من أين يولد الاضطراب؟

من أين يولد الاضطراب؟

المتتبع لسجل المواقف .. والأحداث .. يستطيع بسهولة رصد حالة الاضطراب التي تفسد بهاء السير… والاضطراب ليس حدثا عابرًا ولا طارئًا، بل هو في الغالب نتيجة خللٍ أعمق، يتسلل إلى الباطن قبل أن يظهر على الجوارح والبيان.

وعلى قدر هذا الميزان تتفاوت خطى السائرين: ثباتًا أو اضطرابًا؛ وليس المراد ذنبًا يتوب العبد منه، بل منهجٌ كامل يحمله، فيَستقيم أو يختل.

ومن الناس من يبدّل مواقفه مع كل ريح، ومنهم من يلوذ بالصمت حين يلزم البيان، ومنهم من يتزيّن بعباراتٍ مواربة تفرّ من الحق ولا تصرّح به. وكل ذلك – بعيدا عن حالة اضطرار – لا يولد في فراغ، بل وراءه أسباب تتراكم حتى تصنع هذا الاضطراب.

في مقدمة هذه الأسباب اضطراب العقيدة أو ضعف رسوخها؛ فالقلب الذي لم يثبت على أصولٍ محكمة، يسهل أن تزلّ به القدم عند أول امتحان.

ومن أعظمها كذلك ضعف الشجاعة وقلة احتمال كلفة الحق؛ فإن للحق هيبة، لكنها تحتاج إلى نفسٍ تحتمل تبعاتها، وإلى يقينٍ يقدّم رضا الله على رضا الخلق.

ومن الأسباب أيضًا سلطانُ الشعبوية، حيث يصبح رأي الناس ميزانًا، وتتحول “ردود الفعل” إلى بوصلة، فيتلوّن الخطاب بحسب موجبة التصفيق والرفض، لا بحسب الدليل والحق.

وقد تكون الصحبة المفتونة من أخطر المؤثرات؛ فالقريب يؤثر بما لا يؤثر به البعيد، وإذا فُتِنَت البيئة القريبة، أصبح الانحراف مألوفًا، بل مبررًا، حتى ينساب إلى النفس دون مقاومة.

ولا يُغفل هنا ضغط المصالح، وحسابات المكانة، والخوف من فقدان القبول أو النفوذ؛ فكم من موقفٍ تراجع لأن كلفته الاجتماعية أو المهنية بدت عالية، فاختير السلامة الظاهرة على حساب الحقيقة الباطنة.

وهذا الاضطراب لا يظهر لحظةً واحدة، بل يمتد على محور الزمن؛ يبدأ بتنازلٍ صغير، ثم مواربة، ثم صمتٍ في موضع البيان، حتى يتشكل نمطٌ من التردد يلازم صاحبه.

والأصل في المؤمن أن يحفظ مواقفه على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، لا يخجل من الحق، ولا يوارب فيه، ولا يتنصل من مسؤولية البيان، ولا يتملق لهذا أو ذاك.

ولو أن الناس قدّموا هيبة الحق على كل اعتبار، لوفّروا على أنفسهم وعلى الأمة خسائر جسيمة؛ لأن كثيرًا من الانحرافات إنما تبدأ من تهاونٍ يُزدرى في لحظةٍ حرجة.

والمشكلة تتعاظم حين ينتقل الاضطراب من الأفراد إلى المناهج؛ إذ تُصنع بيئات تربّي أتباعًا مضطربي الإخلاص، يميلون حيث يميل الرمز أو الجماعة، فتتشكل ولاءاتٌ غير منضبطة، ويُربّى الناس على الاتباع لا على الاتباع للحق.

وهنا تُصاب القلوب بداءٍ خطير، بل شديد الخطورة: أن يُصرف الإخلاص لغير الله جل جلاله، أو يُشرك فيه هوى الجماعة ورمزها. وتلك هي المثخِنة التي تجرح الدين في أصله، لأن المنهج الذي لا يربّي على إخلاصٍ خالصٍ لله عز وجل، إنما يؤسس لانحرافٍ ممتد، مهما بدا في ظاهره من شعاراتٍ براقة.

فما الذي يحفظ المنهج راسخًا، ويقي من الاضطراب ولو اشتدت المعارضة؟

أول ذلك: تصحيح المعتقد، وبناء اليقين على الدليل، لا على الأشخاص ولا على الأمزجة.

وثانيه: تعظيم الأمر والنهي، وجعل كتاب الله وسنة نبيه ﷺ المرجع الحاكم عند الاختلاف، لا المزاج العام ولا ضغط الواقع.

وثالثه: تربية النفس على الشجاعة، واحتمال كلفة الحق، واستحضار أن رضى الله أولى من رضى الناس.

ورابعه: صحبة صالحة ثابتة، تعين على الاستقامة وتذكّر عند الغفلة، لا تزيّن الانحراف ولا تبرره.

وخامسه: المحاسبة الدائمة للنفس، ومراجعة النيات، خشية أن يتسلل الرياء أو التلون.

وسادسه: الاستقلال عن ضغط الجماهير، فلا يكون التصفيق معيارًا، ولا الهجوم سببًا للانكفاء، بل يُوزن الأمر بميزان الشرع.

وسابعه: طلب العلم الراسخ، الذي يمنح صاحبه بصيرةً تميّز بين الثابت والمتغير، وبين الأصول والفروع.ويمتلك به أدوات التبين والتبصر فلا يٌساس .. إنما يسوس بالحق.

إن الثبات ليس ادعاءً، بل مجاهدةٌ، ودليله مواقفُ تُختبر. ومن أراد أن يحفظ دينه ومنهجه، فليجعل قلبه معلّقًا بالحق، ولسانه ناطقًا به، وجوارحه شاهدةً له، لا يغيّره مدحٌ ولا يثنيه ذمّ. فالحق لا يحتاج إلى تزيين، وإنما يحتاج إلى رجالٍ ونساءٍ يقفون عنده، لا يتقدمونه ولا يتأخرون عنه.

وفي الختام: إن أعظم الخسائر ليست في فقدان موقعٍ أو قبولٍ عند الناس، بل في أن يفقد الإنسان وضوحه وثباته، فيتبدل مع الأيام حتى لا يعرف لنفسه وجهًا. فاحفظ موقفك بالوحي، وأخلص قصدك لله عز وجل، واثبت وإن قلّ السائرون؛ فإن العاقبة للثابتين، والحق باقٍ لا يزول، وإنما يزول المتلونون حوله.

قال تعالى ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [ سورة الأحزاب: 23]

اللهم اجعلنا من الصادقين لآخر رمق.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x