليمية غالبًا ما تخدم الناس أفضلَ من الحكومات الوطنية.

كيف إذًا، يجب أن ننظم أنفسنا؟ هل هي الدولة القومية، المؤسسة الحتمية الطبيعية؟ أو أنها مفارقةٌ تاريخيةٌ خطيرةٌ في عالَمٍ تسوده العولمة؟

هذه ليست أسئلةً علميةً معتادةً.. لكن الوضع يتغير..  فكُتَل المنظِّرين، وعلماء الاجتماع والمؤرخين  تتناولها باستخدام تقنياتٍ جديدةٍ، والإجابات ليست دائمًا التي كنتَ  تتوقعُها.

بعيدًا عن ديمومتها فإن  الدولة القومية هي ظاهرةٌ حديثةٌ.  كلما تزايد تعقيدها ،فإنه يتحوَّر في بنيتها السياسية ليصل بنا في آخِر الأمر إلى قرونٍ وسطى جديدة.

قبل أواخر القرن الـ18 لم تكن هناك دولٌ قوميةٌ فعلًا، كما يقول جون برولي من كلية لندن للاقتصاد. لو سافرتَ إلى جميع أنحاء أوروبا، لا أحد يسأل عن جواز سفرك عند الحدود. لا جوازاتِ سفرٍ ولا حدودَ كما نعرفها كانت موجودةً. كان للناس الهويات العِرقية والثقافية، ولكن هذه لم تحدِّد حقًا الكيان السياسي الذي يعيشون فيه.

وهذا يرجِع  إلى الأنثروبولوجيا، وعلم النفس للسياسة البشرية القديمة. فقد بدأنا بلا نظامٍ،  وتزايدَ عددُ الأسر ، لتشكل بعد ذلك حصصًا من الصيادين، ومنذ ذلك الحين، أي حوالي 10،000 سنةٍ، استقرَّت   في القرى الزراعية. عُقِدت هذه التحالفات على أساس التكيف الذي امتلكته ، خاصةً مع تعاون الناس بعضهم مع بعضٍ لإطعام أنفسهم والدفاع عنها.

الحرب والسلام

ولكنْ لديهم أيضًا حدودٌ.  وقد أظهر روبن دنبار من جامعة أكسفورد أن شخصًا واحدًا يمكن أن يتتبَّع التفاعلات الاجتماعية التي تربط ما لا يزيد عن  150 شخصًا تقريبًا. الدليل على ذلك يشمل دراسات نشوء القرى-أو تاريخ تطور المدنية-ووحدات الجيش عبر التاريخ، ومتوسط رصيده من أصدقاء الفيسبوك.

ولكنْ كان هناك سببٌ واحدٌ مهمٌ  ليصبح لديك المزيد من الأصدقاء: إنه الحرب.

يقول بيتر تورشين من جامعة كونيتيكت في ستورز:”في المجتمعات الصغيرة،  بين 10 و 60 في المئة من وَفَيات الذكور يمكن أن تُعزى إلى الحرب”،.  يعني أن الحصول على مزيدٍ من الحلفاء يمثل فرصةً أكبر للبقاء على قيد الحياة.

وقد وجد تورشين أن الإمبراطوريات الأوروبية الآسيوية القديمة نَمَتْ بشكلٍ أكبر حين كانت أشرس، وهو ما يشير إلى أن القتال في الحرب عاملٌ رئيسٌ في التوسع السياسي.

عالِم الآثار إيان موريس من جامعة ستانفورد في كاليفورنيا يوضح بأنه كلما زاد نمو السكان… فإن الناس تصبح غير قادرةٍ  على إيجاد أراضٍ فارغةٍ يمكنهم الهروب إليها من الأعداء .. فيجري ببساطةٍ استيعاب الخاسرين من المعارك في جسد الدولة-حتى نَمَتْ المجالات البشرية بشكل  أكثر.

كيف تجاوزَتْ عدد دنبار؟ كانت إجابة البشرية قاطبة: اختراع التسلسل الهرمي. بضع قرًى تحالفت تحت يد قائدٍ؛ و تجمعتْ بضعُ قياداتٍ معًا تحت قائدٍ أعلى.  ولزيادة النمو، أضافت هذه التحالفات المزيد من القرى، فاستلزم الأمر إذًا  طبقاتٍ أكثر من التسلسل الهرمي.
والهرمية تعني أنه يمكن للقادة تنسيق مجموعاتٍ كبيرةٍ من دون أن يضطر أحدٌ للحفاظ على المسار الشخصي لأكثر من 150 شخصًا. بالإضافة إلى دائرتهم المباشرة، يتفاعل الفرد مع شخصٍ واحدٍ من أعلى مستوًى في التسلسل الهرمي، وعادةً ثمانية أشخاص من المستويات الدنيا، حسبما قال توركن.

ويقول يانير بار يام من معهد نُظُم مَجْمَع نيو انغلاند في كامبريدج، ماساشوستس “استمرت هذه التحالفات في التوسع و وازدادت في التعقيد لأداءٍ أوسع للمهام الجماعية “. من أجل بقاء مجتمعٍ على قيد الحياة، يجب أن يكون السلوك الجماعي معقدًا مثل التحديات التي تواجهها-بما في ذلك قابلية تنافسها مع جاراتها. فإذا اعتمدتْ مجموعةٌ واحدةٌ المجتمع الهرمي، فإن على منافسيها فعلُ ذات الأمر. التسلسلات الهرمية انتشرَتْ و التعقيد الاجتماعي نما.

التسلسلات الهرمية لم تفُزْ فقط بالمزيد من الحروب ولكن أيضًا أطعمتْ المزيد من الناس من خلال الاقتصادات الحجمية، والتي مكَّنت الابتكارات التقنية والاجتماعية مثل الري وتخزين المواد الغذائية، وحفظ السجلات والديانة الموحدة. وتبعَتْها المدنُ والممالك والإمبراطوريات.

لكن هذه لم تكن دولًا قوميةً. ويمكن أن تُصنَّف كمدينةٍ أو منطقةٍ، لأن الدول الخاسرة كانت تنضم للجسد الأكبر للإمبراطورية بغض النظر عن هويتها القومية. يقول المؤرخ أندرياس أوسياندر من جامعة لايبزيغ في ألمانيا: “رؤية الدولة كإطارٍ ضروريٍّ للسياسة، قديمةٌ قِدمَ الحضارة ذاتِها، ولا تصمد أمام الملاحظة و النقد.”

“وجهة نظر الدولة كإطارٍ ضروريٍّ للسياسة لا تصمد”

أحد النقاط الأساسية هي أن المجتمعات الزراعية تتطلب القليل من الحكم الفعلي. وكان تسعةٌ من 10 فلاحين مضطرين إلى الزراعة و إلا فالجوع، لذلك فإن هذه المجتمعات كانت إلى حدٍ كبيرٍ ذاتية التنظيم وتدخلتْ الحكومة لتأخذ حصتها من المحاصيل، وفرض المبادئ الأساسية للقانون الجنائي والحفاظ على السلام داخل أراضيها بلا منازعٍ. إلا أن دورها الرئيس القتال للحفاظ على تلك الأراضي، أو الحصول على أكثر من ذلك.

يقول أوسيندر: “حتى وقتٍ متأخرٍ جدًا  أمضى الحكام وقتًا قليلًا في الحكم…”. في القرن الـ17 كان لدى لويس الرابع عشر في فرنسا نصفُ مليون جنديٍّ للقتال في الحروب الخارجية ولكن كان فقط 2000 في مهمة حفظ النظام في الداخل. في القرن الـ18، لم تكن هولندا وسويسرا بحاجةٍ لحكومةٍ مركزيةٍ على الإطلاق. الكثير من المهاجرين في أوروبا الشرقية وصلوا إلى الولايات المتحدة في القرن الـ19  … لقد كان يمكنهم القول من أي قريةٍ جاؤوا، ولكن لا يمكنهم تحديد من أي بلدٍ فهذا لا يَهُم بالنسبة لهم.

قبل العصر الحديث حسبما يقول برولي، كان الناس يعرفون أنفسهم بشكلٍ “عموديٍ” بمعرفة من يكون حكامُهم. كان هناك القليل من التفاعل الأفقي بين الفلاحين خارج أسواقهم المحلية. و أيًّا كان الذين حكمهم ذات الملك فإن الفلاحين لم يعبؤوا سواء شابهوا هؤلاء الناس أم اختلفوا عنهم فلم يكن ذلك أمرًا يبعث على الاهتمام”.

ويقول برولي: هذه النظم مختلفةٌ جدًا عن الدول اليوم، والتي لديها حدودٌ واضحة المعالم ومليئةٌ بالمواطنين. في نظام الولاءات العمودية، تتمركز قوة السلطة في المنطقة التي يقطن بها رأس السلطة و تخفت تلك القوة و تضعف حدتها كلما ابتعدنا انتهاءً بالمناطق الحدودية التي بالكاد يُرى فيها للسلطة أثرٌ. والإمبراطوريات القديمة جُعلَت ملونةً على الخرائط الحديثة كما لو أن لها حدودًا ثابتةً، لكنها لم تكن كذلك. وعلاوةً عليه، فقد أصبح  الناس والأراضي في كثيرٍ من الأحيان تحت أحكام متباينة لأهداف مختلفة.

المجتمعات البسيطة

هذا التحكم غير المُحكم الذي عناه بارريم يعني أن القوى السياسية الكائنة بفترة ما قبل الحداثة لم يكن بمقدورها سوى القيام بالأعمال البسيطة من الزراعة، وخوض المعارك، وجمع الضرائب وحفظ النظام العام بعض أشكال الحكم مثل الإمبراطورية الرومانية قام بهذه المهام على مجال جغرافي واسع جدًا غير أنه ما كان للمجتمع أن يقوم به من أعمال جمعية كان قليل الصلاحية.

التعقيد كان محدودًا بطاقة المجتمع التي يمكن تسخيرها. وبالنسبة لأكثر قصص  التاريخ هذا يعني أساسًا العمل الإنساني والحيواني. في أواخر العصور الوسطى، سخَّرتْ أوروبا أكثر الطاقات، وخاصةً الطاقة المائية. هذا عزز التعقيد الاجتماعي – فقد  زادت التجارة، على سبيل المثال، وهذا ما تطلَّب المزيد من نظام  الحكم. وقدَّم النظام الإقطاعي اللامركزي وسيلةً لملَكياتٍ مركزيةٍ مع مزيدٍ من السلطة.

ولكن هذه لم تكن بعدُ دولًا قوميةً. وقد حُدِّدتْ الملكيات من قبل حكامها، وكان الحكام يحظَون بالاعتراف المتبادل – أو العكس، عند الحرب في أوروبا. و كلما نَمَتْ التجارة، اكتشف الملوك أنهم يتمكنون من الحصول على المزيد من الطاقة من الثروة أكثر من الحرب.

في عام 1648، أنهى السلام الأوروبي في وستفاليا قرونًا من الحرب بإعلان الممالك القائمة، والإمبراطوريات والأنظمة السياسية الأخرى “والسيادية”: كان لا يمكن لأحدٍ  التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين. وكانت هذه خطوةً نحو الدول الحديثة – ولكن ما زالت لم تُعرَف هذه الكيانات السيادية بعدُ بالهويات الوطنية لشعوبها. وقد جاء القانون الدولي حتى الآن من معاهدة وستفاليا، إلا أن كلمة “الدولية” لم تبتكر إلا بعد 132 عامًا من الحدث السابق.

عندها وصلت أوروبا إلى نقطة اللا عودة بالثورة الصناعية.  يقول بار يام : إن استخدام الفحم أدى آخر الأمر إلى زيادة المهام الجماعية للأفراد و تضخيم الصناعات الصغيرة فباتت المُجتمعات أكثر تعقيداً من ذي قبل.

1800

طالب هذا بنوعٍ مختلفٍ من الحكم..  في عام 1776 و 1789، خلقَتْ الثورات في الولايات المتحدة وفرنسا الدول القومية الأولى، التي عُرفت بالهوية الوطنية لمواطنيها بدلًا من الحكام أسلافهم.وفقًا لتاريخ مَعْلَمٍ واحدٍ من هذه الفترة حسبما يقول برولي . “في عام 1800 لا أحد تقريبًا في فرنسا فكر في نفسه بأنه فرنسي. وبحلول عام 1900 كان الكل يفعل” وقال: لأسبابٍ مختلفةٍ، كان الناس في إنكلترا يحملون شعورًا سابقًا بأنهم ” إنكليزيون “، لكنهم لم يعبِّروا عنه باعتباره عقيدةً قوميةً.

أوربا عام 1900

بحلول عام 1918، مع تقطيع أوصال الإمبراطوريات الأوروبية المتعددة الجنسيات مثل هابسبورغ في الحرب العالمية الأولى، أُعيد رسم الحدود الدولية الأوروبية إلى حدٍ كبيرٍ على طول الخطوط الثقافية واللغوية. في أوروبا على الأقل، كانت الدولة القومية المعيار الجديد.

أوربا عام 1920

وكان أحدَ الأسباب البراجماتية في نطاق السيطرة السياسية المطلوبة لتشغيل الاقتصاد الصناعي.  وعلى عكس الزراعة، فإن الصناعة تحتاج الصُّلب والفحم وغيرها من الموارد التي لم توزَّع توزيعًا موحَّدًا، ولذا لم تعد الكثير من المجتمعات الصغيرة قابلة للحياة المنعزلة المُستقلة. وفي الوقت نفسه، أصبحت الإمبراطوريات غير عمليةٍ مع تحوُّلها إلى صناعيةٍ وأصبحتْ بحاجةٍ لحكمٍ فعليٍ أكثر. وفي القرن الـ19 انصهرت الدول الصغرى في أوروبا وانقسمت الإمبراطوريات.

وقد بُرِّرَت هذه الدول الجديدة ليس فقط لمجرد الكفاءة من الناحية الاقتصادية، ولكن أيضًا على الوفاء للمصير الوطني لسكانها “. أجيالٌ من المؤرخين مع ذلك لم يلاحظوا بأن  الدول هي التي كانت تعرف أقوامها، وليس بطُرُقٍ أخرى.

فرنسا، على سبيل المثال، لم تكن اللغة الفرنسية  هي التعبير الطبيعي للأمة الفرنسية الموجودة من قبل. ففي ثورة عام 1789، لم يكن نصف سكانها يتحدثون اللغة الفرنسية. في عام 1860، عندما توحَّدت إيطاليا ، فقط 2.5 في المائة من السكان كانوا يتحدثون الإيطالية العامة. وكان قادتها يتحدثون الفرنسية بعضهم مع بعضٍ. وقال أحد المشهورين أنهم بعد أن أوجدوا إيطاليا، والآن عليهم إنشاء الإيطاليين – عمليةً يشعر الكثيرون بأنها ما زالت تحدث.[1]

“في ثورة عام 1789، نصف سكان فرنسا لم يكونوا يتكلمون الفرنسية”

ويقول عالم الاجتماع Siniša Maleševic  من جامعة كلية دبلن في أيرلندا أن “بناء الأمة” هذا كان خطوةً مهمةً في تطور الدول القومية الحديثة. وهذا يتطلب إنشاء أيديولوجيةٍ قوميةٍ تساوي عاطفيًا الأمة مع دائرة دنبار الشعبية من العائلة والأصدقاء.
وهذا بدوره يعتمد اعتمادًا كبيرًا على تقنيات الاتصال الجماهيري.   وفي تحليلٍ مؤثرٍ، وصف  بنديكت أندرسون من جامعة كورنيل في نيويورك المُجتمعات التخيلية: أنهم يفوقون بكثيرٍ دائرتنا المباشرة ولن نلتقي بهم أبدًا، و الناس سوف يموتون لأمتهم كما يفعلون لعائلاتهم.

وقال: مثل هذه المشاعر القومية نشأت بعد أن أشاعت كتب الاقتصاد الجماهيري اللهجات و بالتالي أظهرت تقسيمة المجتمعات لُغويًا.  وسمحت الصحف للناس بمعرفة المزيد عن الأحداث ذات الاهتمام المشترك، وخلق مجتمعٍ “أفقيٍ” واسعٍ، الأمر الذي كان مستحيلًا سابقًا. كما جرى تعزيز الهوية الوطنية بتعمدٍ من قبل التعليم الجماعي الذي تموِّله الدولة.

ويُعزى ماليسيفيتش Maleševic: قياد هذه العملية الأيديولوجية اللازمة لتشغيل المجتمعات الصناعية المعقدة إلى ظهور البيروقراطيات بعيدة المدى. على سبيل المثال، يقول برولي، في 1880  أصبحت بروسيا أول حكومةٍ تدفع إعانات البطالة.  في البداية كانت تدفع فقط في القرية الأم للعامل، إذ لم يكن يسبِّب التعريف مشكلةً. ومع هجرة الناس للعمل، أصبحت الفوائد متاحةً في أي مكانٍ في بروسيا. “لم يكن عليهم حتى ذلك الحين تحديد من يكون البروسي” كما يقول،وكانوا  يحتاجون للبيروقراطية للقيام بذلك. وجاءت بعدها وثائق المواطنة والتعدادات والحدود المحروسة.

هذا يعني أن هياكل المراقبة الهرمية قد تضخمت مع طبقاتٍ أكثر من الإدارة الوسطى. وكانت هذه البيروقراطية حقًا هي ما جمع الناس معًا في وحداتٍ بحجم الدول،حسبما يقول Maleševic. ولكن ليس بالتصميم: لقد اتضح ذلك من سلوك النُظُم الهرمية المعقدة.  ويقول بار يام، كما أن الناس تخوض أنواعًا أكثر من الأنشطة، فإن هيكل السيطرة على مجتمعهم حتمًا سيصبح أكثر كثافةً.

في الولاية القومية الناشئة، هذا يُترجَم إلى مزيدٍ من البيروقراطيين لكل فردٍ من السكان.  الاتصال الوثيق مع هذه السيطرة البيروقراطية القريبة شجع الناس على استشعار العلاقات الشخصية مع الدولة، خصوصًا مع تراجع العلاقات مع الكنيسة والقرية. كما مارست الحكومات مزيدًا من السيطرة، وحصل الناس على مزيدٍ من الحقوق، مثل التصويت، في المقابل. للمرة الأولى، شعر الناس بأن الدولة كانت لهم.

طبيعة العلاقات داخل الدولة القومية

يقول برولي: بمجرد أن أنشأت أوروبا نموذج الدولة القومية وازدهرت،  أصبح الجميع يريد أن يحذوَ حذوَها.  في الواقع من الصعب الآن أن نتصور أنه قد تكون هناك وسيلةٌ أخرى. ولكن هل الهيكل الذي نشأ عفويًا من تعقيد الثورة الصناعية هو في الواقع أفضل طريقةٍ لإدارة شؤوننا؟

وفقًا لبراين سلاتري من جامعة يورك في تورونتو بكندا، فالدول القومية لا تزال تزدهر على نطاقٍ واسعٍ باعتقاد أن “العالم مصنوعٌ بشكلٍ طبيعيٍ من مجموعاتٍ وطنية أو قَبَلِيَّة تحتل أجزاءً منفصلةً من الكرة الأرضية، وتطالب أغلب الناس بتقديم فروض ولائهم لسادتها و سدنتها”.

ولكن الأبحاث الأنثروبولوچية تدحض هذا الزعم لأنه وبالرجوع لوقائع التاريخ يتبين لدينا أن المجتمعات القبلية امتلكت رصيدًا وفيرًا من التعددية العرقية والثقافات الجمعية على أراضيها فأصبح تعدد اللغات أمرًا شائعًا فاستمدت اللغات والثقافات حمايتها من تنوعها واختلافها .

وعلاوةً على ذلك، يملك الناس حِسًا بالانتماء إلى مجموعاتٍ مختلفة استنادًا على المنطقة التي يعيشون بها، والثقافة السائدة بينهم ووحدة خلفياتهم الاجتماعية وعليه فإن انتشار الزعم القائل بأن هوية الشخص وخيره يتصلان مركزيًا بمنفعة الجموع هو زعمٌ خاطئ تدحضه وقائع التاريخ ببساطة”.

ربما ليس من المستغرب إذًا، فشل نموذج الدولة القومية في كثيرٍ من الأحيان: منذ عام 1960 كانت هناك أكثر من 180 حربًا أهليةً في جميع أنحاء العالم.

وكثيرا ما اتهمت هذه الصراعات التوترات العرقية أو الطائفية. والدول الفاشلة، مثل سوريا في الوقت الراهن، عادةً ما يمزقها العنف على طول هذه الخطوط. وفقًا لفكرة أن الدول القومية يجب أن تشتمل على أمةٍ واحدةٍ فقط، وكثيرا ما يُلقى باللوم في هذه الإخفاقات على الإرث الاستعماري في تجميع العديد من الشعوب داخل حدودٍ غير طبيعيةٍ.

ولكن مقابل سوريا أو العراق هناك سنغافورة أو ماليزيا أو تنزانيا، وهي دولٌ حالها على ما يُرام على الرغم من وجود بضع مجموعاتٍ “وطنية”  . الدول المهاجرة في أستراليا والأمريكيتين، على حدٍ سواءٍ، أقامت الدولة الواحدة من التنوع الأولي الهائل.
ما الفرق؟ في حين اتضح بأن العِرق واللغة مهمةٌ، فإن ما يهم حقًا هو البيروقراطية. وهذا واضحٌ في مصائرَ مختلفةٍ للدول المستقلة التي ظهرت عندما تلاشت إمبراطوريات أوروبا في الخارج بعد الحرب العالمية الثانية.

وفقًا للأساطير القومية، كل ما يلزَمهم هو الأرض، والعَلم، وتشكيل حكومةٍ وطنيةٍ واعتراف الأمم المتحدة. في الواقع ما يحتاجونه فعلًا هو البيروقراطية المعقدة.

بعض المستعمرات السابقة التي كانت واحدةً أصبحتْ ديمقراطياتٍ مستقرةً، لا سيما الهند. والبعض الآخر لم يستقر، لا سيما تلك التي مثل الكونغو البلجيكية سابقًا، والتي استخرج حكامها الاستعماريون مواردها. أصبح العديد من هذه المستعمرات ديكتاتورياتٍ، و هذا يتطلب بيروقراطيةً أبسط بكثيرٍ من الديمقراطيات.

الديكتاتوريات فاقمت الصراع العرقي لأن مؤسساتها لا تشجع تحديد المواطنين على أساس الدولة.  في مثل هذه الحالات، يلجأ الناس  للتحالفات الموثوقة استنادًا للقرابة، التي تثير بسهولةٍ ولاءات دنبار الشبيهة. الحكومات غير الآمنة المتحالفة مع الجماعات العرقية تفضل نفسها في حين تنمو المظالم بين الفئات المهمَلة – والصراع الناتج يمكن أن يكون شرسًا.

البحوث الحديثة تؤكد أن المشكلة ليست في التنوع العرقي في حد ذاته، ولكن عدم توفر الشمولية الرسمية. البلدان ذات التنوع العرقي التاريخي القليل، عليها أن تعلم أنها على متن الطائرة مع هجرة الناس للعثور على وظائف في ظل الاقتصاد الحديث القائم على العولمة.

كيف يعتمد ذلك على ما إذا كان الناس ينفصلون ذاتيًا.. البشر يحبون البقاء حول أناسٍ مثلهم. والتجمعات عرقية يمكن أن تكون نتيجةً. وقد استخدمت جنيفر نيل من جامعة ولاية ميشيغان في إيست لانسينغ النمذجة القائمة على وكيلٍ للنظر في تأثير هذا في أحياء المدينة. ويشير عملها إلى أن المعاقل تعزز التماسك الاجتماعي، ولكن على حساب تراجع التسامح بين الجماعات.جيوبٌ صغيرةٌ على مقربةٍ قد تكون الحل.

ولكن على أي مقياسٍ؟ يقول بار يام: المجتمعات التي يمتزج فيها الناس جيدًا – مثل سنغافورة المسالِمة، يُحبط نشوب قلاقل بين العرقيات فيها لتجانس أبنائها- لا تميل أن يكون الصراع  عرقيًا.. يمكن أيضًا  للجيوب الأكبر تعزيز الاستقرار. باستخدام نماذج رياضيةٍ لربط حجم الجيوب مع حوادث الصراع العرقي في الهند وسويسرا ويوغوسلافيا السابقة، وُجد أن الجيوب على بعد 56 كيلومترًا أو أكثر اتساعًا، جُعلت لأجل التعايش السلمي – وخاصةً إذا كان يفصل بينها الحواجز الجغرافية الطبيعية، على سبيل المثال الكانتونات الـ26 السويسرية، والتي لها لغاتٌ ودياناتٌ مختلفةٌ، تلبي اختبار الاستقرار المكاني لبار يام – ما عدا واحدةً .  وهي جيبٌ ناطقٌ بالفرنسية في برن الناطقة بالألمانية الذي شهد اضطراباتٍ كبيرةً هي الوحيدة في التاريخ السويسري مؤخرًا. جرى حلها بجعلها كانتونًا منفصلًا، هو “جورا”، والذي يلبي المعايير.

مرةً أخرى، على الرغم من أن العِرق واللغة ليست سوى جزءٍ من القصة يرى  لارس اريك سدرمان من المعهد الاتحادي السويسري للتكنولوجيا في زيوريخ بأن الكانتونات السويسرية حققت السلام ليس عن طريق التعديل الجغرافي للحدود، ولكن من خلال الترتيبات السياسية التي أعطت الكانتونات قدرًا كبيرًا من الاستقلالية والمشاركة في اتخاذ القرارات الجماعية.

وبالمثل، باستخدام قاعدة بيانات جُمِعت مؤخرًا لتحليل الحروب الأهلية منذ عام 1960، يجد سدرمان أن الصراع هو في الواقع أكثر عرضةً في البلدان التي هي أكثر تنوعًا عرقيًا. ولكن التحليل الدقيق يؤكد أن المشاكل تزداد ليس بسبب التنوع لوحده، ولكن عندما تُستبعَد مجموعاتٌ معينةٌ منهجيًا من السلطة.

وكانت حكومات السياسة القائمة على العرق ضعيفةً بالخصوص. عينت الولايات المتحدة  مثل هذه الحكومة في العراق بعد غزو عام  2003. فأدى استبعاد السُّنة من قبل الشيعة بالمتمردين إلى إعلان دولةٍ سنيةٍ في الأراضي المحتلة في العراق وسوريا. تمامًا مثل أساطير الدولة القومية، فإنه يرفض الحدود الاستعمارية للعراق وسوريا، إذ تُجبَر “الدول” غير المتشابهة للاجتماع معًا.

التطهير العرقي

ومع ذلك، فإن الحل لا يمكن أن يفرض التماثل العرقي. تاريخيًا، كان يسمى التطهير العرقي دمويًا بشكلٍ فريدٍ، والتوحد “الوطني” ليس ضمانًا للانسجام. في أي حالٍ، ليس هناك تعريفٌ جيدٌ لمجموعةٍ عرقيةٍ. أعراقُ كثيرٍ من الناس مختلطةٌ وتتغير مع الطقس السياسي: الأرقام التي تُدعى أنها ألمانيةٌ في الأراضي التشيكية والسوديت التي ضمها هتلر تغيرت تغيرًا كبيرًا قبل وبعد الحرب. مطالبات روسيا للناطقين بالروسية في شرق أوكرانيا  قد تكون واهيةً الآن على حدٍ سواءٍ.

بحوث كلٍّ من بار يام وسدرمان تشير إلى إجابةٍ واحدةٍ على التنوع داخل الدول القومية: نقل السلطة للمجتمعات المحلية، مثلما فعلت الدول متعددة الثقافات مثل بلجيكا وكندا .

ويقول سلاتري: نحن بحاجةٍ إلى مفهوم الدولة بوصفها المكان الذي قد تكون فيه الانتماءات المتعددة واللغات والأديان آمنةً وتزدهر”، وأضاف “ها هي تنزانيا المثالية قد احتضنتْها ويبدو أنها تعمل جيدًا إلى حدٍ معقولٍ.” تنزانيا لديها أكثر من 120 مجموعةً عرقيةً وحوالي 100 لغةٍ.

في النهاية، ما قد يهم أكثر من العرق أو اللغة أو الدين هو المقياس الاقتصادي. النطاق اللازم لتحقيق الازدهار قد تغير مع التكنولوجيا – إستونيا الصغيرة  الفائزة  بالتكنولوجيا الفائقة- ولكنها دولةٌ صغيرةٌ لا تزال بحاجةٍ لقوةٍ اقتصاديةٍ كافيةٍ للمنافسة.

أوربا 2000

وهذه أحد الأسباب التي تجعل إستونيا عضوًا متحمسًا للاتحاد الأوروبي. بعد حروبٍ مدمرةٍ في القرن الـ20 ، حاولت الدول الأوروبية منع المزيد من الحروب من خلال دمج صناعاتها الأساسية. هذا المشروع، الذي أصبح الاتحاد الأوروبي، الآن وفي المقام الأول يقدم الدول الأعضاء في اقتصاديات السوق الواحد، من خلال التصنيع والبيع في أكبر سوقٍ في العالم.ما أفشلَ الاتحاد الأوروبي في إلهامه هو  شكل الولاء القومي – الذي في الوقت الحاضر يعتقد Maleševic أنه يعتمد على مظاهر القومية الاعتيادية للرياضة، الأناشيد، نشرات الأخبار في التلفزيون، وحتى مسابقات الأغنية. وهذا يعني أن تحديد ولاءات الأوروبيين لم يَعُد مع الوحدة السياسية التي تعالج الكثير من حكومتهم.

ومن المفارقات، يقول جان زيلونكا من جامعة أكسفورد،  قد أنقذ الاتحاد الأوروبي الدول القومية في أوروبا، والتي هي الآن صغيرةٌ جدًا للتنافس بحدةٍ. دعوة الأحزاب القومية إلى “استعادة السيطرة على السلطة من بروكسل”، كما يقول، من شأنه أن يؤدي إلى بلدانٍ أضعف، وليس أقوى منها.

إنه يرى مشكلةً مختلفةً. نَمَتْ الدول القومية من التسلسلات الهرمية المعقدة للثورة الصناعية. وأضاف الاتحاد الأوروبي طبقةً أخرى إلى التسلسل الهرمي – ولكن دون التكامل الأساسي الكافي لممارسة السلطة الحاسمة. إنها تفتقر إلى كل  شروط  Maleševic  اللازمة في: الأيديولوجيا القومية و البيروقراطية المدمَجة والمتفشية.

وحتى مع ذلك، يمكن للاتحاد الأوروبي أن يشير إلى الطريق الذي سيبدو عليه عالم ما بعد الدولة القومية.

يتفق زيلونكا أن هناك حاجةً إلى مزيدٍ من التكامل بين النظم الحاكمة في أوروبا عندما تصبح الاقتصادات أكثر ترابطًا. لكنه يقول غالبًا ما يفشَل شلل التسلسل الهرمي في أوروبا في تحقيق ذلك. وبدلًا من ذلك يرى استبدال التسلسل الهرمي لشبكات المدن والمناطق وحتى المنظمات الأهلية أو منظمات المجتمع المدني. أنصار النظرية أسموها القرون الوسطى الجديدة. [2]

مستقبل أوربا

ويقول  زيلونكا “إن الهيكل المستقبلي وممارسة السلطة السياسية سيشبه طراز القرون الوسطى أكثر من طراز ويستفاليا” ويضيف. “هذا الأخير هو حول تركيز السلطة والسيادة والهوية واضحة المعالم.” ومن ناحيةٍ أخرى القرون الوسطى الجديدة، تعني السلطات المتداخلة، السيادة المقسَّمة، والهويات المتعددة ومؤسسات الحكم المختلفة، والحدود غير الواضحة.

إن مستقبل ممارسة السلطة سوف يشبه طراز القرون الوسطى

آن ماري سلوتر من جامعة برينستون، مساعدة وزير الخارجية الأمريكي السابق، ترى أيضًا أن الهرمية تفسح المجال للشبكات العالمية في المقام الأول من الخبراء والبيروقراطيين من الدول القومية. على سبيل المثال، تعمل الحكومات الآن أكثر من خلال شبكاتٍ مرنةٍ مثل( G7  أو 8 أو 20) لإدارة المشاكل العالمية من خلال التسلسل الهرمي للأمم المتحدة.

إيان غولدين، رئيس مدرسة أكسفورد مارتن في جامعة أكسفورد، الذي يحلل المشاكل العالمية، يعتقد بأن مثل هذه الشبكات عليها الظهور. إنه يعتقد أن المؤسسات القائمة مثل وكالات الأمم المتحدة والبنك الدولي غير قادرةٍ هيكليًا على التعامل مع المشاكل التي تنشأ من الترابط العالمي، مثل عدم الاستقرار الاقتصادي، والأوبئة، وتغير المناخ والأمن السيبراني – ويرجع ذلك جزئيًا أنه تسلسلٌ هرميٌ للدول الأعضاء التي أنفسها لا يمكنها التعامل مع هذه المشاكل العالمية. واقتبس: “مشاكل الشبكات تتطلب استجابةً شبكيةً”.

مرةً أخرى، السلوك الأساسي لنُظُم وحدود العقل البشري يفسِّر لماذا.  لقد لاحظ بار يام أنه في أي تسلسلٍ هرميٍ، يجب على الشخص في الأعلى أن يكون قادرًا على جعل رؤوسهم حول النظام برمَّته. عندما تكون الأنظمة معقدةً للغاية بالنسبة لفهم أحد العقول البشرية،  يجب أن تتطور التسلسلات الهرمية إلى الشبكات التي لا يوجد فيها شخصٌ واحدٌ هو المسؤول.

أين سيضع هذا الدولَ القومية؟ قال بورلي: “ستبقى الحاويات الرئيسية للطاقة في العالم”، وقال نحن بحاجةٍ إلى قوتها من أجل الحفاظ على الأمن الشخصي الذي سمح للعنف البشري أن ينخفض إلى أدنى مستوًى له على الإطلاق.

وعلاوةً على ذلك، يقول داني رودريك من معهد برينستون للدراسات المتقدمة: الاقتصاد المعولم جدًا الذي يسمح لهذه الشبكات بالظهور يحتاج لشيءٍ أو شخصٍ ما لكتابة وتطبيق القواعد. الدول القومية هي حاليًا الكيانات الوحيدة القوية بما فيه كفايةٌ للقيام بذلك.

حدودها أصبحت واضحةً، على حدٍ سواءٍ في حل المشاكل العالمية وتسوية النزاعات المحلية. قد يكون أحد الحلول دفع المزيد من الانتباه إلى حجم الحكومة.  المسماة بالتبعية، هذا هو المبدأ الأساسي للاتحاد الأوروبي: فكرة أن الحكومة ينبغي أن تعمل في المستوى الذي هو أكثر فاعليةً، مع الحكومة المحلية للمشاكل المحلية والسلطات العليا لموازين أعلى. هناك أدلةٌ تجريبيةٌ على أنها فعالةٌ: النظم الاجتماعية والبيئية يمكن أن تكون أفضل تَحَكُّمًا عند يكون مستخدموها منظمين ذاتيًا على أن تُشغَّل من قبل قادةٍ خارجيين.

ومع ذلك، فمن الصعب أن نرى كيف يمكن أن يتطور نظامنا السياسي تطورًا متماسكًا في هذا الاتجاه. الدول القومية يمكن أن تقوم في طريق كلٍّ من الانتقال للسيطرة المحلية والشبكات لتحقيق الأهداف العالمية. مع تغير المناخ، يمكن القول بأن لديهم ذلك بالفعل.

هناك بديلٌ للتطور نحو عالَمٍ تسوده العولمة المتشابكة الشبكات، في القرون الوسطى الجديدة أولًا، وهذا هو الانهيار. يقول مارتن شيفر من جامعة فاغينينغين في هولندا. “معظم النُظُم الهرمية تميل إلى أن تصبح أكثر ثقلًا، ومكلفةً وغير قادرةٍ على الاستجابة للتغيير”، “إن التوتر الناجم يجوز نشره من خلال انهيارٍ جزئيٍ.”. بالنسبة للدول القومية، التي يمكن أن تعني أي شيءٍ من تجديد تفوق المدن إلى الفوضى على غرار العراق. وهو احتمالٌ غير مؤكد، ولكن هناك انهيارٌ رأسًا على عقب. يقول البعض، هو التدمير الخلاق الذي يسمح لهياكل جديدةٍ بالظهور.

شئنا أم أبينا، قد تمر مجتمعاتنا بالفعل بهذه المرحلة الانتقالية. لا يمكننا أن نتصور بعدُ أنه لا توجد دولة. ولكن الاعتراف بأنها حلولٌ مؤقتةٌ لمواقف تاريخيةٍ معينةٍ يمكن أن يساعدنا فقط على إدارة المرحلة الانتقالية إلى ما نحن بحاجته مستقبلًا. سواءٌ عانت دولنا أم لم تعانِ، فإن الهياكل التي من خلالها نحكم شؤوننا من المقرر أن تتغير. حان الوقت لنبدأ في التخيل.

القائد: “في عالمنا لما بعد القومية، المستقبل للعصور الوسطى“.


هوامش:

[1] الأمر لا يتعلق بالقرون الوسطى بل بتقسمة تاريخ السياسة و مدارسها فيها و القرون الوسطى عامة تبدأ بــ  476 و تنتهى بــ1453 بفتح القسطنطينية على يد محمد شلبي الثاني “محمد الفاتح“. أو ما يُسمى في التاريخ الأوروبي والقبطي بـ “سقوط القسطنطينية”

[2] هناك مغالطة تاريخية لأنه قبل ثورة فرنسا كان الشعب يتحدث الفرنسية القديمة و الألمانية والذَيْن أخرجا الإنجليزية عندما انصهروا مع اللاتينية. وكان نصف الشعب يتحدثها أما بالنسبة لإيطاليا كان 2.5 % بالمائة منها فقط يتحدثون الإيطالية الدارجة بينما تحدَّث قادتها الفرنسية إلى بعضهم نظرًا لخروجهم من حقبة من الحكم الفرنسي لآل Bonaparte فكانت الفرنسية منتشرة وكانت المنطقة ككل قد انتهت لتوها من هزيمة نابليون الثالث و تغيير شكل جنوب أوروبا.

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x