منظومة الحياء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعل الحياء شعبةً من الإيمان، وزيّن به القلوب كما تُزيَّن الوجوه بنور الاستقامة والإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، عليه أفضل الصلاة والسلام، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنّته إلى يوم الدين،

أمّا بعد:

فإنَّ الحياء خلقٌ جليل، تُبنى عليه مقامات القلب، وتتهذّب به الجوارح، وتسمو به النفوس حتى تصير قريبة من ربّها، بعيدة عن موارد الشرّ ومواضع الخطيئة. وقد كان هذا الخُلق أحد أعمدة السُّلوك الإيماني عند العلماء والعارفين، يبدؤون به طريق الإصلاح؛ لأنه حاجزٌ بين المرء وبين معصية الله عزّ وجلّ، وبابٌ إلى العفاف، وسببٌ لرِقَّة القلب وصفاء السريرة.

ولمّا كان الحياء منزلةً جامعة لمعاني المراقبة، والتعظيم، والخوف، والمحبة، ولأنَّ فقده سببٌ لضياع كثير من أبواب الخير ومراتب الفضل؛ رأيت أن نتحدث في أول مجلس لنا في روضة المؤمنات، عن منظومة الحياء المتكاملة، فنتناول مفهومه ومعانيه، فضله ومقاماته، وآثاره على القلب والسلوك، سنتعرف كيف نقيّم حياءنا وكيف نحفظه، كيف نربي بناتنا على الحياء وكيف يجب أن يكون حياء الرجل، مستندين في ذلك إلى نصوص الوحيين، وكلام أئمة الهدي، ومنهج السالكين إلى رب العالمين، على خطى السابقين الأولين.

عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت:”كنت أدخل البيت الذي دفن فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي -رضي الله عنه- واضعةً ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي وأبي.فلما دفن عمر -رضي الله عنه- والله ما دخلته إلا مشدودةً عليَّ ثيابي؛ حياءً من عمر -رضي الله عنه-“.

هكذا علّمتنا أمنا عائشة رضي الله عنها درسا في الحياء عظيم! تستحي أن تدخل حجرتها بعد أن دفن فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنها. فرضي الله عنها وأرضاها.

ولا عجب! فأم المؤمنين عائشة ربيت في بيت حيي، يعرف للحياء قدره وقيمته، فتلك أختها، أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- تروي لنا شيئا مما عاشته فتقول:”تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح، وغير فرسه.
فكنت أعلف فرسه، وأستقي الماء، وأخرز غربه، وأعجن، ولم أكن أحسن أخبر، وكان يخبر جاراتٌ لي من الأنصار، وكن نسوة صدق.وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعَه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على رأسي، وهي مني على ثلثي فرسخ. فجئت يومًا والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعه نفر من الأنصار، فدعاني، ثم قال: “إخ إخ” ليحملني خلفه.فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس.فعرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أني قد استحييت، فمضى.فجئت الزبير، فقلت: لقيني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى رأسي النوى، ومعه نفر من أصحابه، فأناخ لأركب، فاستحييت منه، وعرفت غيرتك”.فقال: “والله، لحملك النوى كان أشد عليّ من ركوبك معه”.قالت: “حتى أرسل إليّ أبو بكر بعد ذلك بخادم تكفيني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني”.

وإن كان كل سطر من رواية أسماء بنت الصديق رضي الله عنها يستوجب درسا من التفكر في جمال وصفها وعمق معانيها الحكيمة، إلا أن مقام الحياء هو الأبرز! لقد استحيت ابنة الأكارم من أن تسير لوحدها امرأة مع الرجال واستحضرت غيرة زوجها، رضي الله عنها وأرضاها.

ووالد أسماء وعائشة، أبو بكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنه، قدوة أخرى في الحياء، ومما يروى عنه أنه خطَب في النَّاسَ يومًا، فقال: “يا مَعشَرَ المُسلِمين، استَحْيُوا من اللهِ، فوالذي نفسي بيَدِه إنِّي لأظَلُّ حينَ أذهَبُ الغائِطَ في الفَضاءِ متقَنِّعًا بثوبي استِحياءً من رَبِّي عزَّ وجَلَّ”.

ولم يزل الحياء صفة بارزة في السابقين الأولين، ومعلم تفرد وسبق في خلقهم وسيرهم،  وتأمّلي ما روي عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر: أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت:”يا أسماء، إني قد استقبحت ما يُصنع بالنساء؛ أن يُطرح على المرأة الثوب فيصفها”.فقالت أسماء بنت عميس: “يا بنت رسول الله ﷺ، ألا أريك شيئًا رأيته بالحبشة؟”فدعت بجرائد رطبة، فحزمتها، ثم طرحت عليها ثوبًا، فقالت فاطمة: “ما أحسن هذا وأجمله! تعرف به المرأة من الرجل. فإذا متُّ أنا فاغسليني أنتِ وعليٌّ، ولا يدخل عليّ أحد”.

فما أعظمه من حياء يرافق الحييّة إلى قبرها!

لماذا أتحدث اليوم عن الحياء؟ لماذا أفتتح به مجالس روضة المؤمنات؟

لأن الحياء أشد ما حورب في زماننا بينما هو أساس كل ما يأتي بعده ويُبنى عليه،  ففي الوقت الذي يُشنّع فيه على الحياء ويهمّش، تكبر أجيال لا تعلم أن الحياء أساس لا يمكن الاستغناء عنه، وتعتقد الحياء صفة ثانوية في شخصية المسلم والمسلمة، فتُحرم حقيقة أنه صمّام الأمان لسائر الأخلاق، والبوابة التي تحفظ للقلب نقاءه، وللسلوك توازنه، وللمجتمع قيمه.فكيف تنشد الارتقاء بدون الفهم الصحيح للحياء! كيف تثبت في ملاحم الفتن والامتحانات، بدون درع حصانة، من أهمله تكبّد ولا بدّ من الخسائر في نفسه وفرصه بقدر ما أهمل منه.

إن الحياء فضيلة سامية تضبط السلوك البشري، وسياج واقٍ يحمي القيم ويحرس الأخلاق من التبدل والانهيار.في طريق، كلما تقدمنا فيه خطوة اشتدّت فيه الفتن كقطع الليل المظلم..! وازدادت غربة المسلمين والمسلمات.

لقد رفع الإسلام شأن الحياء، وجعله تاج المكارم، وأكد على التمسك به ولزومه، باعتباره خُلق الإسلام، ورأس مكارم الأخلاق.فلا خير في خُلُق إذا غاب عنه الحياء، ولا صلاح لقلب فقد هذا النور.

نتحدث اليوم عن الحياء لأننا في زمن تتعرض فيه القيم لامتحان عسير، ولأن الضغوط الاجتماعية والإعلامية تسابق الليل والنهار لتشكيل ذائقة المرأة والفتاة، أحيانًا كثيرة على حساب طهر القلب ونقاء السلوك.

نتحدث عن الحياء، لأن مفهوم الحياء تغيّر في أذهان كثيرين، فصار يُنظر إليه كضعف، بينما هو في الحقيقة قوة وضبط للنفس وحسن قيادة لها.

نتحدث عنه لأن المجتمع يحتاج إلى مرجعيات أخلاقية ثابتة، ولأن الأمهات والبنات يواجهن تحديات غير مسبوقة في اللباس، والظهور، والكلام، والفضاء الرقمي، والعلاقات اليومية.
نتحدث عنه لأن الحياء هو آخر حصون الأخلاق؛ إذا سقط، سقط معه الكثير. ولأنه نور يمنح المرأة كرامتها، ورفعتها، وجمالها الحقيقي الذي لا يُنتزع.

ولأننا نريد للجيل المترقب أن يفهم الحياء كما أراده الله عزّ وجلّ: خُلُقًا يعصم، ونورًا يهدي، وقوةً تحفظ للفطرة سلامتها.ولعل أبرز أسباب تناول الحياء في هذا المقام، جهل الكثيرين والكثيرات لحقيقة الحياء وماهية الحياء وصور الحياء، واختلاط المفاهيم بين الحياء والخجل، وبين الحياء وعلو همة المرأة، وبين الحياء ودور المرأة في زماننا، زمان تداعي الأمم على أمة الإسلام.

الحياء أصل من أصول الإيمان

إن الحياء في الإسلام أصل من أصول الإيمان، وجزء لا يتجزأ من حقيقة الدين. فقد قال النبي ﷺ:”الحياء شعبة من الإيمان” (صحيح البخاري)، وجاء في الحديث الآخر: “إن لكل دين خُلُقًا، وخُلُق الإسلام الحياء” (صحيح ابن ماجه) وفي رواية:”من لا حياءَ له لا دينَ له”. أخرجه ابن عبد البر في (الاستذكار) واللفظ له.

وهذا يعني أن الحياء ليس اختيارًا تكميليًا، بل هو لبّ الإيمان، وميزان حسّاس يدل على حياة القلب وقربه من الله تعالى، فكلما زاد إيمان العبد زاد حياؤه، وكلما ضعف الحياء دلّ ذلك على خللٍ في الإيمان ونقصٍ في البصيرة. ولذلك كان السلف يرون الحياء علامة الصدق.

ولذلك أقول دوما: مراتب الارتقاء تكون بقدر حقيقة الحياء من الله تعالى في قلوبنا!

فأكثرهم وأكثرهن حياء من الله تعالى .. أكثرهم وأكثرهن بذلًا وصبرًا ومسابقةً وفضلًا.

ما تعريف الحياء لغة؟

الحياء في اللغة مأخوذ من الحياة؛ إذ بينهما ارتباط عميق في اللفظ والمعنى. فكما يُسمّى الغيث حَيًّا لأنه يُحيي الأرض والنبات والدواب، سُمّي الحياء بهذا الاسم لأنه علامة حياة القلب وروحه.
فمن لا حياء له فكأنما ماتت فيه معاني الحياة، وكان كما قال البلغاء:”حياة الوجه بحيائه، كما أن حياة الغرس بمائه”.

وعلى قدر حياة القلب تكون قوة خُلُق الحياء فيه؛ فقلة الحياء دليل على موت القلب، وكلما كان القلب أصفى وأقوى حياةً كان صاحبه أتم حياءً.قال ابن القيّم رحمه الله تعالى: “وأكمل الناس حياة أكملهم حياء، فإن الروح إذا ماتت لم تحس بما يؤلمها من القبائح، فلا تستحِ منها، وإذا كانت صحيحة أحسّت بذلك فاستحيت منه”.

ما تعريف الحياء شرعًا؟

الحياء في الاصطلاح الشرعي هو انكسار وتعفّف يطرأ على النفس، يمنعها من ارتكاب ما يُعاب، ويزجرها عن القبيح قولًا أو فعلًا.وقد تنوعت عبارات أهل العلم في تعريفه، وكلها ترجع إلى هذا المعنى الجامع، فمنها من يعرف الحياء بأنه:

  • خُلُق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حقوق الآخرين.
  • بأنه الترقّي عن المساوئ خوف الذمّ.
  • بأنه انقباض النفس عن الشيء حذرًا من الملام.
  • وقال ابن مسكويه: هو انحصار النفس خوف إتيان القبائح والحذر من الذمّ الصادق.
  • وقيل: هو ملكة راسخة تدفع صاحبها إلى أداء الحقوق وترك القطيعة والعقوق.
  • وقال الجرجاني: هو انقباض النفس وترك الشيء خوف اللوم فيه.
  • وقال الجاحظ: هو من قبيل الوقار، وغضُّ الطرف، والانقباض عن الكلام حشمةً للمستحيا منه.
  • وقال ذو النون المصري: الحياء هيبة في القلب مع انكسار لما سبق من التقصير بين يدي الله.

فحقيقة الحياء الشرعية: أنه خُلُق كريم يحول بين الإنسان وبين القبائح، ويمنعه من التفريط في حقوق الله وحقوق الناس، وجعله الله سياجًا يحفظ الإنسان من اتباع الشهوات حتى لا ينحدر إلى مرتبة البهائم التي تهجم على ما تريد بلا حرج ولا انقباض.

وفي جوهره يرتبط الحياء بالتقوى، كما في قوله تعالى:﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ قال الحسن: هو الحياء لأنه يبعث على التقوى.

وقال سفيان بن عيينة: “الحياء أخفّ التقوى، ولا يدخل العبد في مقام التقوى إلا من باب الحياء”.

فالحياء أصل جامع يمنع من الذنب، ويقود إلى الطاعة، ويغرس في النفس الهيبة من الله تعالى والخوف من الوقوع في ما لا يرضيه. وإذا ذهب الحياء، ذهب معه الخير كله، كما قال الشاعر:

وربَّ قبيحةٍ ما حال بيني وبين ركوبِها إلا الحياءُ
فكان هو الدواء لها ولكن إذا ذهب الحياء فلا دواءُ

وهنا سؤال قد يتبادر للذهن: هل الحياء هو الخجل؟

قال الراغب:”أما الخجل فحيرة النفس لفرط الحياء، ويُحمد في النساء والصبيان، ويُذمّ باتفاق من الرجال، والوقاحة مذمومة بكل إنسان؛ إذ هي انسلخ من الإنسانية، وحققتها لجاح النفس في تعاطي القبيح، واستغراقه من حافر وقح؛ أي صلب”.

وبهذا المعنى قال الشاعر:

يا ليتَ لي من جلد وجهك رِقعة،
فأفقد منها حافرًا للأشهب.

وقال أيضًا الشاعر:

صلابة الوجه لم تُغلب على أحد،
إلا تكامل فيه الشر واجتمع.

ويمكن القول: إن الحياء صفة فطرية وإيمانية تُعين الإنسان على اجتناب القبيح، وتحفظ كرامته وسلوكياته.أما الخجل فهو شعور بالنقص أو التردد، وقد يكون سببًا في تقاعس الإنسان عن فعل الخير، ويُذم إذا خرج عن حدود الحياء المشروع.

فالحياء قوة ووقار، وخجل النفس -بلا داعٍ- ضعف وعجز.

نشاهد ذلك في مقامات الصدع بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حين ينعكس الحياء في الخشية من الله تعالى، فيصدع المؤمن ولا تأخذه في الله لومة لائم، .. أما الخجل، فينعكس في خشية من الناس، فيتحرج المرء من إنكار منكر بيّنٍ أمامه، خشية ردود الناس عليه وهذا أكثر ما يتردد بسببه الناس في مقام نصرة للحق، خشيتهم مما يقوله الناس، فيُحرمون الفضل.

والأقبح منه، وهو من أعجب ما تسمعه المسلمة ومن أعجب ما مرّ علي في تبرير الخطأ والخطيئة، وهو الخجل من رفض الحرام حين يعرض عليها، فتخجل أن تصد يدًا آثمة تمسها، أو تدعوها للحرام، وهذا ليس من الحق في شيء، بل من تلبيسات إبليس، فلا تخجل الحرة من أن تقول (لا) للحرام، بل تستحي من الله تعالى أن تخجل في مقام ردع باطل.

وكان مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول:”ما عاقب الله تعالى قلبًا بأشد من أن يُسلب منه الحياء”.وعن سليمان قال:”إذا أراد الله بعبد هلاكًا نزع منه الحياء، فإذا نُزع منه الحياء لم يقبله إلا ميتًا مُمِتًّا”.وقال صالح بن جناح:”إذا قلّ ماء الوجه قلّ حياؤه، ولا خير في وجه إذا قلّ ماؤه”.

وأينما رأيت قوة في الإيمان رأيت قوة في الحياء.

عن أبي هُرَيْرَة أن رسول الله ﷺ قال:”الإيمان بضع وستون شُعْبة، والحياء شُعْبة من الإيمان”.

فللحياء علاقة مباشرة بالإيمان، وبارتقاء المؤمن والمؤمنة في مراتب الإحسان.

فالحياء جزءٌ لا يتجزأ من حقيقة الإيمان، حتى جعله النبي ﷺ شعبة من شعبه، وهذا الارتباط ليس ارتباطًا لفظيًّا أو معنويًّا فحسب، بل هو ارتباط جوهري؛ فالإيمان حياةٌ في القلب، والحياء ثمرة من ثمار تلك الحياة، فإذا قَوِي الإيمان قَوِي الحياء، وإذا ضعُف الإيمان ضعف الحياء وتآكل.

الحياء يا أمة الله، هو الحسّ الإيماني اليقِظ الذي يردع صاحبه ويمنعه من المعصية، ويستحي به من نظر الله إليه، ويستحي من الناس أن يُرى على قبيح. وكلما ازداد يقين العبد بعظمة الله وقربه واطلاعه، ازداد حياؤه منه، وامتلأ قلبه خشية ورقّة. ولهذا قال العلماء:الحياء من الإيمان، لأنه يحمل صاحبه على فعل الطاعات وترك المنكرات، ومن فقد الحياء فقد انكسر فيه هذا الرادع الإيماني، فصار لا يبالي بما يفعل، ولا ينزجر عن قبيح، ولا يستحي من خالق ولا مخلوق.

ولهذا جاء في الحديث: “إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت”؛ أي أن فقدان الحياء يعني فقدان كل الضوابط، فمن لا حياء له لا إيمان يحجزه، ولا قلب حيّ يردعه، ولا نور يقوده. وما أسهل وقاحته. أما المؤمن الحق، فإن حياته كلها تدور حول مبدأ الحياء: يستحي من الله في السرّ، ومن الملائكة التي لا تفارقه، ومن الناس الذين يرونه، ومن نفسه أن يراها في مقامٍ لا يليق.

مع التنبيه إلى أن حديث «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت» له تفسيران مشهوران عند أهل العلم:

الأول، وهو الأشهر: أن المعنى على ظاهر اللفظ: إذا نُزِع الحياء من القلب، ولم يعد المرء يخشى العيب ولا يخاف العار، فإنه يُقدِم على ما تهويه نفسه من الأفعال، حسنًا كانت أو قبيحًا. فالحديث بصيغة الأمر، لكن مقصوده التهديد والتوبيخ، والتنبيه إلى أن الحياء هو السدّ الذي يمنع الإنسان من اقتحام السيّئات؛ فإذا زال الحياء صار المرء كأنه مأمور بترك القيود واقتحام كل منكر.

وقد قال بعض أهل العلم: إن المقصود التحذير من أن غياب الحياء يجرّ إلى الانفلات الذي يفضي غالبًا إلى عاقبة سيئة؛ إذ إن أقوى ما يردع الناس عن القبائح هو الذمّ واللوم، وهو أشدّ وقعًا في النفوس من عقوبة الجسد. فمن لم يبال باللوم، ولم يتأثر بالذم، لم يبق ما يردعه. ولا يلبث حتى تُهتَك سِترته، ويُذهب ماء وجهه، ويُطرح من أعين الناس، فيفقد القدر والمنزلة، ويُلحَق بالبهائم، بل يصير حاله عندهم أسوأ. فنبّه النبي ﷺ بهذا القول إلى خطورة ترك الحياء، ليجتنب العبد أسبابه، ويستشعر من الحياء ما يصرفه عن القبائح.

والتفسير الثاني:أن الأمر على بابه، والمعنى:إذا كان فعلك مما لا يُستحيا منه لأنه جارٍ على طريق الصواب، وخالٍ من مواطن اللوم، فامضِ وافعل ما شئت؛ إذ لا حرج عليك في فعل ما لا يخالف الحق.

وقد لخص ابن القيم رحمه الله هذين المعنيين فقال:”إن حمل الحديث على الوجه الأول يكون تهديدًا، مثل قوله تعالى:﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (فصلت: 40) أما حمله على الوجه الثاني فهو إذن وإباحة”.

ثم بيّن أنه لا يمكن الجمع بين المعنيين؛ لأن الإباحة والتهديد متناقضان، غير أن اعتبار أحدهما يستلزم اعتبار الآخر من جهة المعنى العام.

وفي الخلاصة، الحديث يتضمن الوعيد، كأنه يقول: افعل ما شئت فسوف تُجازى به.إن كان باطلا فالعقوبة وإن كان حقا فالأجر.

نرجع الآن لمفهوم الحياء، قلنا هو ميزان الإيمان، كلما زاد أحدهما زاد الآخر، وكلما نقص أحدهما نقص الآخر؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الحياءَ والإِيمانَ قُرِنا جَميعًا، فإذا رُفِعَ أحدُهُما رُفِعَ الآخَرُ” (صحيح الجامع).

والمؤمنة حيية، تصون نفسها من معصية الله تعالى، أو من الوقوع في القبيح، أو من أذية الآخرين وكل ذلك من علامات إيمان القلب، ومن دلائل صدق المسلمة.

ومن هنا، من فقدت الحياء، استهانت بالمجاهرة بالمعصية، والوقوع في خوارم الحياء، وأذية الآخرين وظلمهم، وكل ذلك من علامات ضعف الإيمان ودلائل الريبة والشك وسوء الظنّ بالله تعالى.

ذكر الحياء في القرآن

لفظ «الحياء» قليل في القرآن، إلا أن معناه منتشر في كثير من الآيات التي تدعو إلى العفّة والستر، وغضّ البصر، والحشمة، والتقوى.

ففي سورة القصص ذكر الحياء بوصف مباشر في قصة فتاتَي مدين مع موسى عليه السلام:﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٢٥ القصص)

تُظهر هذه الآية حياء الفتاة في سلوكها، حياء أمام الرجل الغريب، فلم تنبسط ولم تستسهل التعامل بدون ضوابط، فظهر الحياء في مشيتها وفي تصرفها معه، وهو أوضح وأظهر معاني الحياء.قال تعالى  ﴿ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ﴾، فالاستحياء تأكيد الحياء وأبلغ منه؛ قال أبو الدرداء رضي الله عنه‏:‏ “خيرُ نسائكم التي تدخل قَيسًا، وتخرج مَيسًا، وتملأ بيتها أقْطًا وحَيسًا، وشر نسائكم السَّلْفَعة، التي تسمع لأضراسها قَعْقَعة، ولا تزال جارتها مفزعة”.

 تدخل قيسًا: أي: إنها إذا مشت نظرت إلى قدمها، تقيس الخطوة إلى الخطوة، فلا تطول إحداها عن الأخرى، ولا تقصر، بل مشيها منضبط لا اعوجاج فيه، وأما تخرج ميسًا فمعناه: أنها برغم مشيتها المنضبطة الهادئة غير المتعجلة، فإنها أيضًا متبخترة متفاخرة، تملأ بيتها أقطًا وحيسًا: أي: تصنع الأنواع المختلفة من الطعام والشراب، فالأقط هو الجبن، والحيس طعام يُصنَع من التمر والجبن والسمن، يُعجَن ويُطبَخ، وهذا يعني أنها امرأة متدلِّلة هادئة رزينة، مع كونها مدبِّرة خبيرة بشأن المنزل وما يصلحه، وأما شر النساء فهي السَّلْفَعة؛ أي: الوقحة المتجرئة على الرجال، صوتها مرتفع، تسمع لأسنانها قعقعة: كأنها في حرب مع زوجها، مما يدفع جيرانها إلى الفزع منها، ومن سلوكها المشين.

﴿ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ﴾، لم يصفها بطولها ولا بشكلها ولا بلباسها بل وصفها بصفة الحياء الأجمل.

كما ذكر الله تعالى الحياء في القرآن العظيم في مقام الصدع بالحق، فقال جل جلاله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ (٢٦ البقرة)

وذكر الله تعالى الحياء في وصف حياء نبيه صلى الله عليه وسلم من ضيوفه، فقال تعالى ﴿ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ﴾… (٥٣ الأحزاب)

عن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه؛ أنه قال: “بُنيَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بزَينبَ ابنةِ جَحشٍ بخُبزٍ ولحمٍ، فأُرسِلْتُ على الطَّعامِ داعيًا، فيجيءُ قومٌ فيأكُلون ويخرُجون، ثمَّ يجيءُ قومٌ فيأكُلون ويخرُجون، فدعوتُ حتَّى ما أجِدُ أحدًا أدعوه، فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما أجِدُ أحدًا أدعوه. قال: ارفَعوا طعامَكم، وبَقِيَ ثلاثةُ رَهطٍ يتحَدَّثون في البيتِ، فخَرَج النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فانطَلَق إلى حُجرةِ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، فقال: السَّلامُ عليكم أهلَ البيتِ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه. قالت: وعليك السَّلامُ ورحمةُ اللهِ، كيف وجَدْتَ أهلَك يا رسولَ اللهِ؟ بارَك اللهُ لك. فتقَرَّى حُجَرَ نِسائِه كُلِّهنَّ، يقولُ لهنَّ كما يقولُ لعائشةَ، ويَقُلْنَ له كما قالت عائشةُ، ثمَّ رجع النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإذا ثلاثةُ رَهطٍ في البيتِ يتحَدَّثون، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شديدَ الحَياءِ، فخرج منطَلِقًا نحوَ حُجرةِ عائشةَ فما أدري أخبَرْتُه أم أُخبِرَ أنَّ القومَ خَرَجوا، فرَجَع حتى إذا وضَعَ رِجْلَه في أُسْكُفَّةِ البابِ داخِلةً وأُخرى خارجةً، أرخى السِّترَ بيني وبينَه، وأُنزِلَت آيةُ الحِجابِ”   .

لقد استحى النبي صلى الله عليه وسلم من ضيوفه لكن الله تعالى علمهم الحق والأدب مع نبيه صلى الله عليه وسلم، وأنزل آيات في ذلك، فيا لعظمة مقام نبينا صلى الله عليه وسلم عند ربه جل جلاله، يدافع عنه وينصره ويواسيه! صلى الله عليه وسلم.

وذكر الله تعالى معنى آخر من معاني الحياء التي تفتقد، في مقام استخدام النساء وإذلال آل فرعون لبني إسرائيل، حيث قال تعالى ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٤٩ البقرة)

واستحياء نساء بني إسرائيل ذكر في آيات عديدة، وقوله: ويستحيون نساءكم، يقول الطبري: ويبقون نسائكم فيتركون قتلهن، وذلك استحياؤهم كان إياهن”. 

وقال القرطبي في تفسيره:والمراد بقوله تعالى ( ويستحيون نساءكم) يتركونهن أحياء ليستخدموهن ويمتهنوهن”،  وقال: “ولا يخفى ما في قتل الأبناء واستحياء البنات للخدمة ونحوها من إنزال الذل بهم وإلصاق الإهانة الشديدة بجميعهم لما في ذلك من العار”.

وفي سورة الأعراف معنى آخر للحياء، قال الله عز وجل ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾

جاء في بعض التفاسير: لباس التقوى: الحياء.

كذلك وردت معاني الحياء في آيات من سورة النور، في قوله تعالى:  ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغْضُضُوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِك أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
والأمر بغضّ البصر وحفظ الفروج من الحياء.ومثله قول الله عز وجل ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ففي هذه الآية توجيه للنساء لغضّ البصر، وحفظ العفاف، وعدم إظهار الزينة، ولبس الحجاب وهي من صور الحياء للنساء في المجتمع.

ومن معاني الحياء التي ذكرها الله تعالى في القرآن، قوله في سورة الأحزاب  ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [ الأحزاب: 59]

قال السعدي:” هذه الآية، التي تسمى آية الحجاب، فأمر اللّه نبيه، أن يأمر النساء عمومًا، ويبدأ بزوجاته وبناته، لأنهن آكد من غيرهن، ولأن الآمر(لغيره) ينبغي أن يبدأ بأهله، قبل غيرهم كما قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ) أن ( يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ )وهن اللاتي يكن فوق الثياب من ملحفة وخمار ورداء ونحوه،- أي يغطين بها، وجوههن وصدورهن.ثم ذكر حكمة ذلك، فقال ( ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ )دل على وجود أذية، إن لم يحتجبن، وذلك، لأنهن إذا لم يحتجبن، ربما ظن أنهن غير عفيفات، فيتعرض لهن من في قلبه مرض، فيؤذيهن، وربما استهين بهن، وظن أنهن إماء، فتهاون بهن من يريد الشر.
فالاحتجاب حاسم لمطامع الطامعين فيهن} وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا  {حيث غفر لكم ما سلف، ورحمكم، بأن بيّن لكم الأحكام، وأوضح الحلال والحرام، فهذا سد للباب من جهتهن.”

وبتدبر هذه الآيات نجد الحياء في القرآن ذا قيمة شاملة:  إيمانية قلبية، وأخلاقية اجتماعية. فهو خلق يحيي القلب ويظهر في السلوك.خلق إيماني وأخلاقي؛ يحفظ كرامة الإنسان وينظّم علاقته بربّه وبالآخرين.

ذكر الحياء في السنة

قال رسول الله ﷺ:”الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً… وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ”.صحيح البخاري ومسلم

وقال ابن الأثير في هذا الحديث:” … وإنما جعله بعض الإيمان؛ لأن الإيمان ينقسم إلى:ائتمار بما أمر الله به، وانتهاء عما نهى الله عنه، فإذا حصل الانتهاء بالحياء كان بعض الإيمان”.

وقال رسول الله ﷺ:”إنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الإِسْلَامِ الحَيَاءُ”.صحيح ابن ماجه

وقال رسول الله ﷺ:”الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ”.متفق عليه وفي رواية في صحيح مسلم: “الحياءُ خيرٌ كلُّه”.وقال رسول الله ﷺ:”الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ”.صحيح البخاري

وقد حثّ النبي صلى الله عليه وسلم على الحياء في قوله وفي سلوكه، فقد كان حياء النبي ﷺ مضرب المثل والقدوة. قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه:”كان رسولُ الله ﷺ أشدَّ حياءً مِن العذراء في خِدرها “صحيح البخاري.

وهذا الحَياءُ يكون مِن النَّبيِّ ﷺ ما لم تُنتَهَكْ حُرُماتُ اللهِ تعالى، فإذا انتُهِكَتْ؛ فإنَّه ﷺ  كان يَغضَبُ، ويُرشِدُ أصْحابَه وينكر عليهم، ويَفعلُ ما مِن شأنِه تَوجيهُ المؤمِنينَ، وحملهم على شَريعةِ اللهِ تعالَى.كما جاء في تفسير الحديث.

وما يشد المتفكر في هذا الحديث، خاصة عند استحضار حال النساء والفتيات الأبكار اليوم، كيف آل مآلهن – إلا من رحم ربي- يعجب لانحدار مستويات الحياء في مجتمعاتنا، فقد أضحت المرأة والفتاة تخرج بكامل تبرجها تتحدى رجولة الرجال في الطرقات، مبرزة مفاتنها ومطلقة بصرها، بل يصل الأمر في أحيان، إلى حد مراسلة الرجل ومراودته عن نفسه!

وهذه من دلالات الانتكاس والتراجع الأخلاقي التي رافقت التخلف العقدي الذي ندفع ثمنه بتداعي الأمم وإثخانها في المسلمين. ودليل على درجة التفريط في خلق الحياء منذ سنّ مبكرة في عملية التربية. فمن أراد أن يعرف حال أمة نظر في حال نسائها، وحال زماننا لا يسر المؤمن!

نعود إلى حياء النبي صلى الله عليه وسلم وكيف كان حياؤه من خالِقِه سُبحانَه وتعالى؛ لما طلب موسى عليه السَّلامُ من نبيِّنا صلى الله عليه وسلم في ليلةِ الإسراءِ أن يراجِعَ رَبَّه في تخفيفِ فَرضِ الصَّلاةِ، قال صلى الله عليه وسلم لموسى عليه السَّلامُ: “استَحْيَيتُ مِن رَبِّي!”…  ما أعظمها من كلمة!  .

ومن حيائه صلى الله عليه وسلم في مخاطبة النساء صلى الله عليه وسلم وهو سيد الخلق أجمعين، ما جاء عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها “أنَّ امرأةً سألت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن غُسلِها من المحيضِ، فأمَرَها كيف تغتَسِلُ، قال: خُذي فِرْصةً منِ مِسكٍ فتطَهَّري بها، قالت: كيف أتطَهَّرُ؟ قال: تطَهَّري بها! قالت: كيف؟ قال: سُبحانَ اللهِ! تطَهَّري! فاجتَبَذْتُها إليَّ فقُلتُ: تتَبَّعي بها أثَرَ الدَّمِ”.

والحياء صفة كل الأنبياء عليهم السلام، يستحيون من ربهم، قال رسول الله ﷺ:” إنَّ موسى كان رجُلا حَيِيًّا سَتِيرًا، لا يُرى من جِلْده شيء استحياء منه …”. متفق عليه.

ومن الأمثلةِ القُرآنيَّةِ الفريدةِ التي تُبَيِّنُ كيف يكونُ حَياءُ الإنسانِ من رَبِّه في سِرِّه وعلانيَتِه، حياء يوسف عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾  (يوسف: 23-24)

قال القاسِمُ بنُ أبي بزَّةَ: قام استِحياءً من اللهِ تعالى ذِكْرُه.

والحياء قبل ذلك كله، صفة من صفات الله عز وجل؛ ففي الحديث الصحيح:”إن الله عز وجل حَيِيٌّ سِتِّير يحب الحياء والسـتر”؛  رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي.

من أين يأتي الحياء؟

الحياء خُلُق مركوز في الفطرة، ثم يترقّى بالإيمان والمعرفة بالله عز وجل حتى يصير سياجًا يحفظ صاحبه من النقائص والمعاصي.من هذا التعريف ندرك كيف نقوي الحياء وكيف نضعفه في أنفسنا! فهو يقوى بالطاعات وينقص بالمعاصي.

قال ابن القيم رحمه الله: “هو أصل كل خير، وذهابه ذهاب الخير أجمعه، ولا يعني هذا أن يحجب عن الـتعلم والـتفقـه… قالت عائشة رضي الله عنها: “نِعْمَ النساءُ نساءُ الأنصار؛ لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين”؛ رواه مسلم

والحياء نوعان: الحياء الجِبِلِّي الفِطري

وهو الحياء الفطري الذي خُلِق الإنسان عليه، فهو هيئة جِبِلِّيّة مركوزة في النفس لا تُكتسب أصلًا، لكنه يكتمل بالاكتساب.ويمثّل هذا النوع حياءَ الإنسان من التكشّف، ومنه حياء أبينا آدم وأمّنا حواء – عليهما السلام – حين ظهرت لهما عوراتهما بعد أكلهما من الشجرة:﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ﴾ (طه: 121)

وروى الحسن عن أُبيّ بن كعب – رضي الله عنه – أن النبي ﷺ قال في قصة آدم بعد المعصية:

“فلمّا وقع بما وقع به بَدَتْ له عورته… فأخذت برأسه شجرةٌ من شجر الجنة… فقال: ربِّ أسألك توبةً، قال: فتلقّاه بكلماتٍ فتاب عليه.”رواه الطبري في تفسيره

ويُظهر هذا أن طريق الخلاص من الذنب هو الرجوع إلى الله تعالى والتوبة الصادقة.

ومن صور الحياء الفطري ما أخبر به النبي ﷺ عن الأشجّ:”إن فيك لَخَصْلَتَيْنِ يحبّهما الله: الحِلم والحياء.”فقال: «قديمًا كانتا فيَّ أم حديثًا؟” قال: “قديمًا”فقال: “الحمد لله الذي جبلني على خُلُقين يحبّهما الله.” رواه مسلم

والثاني: الحياء الإيمانيّ المكتسَب

وهو الحياء الذي ينشأ من معرفة الله وقُربه وإحاطته بعباده، وأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.هذا النوع هو الذي يمنع المؤمن من ارتكاب المعاصي خوفًا من الله وتعظيمًا له، وقد يترسّخ في النفس حتى يصير كالغريزة.

واجتمع النوعان في شخصية النبي ﷺ فقد كان رسول الله ﷺ أكملَ الناس حياءً، فاجتمع فيه الحياء الجِبِلِّي والحياء الإيماني بأعلى درجاتهما. وهذا يدل على قمة ما يكون من صفاء النفس ونقاء القلب، فكان في الذروة العليا؛ إذ لم يكن يُقدّم على الله أمرًا ولا يقترب مما يكرهه الله تعالى. لقد كان حياؤه من ربه أعظم الحياء ﷺ.

وهكذا نتعلم أعلى درجات الحياء، من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، كان ﷺ يقوم الليل حتى تتفطّر قدماه، فلما سُئل عن ذلك قال:”أفلا أكون عبدًا شكورًا؟”. فهذا حياء من الله جل جلاله؛ حياء العبودية والمحبة والتعظيم، أن يقصّر العبد في حق مولاه وقد أغدق عليه النعم.

لقد كان النبي ﷺ يكره أن يُشعِر الناس بأي شيء من الترف، حياءً من الله وتواضعًا.

فعندما رأى رجل النبي ﷺ نائمًا على حصيرٍ أثّر في جنبه، قال له: لو اتخذت فراشًا ألين!فقال ﷺ:”ما لي وللدنيا…” حياءً من الله أن يتوسّع في الدنيا وقد اختاره ربه لدار الخلود.

وحياء النبي ﷺ حياء قوة، وحياء طهارة، وحياء تعظيم، وحياء عبودية لله، وحياء رحمة بالناس.وعلى المسلمين الاقتداء به في حيائه، في خلقه ومحبة الله جل جلاله وخشيته وكلّ ما أوصى به وأمر به ﷺ.

ولا يزال العبد بخير ما استحيا من ربه.

لننتقل الآن إلى وجوه الحياء، وهي كثيرة وجميلة جدًا! حريّ بالمسلمة معرفتها وإقامة النفس عليها والتفكر فيها:

فالحياء ليس صفة واحدة متجانسة، بل له وجوه متعددة تتوزع بين الحياء من الله عز وجل، والحياء من الناس، والحياء من النفس، وكل نوع له أثره الخاص في ضبط السلوك، وتقويم الأخلاق، وحفظ القيم.وإن معرفة هذه الأنواع تساعدنا على تمييز مستويات الحياء في نفوسنا، وتقويتها، وتوجيهها إلى ما يرضي الله تعالى، ويكسبنا احترام الناس، ويُنير حياتنا في أنفسنا وفي مجتمعاتنا. 

قال الإمام ابن قيم الجوزية – رحمه الله تعالى:

قُسِّمَ الحَيَاءُ على عشرة أوجه:

حَيَاءُ جِنَايَةٍ، وحَيَاءُ تَقْصِيرٍ، وحَيَاءُ إِجْلالٍ، وحَيَاءُ كَرَمٍ، وحَيَاءُ حِشْمَةٍ، وحَيَاءُ استِحقارِ النَّفْسِ واستِصغارِها، وحَيَاءُ مَحَبَّةٍ، وحَيَاءُ عُبُودِيَّةٍ، وحَيَاءُ شَرَفٍ وَعِزَّةٍ، وَحَيَاءُ المُستَحْيِي مِن نَفسِهِ.

١حَيَاءُ الجِنَايَةِ:

ومنه حَيَاءُ آدم – عليه السلام – لما فرَّ هاربًا في الجنة، فقال الله تعالى:”أَفِرَارًا مِنِّي يَا آدَمُ؟” قال: «لا يا ربّ! بل حياءٌ منك»

٢حَيَاءُ التَّقْصِيرِ:

كحياء الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفتُرون، فإذا كان يوم القيامة قالوا:سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.

٣حَيَاءُ الإِجْلالِ:

وهو حياء المعرفة، وعلى حسب معرفة العبد بربه يكون حياؤه منه.

٤حَيَاءُ الكَرَمِ:

كحياء النبي صلى الله عليه وسلم من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب، فطوَّلوا الجلوس عنده، فقام واستحيا أن يقول لهم: انصرفوا.

٥حَيَاءُ الحِشْمَةِ:

كحياء علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المذي لمكان ابنته منه.

٦حَيَاءُ الاسْتِحْقَارِ واستِصْغَارِ النَّفْسِ:

كحياء العبد من ربِّه عز وجل حين يسأله حوائجه، احتقارًا لشأن نفسه واستصغارًا لها.

وقد يكون لهذا النوع سببان:

أحدهما: استحقار السائل لنفسه واستعظام ذنوبه وخطاياه.

الثاني: استعظام مسؤوله، وهو المولى عز وجل.

٧حَيَاءُ المَحَبَّةِ:

فهو حياء المحب من محبوبه، حتى إنه إذا خطر على قلبه في غيبته هاج الحياء من قلبه، وأحسَّ به في وجهه، ولا يدري ما سببه.وكذلك يعرض للمحب عند ملاقاته محبوبه ومفاجأته له روعة شديدة.ومنه قولهم: “جمالٌ رائع”.وسبب هذا الحياء والروعة مما لا يعرفه أكثر الناس.

فإذا فاجأ المحبوبُ مُحبَّه، ورآه بغتةً، أحسَّ القلب بهجوم سلطانه عليه، فاعتراه روعة وخوف.

٨حَيَاءُ العُبُودِيَّةِ:

فهو حياء ممتزج من محبة وخوف، ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده، وأن قدره أعلى وأجل منها؛ فعبوديته له توجب استحياءه منه لا محالة.

٩ حَيَاءُ الشَّرَفِ وَالعِزَّةِ:

فحياء النفس العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما هو دون قدرها من بذلٍ أو عطاءٍ أو إحسانٍ، فإنه يستحيي مع بذله حياءَ شرفٍ نفسٍ وعِزَّةٍ.

١٠حَيَاءُ المَرْءِ مِن نَفْسِهِ:

فهو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص، وقناعتِها بالدون، فيجد نفسَه مستحييًا من نفسه، حتى كأن له نفسين يستحيي بإحداهما من الأخرى.وهذا أكمل ما يكون من الحياء؛ فإن العبد إذا استحيا من نفسه فهو بأن يستحيي من غيره أجدر”.

وتلك الأوجه العشرة التي ذكرها ابن القيم تستحق التفكر فيها.

مِمَّ يَتولَّدُ الحياء؟

الحياء  ثمرةُ نورٍ في القلب، يتولّد من اجتماع معانٍ جليلة؛ فإذا التقت أوراقها وامتزجت جذورها، خرج من بينها هذا الخلق الرفيع الذي يزيّن الروح ويهذّب السلوك.قال الهروي في منازل السائرين:”الحياء من أوّل مدارج أهل الخصوص، يتولّد من تعظيمٍ منوطٍ بودّ.”

وبيّن ابن القيم رحمه الله معنى كلامه فقال:”الحياء حالة تتولّد من امتزاج التعظيم بالمحبّة؛ فإذا اجتمع الهيبة والودّ، انجبت الروح حياءً صادقًا”.

وقال آخرون:”يتولد الحياء من شعور القلب بما يُستحيا منه، ونفورٍ داخلي عنه، فينشأ من هذا الشعور وتلك النفرة حالةٌ هي الحياء”.

ولا تعارض بين هذه الأقوال، فكما قال ابن القيم:للحياء أبوابٌ متعددة، وكلٌّ أشار إلى بابٍ منها.

وقد يتولّد الحياء من معرفة العبد بنظر الحق إليه؛ فمتى أيقن القلب بأن عين الله لا تغيب، انجذب إلى مجاهدة نفسه، واستحسن الطاعة، واستقبح الجناية، وسكت عن الشكوى حياءً لا عجزًا.

وقد يتولد الحياء من مشهد النعمة والإحسان.فالقلوب الكريمة لا تقابل الإحسان بالإساءة، ولا المعروف بالجحود؛ إنما يفعل ذلك الخسيس.

أمّا العبد الكريم، فإن استحضار نعم الله عليه يمنعه من معصيته؛ يستحيي أن ينزل عليه فضل الله، وتصعد منه المخالفة!يهبط مَلَكٌ بالرزق، ويصعد آخر بعمله، فأيّ مقابلة أقبح من هذا؟!

وقال الجنيد:”الحياء رؤية الآلاء، ورؤية التقصير، فيتولّد بينهما الحياء، وحقيقته خُلُقٌ يدفع إلى ترك القبائح، ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق.”

فإذا كان الإنسان يخجل أن يقابل إحسان البشر بالجفاء، ويستحيي أن يردّ المعروف بالنكران، فكيف لا يستحيي من ربه، الذي أنعم عليه بنعمٍ لا تُحصى، وأسبغ عليه من الخير ما لا يُعدّ ولا يُحدّ؟!ولذلك قال الشاعر:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته … وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

وقال محمد بن علي الترمذي:”اجعل مراقبتك لمن لا يغيب نظره عنك، واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك، واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه”.

فالحياء ـ لو لم يأت به الشرع ـ لاستلزمه العقل، ولحسّنته الفطرة.

قال الشاعر:

هبِ البعثَ لم تأتنا رسلُهُ وجاحمةَ النارِ لم تُضرَمِ

أليس من الواجب المستحَقِّ حياءُ العبادِ من المُنعِمِ؟

وقال ذو النون:”لله عبادٌ تركوا الذنب استحياءً من كرمه، بعد أن تركوه خوفًا من عقوبته؛ ولو قال لهم ربهم: اعملوا ما شئتم فلست آخذكم بذنوبكم، لكان ينبغي لهم أن يزدادوا حياءً منه، وتركًا لمعصيته”.

وقال محمد بن الفضل:”الحياء يتولد من النظر إلى إحسان المُحسن، ثم النظر إلى جفائك له؛ فإذا اجتمع هذان المعنيان رُزقت الحياء إن شاء الله”.

وقال ذو النون أيضًا:”ما أهّاج الحياء من الله إلا معرفتهم بإحسانه إليهم، وعلمهم بتضييع واجب شكره، وليس لشكره نهاية كما ليس لعظمته نهاية”.

تائبٌ تجري دموعي ندمًا،

يا لقلبي من دموع الندم!

ليتني أذوب حياءً

كلما جدّد العفوَ عطاءُ المُنعِم.

ثمار الحياء

وللحياء ثمار، وهي من فضائل الحياء في النفس، ومن أعظم ثمار الحياء: استدامة الشعور أن الله يراك.وكان بعض السلف يقول:”استحيوا من الله حق الحياء… ومن استحيا من الله حقًا لم يفجأه عند معصيةٍ نظرٌ ولا خاطر.”

ومن ثمار الحياء أنه مفتاح كل خير؛ ويكفيه شرفًا أن يكون دليلًا على الخير وسبيلًا إليه.فمبدأ الحياء انكسارٌ لطيفٌ في النفس، وانقباضٌ يمنعها من الدنوّ مما يُستقبح مخافة أن تُنسَب إليه، ونهايته تركُ القبيح واجتنابه، وكلا طرفيه خيرٌ محض.

قال ابن القيم – رحمه الله – في خلاصة نفيسة:”إن خُلُق الحياء من أشرف الأخلاق، وأعظمها قدرًا، وأكثرها نفعًا؛ بل هو جوهر الإنسانية وروحها، فمن نُزِع منه الحياء لم يبقَ له من إنسانيته إلا لحمٌ ودمٌ وصورةٌ ظاهرة، ولا يبقى معه من الخير شيء.

ولولا الحياء ما أُكرِم ضيف، ولا وُفِّي وعد، ولا أُدّيت أمانة، ولا قُضيت حاجة، ولا آثر الإنسان الجميل وترك القبيح، ولا ستر عورته، ولا امتنع عن فاحشة.

كثير من الناس – ولولا ما فيهم من حياء – ما أدّوا فرضًا، ولا حفظوا حقًّا، ولا وصلوا رحمًا، ولا برّوا والدًا؛ إذ الدافع إلى هذه الأعمال إمّا باعثٌ دينيّ هو رجاء العاقبة الحميدة، وإمّا باعثٌ دنيويّ وهو حياء الإنسان من الخلق.

فثبت بذلك أن الحياء – من الخالق أو من الخلق – هو عصب كثير من الفضائل، ولولاه لانفرط نظام الخير في الناس.

ثم قال – رحمه الله تعالى- : “إنَّ للإنسان آمريــن وَزَاجِرَيْنِ، فله آمِرٌ وزَاجِرٌ مِنْ جِهَةِ الحَيَاءِ، فَإِذَا أَطَاعَهُ امْتَنَعَ مِنْ فِعْل كُل ما يَشْتَهِي، ولَهُ آمِرٌ وِزَاجِرٌ مِنْ جِهَةِ الهَوَى والشهوة والطَّبيعةِ، فَمَنْ لَمْ يُطِعْ أَمِرَ الحَيَاءِ وَزَاجِرَهُ، أَطَاعَ آمِرَ الهَوَى والشَّهْوَةِ وَلَا بُدَّ”.

ومن ثمار الحياء أن يزرع في النفس نورًا خفيًّا، يجعلها أكثر قدرة على رؤية قُبح الذنب وجمال الطاعة.ومن ثمراته:صفاء القلب وطهارته، فالحياء يمسح غبار الذنوب عن الروح، ويُورث القلب رقّةً وخشوعًا.كان السلف يقولون:”إذا قلّ حياؤك من الله، نظرتَ إلى قلبك فوجدته مظلمًا.”لأن الحياء حاجزٌ بين المرء وبين ما يكدّر صفاءه.

ومن ثمار الحياء أن يمنع صاحبه عن اقتحام ما يستحيي منه، ويجعله يقف على باب القبيح وقفةً طويلة حتى ينصرف عنه.قال ابن مسعود رضي الله عنه:”من لم يستحِ من الناس، لم يستحِ من الله.”

ومن ثمار الحياء تهذيب النفس، فالنفس التي يسكنها الحياء تكون أكثر حُسنًا، وأرفق لسانًا، وأبعد عن الفظاظة والغلظة والظلم.ولهذا قال ﷺ:”الحياء خير كله”، فهو أصل جميل الخلق، وجِماع تهذيب السلوك.

ومن ثمار الحياء بركته في المجتمعات، فالحياء ليس خُلُقًا فرديًا فقط؛ بل هو روحٌ تتسرّب إلى الجماعات، فإذا ساد في مجتمعٍ أصلح كثيرًا من اعوجاجه.

وحين يغلب الحياء، تضيق مساحة الفواحش، ويتراجع المنكر، ويظهر في الناس سترٌ وجلال.

فالحياء يصنع مجتمعًا نظيفًا، كريم الوجوه، سامي الأخلاق.

ومن ثمار الحياء، حفظ الحقوق وبقاء المروءات، قال ابن القيم رحمه الله:”ولولا الحياء لم يُؤدَّ حق، ولم تُصن أمانة، ولم يُقضَ لأحدٍ حاجة.”فالحياء هو الدافع الذي يمنع الإنسان من ظلم غيره، أو خيانة عهده، أو نقض ميثاقه.

قال قائل يفعل الخير مع الناس حين سئل: لم يفعله مع من لا يعرفهم ولا مصلحة له فيهم، فأجاب: حتى لا يقال ذهبت المروءة من الناس! فما أجمله من فقه وما أجمله من حياء!

ومن ثمار الحياء حفظ قوة الروابط الاجتماعية، فالحياء يخفّف حدّة النزاعات، ويُلين القلوب، ويمنع الغلظة.فإذا استحيا الناس بعضهم من بعض، حافظوا على الودّ، وتجنّبوا الإيذاء، وحَسُن بينهم العِشرة.

والحياء يجعل الكلمة أحلى، والصوت أخفض، والمجلس أكثر رحمة.الحياء هو الذي يعصم اللسان من البذاءة، واليد من الأذى، والقلب من القسوة.

وثمار الحياء عظيمة كلها ليس على الإنسان فقط، بل على حياته وآخرته معًا.فالحياء سببٌ لاستقامة السلوك، والاستقامة سبيل الفلاح في الدنيا والآخرة..ولا يُرزق الإنسان البركة إلا إذا زُيّن بحياءٍ يجمّل فعله ويردع شرّه.

والحياء يوجب القبول للمرء، فالناس بطبعهم يحبون الحييّ، وينفرون من الجريء على القبيح.

فمن رزقه الله حياءً ألقى له محبة في القلوب، وهي من أعظم نِعم الحياة.

والحياء يوجب يسر الطاعات، فالحياء من الله يجعل الطاعة سهلة، والمعصية ثقيلة.

ومن استحيا من الله في خلواته، رزقه الله التوفيق في جهره وسرّه.

والحياء يوجب النجاة يوم القيامة يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، ينجو من استحيا من ربّه، وصان نفسه عن الفواحش.و”من استحيا في الدنيا من معصية الله، استحيا الله منه يوم القيامة.”

ومن فَقَدَ الحياء فقد أبواب الخير كلها، ومن وُفّق إليه فقد فُتح له بابٌ من أبواب الجنة.

وبعد كل ما ذكرناه من ثمار الحياء يكفيك، أن الحياء من موجبات محبة الله عز وجل، فكلما تمكن الحياء من الله في القلب، اشتدت المحبة، واشتد معها الرجاء والخشية، وفي ذلك تمام الفضل والفتح والمنّة.

وها هنا وصف يُغبط عليه الصحابي الجليل ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، إذ قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبا عائشة رضي الله عنه وهي تستفسر عن سبب جلوس النبي صلى الله عليه وسلم وتسويته ثيابه صلى الله عليه وسلم حين استأذن عليه عثمان رضي الله عنه فقال: “ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة”.

رجل تستحي منه الملائكة! فأي وصف هذا وأي مرتبة!

فاللهم ارزقنا حياءً يُجمّل نفوسنا، ويزكّي أعمالنا، ويجعلنا أهلًا لرحمتك في الدنيا والآخرة.

لماذا علينا إعلاء صوت الحياء اليوم؟

لأن الحديث عن الحياء اليوم لم يعد ترفًا وعظيًا، ولا خُلقًا يُذكر على سبيل التجميل وكفى، بل أصبح ضرورة مُلحّة تفرضها طبيعة العصر وتقلبات الواقع، وما يشهده المجتمع من تغيّر في المعايير والقيم. ففي زمن كثرت فيه عوامل كشف المستور، وتجرّأت فيه النفوس على ما كان يُستحيا منه، وتزعزعت فيه الحدود الفطرية بين الجميل والقبيح واختل فيه ميزان الذوق، يبرز خُلُق الحياء كـسياج يحمي القلب، وميزان يضبط السلوك.

نتحدث عن الحياء اليوم لأن غيابه لم يعد حالة فردية، بل ظاهرة تُهدّد الأسرة، وتجرح الذوق العام، وتطمس نور الإيمان في النفوس. ولأن الحياء ليس مجرد خُلق ثانوي، بل أصل من أصول الإيمان، فإن إحياءه وتجديد معانيه بات خطوة ضرورية لإحياء القلوب، وتقويم الأخلاق، وتحقيق العبودية لله تعالى في زمن كثرت فيه الفتن وتزاحمت فيه المغريات.  ولا شك أن تثبيت أصل الحياء في القلب يعني أن كل استجابة بعد ذلك لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ستكون هي الأرجى. أما إهمال الحياء فيوجب ضعف الاستجابة وتعثر الجهود والآمال.

واستعادة أثر الحياء المبارك في حياتنا وحياة أبنائنا وبناتنا لهو من الانتصارات التي نثمّنها ونقدرها، ونستبشر بها.

كيف يتجلى الحياء في حياة المرأة المسلمة؟

يتجلى الحياء في حياة المسلمة في أول الأمر في طريقة لباسها وزينتها حين تخرج: فالمتبرجة تفتقد للحياء، والمحافظة على لباسها الشرعي قد حققت أول استجابة حيية، إن أخلصتها لربها، نعمت بموجباتها وفضائلها. ثم تظهر صفة الحياء في المرأة في طريقة الكلام، وصوت المرأة ليس عورة، لكن له أدب.والحيية لا يعلو صوتها مسترجلا. ولا يرتفع بين الرجال متحديا. ولا تتحدث في كل وقت ومع أي كان، بل تلزم نفسها بالانضباط، فتتحدث مع الأجانب عند الضرروة وبدون خضوع في القول، ومع الأقارب بأدب ووقار يجلب التقدير والاحترام.

ثم الحياء في العالم الرقمي والذي يتجلى في حدود الظهور، والتعليق، والمحتوى، والصور التي تنشر. كلما كانت تقية حيية، ظهرت صفحتها بوقار وهيبة تُعرف بها فتُحترم. أما التعليق وكأنها في بيتها، ونشر المحتوى الذي يكشف سترها، فلا تفعلها حيية! والتمادي في ذلك بلا شك يهدم شيئا في قلبها ويحرفها عن الاستقامة، وهل تبدأ الانحرافات إلا من دقائقها ومن الاستهانة بها!

ثم الحياء في التعاملات، كيف تتعامل المرأة مع مختلف الناس، القريب والبعيد، الكبير والصغير. هل جعلت دستور تعاملاتها ما يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ بإيفاء مقامات الحق حقها؟. فلا تعامل الأجنبي عنها كمحرم، ولا تتعامل في الشارع والخارج كما تتعامل داخل غرفتها وبيتها. فلكل مقام مقال ولكل مقام حياؤه.

واليوم ومع الانفتاح الإعلامي الذي تعيشه الأمة، انحدرت مستويات الحياء بشكل لم يسبق له مثيل، وأضحى تمييز الحيية، يدخل بهجة وسرورا، وكأننا عثرنا على كنز نرجو حفظه وحمايته فندعو لها من صميم القلب!

لماذا انحدرت مستويات الحياء في زماننا؟

لقد تداخلت عدة عوامل وأسباب في تشويه مفهوم الحياء وتهميشه بل ومحاربته، نلخصها في نقاط:

أولا: تغير المفاهيم وانتشار ثقافة الجرأة بلا ضوابط

ففي زمنٍ تتسارع فيه المتغيرات، شهدت المجتمعات انقلابًا واسعًا في المفاهيم، حتى أصبحت بعض المعاني التي كانت تُعد منقبة وخلقًا رفيعًا كالحياء والستر تُقدّم اليوم في صورة ضعف أو تردد أو هشاشة نفس. وفي المقابل، رُوِّج لثقافة جديدة تقوم على “الجرأة” و”كسر التقاليد” و”التعبير بلا قيود”، حتى تجاوزت حدود الحرية إلى تطبيع الوقاحة، وتقديم التمرد الأخلاقي باعتباره شجاعة، والانفلات السلوكي باعتباره قوة شخصية.

هذه الثقافة التي لها سلطة (سلطة ثقافة غالبة) تُشجع على قول كل شيء، وإظهار كل شيء، والتجرؤ على كل شيء -دون ضابط من دين أو فطرة أو حياء- مما أسهم في تعرية القلوب قبل الأجساد، وفي تجريد السلوك من رقابته الداخلية التي كان الحياء يصنعها. فأصبح من السهل على الإنسان أن يعبث بالكلمات، ويهتك الخصوصيات، ويشارك ما يُستحيا منه، لأن المجتمع من حوله لم يعد يُنكِر، بل ربما يُصفّق ويُشجّع.

وهكذا تُغيّر المفاهيم حين يضعف نور الإيمان وتختلّ الموازين، فيُقلب المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، ويصبح المجاهر بالقبيح “شجاعًا”، والحَيِيّ المتأدّب “متخلّفًا”. وما لم يُستردّ معنى الحياء في النفوس، فسنظل نرى من الجرأة ما يجرح الفطرة، ويفسد الذوق، ويُعطّل جمال الأخلاق الذي أراد الله لهذه الأمة أن تتحلّى به.

ثانيا: الضغوط الاجتماعية والإعلامية التي تُضعف خلق الحياء لدى النساء والفتيات

لم تعد المرأة والفتاة اليوم تواجه تحديات فردية صغيرة في الحفاظ على حيائها؛ بل أصبحت تعيش وسط ضغوط اجتماعية وإعلامية هائلة تسعى – بوعي أو بغير وعي – إلى نزع هذا الخلق من قلبها رويدًا رويدًا. فوسائل الإعلام الحديثة، ومنصات التواصل، وبرامج ما يسمى «المؤثرين»، كلها تُعيد تشكيل الذوق العام، وتفرض نماذج جديدة للسلوك الأنثوي تُقدَّم على أنها “حداثة” و“تحرر” و“ثقة بالنفس”، بينما هي في حقيقتها انفلات من الضوابط، وكسر لحاجز الحياء الفطري الذي هو زينة المرأة ووقارها.

تُمارس هذه المنصات ضغطًا غير مباشر على الفتاة، حين تربط القبول والنجاح والإعجاب بنمط معين من الظهور واللباس والكلام، حتى تجد الفتاة نفسها في صراع داخلي:بين فطرتها التي تدعوها إلى الستر والوقار، وبين مجتمع رقمي لا يُعطي الاهتمام إلا لمن تكشف وحمل جرأة الظهور بلا حرج.

ويزيد الأمر تعقيدًا ما تراه الفتاة من تشجيع المجتمع المحيط لبعض المظاهر الخادشة للحياء، والاستخفاف بمن تلتزم بالقيم أو تختار العفاف، مما يشعرها أنها “غريبة” أو “متشددة” أو “خجولة أكثر من اللازم”، في حين أن الحياء هو معيار الرقي الحقيقي.

إن هذه الضغوط المتراكمة تُضعف الحياء في القلوب شيئًا فشيئًا، وتُجرّئ الفتاة على ما لم تكن لتفعله لولا هذا السيل الإعلامي الجارف. ولهذا كان من واجب الأسرة والبيئة الصالحة أن تُعيد بناء الثقة، وتُحصّن الفتيات بالقيم الصحيحة، لتبقى معاني الحياء ثابتة مهما تغيّر العالم من حولهن.عالم يتسابق فيه الناس على الوقاحة والسفاهة وما حط من اهتمام وذوق..!

ثالثا: اللباس، الكلام، الظهور، المحتوى الرقمي… وتأثيراته على خلق الحياء

لم يعد الحياء اليوم يُنازع في زاوية صغيرة من السلوك، بل أصبح مهددًا في مساحات واسعة تتداخل مع حياة الفتاة وتأثيرها اليومي، في اللباس، والكلام، والظهور، والمحتوى الرقمي.فاللباس لم يعد يعكس ذوقًا شخصيًا فحسب، بل أصبح معيارًا تُقاس به “الجرأة” و“التحرر”، وتُفرض فيه صيحات تتعمد نزع الحياء الفطري، حتى غدا الستر يُصوَّر وكأنه تخلف أو نقص ثقة، والعري “صيحة موضة” للأنيقات! بينما الحقيقة أن الستر هو تاج الحياء، وزينته، وصيانته.

أما الكلام، فقد تحول في كثير من البيئات إلى مساحة للتجاوز، حيث تُشجَّع الفتاة على الحديث بلا ضوابط، وبلا خجل، وباستخدام عبارات لا تليق بمؤمنة ولا تُناسب طهر القلوب. نرى فتيات شابات يكتبن عبارات شتم وفحش قول في التواصل يندى لها الجبين!! وردود سامة ولئيمة ووقحة وقليلة حياء بإشارات لا تليق أبدًا أن تصدر من المرأة المسلمة، تحت ستار الدفاع عن حق أو نصرة من تحب وتهوى أو تصحيح ما تعتقده خطأ! فإنا لله وإنا إليه راجعون، إلى أين تنحدر النساء وكيف وُئِدَ الحياء في قلوبهن؟!

ومع تكرار هذا التساهل والتفلت، تفقد النفس حساسيتها، ويبهت نور الحياء شيئًا فشيئًا.

وكذلك الظهور العام – خاصة عبر منصات التواصل- غدا بابًا واسعًا للتكلف في عرض الذات، والمبالغة في إظهار التفاصيل الشخصية، والبحث عن الإعجاب والتفاعل. وكلما زاد الظهور المفتعل، قلّ الحياء، لأن الحياء يقوم على حب الخفاء، وصيانة الخصوصية، وانقباض النفس عن المباهاة.

ثم يأتي المحتوى الرقمي ليكون أخطر المؤثرات؛ فهو يفتح الباب على ثقافة مغايرة، ونماذج تُطبع بلا توقف، وصور ومقاطع تُجرّئ القلب وتُميت الرقابة الداخلية. ومع التكرار يعتاد القلب ما كان يُستحيا منه، فإذا بالفتاة تنظر للمنكر بعين العادي، وللمستقبح بعين “الطبيعي”.وهنا مكمن الخطر الحقيقي، فلا تستجيب الفتاة لحقيقة الوصف، ولا تستوعب فداحة المنكر، فهو في مساحة فهمها، مقبول بل منقبة يُشاد بها ويُتسابق عليها..!

وكل هذا لم تنجو منه ساحة التربية فمقاييس التربية تأثرت جميعها بما يعيشه الناس تحت سلطة الثقافة الغالبة المحاربة للحياء، وأُهمل الحياء في تربية الأبناء والبنات أو همّش إلى درجة تحرم المرء فضائله وثماره، وأصبحت الفتاة لا تلبس الحجاب حتى تصل سن البلوغ في أحسن الأحوال –هذا إن لبسته أساسا-، أما في صغرها فلتبس القصير وتكشف المستور، على أنه “موضة” غربية منتشرة، وتخرج للأسواق رفقة أمها فتحكي هذا وترد على هذا وتجادل هذا وتضحك مع هذا وجميعهم أجانب غرباء وكأنهم محارم، وتدرس في مدراس مختلطة فتستأنس بهذا الزميل وتلعب مع هذا الصديق، ويلمسها هذا الولد ويدفعها ذاك الولد، وتكبر الفتاة منبسطة مع الذكور وتستحضر ذكرياتها التي يتخللها تعلق ومشاعر “حب” و”انجذاب”، تكتشفها لأول مرة في حياتها، لتنجر إلى دائرة تيه وعبث! وتبكي حسرة بين ظلام الجدران! فلم يخبرها أحد أن عليها حفظ حدودها وحيائها مبكرا، بل على العكس من ذلك، أخبرتها الأفلام والرسوم والثقافة المستوردة، أن الانفتاح تقدم والانبساط مع الذكور سعادة وتحرر!

ثم نأتي لها في سن البلوغ ونقول عليك الالتزام الآن؟ فكيف تلتزم الفتاة التي انغمست في كل ما يذهب هيبة الحياء في نفسها، وتربت على الانبساط في اختلاط، إن لم يكن يساعدها في ذلك تصحيح شامل وثورة كاملة تنتفض على سلطة ثقافة مفسدة! لذلك يجب وبعناية فائقة تربية الأبناء والبنات على الحياء مبكرًا وتوضيح حدود التعامل بين الجنسين منذ سنّ صغيرة، تعتادها الفتاة وتعتاد معها ستر نفسها وتقدير هذا الستر وتعظيمه في حياتها!

إن هذه العناصر المؤثرة بشدة في الفتاة: اللباس، الكلام، الظهور، والمحتوى الرقمي، أضحت تشكل بيئة كاملة تُعيد بناء خُلق الفتاة من الداخل. فإذا لم تكن هناك تربية واعية، وإيمان حيّ، وتزكية مستمرة، فإن أثرها على الحياء سيكون عميقًا، وقد ينزع من القلب ما لا تعيده إلا صحوة إيمانية صادقة.

ومع ارتفاع صوت النسوية المتشنج المريض، أصبحت هذه الأدوات في يد النسويات وسيلة لتضليل النساء والفتيات وحصد المزيد من الساذجات في شباكهن، ويرتفع مع ذلك الجحود وقلة الحياء وضعف الخشية وسوء الأدب وطبع الاسترجال، وتنسلخ الفتاة لتقدم نموذجا بائسا من التفلت والانحراف، ينتهي غالبا لأقبح الخواتيم ما لم تتب لله عز وجل.

هل الحياء ضعف أم قوة؟

والملاحظ في دعاوى النسوية البائسة يجدها تركز على تحقير خلق الحياء وتصويره هشاشة وذلّة وضعف شخصية وعجز عن المواجهة، يجب كسره أول ما يكون للانحياز للفكر النسوي!

بينما الحقيقة أن الحياء قوة داخلية عظيمة، وقيمة إيمانية راسخة، وهوية تميز المسلم والمسلمة عن غيرهما. فالحياء استعلاء بالإيمان في جوهره، يُنشئ في القلب رقابة ذاتية تمنع صاحبه من السقوط في الدنايا، والانجرار للتيارات المنحرفة، وتضبط سلوكه دون حاجة إلى عين رقيب أو سلطة قانون، وهذه أعلى درجات القوة الإنسانية.

إن ضعيف النفس هو الذي ينساق مع الشهوة، ويجاهر بالقبيح، ويتجرأ على حدود الله تعالى؛ أما صاحب الحياء فهو الذي يملك نفسه عند مواضع الانفلات، ويقف ثابتًا أمام إغراءات لا يثبت أمامها إلا من أوتي قلبًا حيًا.

والحياء هوية؛ لأنه يُظهر جمال الشخصية المؤمنة، ورصانتها، ورقيّها. وهو الذي يكسو المرأة وقارًا وهيبة، ويزيد الرجل مهابة واحترامًا، ويمنح السلوك معنى التعفف والسمو.

بل إن أعظم الناس -الأنبياء عليهم السلام- كانوا أكثر الناس حياء، وما كان حياؤهم ضعفًا، بل كان كمالًا في القوة، وكمالًا في الإيمان، وكمالًا في إنسانيتهم ودينهم على حدٍ سواء.

وحين يختار الإنسان أن يكون حييًا، فهو في الحقيقة يختار طريق العفاف، ويثبت هويته أمام موجات الانفلات، ويُعلن أن له قيمًا لا يساوم عليها. وذاك هو معنى الاستعلاء بالإيمان، ولهذا قال النبي ﷺ: «الحياء لا يأتي إلا بخير»، لأنه باب الخير كله، وسبب لحفظ المروءة، ومانع من التورط في الذنوب التي تجرّح القلب وتُطفئ نوره.

فالحياء إذًا ليس هشاشة ولا ضعفًا؛ بل هو قوة الإيمان، وهيبة النفس، وعلامة أصالة الفطرة.لكن النسويات لا يعلمن ولا يردن لأنفسهن التعلم! فكن سبايا الغرب في ديار المسلمين!

كيف نربي أنفسنا وبناتنا على الحياء؟

البداية من أنفسنا، فلا يمكننا أن نغرس في بناتنا ما لم نغرسه أولًا في أنفسنا. فالتربية ليست أوامر تُلقى، بل قدوة تُرى. وأعظم ما يزرع الحياء في القلب أن تكون النفس على يقين أن الله يراها فتستحضر مراقبة الله لها،.قال نبيُّنا ﷺ: “استحيوا من الله حق الحياء. فقالوا: يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله، قال: ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى ولتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء” رواه الترمذي.

فالحياء يبدأ من الخلوات، من تلك اللحظات التي لا يرانا فيها أحد إلا الله عز وجل.فهي الأرجى لتمكين الحياء في قلوبنا. ثم ملازمة الطاعة وترك الذنوبفالمعصية تطفئ نار الحياء شيئًا فشيئًا، والطاعة تنفخ فيه نورًا.و”من قلّ حياؤه قلّ ورعه.”فكل خطوة نخطوها نحو الطاعة، تزيد في قلوبنا رصيد الحياء.

ثم مراقبة اللسان والبصر فأكثر ما يجرح الحياء لسانٌ يطلق ما لا ينبغي، وبصرٌ يطالع ما يُطفئ نور القلب.وحفظهما بابٌ عظيم لتربية النفس على الحياء، لأن الجوارح أتباعٌ للقلب.

ثم صحبة أهل الحياء فالعيش بين أصحاب الوجوه النقية يزرع في القلب وقارًا، ويُعلّم النفس الأدب.و”مجالسة الصالحين تُصلح القلب.”والصاحب يؤثر ولا بد وقليل الحياء يعدي!

وتربية البنات على الحياء، يجب أن تبدأ من غرس خلق الحياء منذ الطفولة، ويكون ذلك للفتاة بتعليمها الستر وغض البصر منذ صغرها، لتكبر في نفسها حرمات تعظّمها.يجب أن نعلمها أن الحياء ليس خوفًا، ولا ضعفًا، بل قوةٌ تُكسِبها مهابة.ولا يمكن أن نطلب من البنت الحياء ونحن نفتح أمامها أبواب التبرج والجسارة والجرأة على القبيح.لذلك من المهم أن ترى أمها محتشمةً في لباسها، رصينةً في كلامها، وفيةً لوقارها… فتتشبّه بها دون أن تُكلَّف.علينا أن نعلّمها كيف تختار كلماتها، وألّا تُعلّق بصوتٍ مرتفع، وألّا تتساهل في الضحك العالي أو الهزل المبتذل أمام الناس.فالحياء يظهر أول ما يظهر في اللسان والصوت.علينا أن نضعها في بيئة صديقة للحياءنشجعها على صحبة البنات الملتزمات، ونبعدها عن المؤثرات التي تُسقط الحياء:لنحمي بصرها ونصنع وعيها ضدمحتوى العري والتفاهة والوقاحة، ونضع لها مسافة مع الفتيات الجريئات، ونبعدها عما يضعف فيها الرقابة، وعن كل قدوات تخلو من الوقار.فالبيئة الصالحة نصف التربية. ولا نكتفي بوسط نقي بل يجب أن يرافقه صناعة وعي كافٍ للتصدي للخبث والمنكر ودفع الأذى عن أنفسهن. فإن حصل وفتحت للفتاة نافذة سوء، أدركت أنه سوء، ودفعته باستعلاء بالإيمان لم تسمح لنفسها أن تنجر أو تنحدر.

عَرَفتُ الشَرَّ لا لِلشَر  رِ لَكِن لِتَوَقّيهِ

وَمَن لَم يَعرِفِ الشَرَّ مِنَ الخَيرِ يَقَع فيهِ

يجب علينا تعليمها فقه الحياء فنعلمها أن الحياء ليس انكماشًا ولا عقدة، بل خلقٌ شرعي له مراتب وحدود. وأنالحياء من الله عز وجل يعني: أن لا يراك حيث نهاك.

وأن الحياء من الناس يعني: ألا يرى الناس منك قبيحًا.
وأن الحياء من النفس يعني: ألا تهينيها بالمعصية.

وهذا فقهٌ يحتاج علمًا وتوجيهًا، وصبرا ومتابعة.

علينا تعظيم الحجاب في قلبها قبل جسدها فنغرس فيها أن الحجاب ليس مجرد ثوب، بل عبادة وهيبة واستجابة لله عز وجل، الحجاب امتدادٌ لحياء القلب، ولباسُ تقوى قبل أن يكون لباس قماش. وأن نفهمها فداحة الخضوع بالقول لمريض قلب وأهمية ضبط تصرفاتها مع الذكور، وأن لا تنبسط وتختلط مع الأولاد، خاصة في السن التي تسبق البلوغ، فهذه السن خطيرة وكثيرًا ما يغفل عنها الآباء والأمهات، وكم من المصائب وقعت في هذه السن لغفلة الأسر، فتيات وقعن بين أيدي المجرمين المحتالين لصوص الأعراض، وكتمن في أنفسهن خشية العار، وكبرت الجريمة في قلوبهن وحرمن حياة آمنة لسنوات طويلة، لا يعلم حالهن إلا الله عز وجل! كل ذلك بدأ بإهمال ضوابط التعامل مع الأولاد والرجال الأجانب، فكانت الفتاة فريسة سهلة جدًا في يد ثعلب خبيث لا يستحي من الله عز وجل! لا نريد لمثل هذه الحالات أن تتكرر والبداية بتحصين الفتاة وحمايتها من شرور العباد.

لنشعر الفتاة بقيمة نفسهافالابنةالتي تعرف قيمتها تكون أصعب على الانكسار، وأبعد عن التنازل.أنتِ كريمة فلا ترخصي نفسك.أنتِ نفيسة فصوني نفسك، أنت درة وأمل، فلا تطفئي نورك بيدك!.

حين نربّي أنفسنا وبناتنا على الحياء، نؤدي الأمانة في إنشاء بناتٌ عفيفات ثابتات على الطريق، بين طهارة القلب وعزة الإيمان.ونمدّهن بأسباب الثبات مجاهدات مجتهدات مرابطات صابرات، موقنات! ونحن بذلك نؤمّن خامة فاخرة لأمهات المستقبل!

تربية الحياء هي مشروع حياة، يبدأ من النفس، ثم يسري إلى الأبناء، ثم يزهر في المجتمع.

وما دام الحياء قائمًا في القلوب، فإن الخير لن ينقطع، والشرّ لن يجد سبيله، والفتنة لن تتجذّر. فاللهم ازرع في قلوبنا وقلوب بناتنا حياءً يليق بكرامة هذا الدين، ويجعلنا أهلًا لنورك وهدايتك.

كيف تقيّمين حياءك؟

أول امتحان للحياء يبدأ من “النظر”: اسألي نفسك: هل تغضين بصرك حقًا؟

تمرّ المرأة كل يوم بمشاهد لا تليق… سواء عند خروجها في الطريق، أو أثناء تصفحها على الشبكة، إعلانات، مقاطع، حسابات، لقطات مفاجئة.لحظة النظر الأولى ليست اختبارك؛ لكن الاختبار الحقيقي هو الثانية.فإذا وقع بصرك على ما لا يرضي الله تعالى، فابعديه فورًا وتجاوزيه بحزم، وكرّري داخلك: “اللهم حياء منك.”

ثم الامتحان الثاني: “الكلمة”: هل تملكين لسانك؟ أحيانًا يُستفزّ قلبك، أو تسمعين شيئًا يسوؤك، أو تنفتح مساحة الكلام أمامك.فالحياء يظهر في اختيار نبرة الصوت، وطريقة الردّ، وحدود هذا الرد سواء للدفاع عن النفس أو للتفاعل والمزاح.قبل أن تردّي، خذي ثانية صمت، ثم اسألي نفسك: “هل يليق بي هذه الكلمة؟ هل تزيدني وقارًا أم تنقص مني؟”.

لا تستعجلي الكلام أبدًا، لأن الكلام المضبوط يمنحك مهابة، وكان بعض الحكماء يقول: الكلمة ملكك ما لم تخرج من لسانك فإن خرجت فهي ملك من أمامك! ويكفيك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :” وهل يكبّ الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم”. رواه الترمذي.

ثم الامتحان الثالث، “اللباس”: هل تختارين ما يستر أم ما يلفت؟

المرأة تختبر كل خروج أمام المرآة. فاللباس بيانٌ مكتوب عن أخلاقك.:اسألي نفسك قبل الخروج:”هل أظهر بهذه الهيئة أمام رسول الله ﷺ؟ هل في ثيابي ما يُرخي حيائي أو يرفعه؟”

وحين تصبح نيتك لله تعالى، يتحول اللباس من عادة إلى عبادة، ومن مجرد ستْر إلى حياء.

ثم امتحان رابع: “الاختلاط والظهور”، كيف تتصرّفين في حضور الرجال؟

ليست القضية في وجود الرجال وإن كان الأحرى بالنساء الابتعاد عن مكان الاختلاط بالرجال، وقد تضطر المرأة لدخول مكان فيه الرجال، لذلك من المهم جدًا أن تنظر في كيفية مشيها وطريقة كلامها ودرجة احتشامها، فتقتدي بابنة شعيب فتاة مدين رضي الله عنها.

ثم الأمر نفسه في حضورها الرقمي: ماذا تعرض في حسابها؟ صورها… صوتها… خصوصياتها.

فاجعلي لنفسك قاعدة حكيمة تقية:”أظهر بقدر الحاجة… وأختفي بقدر الحياء.”فيصبح حضورك تقيا، لا فجور فيه ولا تصنّع، وإنما وقارٌ يُذكّر بالله عزّ وجل.

اليوم صارت صفحات التواصل مرآة حيائنا.فماذا تنشرين؟ ماذا تصورين؟ ما الذي تكتبينه للعالم؟ هل تنشرين أبيات غزل ووصف لجمال المرأة؟ هل تكتبين كلمات العشاق في عشيقاتهن؟ هل تتغزلين في شخصية تعجبك؟ هل تعبرين عن حاجتك للزواج وتوصيات للرجال للنظر إلى أمثالك؟ هل تعجبين بصورة شاب ينشرها على حسابه، هل تراسلين شابا تعجبك قناته وتراودينه عن نفسه بطريقة ما، بغض النظر عن مبرراتك!! انتبهي، الله يراك! فلا تتفاعلي إلا بسؤال نفسك: هل يرضى الله عن هذا؟ هل يزيدني سترًا أم يُنقصه؟ اجعلي حسابك شاهدا لك، لا عليك.

ثم امتحان خامس: “الاستحياء من السؤال”، هل يمنعك الحياء من الحق أم يدعوم إلى الحق؟ قد تحتاج الفتاة لسؤالٍ فقهي، أو استشارة، أو مساعدة…أحيانًا يمنعها الخجل، فتخسر خيرًا كثيرًا.وتبقى في جهل وغلط، لضعف الحياء في نفسها في مقام حق.

فعليك أن تميّزي بين الحياء المحمود الذي يمنع من المعصية والحياء المذموم الذي يمنع من العلم.

والله لا يستحيي من الحق، فلم أستحيي أنا منه؟. وهذا لا يعني التمادي بل يعني أن نسأل في ستر ونبحث في المكان الصحيح. وبأدب السائلة.

ثم امتحان سادس: “الجلوس والهيئة”، كيف تجلسين؟ كيف تتحركين؟ كيف تضحكين؟

هذه التفاصيل الصغيرة تحدّد مستوى الحياء فهو يظهر عفوًا وبلا تكلف.فراقبي حركاتك واحرصي على الرصانة والاتزان والوقار والهدوء. كوني أنثى حيية بلا صخب ولا مُبالغة.

امتحان سابع مهم: موقف “الغضب”، هل يبقى حياؤك عندما يهيج غضبك؟ وينكشف به سترك! فالغضب يفضح النفس…فإن بقي الحياء حين تشتعل الكلمات والأنفاس، فاعلمي أنك بلغتِ مرتبة عالية.واحذري أن تتحولي من امرأة تُستفزّ بسهولة إلى امرأة ذات سيادة على نفسها.

امتحان ثامن: موقف “الوحدة”، من أنتِ حين لا يراك أحد؟ من أنت في خلواتك!

هذا أعظم اختبار…فالحياء الحقيقي يتجلّى في الخلوات.هل تستحيين من الله كما تستحين من الناس؟

الحياء اليوم يا أمة الله، امتحانٌ يومي… ونجاحك فيه يصنعك أمة لله، عزيزة بدينها، حيية أبية تقية. وبقدر صدقك في هذه اللحظات الصغيرة، يرفع الله قدرك، ويُجمّل صورتك، ويجعل نورك ظاهرًا في أخلاقك وملامحك وعفتك.

وخذيها قاعدة، من استحت من ربها واتقته سبحانه، قذف الله حبها في قلوب المؤمنين والمؤمنات! فاللهم ارزق نساءنا وبناتنا حياءً يرضيك، ويصونهن، ويجعل في قلوبهن نورًا ووقارًا وسكينة.

خوارم المروءة .. خوارم الحياء

كان السابقون يترفعون بأنفسهم عن خوارم المروءة واليوم يتواصى الناس بخوارم المروءة وخوارم الحياء. ونعم، فكما أن للمروءة خوارم، للحياء خوارم تسري في التفاصيل الصغيرة، حتى إذا تراكمت هدمت في النفس أبهى ما فيها من الطهر.

ومن أكبر خوارم الحياء فقد المرأة الحياء من ربها أن لا تستحيي من الله في خلواتها.

قد تستحيي من الناس، من الأهل، من المجتمع…ولكن الحياء الحقيقي أن تستحيي من الله حين لا يراك أحد.وإن انكسرت حرمة الخلوة…انكسر كل شيء بعدها.

ومن استرسل لا يلومن إلا نفسه، فالتواب يحبه الله والمعاند يفضحه الله.

ومن خوارم الحياء إطلاق البصر، فالنظر سهم وأول خرم في جدار الحياء أن يطلق الإنسان بصره حيث يشاء.ومع كل نظرةٍ محرمة ينقص من القلب شيء، ويبهت نور كان يشرق فيه.

وكلما انهار حياء البصر…انهار حياء القلب، ثم تبعه حياء الجوارح.

ومن خوارم الحياء: الجرأة في الكلام والكلام بابُ الفضائل وبابُ الفضائح، والحياء يتجلى أول ما يتجلى في اللسان:في نبرة الصوت، واختيار المفردة، وحدود المزاح.وأول خرمٍ للحياء:كلمةٌ فاحشة، أو ضحكةٌ عالية، أو تعليق جريء في مكان عام، أو نقاش ينزلق إلى ما لا يليق.والكلام الفاحش الذي يسري اليوم في التواصل باستهانة، لا يلوّث الأذن فقط بل يترك على ندبةً لا تمحى ويهدم شيئا في النفس لا يسترجع إلا بعناء ومجاهدة.

ومن خوارم الحياء: خفة الستر وخفة الهيئة حين تنكسر هيبة الحجاب أو يرقّ الستر، ينكشف من المرأة ما أراد الله له أن يُصان.وكل خطوة في سبيل لفت الأنظار هي خطوة في هدم عمود الحياء.فالقضية في  مفهوم الستر الذي يُنبت في القلب رأس مال المرأة ووقارها.والحياء ليس أن تغطي جسدك فقط، بل أن تخفي فتنتك وصوتك وعطرك وتلجمي رغبة النفس في الظهور ولفت الانتباه.

من خوارم الحياء: التوسع في الاختلاط والأنس بالرجال، فكثرة المخالطة تُضعف الحياء بالتدريج.تبدأ المرأة متحفّظة، ثم تلين، ثم تتوسع، ثم يضمحل الفارق بين الجائز والمستقبح.

فعلى أمة الله أن تحفظ مسافةً لله، مسافة تجعل حضورها مضبوطًا، وحديثها موزونًا، وخطواتها محكومة.قال تعالى:﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [ الأحزاب: 32] ﴾ لأن الخضوع في اللسان أول أبواب الخلل في الحياء.ولأن مرضى القلوب كثير!

ومن خوارم الحياء: الاسترسال مع الهوى والشهوة وكل معصيةٍ تُضعف الحياء وفي مقدمتها الموسيقى والغناء الفاحش، ومن يفتح باب الشهوة على نفسه كمن يفتح نافذة للريح العاصفة؛ تهدم كل ما بُني على مهل.وهكذا كلما استهانت المرأة بالمعاصي، بدأ الحياء يفارق القلب شيئًا فشيئًا، حتى يصير الذنب هينًا، ثم مألوفًا، ثم محبوبًا.و”من لم يستحِ من المعصية لم يستحِ من الله.”

ومن خوارم الحياء: نشر الخصوصيات وإظهار ما ينبغي ستره كمجاهرة المرأة بأسرار بيتها، أو تصوير تفاصيل حياتها، أو نشر يومياتها بلا ضوابط وصورها وصور غيرها من النساء، أو نشر ثناء الناس عليها ومدح البعض لجمالها وتفاصيلها المستورة، كل هذا خرمٌ من خوارم الحياء التي عمّت في زمن التصوير.لم يكن السلف يعرفون هذا الامتحان، لكنهم قالوا:”من قلّ حياؤه كثر كشفه.”

واليوم صارت الصور والأصوات واللقطات تكشف ما كان ينبغي أن يبقى مستورًا.وبعض الحسابات لا يدخلها المرء إلا ليخرج منها مستعيذًا بالله تعالى من قلة حياء صاحبتها والله المستعان.

ومن خوارم الحياء: الانبساط الزائد مع الغريب بالابتسامة، بالحركة، بالتعليق، بالردّ اللطيف…كلها إذا خرجت عن حدودها تحولت من أدب إلى انكشاف.والمرأة تعرف قدر نفسها إذا ضبطت طريقتها في الظهور.فليس كل لينٍ مقبول، وليس كل أنسٍ مباح.قال ﷺ:”المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان” أي جعلها هدفًا للفتنة ما لم تتمسك بالحياء.

ومن خوارم الحياء الاستهانة بالذنوب الصغيرة، فالحياء لا يضيع دفعة واحدة؛ بل يبدأ بذنبٍ صغير، نظرة، كلمة، لقطة، محادثة، خطوة…حتى يعتاد القلب ما كان يستثقله.و”المعاصي بريد بعضها إلى بعض.”وكل بريدٍ يفتح بابًا جديدًا من خوارم الحياء.

ومن خوارم الحياء: إظهار القوة على حساب الأنوثة، فبعض النساء تظن أن الجرأة قوة، وأن الحياء ضعف.والحقيقة أن الحياء أعلى درجات القوة؛ ويمنح المرأة مهابةً لا يمنحها الصوت المرتفع ولا الجرأة الصاخبة.وإنّ من أعظم خرمٍ للحياء:أن تستبدل المرأة أنوثتها العفيفة بصلابة مصطنعة.فتتحول لمسترجلة سلفع لا ترعوي.

وما دام القلب يقظًا، خائفًا، راجيًا، مستحييًا من الله، فلن يستطيع شيء أن ينزع عنه ستره.

ولكن حين ينهزم القلب أمام شهوةٍ أو عادةٍ أو عدوى أو جراءة…يبدأ الحياء بالسقوط.

فاحفظي قلبك، فإن فيه باب الحياء، واحفظي حياءك، فإن فيه باب الخير كله.

مشاهدات عن نقض الحياء في واقعنا اليوم

لم يعد الحديث عن الحياء ترفًا في زمن تتسارع فيه المتغيرات وتتشكل فيه الذائقة العامة على وقع موجات متتابعة من الانفتاح غير المنضبط. ومع أن الحياء خُلُقٌ فطريٌّ تودعه الفطرة في النفوس قبل أن تتعلّمه من التجارب، إلا أنّ واقِعنا اليوم يشهد جملة من المظاهر التي تنقض هذا الخلق الشريف أو تضعف أثره، حتى غدا الاستحياء أو الثبات على المبدأ أمرًا مستغربًا، بينما المجاهرة بالقبيح أصبحت “عادية” لا تلفت النظر.وفي هذا المقام لابد لي أن أنقل مشاهدات حيّة، تُصوِّر شيئًا من هذا النقض، ليس على سبيل التشنيع، بل على سبيل التحذير والإصلاح.وهي مشاهدات عامة عن تراجع الحياء.

الأولى: جراءة في اللسان

توسّع الخطاب المنفلت، وصار السبّ والفحش والسخرية مادة يومية في النقاشات العامة والمنصّات الرقمية. قلَّ الورع في اللفظ، وضعفت مهابة الكلمة، وغاب الشعور بأن كل لفظ يُسجَّل ويُحاسَب عليه.وما أكثر ما ينتشر هذا الأمر بين حسابات النساء اليوم. قال تعالى ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ ق: 18]

الثانية: عرض خصوصيات الحياة بلا ضوابط

أصبحت الخصوصيات الأسرية، اللحظات الشخصية، وحتى الخلافات الزوجية مادةً منشورة على العام. تُنشر لتُرى، وتُرى لتثير إعجابًا أو شفقة، وكأن ستر النفس بات عبئًا، بينما كشفها صار “طبيعيًّا”.وكم من أسرار البيوت خرجت بلا حياء، وكم من الفساد أحدثته بجذب الذباب!

الثالثة: تطبيع التبرج، وتبرير التعري

لم يعد كشف الجسد عيبًا عند كثيرين؛ بل يعدّونه تعبيرًا عن الحرية. ومع ذلك فإن هذا “التمرد على الفطرة” يذهب بوقار الملامح وهيبة الأنثى، ويجعل جسدها مادة نظر مستهانة، بعد أن كان محل صون وحياء.واليوم كم من النساء يخرجن متبرجات وكم منهن يزدرين المتسترة العفيفة، وكم من الرجال ينزعج لرؤية منتقبة! وأما الحسابات للنساء اللاتي يظهرن صورهن متبرجات بلا حياء، وينشرن لقطات فحش وفجور، فلا تزال تضم أكبر عدد من المتابعين من أشباه الرجال! فنعوذ بالله من مجاهرة لا حياء فيها من الله تعالى. لقد رأيت نصرانيا يتمنى أن تلبس النساء كما تلبس مريم– عليها السلام – حجابا ساترا، وينكر على الغربيات لباسهن القصير والفاحش. ورأيت ممن ينتسب للإسلام، يعيب الحجاب ويسخر من النقاب! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الرابعة: التساهل في المزاح والخلوة والعلاقة بين الجنسين

من أبرز مشاهدات نقض الحياء: التطبيع مع التلامس، المزاح المتجاوز، والنظر غير المضبوط. وكل ذلك يجري تحت عنوان “العفوية”، بينما هو في حقيقته خَدْشٌ لسياج الحياء الذي يحرس القلوب قبل أن يحرس الحدود.وما يخفيه الخاص بالخلوة الإلكترونية لا يختلف خطرا. والذي لم يسلم منه إلا من رحم ربي. وإن لمس قلب الفتاة والمرأة لا يختلف عن لمس جسدها ففي كل اعتداء على عرض مسلمة بلا وجه حق! فليتق الله الرجال في أعراض المسلمين، ولتعف نفسها النساء والفتيات، فلا يطرقن أبواب الخلوات ولا يسمحن للرجال بالوصول إليهن فكيف بالتمادي!

الخامسة: تضخم تقدير المظاهر على حساب الجوهر

يُستحى اليوم من قول: “لا أفعل هذا لأنه لا يرضي الله”، بينما لا يُستحى من تقليد ما يفعله الجميع ولو كان منكرًا. انقلابٌ في الموازين، أصاب فيه الحياءُ موضعًا غير موضعه.وتلك من أشراط الساعة.

واقع الحياء في البيئة العلمية، ومشاهدات بين طالبات العلم

مع أنّ بيئة العلم يُفترض أن تكون أكثر البيئات محافظة على الحياء، إلا أن الواقع يُظهر تحديات خاصة تواجه طالبات العلم، منها:

أولا: التوسع في الظهور دون ضرورة

كثرة الظهور الرقمي الذي يحمل تفاصيل شخصية ويجذب بطريقة غير مباشرة، بنشر الصور، وتسجيل المقاطع، والتحديثات اليومية لأنفسهن… من أكثر ما تجيده بعض طالبات العلم، مع أن هذا الظهور لا يضيف شيئًا للعلم، بل أحيانًا يذهب بجلاله. بعض الطالبات تنشغل ببناء صورة شخصية أكثر من بناء علم راسخ.وبعضهن تتحايل على نفسها، فتنشر المزاح و”الدلع” مع صديقاتها على العام، ولا تجد بأسا من نشر تفاصيل خصوصياتها أو صورها بحجابها أو وهي طفلة “بريئة”، وكأنها تنادي الرجال على حسابها وتعتذر بقول: لم أكن أقصد ذلك! فإن التف حولها المغلظون والمعارضون، صاحت: لم الطعن في النوايا والأعراض؟

وهل يبرر حسن النوايا، انكباب الرجال على حسابات النساء بصورهن وتفاصيلهن والتمادي في وصف مشاعرهن الخاصة وإظهار “دلعهن” للعامة! أو ليس هذا معنى الخضوع بالقول؟! وكم من رجل فتن بفتاة ترفع لافتة طالبة علم وهي تفتنه بطريقة لا تليق ولا تحفظ للحياء هيبته! نعوذ بالله من تلبيسات إبليس.

ثانيا: التصدر قبل التحقق

من المفارقات، حياء العالمة بقول “لا أدري”، وخجل الطالبة من سؤال ما لا تفهمه؛ مقابل جرأة ضعيفة العلم على الإفتاء والشرح والبتّ في مدلهمات ومسائل عظيمة يحتار فيها العلماء. بل والجزم بجهل، في ما لا يصح! فضاع الحياء في موضعه، ووضِعَ في غير موضعه.وتسمع تبريرات يندى لها الجبين جهلا وتعالما، ومن تخطها لا تجد في ذلك أدنى حرج، فقد اغترت بلقب طالبة علم. وأضحى التعالم مسرح عرض وشهرة ومجادلة ومناكفة! ولا بأس لدى هذا الصنف “الطالب للعلم”، من المشاحنة والمخاصمة التي تدفع المرأة المتصدرة لخاص الرجال لسبهم وشتمهم وتعليمهم الأدب ونعتهم بالجهل!! ثم التظلم من الذكور وغلظة الرجال! فما هذا يا أمة الله، أي علم تدعينه وعلم بلا حياء جهل! لذلك لا يليق بطالبة العلم أن تقفز على تعلم الحياء والأدب، بل يجب أن تتعلمه قبل العلم. ومن صدقت، أفلحت وتزينت بأنوار العلم وفضائله الجليلة. أما المتسلقة، فظلمات وتعالم ونقض غزل.

ثالثا: المجاملة على حساب الحق

تستحي الطالبة من إنكار منكر، أو من لفت نظر أختها إلى خطأ ظاهر، خشية فقدان الودّ أو استعداء من تحب. فيغدو الحياء حاجزًا عن النصيحة، بدل أن يكون دافعًا للرفق والصدق.وعند هذا الصنف من النساء، كلما كان من وقع في منكر مقربا، كان مبجلا ومغفورا له. بل قد تصور هذا المنكر معروفا وتهوّن منه، وتدخل التحالفات الإعلامية لتهوين الحق وتشويشه ونصرة الباطل وتهوينه، فتأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف من حيث لا تدري! بينما لو كان في المقابل منكرا تراه عند خصم، فلا تتردد في إظهار شجاعة وقوة في إنكاره وتشنيع على من يهونه! وما أقبحه من فعل وازدواجية معايير تفتقد الحياء من الله عز وجل.

رابعا: التوسع في العلاقات غير المنضبطة

تتداخل العلاقات بين الطالبات وطلاب العلم اليوم عبر المنصّات؛ بالرسائل، والإعجابات، والتواصل غير الضروري… وكل ذلك يجري تحت عناوين “استشارة علمية” أو “مناقشة مسألة”، بينما هو خرق لسياج الحياء ولفتنة القلوب.وكم من قلوب تعلقت ونزفت في هذه الأثناء، وكم من قصص خيبات توارت في زحام. ومن اكتوت بهذه النار وأنهكها الندم، تعلم جيّدًا مما أحذّر.

خامسا: الحسد العلمي غير المحمود

تستحي بعض الطالبات من إظهار فضل غيرها أو الاعتراف بسبقه، بينما لا تستحي من إظهار التنافس المؤذي أو النقد المستتر. وهذا من نقض الحياء الخلقي الذي يفسد العمل ويفسد القلب ويجيز السرقة والتسلق! وكم هو قبيح أن تسرق طالبة جهد غيرها أو ترضى لنفسها التشبع بما لم تعط. مبلغ علمها وحلمها أن يُشار إليها بالبنان ولو كانت تغش وتخادع.

إن ضعف الحياء خاصة في ميادين العلم والدعوة، يُنتج قسوة، وتهورًا، وجرأة على حدود الله تعالى ويقدم قدوة قبيحة ومشوهة عن طالبات العلم، ويُغذّي السطحية في التفكير، ويُقصي أهل الفضل والحكمة لصالح أصحاب الضجيج والظهور. والمجتمع الذي يفقد الحياء يفقد مع الوقت أخلاقه، ثم يفقد استقراره.وكم من خاطب اليوم بات يحذّر من طالبة العلم لسلاطة لسان وقلة حياء لم تعد تخفى عند بعضهن، وكم من الشكاوى أضحت تصل عن طالبات العلم، يتجاوزن الحد كبرا وغرورا، حفظ الله بنات المسلمين وزيّنهن بالعلم والحياء والتقوى.

سادسا: التعصّب… ينقض الحياء عند المرأة

إن من أخطر ما يُضعف خلق الحياء في زماننا: التعصّب لشخص أو جماعة حتى يصبح الولاء للشيخ  أو للفكرة، مقدمًا على الولاء للحق. هذا التعصّب يؤثّر على قلب المرأة أكثر مما تتصور؛ إذ يتسلّل في صورة محبة دينية ثم يتحوّل إلى تعلّق شخصي، ويبدأ الحياء بالتساقط شيئًا فشيئًا.وأكثر النساء تعلقًا عاطفيًا بما يعتنقنه من فكر أو انتماء قاصر يفتقد الإخلاص لدين الله جل جلاله، أكثرهن جرأة على تمزيق ستار الحياء لأجل ما يتعصبن له. وهذا ملاحظ ومعلوم، وقد رأينا في التاريخ كيف كانت نساء المبتدعة. يظهر فيهن التعصب أكثر حدّة مما يظهر في الرجال على تعصبهم المذموم. نعيذ بالله نساء المسلمين من التعصب المذموم، متعهن الله بفضائل إخلاص الدين لله وحده لا شريك له.

وهو التعصّب نفسه الذي يجرّئها على الجدال ورفع الصوت بسوء أدب، فالحياء يرقّ كلما شعرت المرأة أنها “تدافع عن الدين” بينما هي في الحقيقة تدافع عن شيخ أو جماعة. فتتعدى في العبارة، وتشتدّ في النقاش وتدخل مساحات لم يدعها لها أحد، وتتقحم بين الجموع المبارزة! وتستسهل المجادلة والخصومة.وتنسى رقة الأنثى ووقار العلم، والمصيبة أن هذا الأسلوب تُبرّره بأنه “غيرة على الحق”، بينما هو تعلّق يعمي البصيرة ويقسي القلب.والأسوأ من ذلك أن من تعتاده تكون في أكثر الأحيان بكرا! وكم من بكر تستحل – غفلة وضعفا- التعلق والتمادي في الخاص مع “بطل” يدعوها لنصرة الإسلام والأمة! وهو يخذل الإسلام في الخلوات! اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

والتعصّب لا يجرح العقل فحسب… بل يجرح الحياء؛ يفتح أبواب القلب على التعلّق، ويجرّئ المرأة على ما كانت تستحي منه، ويقنعها بأن هوى النفس “نيّة صالحة”.وما يرفع الحياء إلا صدق المراقبة لله عز وجل، وإغلاق أبواب التعلق، وحراسة القلب من كل ما يزحزحه عن مكانه. ومن يتعدى حدود الله فلا يلومن إلا نفسه!

سابعا: الإعجاب المتفلت، المتستر خلف ستار العلم

فمن خوارم الحياء المنتشرة اليوم: أن تُغازل المرأة الشيخَ والداعية من طرف خفي، أو تُظهر إعجابها به عبر كلمات ثناء مبالغ فيها، أو عبارات دعاء ذات نبرة عاطفية، أو نسب مشاعرها إليه على أنها “مجرد تأثر بكلامه”.فتقول: “أنتَ من يريح روحي” أو “كلماتك لامست قلبي بطريقة لا أحد يفعلها”… ثم تقنع نفسها أن هذا “تقدير للدعوة”.وهذا يفتح باب فتنة لا تليق بمقام العلم، ولا بالمرأة المؤمنة التي تحفظ قلبها قبل أن تحفظ صوتها.

وقد يرافق هذه المجاهرة بالمشاعر، الإعجاب العلني بالصور وهي من صور نقض الحياء في عصر المنصات:إظهار الإعجاب العلني بصور الرجال، سواء كانوا دعاة أو غيرهم، بوضع إعجابات أو تعليقات، أو متابعة حسابات مبنية على الوسامة لا العلم.وتسير صور الرجال الدعاة وأهل العلم بين حسابات طالبات العلم بعبارات مودة فاتنة، تماما كما تسير صور المطربين والمشاهير بين حسابات غير الملتزمات!

والحياء ينقض هنا، لأن الحضور الرقمي يصبح مسرحًا للأنوثة بدل أن يكون مجالًا للعلم والأدب والتقوى.

ثامنا: التساهل في حديث الخاص

من أخطر خوارم الحياء: التساهل في الحديث مع الرجال، طلاب أو مشايخ ودعاة، لا فرق في ذلك فالرجل رجل في الخاص سواء أكان تحت مسمى “استشارة شرعية”، “سؤال فقهي”، أو “طلب نصيحة”.يجب أن تصون المرأة نفسها وتحفظ حياءها، فتتكرر الرسائل، وطول الحوار، يرقّ له الخطاب… حتى تنكسر هيبة الحياء التي كانت تحفظ قلبها.ويمازحها الرجل، فتقع!

وما يبدأ بسؤال بريء قد ينتهي بتعلّق خفي، ثم تعدٍّ لحدود الله تعالى وفتنة عظيمة، لأن المرأة بطبعها عميقة التأثر بالكلمة والاهتمام.

ولا أزال أنصح الفتيات والنساء اللاتي يفتقدن الزواج بشدة، احذرن الخاص جدًا، لا تسمحن به، لا تفتحن أبوابكن للرجال الأجانب، ولا تطرقن أبواب الرجال الأجانب، لا تجربي نفسك ولا تتحدي طبيعتك البشرية، لا تتورطن في الحديث الذي ينتهي في كثير من الأحيان بظلم عظيم للنفس! فصوني نفسك يا أمة الله! فالرجل رجل،  يضعف ويفتن ويغلط ويمس قلبك! ويدفعه الفضول للاطلاع على ما لا يجوز له، ويكفي أن يقول ما تتوق له نفس المرأة ليفتك بقلبها الفارغ وتفجعها نظرة الأماني والاحتياج القاهر، وحجتها في كل ذلك: صيانة لرجولة رجل صالح! ولكن ليس هذا مقامها أبدًا. بل نتيجتها أن تنكسري وتنكسر أحلامك ويتحول “خيال الحب” إلا “بغض” لا ينفك!

كيف تعرف المرأة أنها خدشت حياءها؟

الحياء لا يُقاس بالصوت ولا بالملبس فحسب، بل يُعرف من حركة القلب قبل حركة الجوارح. والمرأة التي تُراجع نفسها بصدق ستجد علامات دقيقة تُخبرها أن حياءها بدأت تضعف حُرمته، منها:

١. حين تفعل ما كانت تستحي منه سابقًا

إذا وجدت المرأة نفسها تفعل علنًا أو سرًا  ما كانت تستحي منه قبل أشهر أو سنوات، فهذه أول علامة على أن الحياء يتراجع.فالقلوب لا تتغير فجأة… إنما تنكسر الأسوار بالتدريج.

٢. حين تتجرأ على الظهور بما لا يليق بها

مثل:نشر صورها والهوس بها.أو تصوير تفاصيل حياتها الخاصة.أو إظهار زينتها اعتمادًا على “أن الجميع يفعل”.وعندما يصبح الظهور أهم من الستر، فاعلمي أن شيئًا من الحياء قد تهدّم.

٣. حين يخفُّ الوجل من رأي الناس ذوي المروءة

فأهل الوقار من أهل العلم، والأمهات، والرجال الأفاضل كانوا في الماضي ميزانًا تستحي المرأة أن تفعل أمامهم ما لا يليق.فإن شعرت المرأة أن رأي هؤلاء لم يعد يهمها كما كان، فهذه علامة على انكسار الحياء.

٤. حين تنكسر حدود الحديث مع الرجال

فمن أخطر المؤشرات: إطالة الحوار الخاص مع الرجال.والترقق في العبارات أو كثرة المزاح.والانتظار الشغوف للردّ.والشعور بالراحة الزائدة في التواصل. إذا ظهرت هذه العلامات، فهذا يعني أن حجاب الحياء بين القلب والآخر بدأ يُرفع.

٥. حين تبرّر لنفسها ما تعلم أنه خطأ

من علامات خدش الحياء: أن تعلم المرأة أنّ عملاً ما لا يرضي الله، ثم تبرر لنفسها: “أنا نيتي سليمة”.وتبحث له عن مبررات ومخارج تهونه، فالحياء الحقيقي يعصمها من هذه التبريرات ويجعلها صادقة مع نفسها.

٦. حين تبحث عن إعجاب الآخرين

سواء عبر:صورة،  أو ظهور صوتي، أو مشاركة خصوصيات بريئة بنية غير بريئة.وكلما طال انتظار المرأة لتفاعل الناس معها، كلما ضعفت غشاوة الحياء.

٧. حين يلين قلبها لمن لا يحلّ لها

عبر كلمة، إعجاب، أو اهتمام زائد.يصل لحد جرأة المراسلة للاستدراج! فالحياء هنا ليس حجابًا على الجسد فقط… بل حجاب يحرس القلب.وإذا بدأ الحجاب يرقّ، ظهر أثره في التعلق، والاندفاع وراء المشاعر.فنصيحة للفتاة التي بدأت تنجذب لقناة شاب ينشط، إن بدأت تشعرين بالتعلق اهجري القناة فورًا واحذري أن تقعي فريسة الفتنة، ودعك من تبريرات مخادعة، فأنت لا ترين غير مساحة ما ينشر ولا تتبعين غير ضعفك واحتياجك! وما أجمل العفاف.

٨. حين تشعر بثقل الطاعة وخفة المنكر

الحياء من الله يجعل الطاعة سهلة لأنك تفعلينها بحضور قلب.أما إذا ثقلت الطاعات كالقرآن، والذكر، وخفض البصر  وخفّت المخالفات، فهذا يعني أنه حدث خلل في الميزان.

كيف تدرك المرأة معنى الحياء؟

الحياء شعور قبل أن يكون سلوكًا، هو انقباض في القلب وتعظيم لله وشعور بالمراقبة.من أحيا قلبه أحيا حياءه.

الحياء زينة المرأة الأعظم يُعطيها هالة:وقارًا، جمالًا، خفّة روح، نقاءً…ما لا يعطيها إياه أي مظهر آخر.

الحياء قوة لا ضعف، فهو يمنعها من السقوط، يحجزها عن التورط، يصون قلبها، ويرفع قيمتها في أعين نفسها قبل أعين الخلق.

الحياء مِعيار لا يتبدل بتبدل الزمن قد تتغير “الموضات”، والبيئة، والمجتمع…لكن الحياء ثابت لأنه من الإيمان.

الحياء علاج للتعلق والانجراف فالحياء يمسك يد قلبك إذا بدأ يتجه نحو التعلق الخاطئ، فيمنعه قبل أن يتورط، ويعيده إلى موضعه الصحيح.قال جل  جلاله ﴿ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 189]

الحياء ليس بُعدًا عن الناس… بل عن الخطأ، باستحضار رقابة الله لك.

الحياء أن تعرفي مقامك عند الله عز وجل، فإذا عرفتِ مقامك، لن ترضي أن يرى الله قلبك منشغلًا بمن لا يحلّ لك، أو جسدك معروضًا لمن لا ينبغي له أن يراه، أو عقلك منصرفًا عن الحق.

تعرف المرأة أنها خدشت حياءها حين ترى أن قلبها تغيّر، وأن ما كانت تستحي منه أصبحت تفعله بلا تردد، وأن حدود كلامها ونظرها وظهورها أصبحت أوسع مما يرضاه الله لها.

وتدرك معنى الحياء حين تُعيد ترتيب قلبها: من الله تبدأ، وبالله تستقيم، وبالله تستعين وإلى الله تسير وإليه جل جلاله تفر وتلجأ.

كيف نعيد للحياء مقامه؟

كيف نعيد للروح سترها الأول..؟ في زمنٍ تعالت فيه الأصوات، وتكاثرت فيه العيون، وتجرّدت فيه الأرواح من أستارها، يعود السؤال ملحًّا:كيف نعيد للحياء مقامه؟ كيف نسترجع هذا الخُلُق الذي كان إذا سقط من قلب أحدهم، سقط معه كل جميل وثمين؟

فالحياء نور داخلي، يتوهّج كلما قرب القلب من الله، وينطفئ كلما ابتعد. هو الباب الذي إذا فُتح، دخلت السكينة، وإذا أُغلق، دخلت الفوضى.هو صوتٌ خافتٌ في الداخل، يهمس لك حين يراك الناس… أو لا يرونك. ولكن، كيف نعيده؟ كيف نسترده بعدما تجرأت النفس، وتخدّرت المشاعر، وتراجع الحياء خطوةً بعد خطوة؟ وانتشرت العدوى بين الجموع بمحاربته والاستهانة به!

أولًا: أن نعرف من أين يأتي الحياء

الحياء ليس شيئًا نزرعه بالقوة…بل هو ثمرة، تتغذّى من أربعة جذور:

الأول: من معرفة الله عز وجل: عندما تدرك المرأة أن الله يراها حتى خلف الشاشات، بين السطور، وفي خفايا النيات؛ تستحي أن يراها على ما لا يليق.

الثاني: من معرفة النفس:حين تعرف أهمية روحها وقيمتها، تدرك أن كل كلمة، وصورة، ونظرة، لها ثمن.ومن عرفت ثمن نفسها استحت من رخص الظهور ومن رخص الاهتمام.

الثالث: من الحياء من الملائكة: تتذكر أنها ليست وحدها… وأن هناك من يكتب، ويشهد، ويصاحبها في كل لحظة.

الرابع: من الحياء من الناس ذوي المروءة: ليس خوفًا مِنهم، بل تقديرًا للوقار الذي يجب أن تبقيه بينهم.

فإذا عرفنا هذه الجذور، بدأ الحياء يعود إلينا كالماء المتسرب في أرض عطشى.ولكن بشرط أن تقطع أسباب قلة الحياء وتهوينه في نفسها، أن تخرج من وسط لا يعرف للحياء قيمة ولا شرفًا، أن تقطع صلتها بما يبعد المسافة بينها وبين ربها عز وجل. وتبحث عن وسط تشرق فيه وتزهر عزيزة أبية. في وسط لا تُبتذل فيه المعاني ولا يُبخس طهرها!

وهذا يعني أن على المرأة أن تغلق أبواب التساهل فالحياء يبدأ بالتشقق في التفاصيل الصغيرة:

كلمة ناعمة، صورة بلا ضرورة، نظرة مطولة، ضحكة في غير مكانها، رسالة تتكرر في المكان الغلط، أو ظهور زائد على المنصّات. وهذه الشقوق الصغيرة… إذا تُركت، أصبحت أبوابًا واسعة يُغادر منها الحياء بلا عودة.

لذلك، إعادة الحياء تعني: إغلاق الأبواب التي كنا نعلم في داخلنا أنها كانت تُضعفنا. فمن انكسر حياؤها بالمحادثات الخاصة… لتغلق هذه المحادثات. ومن انخدع حياؤها بالإعجاب العلني… لتغضّ بصر قلبها قبل عينها. ومن ارتخى حياؤها بالظهور… لتعود إلى سترها. ومن تسلل التعليق والثناء إلى قلبها… لتجدد نيتها. فالحياء يُشفى حين تُشفى النيات.

ومن تعذر عليها بعد كل ذلك هذا العلاج، فإليها وصفة قوية: لتصادق الصمت والعزلة حتى ترمم قلبها وتعيد ترتيب أولوياتها وتهذّب خلقها. فنحن في زمنٍ يطلب من المرأة أن تتكلم دائمًا، أن تظهر دائمًا، أن تُثبت نفسها على طريقتهم، دائمًا…فيكون الصمت عندئذ عبادة نادرة.والحياء يعيش في الصمت أكثر مما يعيش في الضجيج.

لذلك فإن اللحظة التي تقرر فيها المرأة العمل خلف ستار، وألّا تُبدي ما في قلبها للرجال …أن تتوارى عن الأضواء التي تعرف تفاصيلها الخاصة والعاطفية، وتسدل ستار الحياء والحشمة عليها، فلا تتعامل إلا من وراء حجاب! هنا ينمو الحياء، ويستعيد ثقله، ويعود إلى مقامه الحقيقي.

ولضمان الثبات والاستمرارية بهيبة، لتغض الحرة بصرها عن صور الرجال، عن مظاهر التبرج، عن الغناء المُثير للفتنة، عن المشاهد التي تُضعف روحها.فغضّ البصر ليس حكمًا فقهيًا فقط…بل هو حفاظ على نقاء الداخل.فالعين التي استحت… يستحي القلب معها.

ولنهتم بالجوهر أكثر من الخارج، بالداخل أكثر من التفاصيل التي لا تؤثر فينا نفعا، فكم من امرأة حفظت حياءها في ظاهرها… ولكنها فقدته في داخلها:بتعلّق، بانتظار، بنوايا مختلطة، ببحث عن لفت النظر، بفراغ يشتهي الامتلاء بأي كلمة أو انتباه.اقطعيه ولا تكبريه في نفسك!

إن إعادة الحياء تبدأ من مواجهة النفس مواجهة صريحة: لماذا فعلتُ ما فعلت؟ وما الذي كنت أبحث عنه؟ ومن أي فراغ كنت أهرب؟ وهل يصح تعويض الفقد بالغلط؟! فالحياء لا يعود إلا حين تُعاد تربية النفس على الصدق.

وهنا وصيّة أكتبها بقلب يبكي! نعم يبكي ويجهش بكاء، حرقة ومسؤولية، لما فيها من خير عظيم أخشى أن تخسره النساء وتحرمه الفتيات!!

القرآن العظيم يا أمة الله، القرآن العظيم هو علاجك، هو ملاذك، هو حبل نجاتك، ليست مجرد كلمات أخطها هنا بل وصية أنقلها بأمانة، وصية جاءت بين تفاصيل الموت، وعند عتبات باب الجنة!!!

فليس في حياة الروح ما يعيد الحياء مثل القرآن.فهو يسكب على القلوب وقارًا…ويصبّ فيها نورًا…ويرممها ويشفيها، ويوقظ فيها إحساسًا عميقًا بأن الله جل جلاله قريب.لطيف بعباده، خبير بصير بحالهم، والمرأة التي قرأت سورة النور بقلب حاضر…لن تخدش حياءها بسهولة.والتي وقفت عند آيات العفّة…لم تستهوها كلمات الرجال.والتي حفظت آداب المؤمنات…لم تعبث بها الشهوات الخفية.والتي تأدبت بسورة يوسف، لهج قلبها بالحمد والامتنان! فالله الله في كتاب الله يا أمة الله، وإن لم يبق لك إلا القرآن، فأنت الفائزة اللبيبة! فابدئي من القرآن العظيم كل علاج كل حصانة ورافقيه بخشوع في كل ورد وخطوة وقرار، واسجدي لله واقتربي!

واعلمي أن الحياء يعدي كما يعدي الخلق السيئ. فالمرأة التي ترافق أصحاب السمت والوقار، تقوى هيبتها.والتي ترافق المتساهلات في الكلام، والصور، والمجاهرة بالمعاصي وتعدي حدود الله تعالى …يخف حياؤها دون أن تشعر. فلتسأل كل امرأة نفسها:من يعينني على أن أبقى مستحيية من الله؟

ولن يوصلك لبر الأمان إلا إصلاح جاد وصادق لما بينك وبين الله عز وجل، فحين تخلو المرأة بربها، وتراجع قلبها، وتستحي منه أن تراه على غفلة أو هوى…يعود الحياء كما يعود الضوء إلى غرفة كانت مظلمة.

وإن شئت الصدق، فإن الحياء لا يعود بمعرفة أو جهد نفسي فقط بل يعود حين يعود الإيمان.

إن أردنا أن نعيد للحياء مقامه، فسنحتاج إلى شيء أكبر من قواعد ونصائح…سنحتاج إلى قلب جديد، يخاف أن تُكشف سريرته، ويخشى أن يراه الله على نقص، ويحب أن يبقى جميلًا في عين خالقه قبل أعين خلقه.قلب يعبد الله كأنه يراه، قلب عرف ما هو الإحسان حقا! فسجد لربه مؤمنا حقا!

وإن عاد الحياء إلى القلب، عاد النور إلى الوجه، وعادت السكينة إلى الحياة، وعادت المرأة إلى مكانتها الأصلية:جوهرة مصونة، وقلعة حصينة .

الحياء عند الرجل… كيف يكون!

ليس الحياء خاصًا بالنساء، بل هو من أبرز صفات الرجولة، فالحياء عند الرجل هو ميزان نخوته، ودليل صدقه، وحرّاس حدود قلبه.وما سقط رجلٌ سقوطًا كاملًا إلا حين سقط حياؤه؛ لأن الحياء هو الحاجز الأخير بينه وبين السقوط في الفجور، والاعتداء، واتباع الهوى.

والرجل الذي يستحي رجلٌ له ظلّ من نور.والذي لا يستحي يجرّ خلفه ظلالًا من ظلام.

الحياء عند الرجل هو قوة داخلية تمنعه من:التجرؤ على معصية، أو إيذاء وظلم، أو خيانة عهد، أو قول كلمة بلا وزن، أو النظر لما لا يليق، أو خفض نفسه عند الشهوات.هو احترامٌ للنفس قبل أن يكون احترامًا للآخر.  وهو خوفٌ من الله لا يعلّقه بالناس.والمرأة في ظل رجل حيي، عزيزة سعيدة مهابة!

خوارم الحياء عند الرجل

مثله مثل المرأة لحياء الرجل خوارم، في مقدمتها انتهاك محارم الله في الخلوات، وفقدان الحياء من الله بعيدا عن أنظار الناس! عَنْ ثَوْبان رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: “لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي، يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ، أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا”، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لا نَعْلَمُ، قَالَ: “أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا”؛ رواه البيهقي وابن ماجه.

ومن خوارم الحياء والرجولة عند الرجل، إطلاق البصر وجرأة النظر إلى النساء فالرجل الذي فقد حياءه لا يغضّ بصره، بل يتجول بعينه كما لو أن النساء خُلِقن للعرض.وهذه أول علامة على سقوط الهيبة.والرجل المتلصص على صور وتفاصيل النساء مصاب بمرض قلب. وكم حذّر نبينا صلى الله عليه وسلم من فتنة النساء! فقال صلى الله عليه وسلم: “ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء”. متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: “إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل، كانت في النساء”. رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: “ألا لا يخلونّ رجل بامرأة لا تحل له، فإن ثالثهما الشيطان، إلا محرم”. رواه أحمد.

ثم التوسع في المزاح المتجاوز، فالرجل قليل الحياء يستهين بالكلمات الفاحشة، والتعليقات الموحية، والسخرية، والتلميح. واللسان الذي لا يستحي يكشف عن قلب لا يستحي.ولا يُصاحب المؤمن الحيي وقحا.

والجرأة في الحديث مع النساء بإطالة الحديث، والترقق في الخطاب، وفتح أبواب التعلّق، وإرسال رسائل غير ضرورية…كلها دلائل على أن الحياء انكسر، وأن الرجولة اهتزت.

ثم التفاخر بالخطايا فمن أقبح خوارم الحياء: أن يحدّث الرجل عن علاقاته السابقة، أو معاصيه، أو صوره، أو جرأته، وكأنه يُظهر “خبرة” لا فضيحة.من يجاهر بالمعصية لا يعرف الحياء.والأقبح منه أن يعتقد الرجل أن الزاني لا يعيبه شيء! ولا يتأثر بخطيئته ولو استمر عليها، وفي الوقت نفسه تراه يشنع على المرأة الزانية، فكم هو مغرور لا يستحي من ربه بالتهوين من كبيرة!

ثم ضعف الغيرة، فالرجل الذي لا يغار لا يعرف قيمة الشرف والعرض ولا أمانته.والغيرة ليست تملكًا مؤذيًا، بل نخوةٌ تحفظ العرض وصيانةٌ للسلوك.

ثم الكذب والتلاعب بالمشاعر فالحياء يمنع الرجل من أن يخدع، أو أن يعد وهو لا يفي، أو أن يلمس ويملك قلب امرأة بلا عقد شرعي.ومن فقد حياءه استهان بقلوب النساء كأنهن صفحات تُطوى.بل جعل من أعداد النساء اللاتي كسر قلوبهن بالعلاقات غير الشرعية بطولات وهي صفحات خزي!

ثم السعي خلف الإعجاب والظهور وحب التفرد بالصيت، فالرجل الذي يلاحق الإعجاب، ويعرض نفسه في كل موقف، ويتصنع للفت الأنظار في أي ساحة وميدان كان … رجلٌ جرح حياءهقبل أن يجرحه شيء آخر.

ثم خوارم المروءة كلها من خوارم الحياء، وخوارم المروءة: هي كل فعل أو قول أو حرفة يوجب فعلها أو تركها الذم في عادات الناس وأعرافهم المعتبرة شرعاً.باختصار: هي كل فعل يوجب الذم في عادات الناس وأعرافهم المعتبرة شرعاً.ويمكن تصنيف خوارم المروءة إلى نوعين:

الأول:  خوارم للمروءة بحسب الشرع. فالأولى لا تتغير ولا تتبدل بتبدل الأحوال والأزمان، لأنها تستمد ثباتها من الشرع الحنيف.وعليه فكل من وصف بأنه منخرم المروءة بواحدة من تلك الخوارم فهو مخروم المروءة في كل حين.كمن خرمت مروءته بسبب السفه وبذاءة اللسان، وسب الناس، والطعن فيهم.

والثاني: خوارم للمروءة بحسب العرف السائد.

والحياء رجولة، والرجل الذي يفقد حياءه… يفقد أجمل ما في رجولته.والمرأة التي تعرف قيمة نفسها لا تقبل إلا برجلٍ يستحي من الله قبل أن يستحي منها.

وإن كان موضوع الحياء يتطلب مزيد تفصيل ومدارسة، إلا أنني أكتفي بهذا لعل الله يجعل فيه النفع والفائدة.

وفي الختام، تذكري يا أمة الله. أن الحياء هو اليد التي تُمسكك عن الزلل، والعين التي تُذكّرك بأن الله يراك، والقلب الذي يخفق إذا اقتربتِ من حدود لا تليق بك.لا تسمحي لجاهلية العصر أن تبدّل فطرة زرعها الله فيك،واحفظي هذه الحقيقة:ما دام حياؤك بخير… فأنت بخير.

وما أحوجنا اليوم إلى أن نعيد للحياء هيبته؛ في بيوتنا، وفي شوارعنا، وفي منصاتنا، وفي مجالس العلم… وفي كل مكان! ليبقى هذا الخُلُق العظيم كما أراده الله: خيرًا كله. فاللهم نسألك أن تغمر قلوبنا بحياء منك جل جلالك، يرضيك عنا رضا لا سخط بعده.

لما احتضر الأسود بن يزيد رحمه الله: بكى، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: “مالي لا أجزع ومن أحق بذلك مني، والله لو أتيت بالمغفرة من الله عز وجل لهمني الحياء منه مما قد صنعته، إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه فلا يزال مستحياً منه”.

ولذلك اعلمي أخية، أن حياء المؤمن من ربه قد يقتله شهيدا!

فمن القلوب من كلما أنعم الله عليها بنعمة وعطاء وفضل، استحضرت ذنبًا تابت منه ولم ترجع له، وإن كان لا يزال في أعين الناس هيّنًا يُطهّره هدي ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ [ هود: 114]

قلبٌ لم يجد من وقع الحياء فيه إلا القتل في سبيل ربه. دليل محبة ورجاء رحمة ربه جل جلاله!

وتلك مرتبة يعرفها جيدًا الشهداء!

فطوبى لشهيد قتل في سبيل ربه فـ”يغفر له من أول دفعة من دمه”.

وهل يدفع لشرف الخواتيم مثل الحياء من الله جل جلاله!

فليكن الحياء منهج حياة، لا مجرد كلام يُنسى، ولتكن منظومته دستورًا للقلوب قبل الأفعال، يرفع الإنسان عند ربه ويرفعه بين الناس، ويجعل منه رمزًا لعزة الإيمان، ومن وجوده معلم نور لا يخفت.إن استعادة الحياء ليست رجوعًا إلى الوراء، بل قفزة إلى الأمام نحو الإنسان الرباني! نحو عباد لله استحوا من ربهم فلم تزل قلوبهم وجوارحهم وأعمالهم في مسابقة إلى آخر رمق!! لا يهون الدين في قلوبهم ولا يرضون بغير سيادة الإسلام!

فالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجميعن، قال جل جلاله: ﴿وٱلۡعَصۡرِ (1) إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ (2) إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ (3) ﴾

فاللهم زينا بالحياء والتقوى والعفاف وأدخلنا في زمرة من أحببت ورضيت عنهم ورضوا عنك جل جلالك.

اللهم سهل لنا الطاعات وجنبنا المعاصي والفتن والانحرافات، اللهم قوّنا بالصدق والعلم والأدب والحياء، وأيدنا بنصرك وبالمؤمنين.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل بيننا شقياً ولا محروماً، وارزقنا يا مولانا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً.

اللهم أكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا.

اللهم تب على كل عاصٍ، واهد كل ضالٍ، وارحم كل ميتٍ، وانصر كل مجاهدٍ، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، ومن أراد بنا سوءاً فاردد سوءه إليه، واجعل تدميره في تدبيره يا رب العالمين، وإخرجنا من الفتن سالمين غانمين إنك على ما تشاء قدير.

لتحميل ملف “منظومة الحياء”.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x