معادن القلوب: بين الطيب والخبيث وميزان الفِطنة في صحبة الناس
اتقِ شرّ الحليم إذا غضب؛ هذا المعنى دقيق، فالصبر ليس عجزًا، والحِلم ليس غفلة، بل هو نضجٌ يزن الأمور بميزانها، وحكمةٌ تُعطي كل موقفٍ قدره، وتُعامل الناس بما يستحقّه حالهم.
ولا يُستهان بحِلم النبيل، فهو يُحسن ويمدّ يده ويعطي بسخاء، لكنّه لا يفتح قلبه لكل من احترف الخبث أو استمرأ اللؤم.
فالمؤمن الحليم عادة يعرف طباع الناس بفراسةٍ يرزقها الله لمن استغنى بربه، فيميّز بين من يُؤتمن ومن يُتّقى شرّه.
والأرواح الطيبة تنجذب إلى مثلها، وتأنس به، كأنها تنصهر في معدن واحد؛ فتجد بينها انسجامًا طبيعيًا لا يُتكلف، وارتياحًا لا يُصطنع.
أما النفوس الخبيثة، فإنها مهما تزيّنت لا تلبث أن تنكشف حقيقتها، لأن الخبث لا يثبت طويلًا في حضرة الصدق.
وأمارات الصدق تأسر وضدّها يُنفّر!
والمحبة في حقيقتها ليست للأشكال ولا للمظاهر، بل لمعادن الناس وسرائرهم؛ فمن طاب معدنه مال إلى الطيبين وألِفهم، واجتمع بهم ولو اختلفت آراؤهم، لأن القلوب المتشابهة تتفاهم وتلتقي.
وأما الخبيث، فإنه وإن خالط الناس زمنًا، طبعه يفضحه، وسلوكه لا ينفك يكشف لؤمه، حتى وإن تكلّف الطيبة. كما قال الشاعر:
لدغُ العقاربِ لم يكُن لِعداوةٍ
لكن لخبثٍ تقتضيهِ طِباعُها
وقد جعل الله بين الطيب والخبيث حاجزًا خفيًّا من الفطرة، لا يراه إلا من تأمل الناس ببصيرة القلوب لا بسطحية النظر،
وقد يتعجب المرء من كونه لا يستأمن روحًا وهي تظهر السلام، لأنه يستشعر فيها الغدر! قد بانت أماراته في فلتات لسانها، ولؤم تفاعلاتها. وليس كل اختلاطٍ امتزاج، ولا كل قربٍ انسجام.
ولا يعني ذلك أن الطيبين لا يختلفون، ولكن تبقى بينهم مساحات من التفاهم أوسع من خلافاتهم، وجسور من العفو أسرع من تصادماتهم.
قد يتباينون في الرأي، ويختلفون في الاجتهاد، وربما يشتدّ بينهم النقاش، لكن سرعان ما يعيدهم صفاء المعدن إلى أصل واحد، فتذوب حِدّة الموقف في حرارة مودة الإيمان، ويغلب حسن الظن على دوافع القطيعة.
فالطيبون وإن تفرقت بهم الطرق، تجمعهم نية صادقة وقلب سليم، يجعل كل واحدٍ منهم يرى في الآخر أخًا وإن خالفه، ورفيقًا وإن نازعه.
والطيبون يحفظون شرف الإيمان وشرف الخصومة فيأمنهم الناس لا يخشونهم.
ولذلك لا تدوم بين القلوب النقية خصومة، لأن ما بُني على الصفاء لا يحتمل البقاء في الضغينة، بل يميل دائمًا إلى الرجوع، كما يعود الماء إلى مجراه مهما تفرقت به السواقي.
وإن بقي في القلوب شيء من الغل لسوء ظن أو كيد شيطان أو عدو، أذهبه الله تعالى في جنته، وتلك بشرى للطيبين في الآخرة. قال تعالى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [ الحجر: 47]
وكذلك لسلامة الصدر على المؤمنين فضائل وموجبات، يكرم الله بها عباده الصالحين.
ولم أرَ أصدق في كشف معادن الناس من معيار الإحسان، كما قيل:
إِذا أَنتَ أَكرَمتَ الكَريمَ مَلَكتَهُ
وَإِن أَنتَ أَكرَمتَ اللَئيمَ تَمَرَّدا
فإن أردت معرفة معادن الناس: أكرمهم وأحسن إليهم ولا تبال! فأنت في كلا الحالتين في مكسب وظفر.
أما الكريم فيظهر كرم نفسه وتتجلى مروءته حين يُكرم، وأما اللئيم فسرعان ما يكشف لؤمه حين يُحسن إليه.
وفي امتحان الإحسان: الأول يزداد صفاءً، والثاني يزداد انكشافًا. وهذه قاعدة لا تكاد تخطئ في تمييز معادن القلوب.
فهي تميّز الطباع، وتكشف المعادن، وتٌكسبك معدنًا طيبًا أو ذكرى تصنع السعادة فيك، أو تكشف لك معدنًا خبيثًا، وتصنع الحذر فيك. فتتقي شره، وفي كلٍّ مكسب عظيم.
وفي نهاية المطاف، الحياة ليست إلا امتحانات متتابعة تُظهر جوهر النفوس، فاحفظ صحبة الطيبين، فإن فيهم العوض والبركة والسند، واغفر زلاتهم واعفو واصفح واستوعب ضعفهم .. كما تحب أن يعاملك الناس بالمقابل. فإن للطيبة مكانة لا تُزدرى.
ولا تُجبر نفسك على مخالطة من يطفئ فيك الخير ويُتعب قلبك ويستنزفه أذية وخبثًا؛ ففي الناس بدائل، وفي الترك راحة. ومن عاش مع الخبيث وطاوعه على حساب طيبته خسر نفسه قبل أن يخسر أي شيء آخر.
واستحضر قول الله جل جلاله ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [ التوبة: 71]
اللهم ارزقنا بصيرةً تميّز الخبيث من الطيب، وقلبًا لا ينجرف مع الأذى ونوازع الشر والكيد، واجمعنا بالطيبين، واصرف عنا كل سيء ولئيم.
﴿ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [ الأنفال: 37]