بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أنزل كتابه هدىً ونورًا للعالمين، وجعله شفاءً لما في الصدور، وموعظةً للمتقين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ الأمين، الذي بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإننا في هذا الربع من سورة البقرة نقف أمام مرآةٍ كاشفةٍ لأدواء القلوب حين تنحرف عن الوحي، وأمام سجلٍّ ربانيٍّ يفضح مسالك التمرد، والتلوّن، وسوء الأدب مع الله جل جلاله، والتحايل على أوامره سبحانه وتعالى، واتباع الهوى مع قيام الحجة ووضوح البرهان.
إنه ربعٌ تهتز فيه النفس وهي ترى قومًا أُخذ عليهم الميثاق، ورُفع فوقهم الطور، وأُمروا أن يأخذوا ما آتاهم الله بقوة، لا تهاونًا ولا انتقاءً، ثم كان جوابهم بلسان الحال والمقال: سمعنا وعصينا.
ربعٌ يكشف كيف يمكن للإنسان أن يحمل نصوص الوحي بين يديه، ثم لا ينتفع بها؛ لأن القلب قد امتلأ بغير الله عز وجل، وتشرّب الباطل، واستساغ الهوى، حتى صار الحق ثقيلًا عليه، وأوامر الله موضع مجادلةٍ واعتراض، لا موضع تسليمٍ وانقياد.
وفي هذا الربع تتتابع المشاهد التي تفضح حقيقة الانحراف حين يبدأ من الداخل: عقيدةً مضطربة، وقلبًا متعلقًا بغير الله، وتعصبًا أعمى، وحسدًا للحق إذا جاء على غير هوى النفس، وتكذيبًا لما لا يوافق الشهوة أو المصلحة. حتى يبلغ الأمر أن يُدّعى حب الآخرة، وتُتلى الكتب، وتُرفع شعارات الإيمان، بينما تكشف المواقف أن الإيمان لم يرسخ في القلب، وأن الاستسلام لله لم يكتمل في النفس.
وهنا تتجلّى خطورة هذه الآيات: فهي لا تحكي تاريخ بني إسرائيل للتسلية، ولا تسرد أخبارًا غابرةً لمجرد المعرفة، بل تضع بين يدي المؤمن ميزانًا يزن به قلبه:
كيف أتلقى أمر الله؟
هل آخذ الدين بقوةٍ وصدق، أم بانتقائيةٍ وتردد؟
هل إذا خالف الوحي هوايَ قدّمت الوحي، أم التمست لنفسي المخارج؟
هل قلبي ممتلئٌ بمحبة الله وتعظيمه، أم قد تشرّب شيئًا من أهواء الدنيا، حتى صار الحق يثقل عليه؟
ثم تنتقل الآيات من كشف أمر أهل الكتاب إلى كشف ما يختبئ وراء المواقف من حسدٍ دفين، وعداوةٍ للوحي، وكراهيةٍ لأن يتنزل الخير على أهل الإيمان؛ لتبصّر الأمة أن طريق الحق ليس مفروشًا بقبول الخلق، وأن من سنن الله أن يُبتلى المؤمن بحسد الحاسدين، وكيد المبطلين، واعتراض المعاندين، لكن العبرة كل العبرة أن يثبت على الوحي، وألا يبيع شيئًا من دينه تحت ضغط الخصومة أو وحشة الطريق.
إنه ربعٌ يربينا على الصدق مع الله، وعلى أخذ الوحي بقوة، وعلى الحذر من أمراض القلوب التي تُفسد العلم والعبادة معًا؛ يربينا على أن المشكلة ليست دائمًا في قلة العلم، بل قد تكون في قلبٍ يعلم ولا يخضع، ويعرف ولا يستسلم، ويُبصر الحق ثم يصرفه الهوى عنه.
فنسأل الله ونحن نقبل على تدبر هذه الآيات أن لا يجعل حظنا منها معرفة أخبار الغابرين فحسب، بل أن يرزقنا بصيرةً نعرف بها مداخل الانحراف إلى نفوسنا، وصدقًا نحاسب به قلوبنا، وخشيةً تحملنا على التسليم التام لكتاب ربنا، والأخذ به بقوة، ظاهرًا وباطنًا.
فحيهلا إلى مجلسٍ نتأمل فيه كيف يفضح القرآن مسالك الانحراف، وكيف يبني في المقابل قلب المؤمن السامع المطيع، الخاضع المستسلم، الذي إذا أُمر قال: سمعنا وأطعنا.
قال الله جل جلاله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [ البقرة: 93]
من أبلغ ما في هذه الآية أنها لا تحكي حادثة من تاريخ بني إسرائيل فحسب، بل تكشف قانونًا ثابتًا في سير القلوب، وتفضح الفارق بين سماع الأذن وسماع القلب، وبين حمل الدين وحمل حقيقته.
﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾
ليس المقصود قوة البطش، وإنما قوة العزم، وقوة الامتثال، وقوة الثبات على الحق. فالوحي لا ينتفع به المترددون، ولا يحمله أصحاب الهمم الفاترة. ومن أراد أن يرفع الله قدره بالقرآن، فليأخذه بقلب حاضر، ونفس مجاهدة، وعمل لا يعرف التراخي.
﴿وَاسْمَعُوا﴾
كم يسمع الناس القرآن والخطب والمواعظ، ولكن قليلًا من يسمع سماعًا يغيّر القلب. فليس كل سامع مطيعًا، وإنما السماع الذي يريده الله تعالى هو السماع الذي يعقبه امتثال، وتدبر، واستجابة. أما السماع الذي ينتهي عند حدود الأذن، فلا يورث إلا قيام الحجة على صاحبه.
﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾
ما أقسى أن يجتمع العلم مع المخالفة! فكم من إنسان يعرف الحق بدليله، ويحفظ النصوص، ويجادل عنها، ثم إذا جاءت ساعة الامتثال قدّم هواه على أمر الله عز وجل. وليس أخطر على القلب من معصية تُرتكب بعد وضوح الحق؛ فإنها لا تميت العمل فحسب، بل تميت الحياء من الله جل جلاله.
﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾
تأمل التعبير! لم يقل: أحبوا العجل، بل قال: ﴿أُشْرِبُوا﴾؛ كأن هذا الباطل قد سرى في أعماق قلوبهم كما يسري الماء في العروق، حتى صار جزءًا من كيانهم. وهكذا كل شهوة أو بدعة أو هوى، إذا تُرك بلا مجاهدة، تحول من خاطر عابر إلى عقيدة مستحكمة، ومن ذنب صغير إلى سلطان يقود صاحبه حيث شاء.
﴿بِكُفْرِهِمْ﴾
ليس الانحراف وليد لحظة، وإنما هو ثمرة بذور زرعت قبل ذلك. فكل معصية لا تُتب منها تفتح بابًا لما بعدها، وكل ردٍّ للحق يجعل قبول الحق بعده أشق. لذلك كانت أعظم نعمة يحفظ الله بها العبد أن يبادر إلى التوبة قبل أن يتحول الذنب إلى طبع، والطبع إلى قيد لا يشعر به صاحبه.
﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾
الإيمان الذي يقود إلى الكبر، أو الظلم، أو البغي، أو رد النصوص، ليس إيمانًا، وإنما دعوى فارغة. فالإيمان الصحيح لا يأمر إلا بخير، ولا يقود إلا إلى طاعة، ولا يثمر إلا خشيةً وخضوعًا لله. أما إذا كان الدين الذي يدّعيه الإنسان يبرر له معصيته، ويزين له هواه، فليعلم أنه ليس بدين الله، وإنما هوى قلبه.
ومن أعظم دروس الآية أن القلوب لا تسقط فجأة؛ بل تبدأ القصة بـ”سمعنا”، ثم تتبعها “عصينا”، ثم تنتهي بـ”أُشربوا”. فالمعصية إذا تكررت، صارت عادة، والعادة تتحول إلى محبة، والمحبة تستولي على القلب حتى يغدو الحق ثقيلًا والباطل محبوبًا. ولهذا كان السلف يخافون الذنب الصغير؛ لأنه أول الطريق، لا آخره.
وفي الآية تحذير لكل مسلم أن يراجع نفسه كلما سمع أمرًا من الله ورسوله؛ فإن أول امتحان للإيمان ليس أن تقول: سمعنا، وإنما أن تكون خاتمة الجواب: وأطعنا. أما اللسان فقد يقول ما يشاء، لكن الذي يترجم حقيقة الإيمان هو العمل، لا الدعوى.
وقال عز من قائل: ﴿ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [ البقرة: 94]
هذه الآية جاءت للردٍّ على دعوى اليهود، ولتضع الميزان الذي يزن به القرآن صدق الدعاوى، ويفرق به بين اليقين الذي يسكن القلب، والكلمات التي لا تتجاوز اللسان.
﴿إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ…﴾
فما أسهل أن يدّعي الإنسان أنه من أهل الجنة، وأنه وليٌّ لله، وأن الحق لا يكون إلا معه! لكن الإيمان ليس لقبًا يُدَّعى، وإنما حقيقةٌ تظهر آثارها في القلب والعمل. فالقرآن لا يناقش الشعارات، بل يطالب بالبراهين.
﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾
ليس المقصود الدعوة إلى كراهية الحياة، وإنما إقامة الحجة عليهم؛ فمن أيقن يقينًا لا شك فيه أن الجنة مضمونة له، وأن ما عند الله خير وأبقى، اشتاق إلى لقاء ربه، ولم يتعلق بالدنيا تعلق من جعلها غاية أمله. ولذلك جاءهم التحدي من جنس دعواهم؛ فإن كنتم صادقين فيما تزعمون، فأظهروا شوقكم إلى ما تدّعون أنه خالص لكم.
إن المؤمن لا يطلب الموت فرارًا من الحياة، لكنه لا يخشاه إذا جاء؛ لأنه يعلم أن الموت ليس نهاية الطريق، وإنما باب يفضي إلى وعد الله عز وجل. أما من امتلأ قلبه بالشك، وأثقلته الذنوب، فإنه يتعلق بالدنيا، ولو كانت مليئة بالهموم؛ لأنه يخشى ما وراءها.
وفي الآية درس بليغ: أن القلب يكشف صاحبه وإن أخفى لسانه. فقد استطاعوا أن يرفعوا الدعاوى، لكنهم عجزوا عن موقف واحد يصدقها. فكم من إنسان يكثر الحديث عن الزهد، وهو أشد الناس تعلقًا بالدنيا! وكم من إنسان يتحدث عن اليقين، فإذا مسته الفتن اضطرب قلبه.
صدق الإيمان لا يظهر عند الرخاء، وإنما عند الامتحان. فاللسان يستطيع أن يقول كل شيء، أما المواقف فلا تعرف المجاملة. ولهذا لم يناقشهم القرآن طويلًا، بل نقلهم من ميدان الأقوال إلى ميدان البرهان، وهناك سقطت الدعوى من أول اختبار.
وفي الآية تحذير من الاغترار بالأماني؛ فإن كثيرًا من الناس يعيش على حسن الظن بنفسه، ويظن أن مجرد انتسابه إلى الإسلام، أو إلى علم، أو إلى صلاح، كافٍ لنجاته، بينما القرآن يهدم هذا الوهم، ويقرر أن النجاة ليست بالألقاب، وإنما بصدق الإيمان والعمل.
ومن دقائق الآية أن الله قال: ﴿عِندَ اللَّهِ﴾؛ فالعبرة ليست بما يزكي الناس، ولا بما يظنه الإنسان في نفسه، وإنما بما لك عند الله جل جلاله. فقد يحسن المرء صورته عند الخلق، لكنه لا يملك أن يخدع رب العالمين، الذي يعلم السر وأخفى.
وفي هذه الآية دعوة إلى محاسبة النفس: هل نحن نرجو الآخرة حقًّا، أم أن الدنيا قد استولت على قلوبنا؟ فإن من امتلأ قلبه بحب الله والدار الآخرة، جعل الدنيا مزرعةً لا وطنًا، ومعبرًا لا مقرًا، وأخذ منها ما يبلغه رضوان الله، لا ما يقطعه عنه.
ولهذا فإن أعظم ما تعلمه هذه الآية أن الإيمان الصادق يورث الشوق إلى لقاء الله عز وجل، والعمل للدار الآخرة، والزهد فيما يفنى، أما الدعاوى المجردة فلا تصمد أمام أول امتحان. فليس كل من قال: أنا من أهل الجنة صادقًا، ولكن الصادق من شهدت له أعماله قبل أن يتكلم لسانه.
وقال سبحانه وتعالى ﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [ البقرة: 95]
هذه الآية تكشف حقيقة يغفل عنها كثير من الناس: أن أشد ما يخيف الإنسان ليس الموت، وإنما ما بعد الموت. فالموت باب، والخوف الحقيقي إنما هو من المصير الذي ينتظر خلف هذا الباب.
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾
إنها ليست مجرد إخبار عن امتناعهم، بل شهادة من الله عز وجل على ما استقر في أعماق نفوسهم. كانوا يزعمون أن الجنة لهم، ولكن قلوبهم كانت تعلم أنهم كاذبون، ولذلك فرّوا من الاختبار. فكم من دعوى يسقطها موقف واحد! إن القلب لا يستطيع أن يخدع صاحبه إلى الأبد.
﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾
لم يقل: بما في أيديهم، بل قال: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾؛ ليذكرك أن كل عمل تعمله اليوم يسير أمامك إلى الآخرة، ينتظرك هناك. فأعمالك ليست ماضية، بل هي متقدمة عليك، إما لتستقبلك بالبشرى، وإما لتقف في وجهك يوم اللقاء. فما من كلمة، ولا نظرة، ولا معصية، إلا وهي رصيد يُدَّخر لصاحبه.
والذنوب لا تسرق الطمأنينة في الآخرة فقط، بل تسرقها في الدنيا أيضًا. فكلما أثقل الإنسان ظهره بالمعاصي، ازداد خوفه من الموت؛ لأنه يعلم في قرارة نفسه أنه مقبل على حساب لم يستعد له. ولذلك كان الصالحون يشتاقون إلى لقاء الله عز وجل، بينما يهرب أهل الغفلة من مجرد ذكر الموت.
وفي الآية إشارة إلى أن المعصية تورث وحشة من الله. فمن أطاع الله أحب لقاءه، ومن أصر على مخالفته ثقل عليه التفكير في الرحيل، لأنه يعلم أن بين يديه حسابًا طويلًا. وليس هذا الخوف سببه الموت نفسه، وإنما سببه ما حمله الإنسان معه من الأعمال.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾
قد ينجح الإنسان في إخفاء ذنوبه عن الناس، وقد يزين باطنه بعبارات براقة، لكن الله يعلم الحقيقة التي لا يراها أحد. يعلم ما خفي من النيات، وما استقر في القلوب، وما أخفته الصدور. ولذلك لا تنفع أمامه الدعوى، ولا المظاهر، ولا الاعتذارات.
وفي ختم الآية باسم ﴿الْعَلِيمُ﴾ رسالة لكل من يغتر بستر الله؛ فإن تأخر العقوبة ليس دليل الرضا، وإنما هو إمهال من العليم الذي لا ينسى ذنبًا، ولا يضيع حسنة، ولا تخفى عليه خافية جل جلاله.
ومن أعظم ما يتدبره المؤمن هنا أن الاستعداد للموت لا يكون بتمني الرحيل، وإنما بإصلاح العمل. فكلما صلحت الصحيفة، صار لقاء الله أحب إلى القلب، وكلما فسدت، صار الموت أثقل ما يمر على النفس.
ولهذا كان السلف يقولون: إنما كره الناس الموت لأنهم عمروا دنياهم وخربوا آخرتهم، فهم يكرهون أن ينتقلوا من العمران إلى الخراب. فمن أراد أن يطمئن عند الموت، فليعمر آخرته من اليوم، فإن الذي يُحسن التقديم، يُحسن الله له الاستقبال.
وقال عز وجل ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [ البقرة: 96]
هذه الآية لا تذم حب الحياة من حيث هو غريزة فطرية، وإنما تذم التعلق المذلّ بالدنيا حتى تصبح الحياة غايةً، ولو كانت حياة ذلّ وهوان، ويصبح البقاء مطلبًا، ولو كان على حساب الدين والكرامة.
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾
تأمل كيف نكّر الله كلمة ﴿حَيَاةٍ﴾، فلم يقل: على الحياة، بل على حياةٍ. أي: أيُّ حياةٍ كانت؛ حياة عز أو ذلّ، طاعة أو معصية، كرامة أو مهانة. فليس همُّهم أن يحسنوا الحياة، وإنما أن تطول الحياة، مهما كان ثمنها.
وهكذا يصنع التعلق بالدنيا؛ يُسقط من قلب صاحبه قيمة المبادئ، حتى يصبح همه الأول: أن يبقى، لا أن يَصلح.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾
إنها مفارقة عجيبة؛ فقد كانوا أهل كتاب، يؤمنون بالبعث والجزاء، ومع ذلك كانوا أشد حرصًا على الحياة من المشركين الذين لا يؤمنون بآخرة.
وإذا كان من لا يؤمن إلا بالدنيا متعلقًا بها، فذلك مفهوم، أما أن يزداد تعلق بها من يزعم الإيمان بالآخرة، فتلك علامة على أن الإيمان لم يجاوز لسانه إلى قلبه.
فليس الميزان ما يقوله الإنسان عن الآخرة، وإنما ما تفعله الآخرة في قلبه.
﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾
ليس المقصود العدد، وإنما تصوير شدة التعلق بالدنيا؛ حتى يتمنى عمرًا لا يكاد يتصوره البشر.
لكن السؤال الذي يغفل عنه أصحاب هذا الحرص: ماذا بعد الألف سنة؟
فليست المشكلة في قصر العمر، وإنما في فساد العمل. وما أكثر من عاش قليلًا فملأ الدنيا خيرًا، وما أكثر من طال عمره ولم يزد من الله إلا بعدًا.
إن طول العمر نعمة إذا امتلأ بالطاعة، أما إذا كان وعاءً لمزيد من الغفلة والذنوب، فهو زيادة في الحجة على صاحبه، لا زيادة في كرامته.
ولهذا كان النبي ﷺ يسأل الله: «واجعل الحياة زيادةً لي في كل خير»، فلم يكن يطلب مجرد الحياة، بل الحياة التي تزيده قربًا من الله.
﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ﴾
ما أبلغ هذا التعبير! لم يقل: وما هو بمنجيه، بل قال: ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾؛ أي لن يبعده عن العذاب أدنى إبعاد.
فالعمر الطويل لا يغيّر المصير إذا بقي العمل فاسدًا، وتأخير اللقاء لا يعني النجاة، كما أن تأجيل الامتحان لا يعني النجاح.
إن الإنسان لا ينجو بكثرة السنين، وإنما بما ملأ به تلك السنين.
وهذه الآية تهدم وهمًا يتكرر في كل زمان؛ أن طول الأمل يساوي طول الحياة. فكثير من الناس يؤجل التوبة، ويؤخر العمل الصالح، وكأنه ضمن أعمارًا مديدة، بينما الموت لا يسأل عن الأعمار، وإنما يأتي في الموعد الذي كتبه الله.
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾
ليس نظر الله إلى عدد السنوات التي عشتها، وإنما إلى ما صنعت فيها.
فالناس يحسبون أعمارهم بالأيام، أما الله فيزنها بالأعمال.
ورب ساعةٍ من الإخلاص رفعت صاحبها درجات، ورب عشرات السنين ضاعت لأنها خلت من الصدق.
وفي الآية تربية للمؤمن على أن يغيّر سؤاله؛ فلا يكون همه: كم سأعيش؟ بل: كيف سأعيش؟
فالعبرة ليست بطول الطريق، وإنما بحسن السير فيه.
ولهذا كان أهل الإيمان لا يتمنون البقاء لمجرد البقاء، ولا يكرهون الموت لمجرد الفراق، وإنما يسألون الله حياةً تزيدهم طاعة، وموتًا يختم لهم بالحسنى. أما من جعل الدنيا أكبر همه، فإنه يظل يطلب يومًا بعد يوم، وسنة بعد سنة، حتى يفاجئه الموت الذي ظل يهرب منه، فلا ينفعه طول عمر، ولا كثرة أمل، ولا شدة حرص.
وقال سبحانه ﴿ قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [ البقرة: 97]
تكشف هذه الآية أن مشكلة أهل الباطل ليست دائمًا في نقص الأدلة، وإنما في فساد القلوب. فقد عرف اليهود جبريل عليه السلام، وعرفوا منزلته، وأقروا بأنه رسول من عند الله، ثم عادوه لأنه حمل إليهم ما لا يوافق أهواءهم. وهكذا إذا تمكن الحسد من القلب، صار صاحبه يعادي الحق، لا لأنه باطل، ولكن لأنه جاء على يد من لا يريده.
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ﴾
ليس في الآية دفاع عن شخص جبريل عليه السلام، فهو غني عن دفاع البشر، وإنما بيان لحقيقة عظيمة: أن من عادى حملة الحق، فقد عادى الحق نفسه.
فليست العبرة بالأشخاص، وإنما بالرسالة التي يحملونها. ولذلك فإن عداوة جبريل لم تكن لذاته، وإنما لأنه أمين الوحي، يبلغ أمر الله كما أُمر، لا يزيد فيه ولا ينقص.
ومن أعجب التناقض أن يؤمن الإنسان بالله، ثم يعادي رسولًا من رسله أو ملكًا من ملائكته. فإن الإيمان لا يتجزأ، ومن قبل الله ربًا، لزمه أن يقبل رسله وملائكته ووحيه جميعًا، لا أن ينتقي منها ما يوافق هواه.
﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾
لم يقل: على سمعك، ولا على لسانك، بل قال: ﴿عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾؛ لأن القلب هو موضع الوحي، ومنبع اليقين، ومستقر الإيمان.
فالقرآن لم ينزل ليملأ الذاكرة بالمعلومات، وإنما لينير القلب، ويحيي الروح، ويصنع الإنسان من داخله. ومن هنا كان أعظم انتفاع بالقرآن ليس كثرة حفظه، وإنما رسوخ معانيه في القلب.
وفي هذا أيضًا تسلية للدعاة وأهل الحق؛ فإن الذي يثبتهم في مواجهة الباطل ليس قوة الجسد، وإنما ثبات القلب. فإذا عمر القلب بالوحي، هانت أمامه الفتن، وصغرت في عينه المحن.
﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
جبريل عليه السلام لا يتصرف من عند نفسه، وإنما هو عبد مأمور، ينزل حيث يأمره الله، ويبلغ ما يأمره الله.
وفي هذا تعليم للمؤمن أن يرد الأمور كلها إلى الله، وألا يجعل المخلوقين غاية الخصومة أو المحبة، فإنهم جميعًا جنود لله، لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئًا إلا بإذنه.
﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾
من صفات الوحي الحق أنه لا يناقض الوحي الحق الذي سبقه، بل يصدقه ويشهد له؛ لأن مصدر الجميع واحد.
ولهذا كانت عداوة اليهود للقرآن تناقضًا ظاهرًا؛ إذ كيف يزعمون الإيمان بالتوراة، ثم يكفرون بكتاب جاء مصدقًا لها؟! إن الذي يرد حقًا لأنه يخالف هواه، لن يقف عند رد كتاب واحد، بل سينتهي به الأمر إلى رد كل حق.
﴿وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
القرآن لا يكتفي بأن يكشف الطريق، بل يمنح السائر فيه الطمأنينة.
فهو هدى للعقل؛ يخرجه من الحيرة.
وهو هدى للقلب؛ يخرجه من القسوة.
وهو هدى للحياة؛ يخرجها من الفوضى.
ثم هو بعد ذلك بشرى؛ لأن طريق الله لا ينتهي بالتعب، وإنما ينتهي بالرضوان والجنة.
ولهذا لم يجعل الله البشارة لكل الناس، وإنما قال: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأن الذي ينتفع بالوحي هو من فتح له قلبه، أما المعرض، فإن القرآن نفسه الذي يهدي المؤمنين، يكون حجة عليه يوم القيامة.
ومن أعظم ما تعلمه الآية أن الموقف من الوحي يكشف حقيقة القلب؛ فمن أحب القرآن، أحب من جاء به، وأحب من بلغه، وأحب من دعا إليه. ومن أبغض حملة الوحي لأنهم يحملون الحق، فليخش أن يكون قد خاصم الرسالة قبل أن يخاصم الرجال.
وقد ثبت سبب نزول هذه الآية في الصحيح، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال للنبي ﷺ بعدما سأله عن مسائل فأجابه: «أخبرني بهن جبريل آنفًا»، فقال: «جبريل؟» قال: «نعم»، قال: «ذاك عدو اليهود من الملائكة»، فقرأ النبي ﷺ: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ…﴾، ثم أسلم عبد الله بن سلام رضي الله عنه. وهذا يبين أن عداوتهم لجبريل لم تكن إلا حسدًا وعنادًا، لا لشيء يتعلق بشخصه، وإنما لأنه ينزل بالوحي على محمد ﷺ.
وهذه الآية تعلمنا أن الحق لا يُعرف بالنظر إلى حامله، وإنما بالنظر إلى مصدره؛ فمن كان كلامه من عند الله، وجب قبوله، ولو خالف أهواء الناس جميعًا، فإن الوحي لا يتبدل بتبدل الناقلين، لأنه في النهاية ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، و﴿هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال تعالى ﴿ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ [ البقرة: 98]
تضع هذه الآية قاعدة عظيمة في باب الإيمان، وهي أن الحق لا يتجزأ، وأهله لا يتفرقون؛ فمن عادى جزءًا من وحي الله، أو رسولًا من رسله، أو ملكًا من ملائكته، فقد عادى الدين كله، لأن الجميع يصدرون عن رب واحد، ويؤدون رسالة واحدة.
﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾
الإيمان ليس اختيارًا بين ما يعجبك وما لا يعجبك، بل هو استسلام كامل لله. فمن رضي بالله ربًا، لزمه أن يرضى بكل ما جاء من عنده، وأن يؤمن بجميع ملائكته ورسله وكتبه، دون انتقاء أو تمييز.
ولهذا كان الكفر بواحد من الرسل كفرًا بالجميع، لأن الذي أرسلهم واحد، والرسالة التي يحملونها واحدة.
ومن أخطر أمراض القلوب أن تجعل الهوى حاكمًا على الوحي؛ فتقبل من الدين ما يوافق رغبتك، وترد ما يخالفها. وهذه لم تكن علة اليهود وحدهم، بل هي فتنة تتكرر في كل زمان، حين يصبح الإنسان تابعًا لما يحب، لا لما أمر الله به.
﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾
خص الله جبريل وميكال بالذكر، مع دخولهما في عموم الملائكة، ليبطل دعوى اليهود حين قالوا: جبريل عدونا، وميكال ولينا.
فأعلمهم أن هذه القسمة باطلة؛ لأن ملائكة الله لا يتفرقون في الولاء، ولا يعملون وفق أهوائهم، وإنما هم عباد مكرمون، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾.
فمن عادى جبريل لأنه يحمل الوحي، فقد عادى ميكال، وعادى سائر الملائكة، وعادى الله الذي أرسله.
وهكذا شأن أهل الحق في كل زمان؛ لا يجوز أن يُفرَّق بينهم بسبب الهوى، فمن أحب داعية لأنه وافقه في مسألة، وأبغض آخر لأنه قال الحق في مسألة أخرى، لا ينظر إلى الأشخاص بميزان الشرع، بل بميزان نفسه.
فالميزان ليس: من الذي قال؟ وإنما: ماذا قال؟ وهل وافق كتاب الله وسنة رسوله؟
﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾
ما أشد هذا الوعيد! فأعظم مصيبة يمكن أن تصيب الإنسان ليست أن يخسره الناس، بل أن يخسر معية الله ورحمته، حتى يكون ممن استحقوا عداوة الله.
ولذلك لم يقل سبحانه: فإن الله عدو له، بل قال: ﴿لِّلْكَافِرِينَ﴾؛ ليبين أن سبب هذا الوعيد هو الكفر والجحود، لا الأنساب، ولا الأقوام، ولا الأسماء.
فالله لا يعادي أحدًا لذاته، وإنما يعادي الكفر الذي اختاره صاحبه، والباطل الذي أصر عليه.
وفي الآية تربية عظيمة على تعظيم جنود الله جميعًا؛ فلا يطعن المؤمن في نبي، ولا يستهين بملك، ولا يرد حكمًا من أحكام الله، لأن الجميع مرتبطون بعقيدة واحدة، ومنبع واحد.
ومن اللطائف أن الله بدأ الآية باسمه الجليل: ﴿لِلَّهِ﴾، ثم ذكر الملائكة والرسل، ليشعر أن شرفهم إنما هو باتصالهم بالله، وأن عداوتهم ليست قضية شخصية، وإنما هي اعتداء على مقام الرسالة والوحي.
وقال ابن جرير الطبري رحمه الله في سر إفراد جبريل وميكال بالذكر مع دخولهما في عموم الملائكة:
«إن اليهود لما قالت: جبريل عدونا وميكائيل ولينا… نص الله على اسميهما بأعيانهما؛ لئلا يلبسوا على ضعفاء الناس، وليقطع تمويههم، ويبين أن من عادى جبريل فقد عادى الله، وأنه من الكافرين.»
وهذا يدل على أن القرآن لا يترك لأهل الباطل منفذًا يتسللون منه إلى تلبيس الحق على الناس.
وتعلمنا هذه الآية أن عداوة أهل الحق ليست في حقيقتها عداوة للأشخاص، وإنما هي عداوة لما يحملونه من نور الوحي. ولهذا فإن من أبغض العلماء لأنهم يبلغون الحق، أو أبغض الدعاة لأنهم يأمرون بما أمر الله به، فليحذر أن يكون قد خاصم الرسالة من حيث لا يشعر.
فكلما ازداد القلب تعظيمًا لله، ازداد تعظيمًا لملائكته ورسله ووحيه، وكلما تمكن الهوى من القلب، بدأ صاحبه يفرق بين الحق وأهله، حتى ينتهي به الأمر إلى ما حذر الله منه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾.
قال سبحانه ﴿ وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [ البقرة: 99]
بعد أن كشف الله شبهات اليهود، وردَّ تناقضاتهم، وأقام عليهم الحجج، ختم هذا المقطع ببيان الحقيقة الكبرى: أن المشكلة لم تكن يومًا في وضوح الدليل، وإنما في فساد القلب الذي يرفضه.
فالقرآن لم ينزل بألغاز تُحيِّر العقول، وإنما نزل بآياتٍ بينات، يهتدي بها من طلب الحق، وتقوم بها الحجة على من أعرض.
﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾
في هذا تسلية للنبي ﷺ، ولكل داعية بعده؛ فإن تكذيب الناس ليس دليلًا على ضعف الحق، ولا إعراضهم علامة على غموض الرسالة.
فقد يكون الحق في غاية الوضوح، ولكن القلوب قد أغلقتها الشهوات، فلا ترى النور وإن أشرق أمامها.
ولهذا كان أعظم ما يحتاجه الإنسان ليس زيادة الأدلة، بل سلامة القلب.
ليست كل عين تبصر، ولا كل عقل يهتدي، وإنما يهتدي من أراد الله بقلبه خيرًا.
كم من إنسان قرأ القرآن فازداد إيمانًا، وكم من آخر قرأ الآيات نفسها فازداد عنادًا! والفرق لم يكن في الآيات، وإنما في القلوب.
فالقرآن كالمطر؛ يحيي الأرض الطيبة، أما الأرض المالحة فلا يخرج منها إلا الشوك.
﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾
أي: واضحات في ألفاظها، بينات في معانيها، ظاهرة في حججها، شاهدة على صدق رسول الله ﷺ.
ومن أعظم وجوه بيانها أنها كشفت لليهود ما أخفوه في كتبهم، وأظهرت ما كتموه من أخبار أنبيائهم، حتى قامت عليهم الحجة من الكتاب الذي جحدوه.
وفي الآية إشارة إلى أن الحق لا يحتاج إلى زخرفة ليقنع الناس؛ فكلما كان أوضح وأصدق، كان أقرب إلى الفطرة.
أما الباطل، فلا يعيش إلا في ظلمات الشبهات، وكثرة التلبيس، وتعقيد الكلام.
﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾
لم يقل: إلا الجاهلون، لأن كثيرًا ممن كفروا بالحق كانوا يعلمونه.
وإنما قال: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾؛ لأن الفسق هو الذي يحجب القلب عن قبول الهدى.
فالإنسان لا يبدأ غالبًا بإنكار الحق، وإنما يبدأ بالخروج عن طاعة الله، ثم إذا ألف المعصية، ثقل عليه سماع الحق، ثم ينتهي به الأمر إلى ردِّه ومحاربته.
ولهذا كانت الذنوب ليست خطرًا على العمل فحسب، بل خطرًا على العقيدة والبصيرة.
وإن القلب إذا أصر على المعصية، أصبح يرى الباطل حقًا، والحق باطلًا، حتى تنقلب الموازين داخله، فلا يعود يميز بين النور والظلام.
ولذلك كان السلف يخافون من الذنب أكثر مما يخافون من الشبهة، لأن الشهوة إذا تمكنت، أفسدت طريق الهداية.
قال بعض السلف: “إني لأعصي الله، فأرى أثر ذلك في فهمي.”
فالطاعة نور، والمعصية حجاب، وكلما كثرت الحجب، خفيت الحقائق، ولو كانت أوضح من الشمس.
وفي الآية عزاء لكل داعية؛ فليس مطلوبًا منك أن تجعل الناس جميعًا يؤمنون، وإنما أن تبلغهم الآيات البينات، فمن طلب الهدى اهتدى، ومن أعرض بعد قيام الحجة، فإنما أعرض لفسقٍ في نفسه، لا لنقصٍ في بيان الحق.
وهذه الآية تدعونا إلى سؤال مخيف: إذا مررت بآية من كتاب الله فلم تؤثر في قلبي، فهل المشكلة في الآية، أم في القلب الذي يستقبلها؟
فالقرآن هو هو، والنور هو هو، وإنما تختلف القلوب؛ فمنها قلب يزداد بكل آية حياة، ومنها قلب لا يزيده النور إلا نفورًا، لأنه آثر الخروج عن طاعة الله، فاستحق الوصف الذي ختم الله به الآية:
﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾.
قال عز وجل ﴿ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [ البقرة: 100]
تفضح هذه الآية داءً خطيرًا من أدواء النفوس، وهو الاستخفاف بالعهد؛ فليس العهد عندهم ميثاقًا يُصان، وإنما ورقة تُلقى إذا تعارضت مع الهوى أو المصلحة.
ولهذا جاء الاستفهام في صدر الآية استنكارًا وتعجبًا: كيف يبلغ الإنسان من خفة الدين أن يجعل نقض العهود عادةً متكررة لا استثناءً عارضًا؟
﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾
كلمة ﴿كُلَّمَا﴾ تكشف أن القضية ليست زلةً وقعت مرة، ولا خطأً عابرًا، وإنما خُلُقٌ راسخ، يتكرر كلما تجدد عهد.
فقد يعثر الصادق مرة، لكنه يعود إلى الوفاء، أما من صار نقض العهد سجيته، فقد كشف عن خللٍ عميق في إيمانه قبل أخلاقه.
﴿نَّبَذَهُ﴾
لم يقل: تركوه، بل قال: ﴿نَّبَذَهُ﴾، والنبذ هو الطرح والإلقاء باستخفاف.
وكأنهم لم يكتفوا بعدم الوفاء، بل عاملوا العهد معاملة الشيء الذي لا قيمة له، فألقوه وراء ظهورهم غير مبالين بحرمته.
وهكذا يفعل القلب إذا ضعف فيه تعظيم الله؛ يهون عليه كل ميثاق، سواء كان مع الله، أو مع الناس.
إن الوفاء بالعهد ليس مهارة اجتماعية، بل عبادة قلبية، لأن المؤمن يعلم أن كل وعد يسمعه الله، وكل عهد يشهده الله، وكل كلمة تخرج من لسانه ستعرض عليه يوم القيامة.
ولهذا كان أهل الإيمان يعرفون بصدق العهود، قبل أن يعرفوا بحسن الأقوال.
قال الله في وصف المؤمنين: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.
فالإيمان الصادق يصنع رجالًا يثبتون على العهد، ولو كلفهم ذلك أعمارهم، أما ضعف الإيمان فيجعل العهود تتبدل بتبدل المصالح.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
ثم يكشف القرآن أصل الداء؛ فالمشكلة ليست في العهود، وإنما في القلوب.
ولو استقر الإيمان فيها، لاستقامت الألسنة، وصدقت الوعود، وحُفظت الأمانات.
ولهذا ربط الله بين نقض العهد وضعف الإيمان، لأن الوفاء ثمرة من ثمار اليقين، فإذا ذبلت الشجرة، سقطت ثمارها.
وهذه الآية تجعل المؤمن يراجع نفسه؛ فليس السؤال: كم وعدًا قطعت؟ بل: كم وعدًا أوفيت؟
فكم من إنسان يعاهد الله عند الشدة، فإذا كشف الله عنه البلاء نسي عهده، وكم من تائب عاهد ربه على الاستقامة، ثم نبذ عهده عند أول فتنة، وكم من داعية أو طالب علم أو زوج أو صديق يكثر من الوعود، فإذا جاءت ساعة الوفاء اعتذر بالمصلحة والظروف.
إن أعظم الخسائر ليست أن يسقط الإنسان في ذنب، وإنما أن يصبح نقض العهد عادةً، حتى لا يعود يشعر بقبحه.
وهذا ما تشير إليه الآية؛ فالتكرار أخطر من الوقوع، لأن الذنب إذا تكرر بلا توبة، تحول إلى طبع وسجية.
ولذلك فإن من علامات حياة القلب أن يتألم إذا أخلف وعدًا، أو قصّر في عهد، وأن يبادر إلى إصلاح ما أفسد، أما القلب القاسي فينقض العهد ثم ينام مطمئنًا، كأن شيئًا لم يكن.
فاحذر أن تكون عهودك مع الله أو مع الناس مجرد كلمات تُلقى، ثم ينبذها القلب عند أول اختبار؛ فإن الإيمان الحق لا يُعرف بكثرة العهود، وإنما يُعرف بصدق الوفاء بها.
قال جل جلاله ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [ البقرة: 101]
هذه الآية من الآيات التي لا تقف عند ذم اليهود فحسب، بل تكشف سنةً متكررة في كل من أُوتي العلم ثم لم يعمل به، ولذلك جاءت ألفاظها قوية: نبذ، وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون. وفيها تدبرات كثيرة، منها:
وأعظم امتحان لأهل العلم هو التسليم للحق إذا ظهر.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ﴾
لم يأتهم النبي ﷺ بما يناقض كتبهم، بل جاء مصدقًا لما معهم، ومع ذلك كفروا به؛ فالمشكلة لم تكن نقص الدليل، وإنما فساد القلوب.
قال السعدي: “كانوا يزعمون أنهم متمسكون بكتابهم، فلما جاءهم الرسول نبذوا كتاب الله.”
ولهذا فإن أخطر الحجب عن الهداية ليس الجهل، وإنما الكبر والحسد واتباع الهوى.
ثم من ردَّ الرسول فقد ردَّ الكتاب الذي يزعم الإيمان به.
واليهود ظنوا أنهم يحافظون على التوراة، بينما بيّن القرآن أن تكذيبهم بمحمد ﷺ هو في الحقيقة تكذيب للتوراة نفسها؛ لأنها أمرت بالإيمان به.
قال السعدي: “فصار كفرهم به كفرًا بكتابهم من حيث لا يشعرون.”
وهذه قاعدة عظيمة: لا يصح الإيمان ببعض الوحي مع رد بعضه.
قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85].
والنبذ ليس ترك المصحف، وإنما ترك العمل به.
قوله تعالى: ﴿نَبَذَ… كِتَابَ اللَّهِ﴾
والنبذ هو الطرح والإلقاء باستهانة. وقد نقل القرطبي عن الشعبي قوله:
“هو بين أيديهم يقرءونه، ولكن نبذوا العمل به.”
ونقل عن سفيان بن عيينة قوله: “أدرجوه في الحرير والديباج، وحلوه بالذهب والفضة، ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه، فذلك النبذ.”
وهذا من أعظم ما يخاف منه المسلم؛ أن يبقى القرآن حاضرًا في بيته ولسانه، لكنه غائب عن أوامره ونواهيه.
وأعظم صور الإعراض أن تجعل الوحي وراء ظهرك.
قال تعالى: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾
لم يقل: تركوه، بل صوّر حالهم بصورة من رمى شيئًا خلف ظهره؛ فلا يلتفت إليه ولا يريد الرجوع إليه.
وفيه إشارة إلى أن الإعراض عن الوحي ليس مجرد تقصير، بل هو إقصاء للوحي عن قيادة الحياة.
وقد يكون الإنسان عالمًا، لكنه يُعامل معاملة الجاهل.
قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
ولم يقل: لا يعلمون؛ لأنهم كانوا يعلمون حقيقة النبي ﷺ، ولكنهم لم يعملوا بعلمهم.
قال المفسرون: شُبِّهوا بالجهال لأنهم تركوا العمل بما علموا، ومن لم يعمل بعلمه فهو في أثر علمه كالجاهل.
وفي هذا تحذير لكل طالب علم أن العلم الذي لا يقود إلى العمل قد يصبح حجة على صاحبه.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل… وعن علمه ماذا عمل به» (رواه الترمذي وصححه جمع من أهل العلم).
ثم ليس كل من أوتي الكتاب ينتفع به.
قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾
فنِعمة العلم وحدها لا تكفي، بل لا بد من قبول الحق والانقياد له.
ولهذا قال بعض السلف: العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل.
والهوى قد يحمل الإنسان على ترك أوضح الأدلة.
لقد كانوا يجدون النبي ﷺ مكتوبًا عندهم في التوراة، ومع ذلك أنكروه.
قال تعالى في موضع آخر: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: 146].
والهوى إذا تمكن من القلب أفسد الانتفاع بأقوى البراهين.
وترك جزء من الوحي بداية لترك الوحي كله.
وقد ذكر بعض المفسرين أن المراد أنهم نبذوا الآيات التي تبشر بالنبي ﷺ، ولم يتركوا جميع التوراة. ومع ذلك سماه الله: ﴿نَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ﴾
لأن من استباح ردَّ بعض الوحي هان عليه ردُّ بقيته.
ولهذا قال العلماء: إن التفريط في بعض أوامر الله يفتح باب التفريط في غيرها.
ومن ترك الوحي استبدله بالباطل.
فالآية التالية مباشرة تقول: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ﴾
وكأن القرآن يقرر سنة عظيمة:
والقلوب لا تبقى فارغة؛ فمن ترك الوحي ملأ قلبه الباطل. ولذلك جاء الترتيب:
نبذوا كتاب الله.
ثم اتبعوا السحر.
والعلم بلا إخلاص قد يقود إلى أعظم الضلال.
فلم يكن الذين نبذوا الكتاب من عامة الناس، بل كانوا من الأحبار والعلماء.
وفي هذا تحذير شديد من أن يكون العلم وسيلة للرياسة أو العصبية أو الحسد، فيصد صاحبه عن اتباع الحق.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89].
وليست الآية خاصة ببني إسرائيل؛ فكل من عرف الحق ثم أعرض عنه خوفًا على منصب، أو اتباعًا لهوى، أو تعصبًا لأشخاص أو جماعات، فقد أخذ بنصيبه من هذا الوصف.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: “ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم الخشية.”
فالميزان الحقيقي ليس كثرة المعلومات، وإنما مقدار الاستسلام للوحي والعمل به.
قال الله تعالى ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [ البقرة: 102]
هذه الآية من أعظم الآيات في بيان حقيقة السحر، وخطر اتباع الباطل بعد ترك الوحي، وفيها أصول عقدية وتربوية عظيمة.
ولعل أبرز ما نتعلمه منها، أن من ترك الوحي ابتُلِي بالباطل.
فقد افتتحت الآية بقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾
وجاءت مباشرة بعد قوله: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ… كِتَابَ اللَّهِ﴾
قال المفسرون: “من ترك ما ينفعه ابتلي بالاشتغال بما يضره، فمن ترك الحق ابتلي بالباطل.”
وهذه سنة ربانية تتكرر في كل زمان؛ فمن أعرض عن نور الوحي، ملأ قلبه الظلام، ومن ترك هداية الرحمن، قاده الشيطان إلى ما يفسده.
ثم من أعظم الافتراء أن يُنسب الباطل إلى الأنبياء.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾
كان اليهود يزعمون أن سليمان عليه السلام إنما ملك الجن والإنس بالسحر، فجاء القرآن يبرئه بأقوى صيغة. ولم يقل: ولم يسحر سليمان، بل قال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾
لأن تعلم السحر والعمل به من الكفر.
وفي هذا تعليم للمؤمن أن يدافع عن مقام الأنبياء، وألا يقبل ما يُلصق بهم من الأكاذيب.
والشياطين لا تكتفي بالضلال، بل تحرص على نشره.
قال تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾
فالشيطان لا يريد أن يهلك وحده، وإنما يريد أن يجر الناس معه.
ولهذا كان من أخطر الناس من يفسد غيره، فإن إثمه يتعدى إلى غيره.
قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً… وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ [النحل: 25].
ثم ليس كل معرفة يجوز تعلمها. فقد ذكر الله تعليم الملكين للسحر، لكنه قال:
﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾
فكان التعليم هنا للتحذير والتمييز بين السحر والمعجزة، لا للدعوة إلى السحر.
قال بعض أهل العلم: عرفا الناس حقيقة السحر ليجتنبوه، كما يعرف الطبيب السم ليحذر منه.
وفي هذا أصل عظيم: قد يُعرف الشر لا للعمل به، وإنما للحذر منه.
وقد قال الشاعر:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه
ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه.
ثم الناصح الحقيقي يحذرك قبل أن يعلمك.
تأمل أن الملكين لم يبدآ بالتعليم، وإنما بدآ بالنصيحة.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾
وفيه أن العالم والداعية لا يكتفي بنقل العلم، بل يبين خطر إساءة استعماله، ويحذر من الفتنة قبل وقوعها.
كما يمكن أن يكون الابتلاء في صورة علم.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾
فالفتنة ليست دائمًا مالًا أو شهوة، بل قد تكون علمًا أو قدرة أو منصبًا.
فكم من إنسان أوتي علمًا، فكان سبب هلاكه لأنه لم يتق الله فيه.
ثم السحر حقيقة، لكنه لا يعمل استقلالًا.
قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾
وفيه دليل على أن للسحر أثرًا حقيقيًا، وليس مجرد خيال.
لكن الله قيد ذلك بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
قال السعدي: “الأسباب مهما بلغت فإنها تابعة لقضاء الله وقدره، وليست مستقلة بالتأثير.”
فالمؤمن لا يخاف الساحر، وإنما يخاف الله، ويعلم أن الضر والنفع بيده سبحانه.
وأعظم ما يستهدفه السحر هو الأسرة. خص الله التفريق بين الزوجين بالذكر فقال:
﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾
لأن الأسرة أساس المجتمع، فإذا فسدت البيوت فسد المجتمع كله. وفيه تنبيه إلى أن الشيطان يحرص على إفساد أعظم روابط المودة.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه… فيجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه ويقول: نعم أنت.»
(رواه مسلم).
ويجب التنبيه إلى أنه لا سلطان لأحد على الخلق إلا بإذن الله.
قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
فهذه الآية تزرع في القلب التوكل.
فلا ساحر يملك الضر، ولا عين، ولا جن، ولا إنس، إلا بما أذن الله به قدرًا. ولهذا كان أعظم ما يتحصن به العبد صدق التوحيد، والاعتصام بالله.
وكل معصية قد يكون فيها شيء من المنفعة، إلا السحر.
قال تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾
وأشار السعدي إلى لطيفة جميلة فقال:
إن الخمر والميسر قال الله فيهما: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾
أما السحر فلم يذكر له أي منفعة، بل قال: ﴿يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾
فهو شر محض.
ثم قد يعلم الإنسان الحق ثم يختار الباطل.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ ثم قال بعدها: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
وقد بيّن المفسرون أن الأول: علم المعرفة، والثاني: العلم الذي يثمر العمل.
أي لو كانوا يعملون بعلمهم.
فالعمل هو البرهان الحقيقي على صدق العلم.
وتبقى أخسر الصفقات بيع الآخرة بالدنيا.
قال تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾
أي باعوا أنفسهم وحظهم من الآخرة مقابل السحر والباطل.
وهذه صورة تتكرر مع كل من يبيع دينه لأجل مال، أو منصب، أو شهرة، أو شهوة.
قال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: 16].
وإن أخطر العقوبات أن يزين للإنسان ما يهلكه.
لم يجبرهم أحد على السحر، بل: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ .. ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ﴾ .. ﴿اشْتَرَاهُ﴾.
كلها أفعال تدل على اختيارهم له.
فالعبد قد يصل إلى مرحلة يرى فيها الباطل تجارة رابحة، مع أنه يهلكه. وهذا من أعظم الخذلان.
ومعيار العلم النافع هو العمل.
وقد ختم الله الآية بقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
مع أنه قال قبلها: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾
وفي هذا تقرير لقاعدة عظيمة: كل علم لا يقود صاحبه إلى طاعة الله فليس علمًا نافعًا، وإن كثرت معلوماته.
وقد كان النبي ﷺ يدعو فيقول: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا…» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني).
وكان ﷺ يستعيذ من العلم الذي لا ينفع، فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع…»
(رواه مسلم).
فالقرآن لا يقيس العلم بكثرته، وإنما بثمرته، فمن لم يحمله علمه على العمل، فقد شابه من قال الله فيهم: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
قال عز من قائل ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ ۖ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [ البقرة: 103]
هذه الآية جاءت بعد ذكر شرِّ صفقةٍ عقدها اليهود حين استبدلوا الوحي بالسحر، ففتح الله لهم باب الأمل، وبيّن أن طريق النجاة لم يكن بعيدًا عنهم؛ إنه الإيمان والتقوى. وفيها تدبرات إيمانية عظيمة:
لعل أولها أنه مهما عظم الذنب، فباب الرجوع إلى الله مفتوح.
فبعد أن ذكر الله نبذهم للكتاب، واتباعهم السحر، والكفر، وخسارة الآخرة، لم يغلق الباب، بل قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾
فهذا من رحمة الله؛ فإنه يفتح باب التوبة حتى بعد أعظم الذنوب.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53].
ثم إن صلاح القلب لا يقوم إلا على أصلين: الإيمان والتقوى.
قال تعالى: ﴿آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾
فالإيمان هو إصلاح الباطن، والتقوى هي إصلاح الظاهر.
ولهذا جمع الله تعالى بينهما في مواضع كثيرة؛ لأن الإيمان بلا عمل دعوى، والعمل بلا إيمان لا يقبل.
ثم إن ما عند الله خير من كل مكسبٍ محرم.
قال تعالى: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾
أي: ثواب يسير من عند الله خير من كل ما جمعوه بالسحر، أو بالباطل، أو بالدنيا.
وأشار بعض المفسرين إلى لطيفة بديعة، وهي أن الله نكّر كلمة ﴿مَثُوبَةٌ﴾، ليدل على أن أدنى شيء من ثواب الله خير من أعظم متاع الدنيا، فكيف إذا كان ثوابه الكامل الذي أعده لأوليائه؟
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 73].
ثم إن الخير الحقيقي لا يأتي إلا من عند الله.
قال تعالى: ﴿مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾
فلم يقل: خير، بل قال: ﴿مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾
ليعلِّق القلوب بمصدر الخير، فإن كل ما عند الناس يزول، أما ما عند الله فباقٍ.
قال تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: 96].
ومن ترك الحرام عوضه الله خيرًا منه.
لقد تركوا الوحي لأجل السحر، فبيّن الله أن الطريق الصحيح هو العكس: اتركوا السحر، وخذوا الإيمان، تجدوا خيرًا أعظم. وهذه سنة لا تتخلف.
وقد قال النبي ﷺ: «إنك لن تدع شيئًا لله عز وجل إلا بدلك الله به ما هو خير لك منه.» (رواه أحمد، وصححه الألباني).
والعلم النافع هو الذي يثمر الإيمان والعمل.
قال تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ مع أنه قال في الآية السابقة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾
قال المفسرون: أي لو كان لهم علم يثمر العمل، لا مجرد المعرفة.
فالقرآن لا يسمي المعلومات المجردة علمًا إذا لم تغيّر السلوك.
وقد قال الحسن البصري رحمه الله: “العلم علمان: علمٌ على اللسان، فذلك حجة الله على ابن آدم، وعلمٌ في القلب، فذلك العلم النافع.”
وقيمة الأعمال ليست فيما نتركه فقط، بل فيما نستبدله به.
لم يقل الله: لو أنهم تركوا السحر. بل قال: ﴿آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾
فليس المقصود مجرد ترك الباطل، وإنما ملء القلب بالإيمان، والحياة بالتقوى.
فالفراغ لا يدوم؛ ومن لم يشغل نفسه بالحق، شغلته بالباطل.
ثم إن الدنيا كلها لا تساوي مثوبة واحدة من الله.
قال تعالى: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾
وهذا يربي المؤمن على تغيير موازين الربح والخسارة.
فليس الغني من كثرت أمواله، ولا الناجح من كثرت مكاسبه، وإنما الفائز من نال ثواب الله.
قال النبي ﷺ: «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها.» (متفق عليه).
فإذا كان موضع السوط خيرًا من الدنيا، فكيف بما أعده الله لعباده الصالحين؟
والتقوى سبب لنيل الخير كله. فقد ربط الله الخير بالإيمان والتقوى، ولم يربطه بالمال، ولا بالذكاء، ولا بالقوة.
ولهذا تكرر في القرآن وعد المتقين بالخيرات.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].
والقرآن يعالج الانحراف بالترغيب بعد الترهيب. فبعد أن ذكر خسارتهم، وكفرهم، وعقوبتهم، ختم هذا المقطع بذكر الثواب.
وهذه طريقة القرآن في التربية؛ فلا يقتصر على التخويف، ولا يكتفي بالترغيب، بل يجمع بينهما؛ ليقود القلوب إلى الله حبًا وخوفًا.
وأعظم الخسارة أن يعرف الإنسان طريق الخير ثم يعرض عنه.
قال تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
أي: لو كانوا يعقلون حقيقة الثواب، لما باعوا أنفسهم بالسحر، ولا استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير. وفي ذلك تحذير للمؤمن أن لا يكون ممن يعرف فضل الطاعة، ثم يؤثر عليها شهوةً أو مصلحةً عاجلة.
قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: 16-17].
ولو تأملنا في المعاني التي جمعتها هذه الآية نجدها تلخص قاعدة من أعظم قواعد السير إلى الله: إن كل ما تتركه لله يعوِّضك الله خيرًا منه، وكل خير يُرجى في الدنيا والآخرة فإنما مفتاحه الإيمان والتقوى، وما عند الله خيرٌ وأبقى.
ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ: «اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.» (رواه مسلم).
قال جل في علاه ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [ البقرة: 104]
هذه الآية تؤسس لأدب عظيم من آداب الإسلام، وهو حراسة الألفاظ وصيانة مقام النبي ﷺ وسد أبواب الفتنة. وهي ليست مجرد نهي عن كلمة، بل تربية للأمة على حسن القول، وحسن القصد، وحسن الأدب.
وتعظيم النبي ﷺ يبدأ من تعظيم الخطاب معه.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾
فمع أن المسلمين كانوا يقصدون بها معنى صحيحًا، نهى الله عنها؛ لأنها صارت وسيلة إلى إيذاء رسول الله ﷺ.
وفي هذا بيان أن تعظيم النبي ﷺ لا يكون في الاعتقاد فقط، بل حتى في اختيار الألفاظ عند مخاطبته أو ذكره.
قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63].
والإسلام لا يكتفي بحسن النية، بل يعتني بحسن العبارة.
وكان الصحابة يريدون بقولهم: راعنا أي: راقبنا وأمهلنا حتى نفهم.
لكن لما احتملت الكلمة معنى قبيحًا عند اليهود، نهى الله عنها، وأرشد إلى لفظٍ لا يحتمل إلا الخير.
قال المفسرون: “فيه الأدب، واستعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن، وترك الألفاظ التي فيها تشويش أو احتمال لأمر غير لائق.”
وهذا من كمال الشريعة؛ فهي تعتني بسلامة المقاصد، وسلامة الوسائل معًا.
ثم إن سد الذرائع أصل من أصول الشريعة. فلم تكن الكلمة محرمة في أصل معناها، وإنما حُرمت لأنها أصبحت ذريعة للطعن في النبي ﷺ.
وهذا من أوضح الأدلة على قاعدة سد الذرائع؛ وهي منع المباح إذا صار وسيلة إلى الحرام.
قال السعدي: “فيه النهي عن الجائز إذا كان وسيلة إلى محرم.”
والمؤمن لا يشابه أهل الباطل، ولو في الألفاظ.
وقد نهى الله عن كلمة بسبب استعمال اليهود لها. قال ابن كثير: “نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم.”
فالمؤمن يحرص على التميز في ألفاظه وأخلاقه وشعائره، ولا يتشبه بمن عُرف بالاستهزاء أو الفساد.
وقد قال النبي ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم.» (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
وإذا أُغلق باب من الخير، فتح الله بابًا خيرًا منه. ولم يكتف الله بالنهي، بل قال:
﴿وَقُولُوا انظُرْنَا﴾
وهذه قاعدة قرآنية؛ فالله لا يمنع عباده من شيء إلا ويهديهم إلى ما هو خير منه.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83].
واختيار الكلمة مسؤولية شرعية.
فالقرآن لم يعتبر الألفاظ أمرًا يسيرًا، بل جعل لها أحكامًا.
قال تعالى: ﴿وَقُولُوا انظُرْنَا﴾
وفي هذا تربية على انتقاء العبارات، وخاصة في مواطن العلم، والدعوة، والحوار، ووسائل التواصل، حتى لا تُفهم على غير وجهها، أو تكون سببًا في فتنة.
قال تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53].
وأهل الباطل يستغلون أقل الفرص للطعن في الحق. فقد اغتنم اليهود كلمة مباحة عند المسلمين ليجعلوها وسيلة إلى السخرية بالنبي ﷺ.
وفي هذا تنبيه للدعاة وأهل العلم أن يكونوا حكماء، فلا يفتحوا على أعداء الإسلام أبوابًا يستغلونها للطعن أو التشويه.
والأدب مع المعلم سبب للانتفاع بالعلم. قال تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا﴾
أي: استمعوا استماع قبول وفهم وطاعة.
قال السعدي: “يدخل فيه سماع القرآن، وسماع السنة لفظًا ومعنى واستجابة.”
فليس المقصود مجرد سماع الأذن، وإنما سماع القلب.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37].
وسوء الأدب مع النبي ﷺ من صفات الكافرين. لذلك ختم الله الآية بقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
إشارة إلى أن الذين اتخذوا هذه الكلمة للطعن في رسول الله ﷺ استحقوا العذاب بسبب كفرهم وعداوتهم.
وفيه أن تعظيم النبي ﷺ من أعظم شعائر الإيمان.
والمؤمن يترك حقه إذا ترتب عليه مفسدة. فقد كان للمؤمنين أن يقولوا: راعنا؛ لأنها في لغتهم صحيحة.ومع ذلك تركوها امتثالًا لأمر الله.
وهكذا المؤمن؛ لا يتعلق بالألفاظ أو العادات إذا ترتب عليها مفسدة أو فتنة، بل يقدم مصلحة الدين.
وتعلمنا الآية كيف أن اللسان باب من أبواب التقوى. فهذه الآية كلها تتعلق بكلمة واحدة.
وفي هذا دليل على أن الكلمة قد ترفع صاحبها، وقد تهوي به.
قال النبي ﷺ: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم.» (رواه البخاري).
والإسلام يربي أتباعه على الوضوح. فقد اختار الله لفظ ﴿انظُرْنَا﴾ لأنه لا يحتمل إلا معنى حسنًا.
وفي هذا دعوة إلى ترك الألفاظ الملتبسة، والعبارات الموهمة، والكلام الذي يحتمل الخير والشر، واستبداله بما هو أوضح وأبين.
وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًا، وأنت تجد لها في الخير محملًا.”
لكن مع ذلك، إذا أمكن اختيار لفظٍ لا يحتمل إلا الخير، فهو أولى وأكمل.
إن هذه الآية تعلمنا أن الإيمان ليس في العقائد والعبادات فقط، بل يظهر أيضًا في أدب اللسان، واختيار الألفاظ، وتعظيم النبي ﷺ، وسد أبواب الفتنة، ومخالفة أهل الباطل، والاستجابة لأمر الله ولو في كلمة واحدة.
ولهذا قال النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت.» (متفق عليه).
قال عز وجل ﴿ مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [ البقرة: 105]
هذه الآية تكشف حقيقةً ينبغي أن يبقى المؤمن على وعي بها، وهي أن العداوة للدين لا تنطلق دائمًا من اختلاف فكري مجرد، بل قد يكون باعثها الحسد وكراهية أن ينال المؤمنون خيرًا من الله. ثم تختم الآية بطمأنة المؤمنين بأن الفضل كله بيد الله لا بيد الخلق.
فليس كل من يعادي الحق يملك حجة، بل قد يحركه الحسد. قال تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا… أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ﴾
لم يقل: لا يودون القرآن فقط، بل قال: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾
ليدخل فيه كل خير: الوحي، والعلم، والهداية، والنصر، والرزق، والعزة.
قال السعدي: “لا قليلاً ولا كثيرًا، حسدًا منهم وبغضًا لكم.”
فالحسد قد يبلغ بصاحبه أن يكره مجرد نعمة الله على غيره.
وأعظم نعم الله هي الهداية. وقد فسر المفسرون الخير هنا بأنه يشمل:
القرآن. والنبوة. والعلم. والهداية. والنصر.
وفي هذا إشارة إلى أن أعظم الخير ليس المال ولا الجاه، وإنما هداية الله لعبده.
قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58].
قال جماعة من السلف: فضل الله: الإسلام. ورحمته: القرآن.
والكفر يجمع أهله على معاداة الحق. قال تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾
فمع اختلاف عقائدهم، جمعهم شيء واحد، وهو كراهية نزول الخير على المؤمنين.
وفي هذا تنبيه إلى أن أهل الباطل قد تختلف مذاهبهم، لكنهم يجتمعون إذا تعلق الأمر بمحاربة الحق.
والحسد اعتراض على قسمة الله.
والله سبحانه يقول: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾
فكأن الجواب لهم: لماذا تحسدون؟
إن الذي أعطى هو الله. ومن اعترض على عطائه فكأنه يعترض على حكمته.
قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32].
ثم الفضل لا يُنال بالأنساب، وإنما باختيار الله. فقد كان اليهود يحسدون النبي ﷺ لأن النبوة صارت في العرب. فرد الله عليهم: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾
فالنبوة، والعلم، والهداية، والتوفيق، كلها هبات من الله، لا تُورث، ولا تُنال بالأماني.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124].
ورحمة الله أوسع من أن يحصرها الناس.
قال تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾
ولم يقل: بنبوته. ليدخل في رحمته: الإيمان. والعلم. والقرآن. وحسن الخلق. والتوفيق. والثبات.
والمغفرة. والجنة. فكل نعمة دينية أو دنيوية هي من آثار رحمة الله.
وإذا منعك الناس، فلا يستطيعون منع فضل الله. فقد يتمنى الناس حرمانك من الخير، لكن أمنياتهم لا تغير قضاء الله.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾
وفي هذا تسلية عظيمة للدعاة، ولأهل الحق، ولكل مظلوم.
فالخير الذي كتبه الله لك لن يمنعه حسد حاسد، ولا كيد كائد.
قال النبي ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك.» (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
فلا تنشغل بحسد الحاسدين، بل اشكر المنعم.
وهكذا تربينا الآية الجليلة، فبدل أن يوجه الله المؤمنين إلى الانشغال بعداوة الحاسدين، وجه أنظارهم إلى المنعم. لأن العبرة ليست بمن يكره الخير، وإنما بمن ينزله.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾
فالقلوب ينبغي أن تتعلق بالله، لا بالناس.
وفضل الله لا حد له. لذلم جاء ختم الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
أي: خزائن فضله لا تنفد، وعطاؤه لا ينقصه كثرة العطاء.
وفي ذلك علاج للحسد؛ فإن من علم أن فضل الله واسع، لم يضق صدره بما أعطي غيره.
قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34].
والمؤمن يفرح بانتشار الخير، والحاسد يحزن به. فهذه الآية ترسم فرقًا واضحًا بين القلب المؤمن والقلب المريض.
إذ إن المؤمن إذا رأى نعمة الله على أخيه حمد الله وسأله من فضله. أما الحاسد، فيتألم لنعمة غيره أكثر مما يفرح لنفسه.
ولهذا قال النبي ﷺ: «لا تحاسدوا…» (متفق عليه).
والحسد كما الكبر من أعظم أسباب رد الحق.
فلم يكن سبب كفر كثير من أهل الكتاب جهلهم بالنبي ﷺ، بل حسدهم أن اختاره الله من غيرهم.
قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54].
فالحسد قد يحجب صاحبه عن أوضح البينات.
وأعظم فضل امتن الله به على هذه الأمة هو القرآن.
قال السعدي: “ومن فضله عليكم إنزال الكتاب على رسولكم، ليزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون.”
فكل خير بعد الإسلام ثمرة لهذا الكتاب. ولهذا كان شكر هذه النعمة بالتمسك به، والعمل بأحكامه، والدعوة إليه.
وهكذا تعلمنا هذه الآية الجليلة على ألا نلتفت كثيرًا إلى من يكره الخير لنا، بل ننشغل بمن بيده الخير كله. فقلوب الناس لا تملك أن تمنع رزقًا، ولا علمًا، ولا هداية، ولا توفيقًا، إذا أرادها الله لعبده.
ولهذا كان من أجمل الأدعية التي علمها النبي ﷺ: «اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك، فإنه لا يملكها إلا أنت.» (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).
فمن أيقن أن الله ذو الفضل العظيم، استغنى بفضله عن رضا الناس، ولم تضره كراهية الحاسدين، ولم يزده فضل الله إلا شكرًا وتواضعًا.
وفي الختام
يطوف بنا هذا الربع من سورة البقرة في صفحاتٍ من تاريخ أمةٍ أُوتيت الكتاب، وعرفت الحق، ثم غلب عليها الهوى، فاستبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير، فكان في قصتها عبرةٌ لكل قلبٍ يحمل أمانة الإيمان.
فليست المأساة في قلة العلم، ولا في غياب البيان؛ فقد رُفِع الطور فوقهم، وأُخذ عليهم الميثاق، وأُقيمت عليهم الحجج، ولكن الخطر كل الخطر حين يعرف الإنسان الحق ثم لا ينقاد له، ويسمع الأمر ثم يعصي، ويستبدل نور الوحي بأوهام النفس وتلبيسات الشيطان. فما أفسد القلوب شيءٌ مثل قلبٍ أُوتي الحجة ثم آثر عليها الهوى.
وفي هذه الآيات يكشف الله لنا أن أعظم حجابٍ بين العبد وبين الهداية ليس الجهل وحده، بل الحسد، والتكبر، وحب الدنيا، والتعلق بالأباطيل. فقد أبغضوا أن يأتي الخير من غير طريقهم، وكرهوا أن يختص الله برحمته من يشاء، وكأن فضل الله يُوزع بأهواء البشر، مع أن الله هو مالك الفضل كله، يختار من يشاء لحمل رسالته، ويمنح من يشاء نور الهداية، وليس لأحدٍ أن يعترض على حكمة الله أو ينازع في اختياره.
ثم تكشف الآيات عن انقلاب الموازين حين يترك الإنسان كلام الله، فيقبل على كلام الشياطين، ويستبدل العلم الذي يحيي القلوب بعلمٍ يفسدها، ويطلب قوةً موهومةً في السحر، ويترك القوة الحقيقية في الإيمان والتقوى. فما أعجب حال من يبيع طمأنينة الآخرة بلحظةٍ من متاع الدنيا، ويشتري الوهم بثمن اليقين، ويختار طريق الضرر وهو يعلم أنه خاسر!
ثم تأتي الآية العظيمة: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ لتضع الميزان الحق: إن كل ما عند الخلق من زخارف، وكل ما يظنه الإنسان قوةً أو رفعةً أو نفعًا، لا يساوي شيئًا أمام مثوبة الله. فالقلب الذي عرف قدر الآخرة لا يبيعها بسحرٍ، ولا بشهوةٍ، ولا بمنزلةٍ بين الناس.
ومن هدي هذا الربع، أن الله يُربي المؤمنين على دقة اللفظ وخطر الكلمة، فيأمرهم ألا يجعلوا لأهل الباطل سبيلًا إلى الطعن والاستهزاء، فقال: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾، ليعلم المؤمن أن دينه لا يقتصر على صحة المقاصد، بل يشمل حسن الوسائل، وسلامة العبارات، واجتناب المواطن التي يستغلها أهل الباطل للطعن في الحق وأهله.
ثم يختم هذا السياق بكشف حقيقة أعداء الرسالة: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، ليوقظ الله قلوب المؤمنين من الغفلة، فلا يجعلوا رضا أهل الباطل غايةً، ولا ينتظروا منهم محبةً لما اختاره الله لهم من نور الوحي.
إن أعظم درسٍ في هذا الربع: أن النجاة ليست في الانتساب، ولا في حمل الأسماء، ولا في كثرة الادعاء، وإنما في صدق العبودية والانقياد لأمر الله. فكم من أمةٍ كان بين يديها الكتاب فضيّعته، وكم من إنسانٍ عرف الحق فحجبه عنه الكبر أو الحسد أو حب الدنيا.
فليحذر المؤمن أن يصيبه شيءٌ من أمراض القلوب التي أهلكت من قبله؛ أن يسمع ولا يطيع، أو يعلم ولا يعمل، أو يرى فضل الله على غيره فيحسده، أو يترك هداية الوحي ليتبع سراب الشياطين.
فالقرآن لا يقص علينا أخبار السابقين لمجرد المعرفة، وإنما يضع أمامنا مرآةً نرى فيها أنفسنا، ويسأل كل قلبٍ: هل أنت ممن إذا سمع قال: سمعنا وأطعنا؟
أم ممن قال بلسانه: سمعنا ثم خالف بقلبه وعمله؟
وهنا يظهر الفرق بين أهل الإيمان وأهل الانحراف؛ فالمؤمن إذا جاءه أمر الله خضع، وإذا ظهر له الحق رجع، وإذا فُتحت له أبواب الهداية أقبل عليها، لأنه يعلم أن أعظم نعمةٍ في الوجود أن يختصه الله برحمته، وأن يرزقه قلبًا حيًّا يعرف الحق ويتبعه. ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
اللهم اغفر لنا وارحمنا، واهدنا سواء السبيل، وثبّت قلوبنا على طاعتك، وأيّدنا بنصرك وتوفيقك، واجعلنا من جند الحق وأنصار دينك.
اللهم اكفنا شر الجهل والظلم والحسد، وطهّر قلوبنا من أمراضها، ولا تجعل في صدورنا غلًّا للذين آمنوا، وارزقنا قلوبًا خاشعة، وألسنةً صادقة، وأعمالًا خالصة.
اللهم أعزّنا بالإسلام، وأعزّ الإسلام بنا، واجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، والذين يتلونه حق تلاوته، ويتدبرون آياته، ويعملون بأحكامه، ويتخلقون بأخلاقه، ويبلّغون هدايته للناس بالحكمة والإخلاص والتقوى.
اللهم لا تجعل القرآن حجةً علينا، بل اجعله نورًا لقلوبنا، وربيعًا لصدورنا، وجلاءً لأحزاننا، وذهابًا لهمومنا، وارفعنا به في الدنيا والآخرة.
اللهم علّمنا منه ما جهلنا، وذكّرنا منه ما نُسينا، وارزقنا تدبر آياته، والوقوف عند حدوده، والعمل بهديه.
اللهم اجعلنا ممن إذا سمعوا آياتك قالوا: سمعنا وأطعنا، وممن اختصصتهم برحمتك وفضلك، ولا تحرمنا خير ما عندك بسوء ما عندنا.
اللهم اختم لنا بالحسنى، واجعل آخر كلامنا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم آمين.