منهج قراءة جيل الصحابة: لا تقيسوا الأنصار والمهاجرين علينا

ليس كل ما نعرضه من مواقف مهيبة في سير الأنصار والمهاجرين، يُستقبل بحسن الاستيعاب والتقدير، بل يحصل أن تلتقطه عقول قد تأثرت في طريقة قراءتها بواقع العصر الحديث لتحاكمه بلغتها، فتسأل: أين المصلحة الشخصية؟ وأين الخصوصية؟ وأين الحقوق الفردية؟ وأين المشاعر الإنسانية؟

وكأنها تنسى أن أعظم خطأ في قراءة السيرة هو أن تجعل نفسك ميزانًا لها، بدل أن تجعلها هي الميزان الذي تزن به نفسك.

إن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا مجرد أناس يعيشون في القرن الأول، بل كانوا جيلاً رباه الوحي، وصنع القرآن داخله ترتيبًا جديدًا للقيم، حتى أصبحت الأولويات عندهم تختلف اختلافًا جذريًا عن أولويات الناس بعدهم.

لقد كان الإسلام عندهم أعظم من المال، وأعظم من الوطن، وأعظم من القبيلة، بل وأعظم من النفس نفسها.

ولهذا لم يكن الأنصاري حين يعرض نصف ماله على أخيه المهاجر يؤدي واجبًا اجتماعيًا، بل كان يتقرب إلى الله بقلب وجد في البذل لذة أعظم من لذة التملك.

ولم يكن المهاجر حين يرد ذلك العرض بعزة نفس لمجرد أن يسجل موقف مروءة، إنما كان يتعبد لله بالعفة والاستغناء.

إنها قلوب تتسابق إلى الله من جهتين؛ هذا يريد أن يبذل كل شيء، وذاك يريد ألا يثقل على أحد بشيء. ولهذا اكتمل المشهد.

ومن هنا يقع الخلل حين تُقرأ قصة سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما.

فبعض الناس لا يرى فيها إلا سؤالًا واحدًا: كيف عرض زوجته؟

بينما الصحابة أنفسهم كانوا يرون سؤالًا آخر أكبر بكثير: إلى أي مدى بلغ الإيثار؟

إن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين زمنين كاملين.

إن الذي يقف عند ظاهر العبارة، ويحاكمها بمفاهيم عصره، يكون قد نسي أنه يتحدث عن قوم وصفهم الله عز وجل بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.

فالله لم يقل: يؤثرون في الأشياء الزائدة. بل قال: “على أنفسهم”.

أي إن ميدان الإيثار عندهم تجاوز دائرة الفائض، إلى دائرة المحبوبات.

وليس المقصود أن نجعل تلك الواقعة حكمًا عامًا، ولا أن نقول إن كل مسلم مأمور أن يفعل مثلها. بل المقصود أن نفهم حجم النفوس التي صنعت تلك المواقف.

إننا اليوم لا نستطيع أن نتخيل مقدار التجرد الذي وصلوا إليه؛ لأن الدنيا عادت تحتل مساحة كبيرة من قلوبنا.

فنحن غالبًا نبدأ التفكير من: ماذا سأخسر؟

أما هم فكانوا يبدأون من: ماذا سأربح عند الله؟

وهذا وحده يصنع إنسانًا آخر.

ثم إن من أكبر الأخطاء أن نتصور أن الرجال وحدهم كانوا يعيشون هذه المعاني.

لقد ربى القرآن مجتمعًا كاملًا، رجالًا ونساءً.

وكانت النساء شقائق الرجال في الهجرة، والصبر، والجهاد، والإنفاق، والتضحية.

ومن حسن الظن بالصحابة جميعًا ألا نظن أن سعدًا رضي الله عنه كان ليعرض أمرًا يعلم أن فيه ظلمًا أو قهرًا، وهو من هو في الإيمان والورع.

كما أن من حسن الظن ببيته أن ندرك أن النساء اللاتي رباهن القرآن لم تكن غاياتهن منفصلة عن غايات أزواجهن، بل كن يعشن المشروع الإيماني نفسه، ويتنافسن في مرضاة الله كما تنافس الرجال.

إن سوء الظن بهذا الجيل أو التشكيك في مواقفهم أو الخجل منها ومداراتها بطريقة أو بأخرى قياسًا على واقعنا، ليس علمًا، إنما هو إسقاط لأمراض عصرنا على زمن لم يكن يشبهنا.

ومن يستشكل عليه هذا الموقف، لابد أن يستشكل عليه في الوقت نفسه مواقف أعظم منه،

فهل سيستوعب: كيف أخرج الصديق كل ماله لله؟
وكيف ترك أبو سلمة زوجته وابنه سنوات في سبيل الهجرة؟
وكيف تعاملت أم سليم مع ولدها الميت حتى لا تشغل زوجها قبل أن تهيئه؟
وكيف كان أبو طلحة وأم سليم يبيتان جائعين، ويخدعان ضيفهما ليظن أنهما يأكلان معه، فينزل القرآن يخلد موقفهما: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾.

فإذا كان هذا هو حال البيت الأنصاري كله، فلا تستغرب أن تصدر منهم مواقف لا تستوعبها نفوسنا اليوم؛ لأننا نقرؤها بقلوب لم تبلغ ما بلغته قلوبهم.

وكلها مواقف لا يستطيع العقل المادي تفسيرها؛ لأنه يبحث دائمًا عن مصلحة الإنسان في الدنيا، بينما كانت نفوس الصحابة تبحث عن مصلحة الإنسان عند الله.

إن جيل الأنصار والمهاجرين ليس جيلًا عاديًا حتى يُقاس على العادة.

إنه جيل متفرد، صنعه الوحي في مدرسة النبوة، حتى أصبحت الدنيا في أيديهم لا في قلوبهم.

ولهذا ينبغي أن نتعامل مع سيرهم كما نتعامل مع قمم الجبال؛ لا لنقول إننا بلغناها لنحاكمها، وإنما لنعرف كم نحن في السفح لنتبعهم بإحسان.

إن وظيفة سير الصحابة ليست أن نجعلها على مقاس واقعنا، وإنما أن ترفع واقعنا إليها.

فكلما حاولنا إنزالهم إلى مستوى نفوسنا، فقدنا المعنى الذي من أجله خلدهم الله في كتابه،

وجعل محبتهم دينًا، والاقتداء بهم سبيلًا، والثناء عليهم قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة.

فلا تقيسوا الأنصار والمهاجرين علينا…

بل قيسوا أنفسكم عليهم؛ فهناك فقط تعرفون كم غيَّر الإسلام أولئك الرجال والنساء، وكم نحن بحاجة إلى أن يغيرنا من جديد.

قال الله جل جلاله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.

اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ، فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ.

اللهم اجمعنا بالنبي ﷺ وبصحابته من الأنصار والمهاجرين.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
عبدالرحمن ابن سعيد

اللهم آمين

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x