مشهد مؤسف من الواقع: تشخيص وحل

وصلتني رسالة تسلط الضوء بشجن على حالة تعاني منها الأمة المسلمة بشدة في زماننا، إنها حالة تداعيات إدمان المسلسلات على سلوك الفتاة المسلمة في المجتمع.

لم يعد للحجاب هيبته، ولا للحياء والعفة مكانتها، والمبرر الكاسد: علاقة حب على طريقة مسلسلات الفسق والفجور.

موقف من أرض الواقع

هنا رسالة من شاب مسلم يحمل غيرة على أعراض المسلمين، ينقل لنا موقفا عاشه، بتفاصيل تتكرر في كل مكان:

يقول المرسل:”ذهبت أنا وصديقاي إلى الجامعة للحصول على النسخة المطبوعة من كتاب السيرة”. ثم قررنا الذهاب إلى مسجد الجامعة وصلينا هناك. ثم قررنا الذهاب إلى الميناء، كان المكان يقع على ارتفاع عالٍ جدًا.

عندما دخلنا المكان ذهبنا إلى زاوية منعزلة عن الناس، وإذا بنا نرى هناك شابا وفتاة محجبة. فما أن دخلنا حتى خرجا.

شعرت بالسوء لأنني لم أقل أي شيء في البداية. ثم لاحظت أن الشاب والفتاة كان وضعهما مريبا، وواضح أنهما ينتظران خروجنا للعودة للمكان الذي يوفر لهما خلوة.

أخبرت صديقي أنه لا توجد طريقة إلا أن أنكر فعلهما فتوجهت إليهما وقلت للشاب:  ما علاقتها بك، وماذا تفعل هنا؟

فأجابني دون أي تردد أو خوف: “إنها صديقتي!”.

أثار في نفسي غضبا لدرجة أنني أردت ضربه، ثم تمالكت أعصابي، والتفت باتجاه الفتاة، وخفضت رأسي بعيدا عن النظر المباشر إليها وبدأت أنصحها.

لقد شعرت بالسوء كثيرا لأنها كانت ترتدي الحجاب.

لقد تصرف الشاب معنا بغطرسة في البداية، ولكن بمجرد أن بدأت في التحدث باستخدام مصطلحات من اللغة الإنجليزية تبدل حاله، لأننا نحن الرجال ذوي اللحى يُنظر إلينا على أننا متخلفون أو ضيقوا الأفق وما إلى ذلك.

وقلت للفتاة: “كم أنت فخورة بكونك فتاة مسلمة؟ لماذا لا تحرصين على حفظ شرفك وعفتك وتقللين من قيمة نفسك إلى هذا الحد؟ ألهذا الدرجة شرفك رخيص عندك، وشرف أسرتك! لديك أسرة توفر لك ما أمكنها لحياة كريمة، وأب يتألم حرفيًا إذا وخزتك شوكة. كيف يمكنك التقليل من قيمة نفسك بهذه الطريقة.”

“ألا ترين كيف قال هذا الخنزير بصراحة: “هي صديقتي” مجرد صديقة  أي شخص يعتبرها أداة لتحقيق رغباته القذرة”.

استمعت الفتاة لي بصمت، ونظرت إلى الشاب وكان حاله يشبه الفأر تمامًا.

ثم ذكرت في هذه اللحظات سبب ما تعيشه هذه الفتاة من وهم! فقلت للفتاة:” إن المسلسلات والأعمال الدرامية التي تشاهدونها على وسائل الإعلام ليست إلا خداعا وتزيينا للفساد والزنا، فلا يوجد صداقة بين رجل وامرأة أجنبيين، ولا يجوز إقامة علاقة غير شرعية باسم الحب! ولا يجوز الخلوة، ولا الخروج مع رجل أجنبي فيقع اللمس والمحذور ويصل الأمر للزنا، ومن يحبك حقيقة يطرق بيتك بالحلال لا يأتي من طرق ملتوية فيتسلى بك بدون مقابل، لا يتحمل مسؤولية حفظك وصيانتك زوجة صالحة”.

“هؤلاء الذين يصفون علاقتهم بالأصدقاء والصديقات في الأفلام الذين تنتشر بوتيرة كبيرة ومدعومة ومدروسة، يكسبون الملايين مقابل تلك القذارة التي يعرضونها، ولكن ما الذي ستحصلين عليه من السماح لهذا الكلب المسعور بالوصول إليك؟”.

ثم رأيت واجب أن أحدثها عن والديها، وثقتهما بها التي أفسدتها بخيانة ولا مبالاة.

قلت للفتاة: “يصبح والدك في أسوأ حالاته قلقا إذا تأخرت عن المنزل، يصبح مضطربًا وتتبادر إلى ذهنه أفكار لا تعد ولا تحصى: هل هي بخير، هل أضرها أي شيء هل تعرض لها أحد بالسوء، أم أنها آمنة”.

“الأب نفسه الذي يعمل ليل نهار لكي تكوني آمنة وتعيشين حياة كريمة، آمنة من كل سوء ….. يعتقد في هذه الأثناء أن ابنته الحبيبة تدرس ولكن ها أنت هنا مع هذا الصبي تعصين الله بالسر”.

شعرت بالسوء حقًا وطلبت منها أخيرًا العودة إلى المنزل. ثم نزلت وعندما لم يتحرك الشاب، رجعت لأرى ماذا حصل معهما، فرأيتهما يخرجان من المكان.

سألت الفتاة وهي خلفي بمتر أو نحو ذلك (لم أكن أنظر إليها) في أي صف تدرسين فقالت العاشر (15 إلى 17 سنة).

شعرت بالرغبة في البكاء وكنت حزينًا جدًا على تلك الفتاة والله.

قبل يوم واحد فقط من هذه الحادثة، كان هناك رجل يقول “الحجاب ليس مهمًا وما إلى ذلك … الفتيات اللاتي يرتدين النقاب فيهن الفاسقات”.

“لقد شعرت بالغضب الشديد لأننا نعتبر أخواتنا المنقبات عفيفات وتقيات ونحن عادة نحكم على طهارة المرأة وعفتها وحياءها من طريقة لباسها، ونعتبر من تقصر فيه قد افتقدت لأهم ما يزين الأنثى، حياءها وعفتها. لذلك وبخته بالقول: “بعض الناس يشاهدون القذارة طوال اليوم ثم ينبحون على النقاب لأنه يخنقهم لأنه يحرمهم من المتعة المجانية التي ليس لهم حق التمتع بها فهو أصلاً يحرمهم من المغازلة كما يحرمهم من التعدي على أعراض المسلمين”. “أخواتنا الفاضلات المنتقبات لن يتحدثن إلى مسعور …..” .

لكن يا أختي الوضع مرعب للغاية، ويسخرون من النقاب والحجاب ويقولون إنهم يعلمون أخبار نساء فاسقات من وراء النقاب والحجاب. ومع أنني أوبخهم بأكثر الطرق فتكا ممكنة. لكن هذا الواقع المؤلم لابد من معالجته.

وبالنسبة لي أعتقد أن الأسباب هي:

1-التغيرات الهرمونية ونقص التوجيه.

2 -عدم احترام الذات لدى الفتيات المسلمات.

3 – الرغبة في الاندماج.

4 – براءة بعض الأخوات عندما يتحدثن مع الشباب الذين يبدون متدينين لأنهم يستخدمون مصطلحات مثل “جزاك الله أختي” و”بارك الله فيك” و”لديك علم ما شاء الله” والإطراءات بصيغة دينية،  والدعوات وما إلى ذلك من عبارات تصنع حسن الظن والأمان.

5- عدم الخوف من الله عز وجل.

6- تأثير الدراما التركية أو أي مسلسل قذر آخر في هذا الشأن.

7- ضعف الغيرة بين الرجال وخاصة الإخوة. أي نوع من الرجال هو الذي يخبر ابنته البالغة من العمر 15 عامًا أن ابن عمها هو شقيقها!؟ ولا بأس في اجتماعهما أو تعاملاتهما بدون تقوى!

8- أثر صحبة السوء.

والحقيقة أن توالي قطرات الماء على صخرة في نقطة واحدة يؤدي إلى تصدعها وانكسارها..!

سيقول أحدهم:

“أوه لا تكن سخيفا، إنهن مثل أخواتنا”.

“أوه، لا تشعر بالملل من الابتعاد عن الجميع. نحن أيضًا مسلمون ربما لا نظر الالتزام لكننا مسلمون”.

“لا تدخل الدين في كل شيء، اللمس، التحدث، المزاح مع الأولاد، الاختلاط بحسن ظن ونية، ليس من الضروري تقبيحه ……، فهذا طبيعي يحدث في زماننا وحتى مع الملتزمين”.

لقد تأملت المشاهد ووجدت سهولة وحرية الوصول إلى ابنة الإسلام التي لم تحظى بحصانة دينية ووعي تقي وأهل يحفظونها من الخطر، فقللت من قيمتها باتباع خطوات الشيطان كمثل خبيثات الغرب.

ويجب على الآباء أن ينظروا مع من تتعامل بناتهم، وإلا فسوف تنكسر بنات الإسلام تمامًا على يد رجال لا يبالون إلا بأنفسهم، وهذا من دلالات ضعف أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالفعل.

لقد شعرت بالسوء حقًا تجاه تلك الفتاة والله لأنها كانت من عائلة مسلمة، حيث لن يطلب أي أب ليبرالي من ابنته ارتداء الحجاب. لكن رغم ذلك وقعت في الفخ.

الله يهديها ويحفظ جميع بنات الإسلام.

آسف حاولت الاختصار كثيرا”. انتهت رسالة الأخ جزاه الله خيرا.

وقفات لابد منها

نحن نشاهد في هذه القصة التي نقلتها الرسالة ثلاثة حقائق متفق عليها:

الأولى: درجة الانفلات التي يعيشها المسلمون والمسلمات والاستهانة بذنب إقامة علاقات محرمة في الواقع تصل لحد الزنا.

الثانية: الألم الذي يعتصر قلب المسلم الملتزم الذي يرى هذه المجاهرة بالمعصية فينبري للإنكار، مع لا مبالاة في المكان!

الثالثة: درجة الهدم وصياغة الأذهان على طريقة المسلسلات في العلاقات بين الرجال والنساء، تحت مسمى الحب، فقد أحل الحرام وأصبحت المعصية منقبة!

ننتقل الآن لواقع هذه الفتاة التي تلبس حجابا ويبدو أنها من أسرة مسلمة ترجو صلاح ابنتها، ما الذي يوصلها لتسليم نفسها وجسدها لرجل في مكان كهذا، في زاوية من ميناء!

أولا: ضعف العقيدة والوازع الديني، لإهمال وتهميش التربية الإيمانية في الأجيال، وحشوها بواجب تحصيل شهادة ولو كان في سبيلها يستهان بالحرام ولو كانت الشهادة بحد ذاتها في ما لا ينفع! لقد وصل تقديس الشهادة في زماننا حتى فتن بها الناس، تقييما وتقديرا وقدموها على الدين ومراتب العلم والأدب.

ثانيا: سهولة الوصول لأعراض المسلمين فلا يوجد سياج غيرة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر إن لم ترتدع الفتاة بالخشية والحجاب، من المفترض أن يكون هناك ناهون عن المنكر في البيت وخارجه، وهو ما بات يتلاشى في مجتمعاتنا لكثرة المساس تفقد الإحساس.

ثالثا: انتكاس المفاهيم واعتقاد أن الحب هو إتاحة الحرام، مع أن الحلال سهل يكفي عقد زواج ويمكنه أن يسعدها وتسعده بما يرضي الله تعالى، لكن الحرام أسهل لمثل هذا الشاب وهي كذلك وفق ما تعلموه من المسلسلات.

رابعا: إن الشباب بعد سن البلوغ ترتفع لديهم مشاعر الحاجة النفسية والجسدية للسكن، فإن تم تأخير الزواج لأي عذر كان في مجتمعات تزدحم بالفتن والمغريات وتفتح الباب للفساد والحرام وتعرقل الحلال، فلنا أن نتخيل درجة الانجرار للزنا كيف ستكون سهلة! والضعف تجاه فاسق أو فاسقة ما أسهله! لذلك فإن كل من حارب الزواج في سن مبكرة يصنع الفساد في المجتمعات، فالزواج يعف ويساعد في النضوج ويقيم الحجة، وكل المساوئ التي يعددونها له في واقعنا اليوم مقابلها حسنات تجعله يرتفع كخيار وحل.

خامسا: استمرار الاختلاط وحكم غير إسلامي على المسلمين، يشجع باستمرار الانفلات وشغل الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وينزل من سقف المقاييس الراقية والاختيارات التقية، ويصبح كل شيء متقبلا! والأعداء يتقدمون ويمكرون ويفتكون!

سادسا: الإعلام والمسلسلات التي صاغت هذه الفتاة وهذا الشاب وملايين مثلهم، مصيبة في زماننا، لقد صوروا لهم الحياة لهث خلف الشهوات وإشباع الرغبات، وأن العلاقة يجب أن تكون بالحرام! ولم يخبروهم أن الإنسان عبد لله يستقيم وفق شريعته ويتمتع بالحلال لا بالحرام، فقاتل الله مسلسلات تصور المسلمين مجتمعات منحلة لا مكان فيها للخلق ولا العرف ولا الدين، النساء فيها مستباحات أو متمردات بحجة التقدم وحرية المرأة وهلم جرا من أفكار التغريب المميت.

كيف نحل مثل هذه المشكلة، في واقع لا تحكمه الشريعة؟

نحلها من ثلاث مسالك:

الأول: تكثيف دور الدعاة في صناعة وعي وتوفير تربية إيمانية تستهدف الرجال والنساء بخطط دعوية واستراتيجيات مثمرة تتطلب صبرا ويقينا.

ثانيا: تفعيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتضييق على المجاهرين بالمعصية بوعظهم وتذكيرهم بالله أثناء معصيتهم، فإن في ذلك أثرا عظيما.

ثالثا: الحرص على بناء أسر نظيفة تقية، من أول يوم تؤسس على التقوى، تكون فيها الأمهات مؤمنات عفيفات يسابقن لمرضاة الله والآباء، رجال صناديد يرجون رحمة الله، لا يخوضون في الحرام ويعظمون انتهاك حرمات الله، يربون أبناءهم على حرمات الدين والعرض، فنؤسس خلايا نقية وقوية، هي قوة صلبة في الأمة.

ولا شك أن ما لا يدرك كله لا يترك جله!

وبالموازاة لا يفوتنا أن نشدد على دور كل مسلم ومسلمة في داخل بيته، في صناعة وعي عقدي وأخلاقي مستمر، وحفظ وصيانة أعراض المسلمين بتحبيب النساء في الستر وتقبيح المتبرجة وذم كل ما يروج لمعصية وتطهير البيوت من ذلك قدر المستطاع.

والقلب إن لم تشغله بالحق شغله الباطل فلا بد من صناعة وعي وتوظيف الطاقات في مشاريع إسلامية واعدة، وفي المسابقة بالخيرات وكل عمل صالح، حتى لا ترجع لما يفتك بها وتكون فريسة سهلة للفتن.

وأحرض الدعاة والمصلحين على فتح برامج صناعة وعي وهمة ومشاريع مؤسساتية تشغل الجيل بالعمل لدينهم وأمتهم .. وتشجيع الزواج وتيسيره بين الصالحين والصالحات وإجراء دورات لإنجاح العلاقات الأسرية، والسعي بقوة في هذا الاتجاه لتوفير الحلال ودفع الحرام بعيدا.

هناك تفاصيل كثير بين الثنايا عن مفهوم حجاب القلب قبل الجسد، ومفهوم أداء العبادات بقلب وجل، وبمحبة وخشية ورجاء، وعن عاقبة التفريط في التقوى والاستهانة بحدود الله، وما يتعلق بالعبادات القلبية والصدق والخشية، يستحق اهتماما وعناية في صناعة التغيير والإصلاح.

وإن كان من نصيحة أختم بها هذا المقال، فهي مقاطعة المسلسلات تماما وصناعة وعي بخطرها الهدام على الأجيال وكشف خبثها وحقيقتها، وصناعة برامج تستبدل بها، فيها العلم والتقوى وكل ما ينفع الناس ويصنع هممهم ويرقي اهتماماتهم، وحتى لو كان فيها تسلية إلا أنها تسلية مباحة.

قال الله تعالى ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ (البروج : 10)

ولا شك أن الذي يسعى لصيانة المؤمنين والمؤمنات من الفتن لهو في مقام مجاهد في سبيل الله وفي مقام مراغمة في زماننا، فليعد نفسه قدر الاستطاعة ويعظم التوكل على الله والاحتساب وليكن قدوة وخير خلف لخير سلف فلا يؤتين الإسلام من قبله. والله مولانا ولا مولى لهم.

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x