مسؤولية الكلمة أمانة وعهد

إن تضييع مسؤولية الكلمة مفسد ولا بد وموجب للفتنة في الدين. ومن لم يع ذلك بعد، فما زال بعيدا عن موجبات البصيرة والمعية والهداية.

عن ابن مسعود رضى الله عنه قال:”ما حدثت قومًا حديثًا قط لم تبلغه عقولهم إلا كان فتنة على بعضهم”.رواه مسلم.

وقال علي رضي الله عنه:”حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟”.رواه البخاري.

أي “خاطبوا الناس على قدر عقولهم”.

ما يجري في زماننا، تضييع مسؤولية الكلمة لأسباب تكررت وهي:

تصدر الأصاغر منابر الإفتاء والتعليم، والخوض بهوى نفس وتعالم، وسوء فهم وشعبوية وشللية، على حساب الحق والعدل. في وقت غيّب فيه العلماء الربانيون.

الطرح المدلس والمطفف، الذي يضخم جزئية ويخفي الأخرى فيمنع توازن الطرح، ويصنع اختلال الفهم عند المتلقي الذي يعتقد أن الدين يعالج من هذه الزاوية فقط ويعتمد عليها حصرا، فيحرم شمولية الدين وعظمة سعته وحكمته.

الإطلاقات المجحفة، وهي تحكم بإطلاق ولا تفرق بين بار وفاجر في واقع شديد التعقيد، والظلم موجب للخذلان وخسران المعية والهداية.

الغاية تبرر الوسيلة، ويظهر ذلك في أساليب دحض شبهة أو الرد على مخالف فيستعين بما لا يجوز ويوظف ما لا يليق ولا يصح، بهدف إثبات خلاصة بعينها. فيستحسنه الناس ويجري بينهم هديا..!

الانتصار لحظوظ النفس وما أدراك هذا النوع من الانتصار، فهو خادع ومضلل، ويستهين بالكذب والتدليس والتضليل، تقوده الأهواء وتتستر بالدين والدين منه براء. والأجيال تشاهد كل ذلك وتتعلم!

السعي للتصدر ببضاعة مزجاة، لا ينشد صاحبها هداية الناس ولكن المراء والجدال وفق منهج خالف تعرف، فينقد لمجرد النقد يهمه أن يذكر اسمه ويشار له بالبنان، ويخطف الأضواء، أو الدفع بكل شخصية شهيرة للنقد لشهرتها لا لعلمها بحالة النقد. وسبب ذلك حب الرياسة التي يقول العارفون هي آخر ما يخرج من قلوب الصالحين!

طرح مواضيع في غير محلها ولا جمهورها، في وسط يعاني التخلف العقدي والأخلاقي وساحة تدافع كبرى، فيها من كل صنف وحالة، وتلتقطها الأذهان بمستويات فهم متباينة، وتحدث فتنة ونفورا من الدين وسوء فهم وتصور.

المعالجة السطحية التي تغفل عن مسببات المرض وتنشغل بالأعراض، وكلما ضعف التشخيص أصبح العلاج بعيدا، وكلما طال العبث، تأزمت الحالة وأصبحت تعاني المرض نفسه وتداعيات فشل علاجه.

سهولة التداول والوصول في مواقع التواصل، وسرعة انتشار المعلومة ولو كانت مضللة.

الاستناد إلى فكرة “الصراحة راحة” بدون مراعاة للحقوق وحقيقة أن بعض الصراحة وقاحة! فهي تهدم وتفسد وليست من الحكمة في شيء.

وغيره من مشاهدات تجعل التذكير بمسؤولية الكلمة عظيم جدا، والتنبيه إلى أن الله جل جلاله يحاسب على ذرة الخير والشر، فاستحضر وأنت تكتب وتتعامل (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق:18]

أكثر الله من الهداة المهتدين المصلحين، وأبعد الله البغاة المتسلقين المفسدين.

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x