منهجية إمساك العصا من المنتصف وحلقة أخرى من الفشل!

خذ فرصة واستمع جيدا، لا تقف عند أول كلمات تعجبك، ولا عبارات تهزك، لا تنجرف لكل ما تراه جميلا على أنه مرجعية لا تغدرك، خذ فرصة واستمع أكثر، وأكثر، ولكن بعين فاحصة. فواقعنا شديد التعقيد والتداخل بين حق وباطل وبين دقائق الانحراف والتفاني! لم تصفو ولا يزال الكدر!

خذ ما ينفعك واحذر مما يغشك أو يخذلك ويحرمك.

في الفترة الأخيرة يتصدر كثيرا خطاب يمكن وصف منهجيته بكونها تقوم على: “إمساك العصا من المنتصف”، وهي منهجية تسمح بحشد أكبر عدد ممكن من الأتباع على حساب واجب تربيتهم على الحق وتعليمهم الصح من الخطأ، فيما يعقد عليه القلب ويصفو معه الإيمان ويترسخ.

إنه لمؤسف بشدة أن تصبح العقيدة آخر ما يهتم له الناس، وجمع الناس على منهاج النبوة، شيء هامشي، لا داعي أن يسبب إهماله كثير قلق!

مشكلة هذه المنهجية أنها تغش، وتصنع الخذلان في النفوس المقبلة ولكن ليس الآن، بل لاحقا. فهي تحرم الناس موجبات حسن الاتباع وفضائل التعظيم لله جل جلاله وتهون من المخالفة العقدية، وتقرر أنها – على خلاف ما قرر أئمة الإسلام – لا تؤثر في دينهم ما دام الجميع مجتمع على نصرة قضايا الأمة.

وكتمان الحق جريمة كبرى بحق هذا الدين وأمانته التي يحملها المسلم منذ أن شهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله.

منذ أن حمل أمانة مقتضياتها وعلم أنه ولا محالة ممتحن.

ومن افتقد الصدق والإخلاص والأمانة في بداياته، أنى له التوفيق لغاية نهاياته!

يعتقد البعض أن القوة في الكثرة، ولذلك يسعون لجمع أكبر عدد من الأتباع، بتماهٍ مع أصول توجب التبيان والإبانة والوضوح بلا تردد ولا خجل، وإن كان بالحكمة والموعظة الحسنة. يزدرون ساحة جهاد عظيم تحفظ لهذا الدين أصالته ورسوخه وأمانته، ويقدمون عليها المشاعر والعواطف والتشخيصات القاصرة!

يضحون بموجبات التوفيق والمعية الربانية المهيبة، ويتعلقون بالتفاصيل الجانبية التي لا تُقارن.

هكذا زماننا، يشغلونك بما ليس واجبا عن الواجب..!

إن محاولة تمييع الخلافات العقدية وتسطيحها بجعلها تافهة، طريقة فاشلة، وحلقة أخرى من الهزيمة المثخنة، فالعقيدة لا تتبدل ولا تتماهى بل هي أصل راسخ يجتمع عليه المؤمنون، والواجب على من حمل أمانة “لا إله إلا الله محمد رسول الله” أن يبينها كاملة بلا تفلت ولا غش، عليه أن يصدع بها تامة بلا نقصان، أما التهاون الذي يجعل من أصول عقدية راسخة محل نظر واستهانة وهامشا، فهذا جبن لا يليق وتملق لا يجدي!

فالمبتدعة أشد إخلاصا من هؤلاء لانحرافاتهم، وأكثر شجاعة في الدفاع عنها بلا وهن، فما بال أقوام تأخذهم الدنية في دينهم؟ وما بال أقوام، يخلطون خلطا عجيبا فيتناولون خطاب العقيدة كأنه درس في العلوم الحياتية والفيزياء!

لا يضرك أن تصدع بأصول دينك، ولا يضيرك أن لا يجتمع عليها إلا القلة.

فقد نبأنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن آخر الزمان محن وفتن تتوالى، وابتلاءات تمحص وتدافع يميّز. والتفرق فيه قدر!

وبشرنا كذلك أن المستقبل لمنهاج النبوة خالصا!

فلماذا نغش الناس ونخدعهم ونحرمهم هذا العلم الذي تقوم عليه حياة القلوب موحدة مخلصة بحسن اتباع؟! لماذا نحرمهم فضائل هذا الصدق والرسوخ؟

من أراد النجاة والسلامة فليحرص على حفظ إيمانه كما علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم. وتعلم منه صحابته رضي الله عنهم. وأهل السنة مجتمعون على ما أجمع عليه السلف في أمور العقيدة، ومن قدم على هذه الحقيقة التي تستوجب الصدع والتبيان، التملق للمبتدعة لمراعاة مشاعرهم وكسب قلوبهم فما أدرك بعد عظمة أمانة العلم ولم يبصر بعد موجبات التوفيق والمعية والفضل الجليل للصدق. بل لم يدرك بعد ما تجلبه جريمة كتمان الحق من عواقب وتداعيات مفجعة!

إن كل ما خالف وبدل ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، لا نتحرج من إنكاره ووصفه بالبدعة والانحراف، وتبيان خلله، خاصة حين يمس الأصول وصلب العقيدة. وليس لك أو لأي أحد أن يقرر أن البدعة والانحراف أمر هين أو أمر يمكن الصمت عنه وإهماله! فإن كانت خيرية الأمة تقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخل في ذلك تفاصيل القول والسلوك، فكيف بتصحيح ما عقد عليه القلب من معتقدات مخالفة ومنحرفة يقوم عليها كل قول وسلوك وكل عمل وأثر! بل هو أوجب!

إن التعامل مع العقيدة كأنها من العلوم التجريبية التي تتغير بتغير الظروف والحوادث، أمر لم يعرفه من سبق وسوء ظن بالله عز وجل! فالدين راسخ لا يتبدل، مهما توالت الفصول والأزمنة. ولكن ما يتبدل هي القلوب التي تحمله، بين متبع بإحسان، ومتفلت باحتيال ومبدل بغفلة أو حمق. ونحن حملنا أمانة البلاغ بدون تبديل ولا تحريف، ولا نملك سلطانا على القلوب، لكننا نقيم الحجج وندعو بحكمة، ونعذر عند ربنا.

وللأسف هذا الواجب الآن: حفظ أمانة هذا الدين، أصبح منتقدا ومنبوذا ومحاربا بل ومحط سخرية وتسفيه، وهذا يكشف درجة الانجرار بغفلة التي تفشت في زماننا، وحجم الجهل والتعالم والتصدر ببضاعة مزجاة، فليس كل من أحسن قولا في قضية قادر على القول في غيرها من قضايا! ورحم الله امرئا عرف قدر نفسه فلم ينطق إلا فيما يجيده، كي لا يأتي بالعجب! وما أجمل “الله أعلم” و”لا أدري”، فهي دلالة صدق نفتقدها قولا وقدوة لغلبة الأضواء وكثرة الجماهير وسطوة الإعجابات في النفوس! وهذه فتنة وجب التحذير منها، فتنة الجماهير والشعبوية ومنابر التصدر!

والنظر في المآلات يختصر الكثير من الشرح، فجميع المحاولات التي سعت إلى جمع الناس على أساس الكثرة لا العقيدة فشلت. وتحولت لديمقراطية انسلخت فيها الشعوب عن موجبات تحررها وعن هويتها ودينها.

وبالتدريج أضحى الناس يستجدون رحمة أعدائهم والتعايش معهم والتنازل عن ثوابتهم بدل أن يعدوا لاقتلاع جذور هؤلاء الأعداء في كل ما يهدد سيادتهم. بل وصل الأمر أن تحولت أولوياتهم إلى ما يريده لهم أعداؤهم!

أولئك الذين يصرون على مراعاة مشاعر المبتدعة، على حساب تبيان الحق لهم بلا جبن ولا خجل، أولئك الذين يحسبون أن الكثرة هي التي تحقق النصر، لم يتعلموا من دروس التاريخ ولم يستوعبوا آيات الله تعالى في القرآن الكريم.

يفرحون بنصر سجله التاريخ وفتح وتمكين ثم لا يخبروك كم صمد؟ بضع عقود، ورجعت الكرة من جديد، سقوط واحتلال وتجربة امتحان يمحص!

وهب أنك أقمت ملكا ورفعت أساس دولة كبرى؟

وهب أنك انتصرت على أعدائك، وأخرجتهم من أرضك المحتلة؟

فهل هذا النصر دائم أو يستمر؟ ستدور الدوائر وتسقط الدولة، وتنتهي دورة حياتها كما تنتهي حياة البشر!

وهذا لا يعني أن نزهد في العمل على تحرير البلاد والاستقلال بحكم شريعة الله تعالى ولكن العبرة حقيقة ليست بإقامة الدول فحتى الكافر يقيمها، بل بسلامة البناء والوسيلة، بصدق الخاتمة وحسنها، بنيل القبول من الله جل جلاله!

فأن تلقى الله مستضعفا يعظم الله جل جلاله ويخلص دينه لمولاه كما أمر وينبغي، خير من أن تقود دولة يشرك فيها الناس بربهم أو يعبدونه على غير ما أمر جل جلاله.

يكفينا هزائما، يكفينا تكرارا لحلقات الفشل، لننتقل لجدية تليق بحجم الأشلاء والكوارث التي عاشتها الأمة، ولحجم النوازل التي لا تزال تتوالى، والهزائم والفشل! لنلتفت قليلا لتعظيم ربنا، وشريعته. لوصايا نبينا صلى الله عليه وسلم بلا تهاون!

ولا يكون ذلك إلا كما فعل الصحابة رضي الله عنهم! بشعار، “أينقص الدين وأنا حي” بعزيمة الصديق وصلابة عمر رضي الله عنهما.

كفانا تمييعا للدين وحقوقه، كفانا عقوقا للإسلام العظيم. ﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [ الأنفال: 42]

من تراه يعتقد أن العقيدة ما أجمع عليه السلف الصالح ثم تراه ينظر بازدراء لما ابتلي لأجله الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وجلد وسجن في فتنة خلق القرآن، ثم يهدر تضحيات الإمام أحمد رحمه الله بكلمة لا يلقي لها بالا، فيجعله أمرا لا يهمنا في عصرنا، أفلا يرجو لله وقارا!! أفلا يدرك مقام تعظيم الله كم قتل لأجله من عباد، ليبخسه مقامه من التقدير وحفظ الغزل فينجر إلى تحليلات هي أقرب للصحافة من الشريعة، وعلى نهج الفلاسفة أكثر منه الإسلام!

وهل ما خاضه أحمد ذهب هدرا أم حفظ للناس دينهم وتعظيمهم لربهم جل جلاله! وعلى هذه قس وتأمل ميراث أئمة الإسلام وجهادهم في حفظ هذا الدين مصانا بهيبة الحق!

أم لعل البعض لا يدرك ما تعني العقيدة؟ وما يعني تبديلها والمساس بها؟!

نصيحة لمن يجتهد في النصح وتقديم التشخيص بحسن قصد، لا تخذل العقيدة ولا تتماهى مع مخالف، بل تمام النصرة له وصدق النصح له، بل وتمام الاتفاق أن يعرف الحق منك، ويدرك هيبته من ثباتك فيه، فلا يقول غدا لم غششتني!

إن سياسة إمساك العصا من المنتصف بتراء، وهذا الدين منصور، بنا أو بغيرنا، فلنكف عن تضييع حق الله جل جلاله لأجل أسماء ورجال ومكاسب دنيوية تغدر، ولنعد التعظيم والنصر له عز وجل ونقدره حق قدر سبحانه، ثم لنتحدث بعدها عما شئتم من حلول!

أوجه هذه الكلمات بألم، وباختصار رغم عمق المشاهدة وقسوة التفصيل، إلا أنني أرجو بذلك نصحا في الله لا غش فيه، ووصية للعاملين لهذا الدين، لا نصر لنا بدون نصر لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وجمع الناس وتربيتهم على منهاج النبوة، بإخلاص الدين لله وحده لا شريك له، لا للرجال ولا للجماعات، ولا للدول والأوطان! ولو كان في ذلك مجرد بلاغ، فإنه جهاد وإعلاء لكلمة الله تعالى نسأل الله أن تكون موجباته القبول والرضوان.

وفي الختام، أقول:

مهما حاصرتك الظروف وأنهكتك العقبات،
مهما تعسرت خطاك وتعثرت مشاريعك وازدريت جهودك،

احذر من أمرين بشدة لا تغفل عنهما:

  1. احذر أن تخذل منهج نبيك صلى الله عليه وسلم،
    بلغه بأمانة وصدق، ولا تكتمه أو تخجل من الصدع به، ولو سخط كل الناس، وهذا يعني أن تستعصي على التماهى مع باطل ومخالفة للنبي صلى الله عليه وسلم رجاء استجداء قبول الناس ويعني أن يعرفك الناس بوضوح، فتفرض احترام الحق الذي تفديه، وهذا ما يحفظ مصداقيتك وهيبة الحق ويجنبك الاضطراب وتكاليفه.
  2. ثم احذر أن تعطي فرصة لكافر أو مجرم أن يستوحي منك كيف يحارب الإسلام ويثخن بما تقدمه له من مادة أو فكرة!

لا تبدل ولو بدل كل الناس!
ولا تكن إمعة يُستغل من أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ويعين على الظلم والطغيان، ولو كان في ذلك مكاسب تُغري.

فإن حرصت على الأمرين، اعلم أن ما بعد ذلك كله، إما نصر أو شهادة لمن صدق!

إما أن يمنّ الله عليك بتمكين في الأرض موجب للقبول، أو تلقاه شهيدا قد أعذرت في هول الخطوب!

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
أم عبد الله

لا فض الله فاك ^^

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x