أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ (1) ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (2) ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ (3) مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ (5) ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ (6) صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ (7)﴾ [سورة الفاتحة]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده، ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها”؛ أي: سورة الفاتحة؛ صحيح الترمذي.
وفي البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى قال: ( كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} (الأنفال: 24)، ثم قال لي: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: ({الحمد لله رب العالمين} هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته).
سورة الفاتحة
ليست سورةٌ في كتاب الله أشدَّ حضورًا في حياة المسلم، ولا أعمق التصاقًا بوجدانه، من سورة الفاتحة؛ تلك السورة المباركة التي تتردد على ألسنة المؤمنين في اليوم والليلة عشرات المرات، حتى غدت النبضَ الخفيَّ في صلاة كل مصلٍّ، والبابَ الذي لا تُفتح عبادة الصلاة إلا به. إنها السورة التي افتتح الله بها كتابه العظيم، وجعلها مفتاح القرآن، ومفتاح الوقوف بين يديه، ومفتاح الصلة بين العبد وربه.
سُمّيت الفاتحة لأنها فاتحة الكتاب، بها يبدأ التلاوة، ومنها ينطلق القارئ إلى رحاب القرآن الواسعة. وهي أم القرآن، لأنها جمعت في بنيتها الموجزة أصول الرسالة الكبرى، واختزلت في آياتها السبع جوهر الدين كله: معرفة الرب، وإفراد العبادة، وطلب الهداية، وتمييز طريق النجاة من طريق الهلاك. وهي كذلك أم الكتاب، والسبع المثاني، والقرآن العظيم، وسورة الحمد؛ وكل اسم من هذه الأسماء يفتح بابًا من أبواب عظمتها، ويكشف وجهًا من وجوه شرفها.
لقد اختصها الله بمنزلة لم تُعطَ لسورة غيرها؛ فهي نورٌ من السماء، وهدية ربانية لم يؤتها نبي قبل محمد صلى الله عليه وسلم. وقد بشّر جبريلُ النبيَّ بها حين نزل ملك من السماء لم ينزل قبلها قط، يحمل بشرى النورين: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة. وما أعظمها من كرامة، أن تكون هذه السورة هدية مخصوصة لهذه الأمة، تفتتح بها كتاب ربها، وتفتتح بها كل صلاة.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم، سمع نقيضاً من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا ملك من السماء نزل لم ينزل قط إلا اليوم، فلما نزل سلم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أُعطيتَه” [رواه مسلم].
ومن خصائصها الجليلة أنها ركن الصلاة الأعظم؛ فلا تصح صلاة من لم يقرأ بها. فهي ليست مجرد تلاوة تُستحب، بل هي قلب الصلاة الذي لا يقوم الجسد بدونه. ولذلك كانت الفاتحة أعظم سورة في القرآن، لأنها وحدها التي فرض الله حضورها في كل ركعة، لتبقى العلاقة بين العبد وربه متجددة لا تنقطع.
وفيها من أسرار القرب ما يجعلها مقام مناجاة فريدًا؛ فإذا قرأها العبد في صلاته كان في حوار مباشر مع الله تعالى، يجيبه رب العالمين آيةً آية. أي منزلة هذه التي تجعل المؤمن، كلما وقف في محرابه، يدخل حضرة الخطاب الإلهي، فيسمع بقلبه جواب ربه على لسان الوحي؟ إنها ليست سورة تُقرأ فحسب، بل لقاءٌ يتكرر، ومناجاة تتجدد، ورباط روحي لا يفتر.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: قال الله تعالى: ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) وفي رواية: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي) رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة.
ثم إنها سورة الشفاء؛ رقية مباركة بإذن الله تعالى، فقد ثبت في السنة أنها شفاء للأبدان كما هي شفاء للقلوب. لقد قرأها الصحابي على اللديغ فقام كأنما نشط من عقال، في مشهد يكشف عن سرٍّ عجيب أودعه الله فيها: أن هذه الآيات السبع ليست حروفًا تتلى فحسب، بل نفحات رحمة، وأسباب بركة، وأبواب عافية.
وفي الحديث عن أبي سعيد رضي الله عنه: أن ناساً من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – أتوا على حي من أحياء العرب فلم يُقْرُوهُم – أي يضيفوهم ويطعموهم – فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أو راق، فقالوا: إنكم لم تُقْرُونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعلاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ، فأَتَوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي – صلى الله عليه وسلم -، فسألوه، فضحك وقال : (وما أدراك أنها رقية، خذوها واضربوا لي بسهم ) رواه البخاري,
وسورة الفاتحة سورة مكية، نزلت في مكة قبل الهجرة، في زمن تأسيس العقيدة وبناء الإيمان، وكأنها كانت منذ اللحظة الأولى حجر الأساس في تكوين المسلم: تعريفًا بربه، وتثبيتًا لعبوديته، وربطًا له بالهداية التي لا حياة للروح إلا بها.
أما مقاصدها، فهي في غاية الجلال: التعريف بالله سبحانه بأسمائه وصفاته، وبيان طريق العبودية الخالصة له، وكشف أحوال الناس في السير إليه. فهي ترسم للمؤمن خارطة الطريق: من أين يبدأ، وإلى من يتوجه، وما السبيل الذي يلزمه، وما المصير الذي ينبغي أن يحذره.
وحين افتتح الله بها القرآن، لم يكن ذلك إلا لأنها الديباجة الكبرى للرسالة كلها؛ فما من معنى عظيم في القرآن إلا وله أصل في الفاتحة، وما من مقصد قرآني إلا وبذرته كامنة فيها. إنها المقدمة الجامعة، والخلاصة المكثفة، والباب الذي من دخله فهم سر القرآن كله.
إن الفاتحة ليست مجرد سورة نحفظها منذ الطفولة، ثم نمضي عنها غافلين؛ إنها السورة التي لو وعى القلب حقيقتها، لعاش معها عمره كله لا يملّها. هي السورة التي تصحب المسلم من أول صلاته إلى آخر أنفاسه، وتبقى شاهدة على صلته بالله عز وجل، وعلى صدق افتقاره إلى الهداية، وعلى حاجته الدائمة إلى ربه.
فطوبى لمن قرأها بقلب حاضر، واستشعر أنها ليست افتتاح القرآن فقط، بل افتتاح الطريق كله إلى الله.
“أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”
ما من قارئٍ يفتح كتاب الله إلا ويطرق أولًا باب الاستعاذة، وكأن القرآن لا يُنال إلا بعد تطهير المدخل، ولا تُفتح خزائنه إلا إذا احتمى القلب بالله من عدوّه الأول. فقوله: “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم” ليس لفظًا يسبق التلاوة فحسب، بل هو إعلانُ افتقار، وميثاقُ لجوء، واعترافٌ بأن الإنسان، مهما بلغ من قوة، لا يملك أن يواجه الشر وحده دون عون مولاه.
ومعنى “أعوذ”: أي الاحتماء بالله وحده.
“أعوذ”: أي ألتجئ، وأعتصم، وأستجير.
إنها كلمة المستضعف الذي أدرك أن لا حصن له إلا الله، ولا ملجأ له من غوائل النفس والشيطان إلا في ركن الله الشديد.
فالعبد حين يقول: “أعوذ بالله” كأنه يعلن انسحابه من حوله وقوته، ويدخل في حماية الله عز وجل، متبرئًا من نفسه، معترفًا أن الشر إذا تُرك له لحظةً واحدة هلك، وأن النجاة كلها في الاحتماء برب العالمين.
ليست الاستعاذة مجرد افتتاح لفظي، بل هي حركة قلبية عميقة: فرارٌ من الضعف إلى القوة، ومن الخوف إلى الأمان، ومن التهديد الخفي إلى الحصن الإلهي الذي لا يُقتحم.
“بالله”: تخصيص الملجأ بمن لا يُغلب.
ولم يقل: أعوذ بقوةٍ، أو بعقلٍ، أو بخلقٍ، بل قال: “بالله”.
لأن المستعاذ به لا بد أن يكون أقوى من المستعاذ منه، ولا أحد يملك دفع شر الشيطان إلا الله جل جلاله.
فالشيطان قد يتسلل إلى القلب، ويجري في النفس مجرى الدم، ويزيّن الباطل في صورة الحق، فلا يكشف مكره إلا الله، ولا يبطل كيده إلا الله، ولا يطرد وسوسته إلا نور الله.
ولهذا كانت الاستعاذة توحيدًا عمليًا، لأنك حين تقولها تقرّ أن الحماية الحقيقية ليست إلا بيد الله وحده.
“من الشيطان”: العدو المتمرّد.
الشيطان في أصل اللغة هو كل متمرّد خارج عن الخير، بعيد عن الطاعة، منحرف عن جادة الحق.
وسُمّي شيطانًا لبعده عن الرحمة، وبعده عن الخير، كما يقال: شطنت الدار، أي بَعُدت.
فالشيطان ليس اسمًا لإبليس وحده، بل هو وصفٌ لكل متمرّدٍ مفسد، من الجن أو الإنس، كما قال الله تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن﴾.
إنه رمز العصيان المتجسد، والتمرّد الذي انفصل عن نور الطاعة حتى صار عدوًا لله ولعباده.
والشيطان لا يهاجم الإنسان من بابٍ واحد؛ بل يدخل من منافذ الغفلة، ومن شقوق الشهوة، ومن أبواب الغرور، يلبس الباطل ثوب الحكمة، ويغلف السم بالعسل، حتى يوقع القلب في حبائله.
“الرجيم”: المطرود الملعون.
فـ “الرجيم” هو المطرود المبعد عن رحمة الله، الملعون الذي رُجم وطُرد من مقام القرب، وأُبعد عن سماء الطهر.
وأصل الرجم في اللغة: الرمي والطرد.
فهو مرجوم من رحمة الله، مرذولٌ في مقامه، ساقطٌ من عليائه، لا يملك إلا أن يحاول جرّ غيره إلى هاويته.
وفي وصفه بالرجيم تذكيرٌ للمؤمن بحقيقة هذا العدو: أنه ساقطٌ مهزومٌ مطرود، وإن بدا في وسوسته قويًا؛ لأن من طرده الله لا سلطان له على من احتمى بالله.
سرّ الاستعاذة قبل القرآن
لماذا شُرعت الاستعاذة قبل التلاوة؟
لأن القرآن نور، والشيطان لا يطيق النور. ولأن القلب إذا دخل القرآن بغير استعاذة، دخلته الوساوس، فشوّشت فهمه، وأفسدت عليه تدبره.
فالاستعاذة تطهير للممرّ قبل نزول الوحي إلى القلب، وهي كنسٌ لظلمة الوسواس قبل إشعال مصباح الهداية.
ولهذا كان أول ما علّم جبريلُ النبيَّ ﷺ عند نزول الوحي: الاستعاذة؛ لأن الطريق إلى كلام الله لا يبدأ إلا بإبعاد العدو الذي يقطع الطريق.
والاستعاذة معركة يومية.
فقولك: “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم” هو في الحقيقة موقف يومي في معركة لا تهدأ؛
معركة بين قلب يريد الله، وعدو يريد صرفه عن الله.
فإذا استشعرت معناها حقًا، لم تكن مجرد كلمة تُقال باللسان، بل صارت يقظةً في الروح، واستنفارًا للقلب، واعتصامًا دائمًا بمن لا يخذل من احتمى به.
إن الاستعاذة باب يُفتح، وحصن يُلجأ إليه، وراية يرفعها المؤمن في وجه عدوه القديم.
فإذا قلتها فقلها بقلبٍ يعلم أنه ضعيف، ويلجأ لربه لأنه يعلم أنه القوي، ويعلم أيضا أن عدوه لا يُغلب إلا بالله.
فطوبى لقلبٍ عرف معنى الاستعاذة، فصار كلما هاجمته الظلمات، فرّ إلى الله، وقال بصدقٍ وانكسار: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم
اتفق القراء على وجوب قراءة البسملة في بداية الفاتحة، سواء كان القارئ مبتدئًا القراءة أو في أثنائها. كما اتفقوا على وجوب الإتيان بها في ابتداء ما سوى الفاتحة من السور إلا سورة التوبة، فإنها لا تبتدأ بها. قال ابن بري: :ولا خلاف عند ذي قراءة في تركها في حالتي براءة وذكرها في أول الفواتح والحمد لله لأمر واضح.
ومسألة البسملة في الفاتحة وما يترتب على تركها في الصلاة من المسائل الخلافية التي بحث فيها العلماء قديمًا ولم يصلوا فيها إلى ما يقطع النزاع ويرفع الخلاف. ولكل مذهب فيها قول، بين من يوجب قراءتها كآية من سورة الفاتحة وبين من يرى أنها ليست بآية، لعدم جهر الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه بها في الصلاة.
وليست البسملة كلمةً تُقال على عتبة الأعمال فحسب، بل هي المفتاح الذي يدخل به المؤمن إلى كل شأنٍ متصلًا بربه، وسرُّ البداية التي لا تكتمل إلا بالله، ولا تُبارك إلا باسمه، ولا تستقيم إلا إذا استندت إلى رحمته. إنها الكلمة التي يفتتح بها المسلم قراءته، وكتابته، وسعيه، وخطوه في الحياة؛ لأن من بدأ بالله، بدأ من باب القوة، ومن دخل باسم الله، دخل في معية الحفظ والبركة والعون.
حين يقول العبد: “بسم الله” فهو يعلن أن بدايته ليست بنفسه، ولا بحوله، ولا بذكائه، بل بالله وحده؛ كأنه يتخفف من دعوى الاستقلال، ويعترف أن كل عمل لا يُسند إلى الله عز وجل يبقى ناقص الروح، قليل البركة، معرضًا للخذلان.
“بسم”: افتتاحٌ بالاعتماد والتبرك.
والباء في “بسم” هي باء الالتجاء والاعتماد، أي: أبدأ مستعينًا بالله، متبركًا باسمه، مستمدًا منه القوة والتوفيق.
فالمؤمن حين ينطق بها، كأنه يضع عمله كله تحت مظلة العناية الإلهية، ويطلب أن يكون الله رفيق خطاه، وحارس قصده، ومبارك أثره.
وما أجمل أن يبدأ الإنسان باسم الله؛ لأن ما افتتح باسمه تعالى تنزّه عن العبث، وارتبط بالمعنى، وارتقى من العادة إلى العبادة.
“الله”: الاسم الجامع لكل الجلال والكمال.
و”الله”، الاسم الأعظم وهو الاسم الذي تنضوي تحته جميع الأسماء الحسنى، والاسم الذي لا يسمى به غيره، لأنه عَلَم على ذات الله سبحانه وتعالى، خاص به لا يُسمَّى به غيره، هو الله المعبود بحق، المستحق وحده للخضوع والمحبة والطاعة. جل جلاله.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: “هو الواحد الأحد، الذي لا نظير له، ولا وزير، ولا ندَّ، ولا شبيه، ولا عديل، ولا يُطلَق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله عز وجل؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله”.
و“الله” هو المألوه الذي تألهه القلوب حبًا، وتقصده الأرواح افتقارًا، وتخضع له النفوس إجلالًا.
هو الاسم الذي إذا نطق به القلب امتلأ رهبةً وأنسًا، وإذا استحضره العبد شعر أنه بين يدي من له الجلال كله، والكمال كله، والملك كله.
وفي هذا الاسم سرّ التوحيد كله: أن لا يُقصد غيره، ولا يُرجى سواه، ولا يُعبد إلا هو.
“الرحمن”: الرحمة التي وسعت الوجود.
ويتجلى الله لعباده باسم الرحمة الأولى: “الرحمن”.
وهو اسم يدل على الرحمة العامة الشاملة التي وسعت كل شيء؛ رحمةٌ غمرت الخلق جميعًا: الإنسان والحيوان، المؤمن والكافر، البرّ والفاجر.
فالكون كله قائم على آثار هذا الاسم: في رزق الطفل قبل أن يعرف السؤال، وفي نزول المطر على الأرض اليابسة، وفي نسمة الهواء التي تدخل الصدر بغير ثمن، وفي ستر الله على عباده رغم تقصيرهم.
“الرحمن” هو الفيض الذي يغمر العالم كله، والرحمة التي لا يخرج عنها مخلوق.
أما “الرحيم”: فالرحمة الخاصة التي تلازم المؤمنين.
فـ “الرحيم” هو اسم الرحمة الخاصة، الرحمة التي يخص الله تعالى بها أولياءه، ويكتبها لعباده المؤمنين، فيرعاهم بها في الدنيا هدايةً، وفي الآخرة مغفرةً ورضوانًا.
إنها الرحمة التي تُطمئن القلب إذا اضطرب، وتغفر الذنب إذا انكسر صاحبه، وتفتح أبواب القرب لمن صدق في التوبة.
فإذا كان “الرحمن” رحمةً تشمل الخلق، فإن “الرحيم” رحمةٌ تحتضن المؤمنين احتضان العناية الخاصة.
سر اقتران الاسمين
واجتماع “الرحمن الرحيم” ليس تكرارًا، بل كمالُ بيان: فالأول يعلن سعة الرحمة، والثاني يعلن دوامها وخصوصيتها.
وكأن العبد حين يقرأ البسملة، يُفتح له بابان من الرجاء: باب الرحمة العامة التي يعيش بها، وباب الرحمة الخاصة التي ينجو بها.
والبسملة منهج حياة.
فـ “بسم الله الرحمن الرحيم” ليست مجرد صيغة افتتاح، بل هي منهج حياة؛ أن تبدأ بالله، فتكون نيتك له، وأن تسير تحت رحمته، فلا تيأس، وأن تستشعر في كل شأن أن الله حاضر بأسمائه وصفاته، قريب بعونه، واسع برحمته.
هي إعلان أن الحياة كلها ينبغي أن تُبنى على التوحيد: بدايتها بالله، ومسيرتها برحمة الله، ونهايتها إلى الله.
فإذا قلت: “بسم الله الرحمن الرحيم”، فلا تقلها بلسانك وحده، بل قلها بقلبٍ يستشعر أنه يدخل باب الله، ويبدأ مستعينا بالله، ويتفيأ ظلال رحمة الله.
إنها كلمة صغيرة في حروفها، عظيمة في معناها، تحمل في مطلعها التوحيد، وفي وسطها العبودية، وفي ختامها الرحمة.
فطوبى لمن جعلها مفتاح يومه، ومفتاح عمله، ومفتاح قلبه.
الحمد لله رب العالمين
ما إن ينطق القلب بهذه الآية الجليلة: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، حتى يدخل في مقامٍ من أعظم مقامات العبودية: مقام الاعتراف بالكمال لله، والإقرار بالفضل لله، وردّ كل جميل في الوجود إلى مصدره الأول: الله.
إنها ليست جملة ثناء فحسب، بل هي مفتاح المعرفة، وأصل الشكر، ولسان الكون كله وهو يعلن أن المستحق للحمد المطلق، أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، هو الله وحده.
“الحمد”: الثناء الذي يليق بالكمال المطلق,
فالحمد هو الثناء على المحمود بصفات كماله، وبآثار فضله وعدله، مع المحبة والتعظيم.
ولذلك كان الحمد أوسع من الشكر؛ لأن الشكر يكون على النعمة، أما الحمد فيكون على النعمة، وعلى صفات الجلال والكمال، وعلى الأفعال كلها، سواء أدرك العبد حكمتها أم لم يدركها.
فإذا قلت: “الحمد لله”، فأنت لا تحمده فقط على ما أُعطيت، بل تحمده لأنه أهل للحمد، لأنه الكامل في ذاته، في أسمائه، في صفاته، في أفعاله.
تحمده لأن رحمته واسعة، ولأن عدله قائم، ولأن حكمته لا تختل، ولأن فضله يسبق السؤال.
فهو المحمود في السراء إذا أقبلت النعم، وهو المحمود في الضراء إذا خفيت الحكم. ولذلك كان النبي ﷺ إذا أصابته السراء قال: “الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات”، وإذا أصابته الضراء قال: “الحمد لله على كل حال”.
لأن الحمد ليس متعلقًا بحال العبد، بل بجلال الرب.
“لله”: انفراد المستحق بالحمد كله,
فقد جاء قوله: “لله”، ليحصر الحمد كله فيه سبحانه، فلا يستحق الحمد على الحقيقة إلا هو. جل جلاله.
فكل حمد يُقال لمخلوق، فإنما هو في أصله عائد إلى الله تعالى؛ لأن ما بالمخلوق من خير فمنه، وما في الكون من جمال فمن صنعه، وما في الحياة من نعمة فمن عطائه.
إنك إذا حمدت إنسانًا على معروف، فالله أولى بالحمد؛ لأنه الذي منحه القدرة، وألهمه الإحسان، ويسّر له الفعل.
فالحمد كله يبدأ من الله، وينتهي إلى الله.
“رب”: السيد المالك المربي المدبر.
هكذا يجيء الوصف الجليل: “رب”، وهو من أوسع ألفاظ القرآن معنى، وأغناها دلالة.
فالرب هو: الخالق، المالك، السيد، المدبر، المربي لعباده بنعمه الظاهرة والباطنة.
إنه الذي أنشأ الخلق من العدم، ثم لم يتركهم هملاً، بل تكفّل بأرزاقهم، وهيأ لهم أسباب بقائهم، وساق إليهم من النعم ما لا يحصونه.
فكل نَفَس تتنفسه، وكل نبضة في قلبك، وكل قطرة ماء، وكل شعاع شمس، هو أثر من آثار ربوبيته.
وربوبيته تعالى للعالمين نوعان:
أولها: الربوبية العامة، وهي التي تشمل جميع الخلق، مؤمنهم وكافرهم، إنسهم وجنهم، صغيرهم وكبيرهم.
خلقهم، ورزقهم، وأمدّهم بما تقوم به حياتهم، وهدى كل مخلوق إلى ما يصلحه في دنياه.
فالطير تعرف أوكارها، والنحل تهتدي إلى خلاياها، والطفل يهتدي إلى ثدي أمه، وكل ذلك من آثار الربوبية العامة.
أما الثانية فهي: الربوبية الخاصة، وهي أعظم وأخص، لأنها تربية الله لأوليائه بالإيمان، والهداية، والتوفيق، والتزكية.
يربيهم على الطاعة، ويفتح لهم أبواب القرب، ويصرف عنهم ما يصدهم عنه، ويعينهم على مجاهدة نفوسهم.
إنها تربية الأرواح لا الأجساد فقط؛ تربية تصنع المؤمن من داخله، حتى يكتمل في قلبه النور، ويثبت على الصراط.
ولهذا كان الأنبياء يكثرون من دعاء الله باسم “الرب”، لأن مطالبهم الكبرى كلها داخلة في هذا المعنى: معنى التربية، والرعاية، والتكميل.
“العالمين”: اتساع الملك وشمول السلطان!
يختم الوصف بقوله: “العالمين”، والعالمون هم كل ما سوى الله: الإنسان، والملائكة، والجن، والحيوان، والسماء، والأرض، وكل ما ظهر وما خفي.
فهو رب الجميع بلا استثناء، ولا يخرج شيء في الوجود عن سلطانه، ولا تستغني ذرة عن تدبيره.
وهنا يشعر الإنسان بحقيقته الكبرى: أنه فقير إلى الله من كل وجه، في وجوده، وفي رزقه، وفي هدايته، وفي بقائه.
بينما الله غني عن العالمين جميعًا.
ولم يفتتح الله كتابه بالحمد عبثًا؛ لأن أول ما ينبغي أن يملأ قلب العبد إذا عرف ربه هو الحمد.
فالمعرفة الصحيحة بالله لا تنتج إلا الثناء عليه، والقلب إذا أبصر آثار ربوبيته امتلأ امتنانًا، وإذا شهد كماله انحنى تعظيمًا.
﴿الحمد لله رب العالمين﴾ هي رؤية كاملة للوجود، أن ترى الله مصدر كل خير، ومالك كل أمر، ورب كل حي، ومستحق كل حمد.
فإذا نطقتها، فانطقها بقلبٍ ممتلئ يقينًا: أن كل ما فيك منه، وكل ما حولك بفضله، وكل ما ترجوه لا يكون إلا بعونه.
فالحمد له أولًا… والحمد له آخرًا… والحمد له في كل حال ووقت.
الرحمن الرحيم
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .. كنا تحدثنا في البسملة عن معانيها، (الرَّحْمَنِ) الذي وسعت رحمته جميع الخلق, و(الرَّحِيمِ), بالمؤمنين, وهما اسمان من أسماء الله تعالى.
مالك يوم الدين
ثم يجيء هذا الإعلان المهيب في سورة الفاتحة: ﴿مالك يوم الدين﴾،
كأنه زلزال الحقيقة الكبرى الذي يوقظ القلب من غفلته، وينزع عن النفس أوهام الدنيا، ويعيد الإنسان إلى المشهد الأعظم، يوم يقف الخلق جميعًا بين يدي الله عز وجل، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، ولا يجدون ملجأً إلا عدله، ولا مأمنًا إلا رحمته.
إنها آية تختصر مصير البشرية كلها في ثلاث كلمات، لكنها تحمل في طياتها رهبة القيامة، وهيبة الملك، وعدالة الجزاء.
“مالك”: الملك المطلق الذي لا يشاركه أحد.
فالمالك هو المتصرف المطلق، الذي له الأمر كله، والحكم كله، والتدبير كله، لا يخرج شيء عن سلطانه، ولا يمتنع شيء عن إرادته.
فهو الذي يأمر فيُطاع، وينهى فيُمتثل، ويثيب من شاء بفضله، ويعاقب من شاء بعدله.
وملك الله ليس كملك المخلوقين؛ فملوك الدنيا يملكون ظاهرًا زائلًا، مقيدًا بالزمان والمكان، أما الله فملكه أزلي أبدي، كامل لا يعتريه نقص، شامل لا يحده حد.
إنه سبحانه مالك الملك كله، ولكن حين يخصّ نفسه هنا بقول: ﴿مالك يوم الدين﴾، فإنما يخص هذا اليوم بالذكر لعظم ظهوره فيه، وانكشاف الحقيقة فيه، حين تسقط كل الألقاب، وتنهار كل العروش، وتذوب كل ادعاءات القوة.
يوم الدين: يوم الجزاء الذي لا يضيع فيه شيء.
“يوم الدين”، هو يوم القيامة، يوم الحساب والجزاء، اليوم الذي تُدان فيه الخلائق بأعمالها: خيرها وشرها، صغيرها وكبيرها.
هو اليوم الذي لا يغيب فيه عمل، ولا تُنسى فيه دمعة، ولا يُهمل فيه ظلم، ولا يضيع فيه إحسان.
في ذلك اليوم، يُردّ كل حق إلى صاحبه، ويُقتص للمظلوم من ظالمه، ويُجزى المحسن بإحسانه،
ويُواجه المسيء ما اقترفت يداه.
إنه يوم الحقيقة العارية، حين لا يبقى للإنسان إلا عمله.
لماذا خُصّ هذا اليوم بالذكر؟ والله مالك الدنيا والآخرة جميعًا،
فلماذا قال: ﴿مالك يوم الدين﴾؟
لأن ملكه في الدنيا قد يحتجب عن الأبصار بأسباب ظاهرية؛ فالناس يرون ملوكًا وسلاطين، ويرون أصحاب سلطان وجاه، فيظنون لهم ملكًا مستقلًا.
أما في يوم القيامة، فإن كل تلك الأقنعة تسقط، ولا يبقى إلا ملك الله ظاهرًا جليًا لا ينازعه أحد.
في ذلك اليوم، يصمت الجبابرة، وتنحني الرؤوس التي تكبرت، وتذل الرقاب التي تجبرت.
ثم يأتي النداء العظيم: ﴿لمن الملك اليوم؟﴾
فلا يجيب أحد… لأن لا أحد هناك يملك جوابًا، ولا يملك شيئًا.
فيأتي الجواب من الله نفسه: ﴿لله الواحد القهار﴾.
يوم تتساوى فيه الخلائق جميعًا، ففي الدنيا تتفاوت المنازل: هذا ملك وذاك فقير، هذا قوي وذاك ضعيف، وهذا سيد وذاك خادم.
أما في يوم الدين، فالكل سواء أمام عدل الله جل جلاله: الملوك والرعايا، الأغنياء والفقراء، الأحرار والعبيد.
لا جاه يحمي، ولا نسب ينفع، ولا سلطان يشفع إلا بإذن الله عز وجل.
الجميع واقفون في صفٍّ واحد، مذعنون لعظمته، خاضعون لهيبته، منتظرون حكمه. جل جلاله!
وحين يكرر المسلم هذه الآية في كل ركعة، فهو لا يرددها مجرد لفظ، بل يذكّر نفسه كل يوم بمصيره، ويوقظ في قلبه شعور المسؤولية.
فمن استحضر أن هناك يومًا للحساب: راقب قوله، وضبط فعله، وكفّ عن الظلم، واستكثر من الخير. لذلك من يتلفظ بها بقلبٍ لاهٍ وغافلٍ هو محروم من أثر معانيها في نفسه وسلوكه.
والإيمان بأن الله مالك يوم الدين يربي في النفس ميزانًا عظيمًا: ميزان الخوف والرجاء، الخوف من العقاب، والرجاء في الثواب.
وهذه الآية ليست فقط آية رهبة، بل أيضًا آية طمأنينة. لأنها تعني أن الكون ليس عبثًا، وأن المظالم لن تبقى بلا حساب، وأن دموع المقهورين محفوظة، وأن الظالم مهما طغى، فله يوم يقف فيه عاجزًا بين يدي مالك يوم الدين.
إنها وعد للمظلوم، وإنذار للظالم، وعزاء للمؤمن حين يرى اختلال موازين الدنيا.
﴿مالك يوم الدين﴾ آية تهز القلب ليستيقظ، وتكسر غرور الدنيا في النفس، وتذكّر الإنسان أن رحلته لا تنتهي عند حدود الأرض.
فإذا قرأتها، فاستشعر أنك تقف أمام ملكٍ لا يزول ملكه، وأمام يومٍ لا مهرب منه، وأمام حسابٍ لا يغيب عنه شيء. هناك… لن يبقى معك إلا عملك، ولن ينفعك إلا صدقك، ولن يحكم فيك إلا الله… مالك يوم الدين.
إياك نعبد وإياك نستعين
هنا تبلغ سورة الفاتحة ذروة العبودية، وتصل الروح إلى لبّ الدين وجوهر الرسالة، في هذا الإعلان الخاشع العظيم: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾.
إنها الآية التي تختصر حقيقة الإنسان كلها: من هو؟ ولمن يعيش؟ ومن أين يستمد القوة؟ وإلى من يتوجه في ضعفه ورجائه؟
ففي هذه الكلمات الأربع ينتقل العبد من الثناء على الله عز وجل إلى الوقوف بين يديه موقف العابد المفتقر، فيعلن بصدقٍ كامل: لا معبود لي سواك، ولا معين لي غيرك.
“إياك”: تقديم يفيد الحصر والانفراد.
بدأت الآية بلفظ “إياك”، وقد قُدِّم على الفعل ليفيد الحصر والقصر؛ أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك.
وهذا التقديم ليس مجرد أسلوب لغوي، بل هو بناء عقدي كامل: إفراد الله وحده بالعبادة، وإفراد الله وحده بالاعتماد.
كأن القلب هنا يغلق كل الأبواب إلا باب الله، ويقطع كل تعلق إلا به، ويرفض أن ينحني لسواه أو يرجو غيره.
إنها كلمة تحرر الإنسان من عبودية الخلق، وتنقله من الذل للمخلوق إلى العزة بالخالق.
“نعبد”: غاية الحب مع غاية الخضوع.
فالعبادة ليست طقوسًا تؤدى فحسب، وليست حركات ظاهرية مجردة، بل هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، الظاهرة والباطنة.
فالعبادة تشمل الصلاة والصيام، كما تشمل الصدق، والصبر، والحياء، والإحسان، والنية الخالصة.
وحقيقة العبادة أن يكون القلب ممتلئًا حبًا لله، وتعظيمًا له، وخضوعًا بين يديه. جل جلاله.
وحين يقول العبد: ﴿إياك نعبد﴾، فهو يعلن أن حياته كلها لله: صلاته لله، دعاؤه لله، عمله لله، دمعته لله، وفرحه وحزنه لله.
إنها كلمة تُخرج القلب من التشتت، وترده إلى مركزه الحقيقي: الله.
وجاء الفعل هنا بصيغة الجمع، لماذا؟
لم يقل: “إياك أعبد”، بل قال: ﴿إياك نعبد﴾،
ليتجلى معنى الجماعة المؤمنة، وليعلم الإنسان أنه ليس وحده في طريق العبودية،
بل هو جزء من أمة كاملة تقف صفًا واحدًا بين يدي ربها.
وفي هذا الجمع أيضًا أدب عظيم؛ فكأن العبد لا يتقدم منفردًا، بل يدخل مع جماعة المؤمنين، مستترًا في صف العابدين.
“وإياك نستعين”: الاعتراف بالفقر الكامل.
تأتي هذه الجملة الثانية: ﴿وإياك نستعين﴾، وكأنها الوجه الآخر للعبودية.
فالعبادة وحدها لا تكفي ما لم يمدّ الله العبد بعونه؛ لأن النفس ضعيفة، والطريق طويل، والقلب يتقلب، والشيطان يتربص.
ولهذا كان العبد محتاجًا إلى الله في كل لحظة: في أن يصلي، وفي أن يخلص، وفي أن يصبر، وفي أن يثبت.
فالاستعانة هي اعتماد القلب على الله في جلب المنافع ودفع المضار، مع الثقة الكاملة بأنه وحده الموفق والمعين.
إنها اعتراف ضمني بأن الإنسان عاجز بذاته، وأن لا قوة له على الطاعة إلا بالله. عز وجل.
ثم ما السرّ في تقديم العبادة على الاستعانة؟
قُدمت العبادة على الاستعانة لأن العبادة هي الغاية، والاستعانة هي الوسيلة إليها.
فنحن خُلقنا لنعبد الله، لكننا لا نستطيع أن نعبده حق عبادته إلا إذا أعاننا.
فالعبادة حق الله، والاستعانة حاجة العبد.
وفي هذا الترتيب تربية للنفس: أن يكون همّها الأول أداء حق ربها، ثم تطلب منه العون على ذلك.
وفي هذه الآية دواء وشفاء لأدواء كثيرة: فهي تطهر القلب من الرياء، لأن العبد لا يطلب وجه غير الله. وتنقيه من العجب، لأنه يعلم أن توفيقه ليس من نفسه. وتحرره من الكبر، لأنه مفتقر دومًا إلى معونة ربه. وتخلصه من التعلق بالخلق، لأنه لا يستند إلا إلى الله. لا يعتمد إلا على الله. لا يتوكّل إلا على الله. لا يركن إلا إلى الله.
فمن حقق معنى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، تحرر من أسر الدنيا، وعاش عزيز القلب، ثابت الخطى، محلقًا بروحه في رحاب العبودية لله جل جلاله.
ولكي تكون العبادة عبادة حقًا، لا بد من أمرين: أن تكون خالصة لله وحده، وأن تكون على هدي رسول الله ﷺ.
فالإخلاص بلا اتباع بدعة، والاتباع بلا إخلاص عادة. ولا يقبل الله إلا ما اجتمع فيه الأمران.
هذه الآية هي مفتاح النجاة كلها ومفتاح السعادة الأبدية: فالعبد لا يسعد في الدنيا، ولا ينجو في الآخرة، إلا إذا عبد الله حقًا، واستعان به صدقًا.
فيها سر الطمأنينة: أن يكون مقصدك واحدًا، ومعينك واحدًا، ورجاؤك واحدًا.
﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ هي عهد يومي يتجدد بين العبد وربه، وميثاق ولاء لا شريك فيه،
وإعلان افتقار لا كبرياء معه.
فإذا نطقتها، فانطقها بقلبك قبل لسانك: سلّم عبادتك لله وحده، وألقِ حملك كله متوكلا على الله وحده.
فمن عبد الله مخلصًا، واستعان به صادقًا، وجد في قلبه من القوة ما لا تمنحه الدنيا، ومن السكينة ما لا تصنعه الأسباب. وهذا باب فصّل فيه أهل العلم الكثير من الفوائد والخلاصات، تتردد في القلب أثرًا وفتحًا بقدر الإخلاص وحسن الاتباع. لذلك الناس فيها مراتب، فاللهم إنا نسألك من فضلك العظيم.
اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ
هنا يبلغ الدعاء ذروة الافتقار، ويقف العبد على باب مولاه موقف السائل الذي لا نجاة له إلا بهدايته، فيقول: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾؛ أي دلّنا يا رب، وأرشدنا، ووفّقنا، وثبّتنا على الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، الطريق الذي يفضي إلى رضاك، وينتهي إلى جنتك.
إنه ليس مجرد طلب لمعرفة الطريق، بل طلب للسير فيه، والثبات عليه، وعدم الزلل عنه؛ فكم من إنسان عرف الحق ولم يسلكه، وكم من سالك بدأ الطريق ثم انحرف عنه. لذلك كان هذا الدعاء سؤالًا للهداية علمًا، وعملًا، وثباتًا، وخاتمةً حسنة حتى الممات.
والصراط المستقيم هو طريق الإسلام الخالص، الطريق الذي رسم معالمه الوحي، وسلكه الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، وهو الطريق الذي جاء به خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، فلا سعادة لعبد إلا بلزومه، ولا نجاة له إلا بالاستقامة عليه.
وفي هذه الآية سرّ عظيم: أن المؤمن مهما بلغ من العلم والصلاح، يبقى محتاجًا إلى الهداية في كل لحظة؛ لأن القلب بين تقلبات الفتن، والنفس بين دوافع الهوى، ولا عصمة إلا بتوفيق الله. فمن هداه الله فقد ربح الدنيا والآخرة، ومن وكله إلى نفسه ضلّ وإن ظن أنه يبصر الطريق.
ولهذا كانت هذه الآية من أجمع الدعوات وأعظمها، إذ تختصر حاجة الإنسان كلها في كلمة واحدة: الهداية. فكل خير بعدها ثمرة منها، وكل شر سببه فقدها. إنها دعوة الروح إلى ربها: يا رب، لا تتركني لنفسي، وخذ بيدي إلى طريقك الذي لا يضل سالكه، ولا يشقى من استقام عليه.
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
بعد أن سأل العبد ربَّه الهداية إلى الصراط المستقيم، جاء البيان الإلهي يوضح حقيقة هذا الطريق، حتى لا يبقى المعنى مجرد لفظٍ مجمل، فقال سبحانه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي طريق أولئك الصفوة الذين اصطفاهم الله بنعمته الكبرى: نعمة الإيمان، وشرّفهم بالهداية والثبات، من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين. هؤلاء هم أهل الطريق الحق، الذين عرفوا ربهم، فساروا إليه على نور، وجمعوا بين صحة العلم وصدق العمل، فاستقامت بهم الخطى إلى مرضاة الله عز وجل.
إنه طريق مضيء، موصول بالسماء، سلكه الأطهار قبلنا، فصار من سار فيه آمنًا من التيه، محفوظًا من الانحراف؛ لأنه طريق قامت معالمه على الوحي، لا على الهوى، وعلى الاتباع، لا على الابتداع.
ثم يأتي التحذير، حتى تتضح حدود النجاة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وهم الذين عرفوا الحق ثم أعرضوا عنه، فعلموا ولم يعملوا، وأبصروا ثم تعمدوا الانحراف؛ فاستحقوا الغضب لأن جرمهم كان جحودًا بعد معرفة. وهؤلاء يمثلهم اليهود ومن كان على شاكلتهم في كل زمان، ممن يملكون العلم ولكنهم يفرطون في مقتضاه.
﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وهم الذين فقدوا نور العلم، فضلّوا الطريق وساروا في متاهات الجهل والهوى، فتعبدوا بلا بصيرة، وقصدوا الخير بغير هدى، فضلّوا وأضلّوا. وهؤلاء يمثلهم النصارى ومن سار على نهجهم ممن عبد الله على غير علم.
وفي هذه الآية تتجلى حقيقة عظيمة: أن الهلاك لا يخرج عن أحد طريقين؛ إما علم بلا عمل، وإما عمل بلا علم. الأول طريق المغضوب عليهم، والثاني طريق الضالين، والنجاة كل النجاة في الجمع بين نور المعرفة، وصدق الطاعة، وذلك هو صراط المنعَم عليهم.
وهكذا تختم الفاتحة رحلتها بتعليم القلب أعظم دعاء: أن لا يكتفي بطلب الهداية مجردة، بل أن يسألها محددة واضحة، في طريق أهل النعمة، بعيدًا عن سبيل أهل الانحراف والضلال. فما أعظمها من خاتمة جمعت خريطة النجاة كلها في كلمات معدودات، وجعلت المؤمن كل يوم يراجع موقعه من الطريق: أمع أهل النعمة هو، أم على شفا طريقٍ يجر إلى الغضب أو الضلال؟
وفي ختام هذه السورة العظيمة،
يتبين لنا أنها ليست مجرد فاتحةٍ تُتلى للاستفتاح فحسب، بل هي خلاصة الدين كله، وجماع الرسالة كلها، ومفتاح السير إلى الله عز وجل في الدنيا والآخرة. فقد جمعت في آياتها القصار أصول المعرفة بالله: بألوهيته وربوبيته ورحمته وملكه، وأثبتت للعبد حقيقة الطريق الذي لا نجاة إلا فيه: عبودية خالصة، واستعانة صادقة، وافتقار دائم إلى الهداية.
وفيها انكشف مصير الخلق جميعًا: منعمٌ عليه عرف الحق فاتّبعه، ومغضوبٌ عليه عرفه ثم أعرض عنه، وضالٌّ تاه عنه فضلّ سبيله. فهي ترسم للإنسان خريطة الوجود كلّه: من أين يبدأ، وإلى أين ينتهي، وعلى أي طريق يسير.
وسؤال الهداية فيها ليس سؤال المبتدئ فحسب، بل سؤال السائر والثابت والخائف من الزلل؛ لأن العبد مفتقر إلى هداية الله في كل نفس، علمًا وعملًا، قصدًا وثباتًا، إلى أن يلقى ربَّه. فمن استقام على صراطها في الدنيا، ثبّت الله قدمه على الصراط يوم القيامة، وكان مروره هناك على قدر سيره هنا.
إن الفاتحة تعلن أن الطريق إلى الله واحد لا يتعدد، وأن السبل المخالفة مهما كثرت فهي طرق تيهٍ وتمزق. فمن وعى هذه السورة حقّ الوعي، علم أن أعظم نعمة هي أن يكون من أهل: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾، وأن أخطر الخسران أن يزيغ إلى سبيل المغضوب عليهم أو الضالين.
تتجلى سورة الفاتحة في ضوء هذا البيان العميق كخلاصة الوحي، وكأنها مفتاح القرآن وجوهر الهداية، اجتمع فيها ما تفرّق في سائر السور من أصول الإيمان ومعاني العبودية. فهي منهج حياة يُستحضر في كل ركعة، فيتكرر على لسان المؤمن ليبقى قلبه حيًّا موصولًا بربه، حاضرًا بين يديه في كل قيام.
ابتدأت السورة باسم الله، إيذانًا بأن كل ابتداء لا يستقيم إلا بالاتصال به سبحانه، فهو الأول الذي منه يبدأ كل شيء، والمرجع الذي إليه ينتهي كل أمر. ثم جاء الحمد ليملأ القلب ثناءً ومحبةً وخضوعًا، حمدٌ شامل لربوبية الله ورحمته وألوهيته، فهو المحمود في أسمائه وصفاته وأفعاله، الذي قامت الأكوان بنعمه، وتربّت برحمته.
ثم ارتقى الخطاب إلى إعلان العبودية الخالصة: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، حيث تتجرد القلوب من كل تعلق، فلا عبادة إلا له، ولا استعانة إلا به، فيتحرر الإنسان من عبودية الخلق إلى عبودية الخالق، ومن ضعف الاعتماد على الأسباب إلى قوة التوكل على رب الأسباب. وفي هذا المعنى سرّ النجاة وسرّ الاستقامة.
ثم تتجلى الحقيقة الكبرى في قوله: ﴿مالك يوم الدين﴾، حيث ينكشف مصير الإنسان، ويظهر ميزان العدل الإلهي يوم يقوم الناس لرب العالمين، فلا ملك إلا ملكه، ولا حكم إلا حكمه، فتستيقظ النفوس من غفلتها، وتتهيأ للقاء يوم لا يُظلم فيه أحد.
ثم تأتي الدعوة الجامعة: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾، وهي لبّ الحاجة الإنسانية كلها، إذ لا هداية إلا بهداية الله، ولا ثبات إلا بتثبيته، ولا معرفة للحق إلا بتعريفه، ولا عمل به إلا بتوفيقه. فهي دعوة تتضمن العلم والإرادة والعمل، وتستمد نورها من الرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء.
ثم يُختم الدعاء بتعيين الطريق: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾، فليس كل طريق يُسلك، بل طريق واحد مستقيم، طريق من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين جمعوا بين معرفة الحق والعمل به. في مقابل طريق من علموا الحق فتركوه فاستحقوا الغضب، ومن جهلوا الحق فضلوا عنه.
وهكذا تتكامل الفاتحة في بنائها العجيب لتجمع أصول الدين كلها: توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وإثبات النبوة، والجزاء، والعبودية، والهداية. فهي سورة تُنشئ في القلب رؤيةً كاملة للوجود، وتربطه بربه في كل لحظة، وتجعله يسير في حياته على نورٍ ثابت لا يزيغ عنه، حتى يلقى الله على الصراط المستقيم، كما بدأ دعاءه به في الدنيا.
فهنيئًا لقلبٍ جعل الفاتحة منهج حياة، لا مجرد تلاوة لسان؛ إذ فيها سر النجاة، وروح العبودية، ومفتاح الوصول إلى الله رب العالمين. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، اللهم آمين.
قال ابن كثير رحمه الله:”يُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهَا: آمِينَ … قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِمَنْ هُوَ خَارِجُ الصَّلَاةِ، وَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ الْمُصَلِّي، وَسَوَاءٌ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ” من “تفسير ابن كثير” (1/ 144-145).
جزى الله خيرا الدكتورة ليلى حمدان و نفع بها و اتاها في الدنيا حسنة و في الاخرة حسنة ووقاها عاب النار