بين تدافع الأيام والأحداث، تتجلى ملامح المشهد الحقيقي في عمق النفس البشرية، مشهد لا ترقبه العدسات فهو خارج نطاقها، لكن النفس تعيشه بكامل فصوله، ملحمة!
إنها تلك المنازعة الخفية بين عزيمة الثبات على الاستقامة، وبين عزيمة خارجية، تجرّها إلى الأسفل، تريد لها الدنيّة.
هناك، يقف المؤمن على ثغر قلبه، يرقب الخواطر وهي تتدافع؛ خاطر يدعوه إلى الثبات وإدراك كلفة الارتقاء، وآخر يهمس له بالهوى، يزيّن، ويؤجل، ويُلبس الباطل لباس الحكمة.
الشيطان لا يقتحم فجأة، بل يتسلل… يطرق باب النفس بالاعتياد، يفتح ثغرة بالكسل، ويُثقل الخطى بشيء من “لا بأس”… حتى إذا استكانت الروح، ظنّ أنه ظفر. لكن في قلب المؤمن جذوة لا تنطفئ؛ كلما أوشكت أن تخبو، هبّت عليها نسائم الذكر، فاشتعلت من جديد.
إنها معركة دائمة: شدٌّ وجذب، إقدامٌ وإحجام، مصارعة للحظات لكنها حاسمة على امتداد الأعمار!
وربّ لحظةٍ يغلب فيها الإنسان الشيطان، تكون أعظم من ألف انتصارٍ على عدوٍ أظهر. لأنك في هذه اللحظة لا تهزم حبال الضعف التي يستدرجك منها فحسب، بل تكسر قيدًا كان يريد أن يستعبدك!
وفي عمق هذه المجاهدة، تنكشف لذّة خفية لا يعرفها إلا من ذاقها؛ لذّة أن تنتصر على الشيطان ومكائده، فلا تنحدر!
أن تقول “لا” حيث يضعف الآخرون، أن تقف مستقيمًا وريح الفتن تعصف من كل جانب. هناك يشعر القلب بخفةٍ عجيبة، وكأن أغلالًا قد سقطت، وكأن الروح استعادت سيادتها.
هناك يسجد قلبه لربه، حمدًا وشكرًا وامتنانًا.
هذا الصراع ليس عبثًا … بل هو لبّ المراغمة، وجوهر السعي، وميدان التمكين. فمن جاهد نفسه اليوم، أمِن غدًا، ومن دافع كيد شيطانه، ظفر بهدايةٍ هي له الذخيرة والزاد فيما يأتي بعدها.
فاحذر هذا العدو الذي لا يملّ، ولا يغفل، ولا ينسى ثأره مع ابن آدم، وتفطّن لخطواته، فإنها تبدأ همسًا وتنتهي هاوية:﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾