مجالس تدارس القرآن: الربع السابع من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد:

نواصل الرحلة مع كتاب الله عز وجل، في الربع السابع من سورة البقرة، حيث تنتقل الآيات بالقلب من ميدان الشبهات إلى ميدان اليقين، ومن صخب المجادلات إلى سكينة التسليم، ومن التعلّق بالخلق إلى الاعتصام برب الخلق أجمعين.

إن القرآن ليس كتابَ تلاوةٍ تُحرِّك الألسنة فحسب، بل هو كتابُ هدايةٍ يصوغ القلوب، ويعيد ترتيب الموازين، ويبني الإنسان على نور الوحي لا على أهواء البشر. وفي هذا الربع المبارك من سورة البقرة، الممتد من قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، نقف أمام مشاهد عظيمة تكشف لنا سنن الله في التشريع، وحقيقة الصراع بين الوحي والهوى، وبين الإيمان والاستكبار.

نرى في آيات هذا الربع، كيف يعلّمنا الله تعالى أن شريعته قائمة على الحكمة والكمال، وأن النسخ ليس تبديلًا عن عجز، بل انتقالٌ من خيرٍ إلى خير، ومن مصلحةٍ إلى مصلحة، يصنعه العليم الحكيم. ثم نطالع صورًا من اعتراضات أهل الكتاب والمشركين، لنكتشف أن أكثر الشبهات التي تُثار حول الدين ليست وليدة البحث عن الحق، وإنما ثمرة الحسد والكبر واتباع الهوى.

وفي ثنايا هذه الآيات تتكرر الدعوة إلى تعظيم سلطان الله جل جلاله، والثقة بحكمه سبحانه وتعالى، والاعتماد عليه وحده جلّ في علاه، فلا نلتفت إلى ضجيج المشككين، ولا نرهن يقيننا بكثرة المعترضين. كما تُذكِّرنا الآيات بأن شرف الأمة ليس في الانتساب ولا في الدعاوى، وإنما في صدق الإيمان والاستقامة على أمر الله عز وجل.

ثم تنتقل بنا السورة إلى مشهد إبراهيم عليه السلام، إمام الموحّدين، الذي استحق الإمامة بعد تمام الابتلاء، ليعلّمنا أن التمكين لا يُنال بالأماني، وإنما بالصبر والطاعة والوفاء بالعهد. ومن بناء الكعبة، إلى الدعاء ببعثة خاتم الأنبياء ﷺ، تتجلى وحدة رسالة الأنبياء، وأن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده منذ إبراهيم إلى محمد عليهما الصلاة والسلام.

ويرسم لنا تدبر هذا الربع، الفارق بين من يحمل الكتاب حروفًا، ومن يحمله هدايةً وعملاً؛ فليس الشأن أن تُتلى الآيات بالأصوات، وإنما أن تُتلى بحق تلاوتها: إيمانًا، وفهمًا، وامتثالًا، ودعوةً، وصبرًا. ولذلك ختم الله تعالى هذا الربع بآية عظيمة، فقال عز وجل: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ وكأنها دعوة لكل واحد منا أن يسأل نفسه: أيُّ نصيبٍ لي من حق تلاوة القرآن؟

فلندخل هذا المجلس بقلوبٍ متجردة، نستمع إلى خطاب ربنا كأننا نتلقاه لأول مرة، نطلب الهداية لا مجرد المعرفة، والتزكية لا مجرد الثقافة، ونسأل الله تعالى أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، يُذهب الله به همنا ويزيل غمنا، نسأله تعالى أن يرزقنا حق تلاوته، والعمل به، والثبات عليه حتى نلقاه.

قال الله جل جلاله: ﴿ ۞ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ البقرة: 106]

هذه الآية ليست حديثًا عن حكمٍ فقهي مجرد، وإنما هي درسٌ عظيم في حقيقة العبودية؛ فالمؤمن لا يعبد الأحكام لذاتها، وإنما يعبد ربَّ الأحكام. فحيث أمر الله وقف، وحيث نهى انتهى، وحيث بدَّل سلَّم، لأنه يعلم أن الحكيم لا يختار لعباده إلا ما هو أصلح لهم وأكمل.

ومن أعظم آفات القلوب أن تُقدِّم عقولها القاصرة على حكمة الله الكاملة؛ ولذلك كان اليهود أول من اعترض على النسخ، لا لأن الأدلة لم تقم عليهم، بل لأن الكبر منعهم من التسليم. ولهذا قال السعدي رحمه الله: «إنكارهم له كفرٌ وهوى محض». فليست المشكلة في النسخ، وإنما في القلب الذي لا يرضى أن يكون عبدًا لله عز وجل.

إن قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يملأ القلب طمأنينة؛ فما رفع الله عن عباده حكمًا إلا عوَّضهم بخيرٍ منه أو بمثله. فما عند الله لا ينقص بالعطاء، ولا يفتقر إلى التجربة حتى يُصحِّح تشريعًا بتشريع، تعالى الله عن ذلك. وإنما تتبدل الأحكام لأن أحوال العباد تتبدل، أما علم الله وحكمته فكاملان أزلاً وأبدًا.

ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها: “خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم”. فما من أمرٍ شرعه الله، أو رفعه، إلا وخلفه رحمة، وإن خفيت على الأبصار. وكم من عبدٍ كره أمرًا من أوامر الله، ثم أدرك بعد سنوات أن الخير كله كان فيما اختاره الله له.

وفي الآية تربيةٌ عظيمة على التسليم؛ فإن المؤمن لا يجعل معيار القبول: “هل اقتنعت؟”، بل يجعل معياره: “هل ثبت عن الله ورسوله؟”. فالإيمان يبدأ حيث تنتهي الاعتراضات، وحيث يسكن القلب لحكم مولاه، ولو لم يدرك جميع الحكم.

ولذلك ختم الله الآية بقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ فكأنها قاعدةٌ تُزيل كل شبهة. فمن آمن بكمال قدرة الله، آمن بكمال حكمته، وأنه سبحانه يشرع، وينسخ، ويأمر، وينهى، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.

وهذه الآية لا تتحدث عن النسخ وحده، بل تعلِّم المؤمن كيف يتعامل مع أقدار الله أيضًا؛ فكم من نعمةٍ رفعها الله، وكم من بابٍ أغلقه، وكم من طريقٍ صرف عنه عبده، ثم كشف له بعد حين أن ما ظنه خسارةً كان عين الرحمة. فكما أن الله لا ينسخ حكمًا إلا إلى خيرٍ أو مثله، فكذلك لا يقدِّر لعبده قضاءً إلا وفي طياته من الخير ما قد تخفى حكمته اليوم، وتظهر غدًا.

قال بعض السلف: “من اتهم الله في قضائه، فاتهم إيمانه.” لأن حقيقة الإيمان أن توقن أن اختيار الله لك خيرٌ من اختيارك لنفسك.

ولذلك فإن هذه الآية تغرس في القلب أصلًا من أعظم أصول العبودية: أن الخير كل الخير فيما اختاره الله، لا فيما اختاره الهوى. فليس المؤمن ابنَ رغباته، وإنما هو عبدٌ لربه، يدور مع أمر الله حيث دار، مطمئنًا إلى أن كل ما يأتي من عند الله خير، وإن خفي وجه الخير عن العقول.

فيا صاحب القرآن، إذا مررت بهذه الآية، فلا تقف عند مسائل النسخ وحدها، بل اسأل نفسك: هل قلبي مستسلمٌ لله؟ هل أرضى بحكمه إذا وافق هواي وخالفه؟ وهل أوقن أن الله لا يمنعني إلا ليعطيني، ولا يرفع عني شيئًا إلا ليبدلني خيرًا منه أو مثله؟ فمن امتلأ قلبه بهذا اليقين، ذاق حقيقة العبودية، وعاش في ظل قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.

قال الله تعالى ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [ البقرة: 107]

قم تأتي هذه الآية ليس للإخبار عن سعة مُلك الله عز وجل فحسب، وإنما هي اقتلاعٌ لأصلٍ خفيٍّ من أصول الكبر في القلب؛ فإن أكثر الناس لا يعترضون على الله بألسنتهم، ولكنهم يعترضون عليه بقلوبهم، إذا لم توافق أقداره أهواءهم، أو جاءت أحكامه على خلاف رغباتهم. فجاءت هذه الآية لتقول: تذكّر أولًا لمن المُلك، ثم تكلّم بعد ذلك إن استطعت.

﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

فإذا كان الكون كله ملكه، فأنت واحدٌ من جملة هذا الملك، ونفسك التي بين جنبيك ليست ملكًا لك، وإنما هي وديعة عند ربها. فكيف يخاصم العبد مالكه؟ وكيف يعترض المملوك على سيده؟ وكيف ينازع الفقيرُ الغنيَّ المطلق في تدبير ملكه؟

ولهذا جاءت الآية عقب الحديث عن النسخ؛ لأن من عرف أن الله هو المالك، علم أن من حق المالك أن يأمر بما يشاء، وينهى عما يشاء، ويُثبت ما يشاء، ويمحو ما يشاء، لا معقِّب لحكمه ولا رادَّ لقضائه. ولهذا قال ابن جرير رحمه الله أي: «أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وآمر بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي ما أشاء إذا أشاء.»

وما أكثر ما تضطرب القلوب لأنها نسيت هذه الحقيقة. فكم من إنسان يسأل: لماذا حُرمتُ؟ ولماذا أُعطِي غيري؟ ولماذا تأخر الفرج؟ ولو استقر في قلبه أن الملك كله لله، لسكنت نفسه، ولعلم أن التدبير ليس إليه، وأن اختيار المالك لعبده خيرٌ من اختيار العبد لنفسه.

وقد قرر أهل العلم أن أعظم أبواب العبودية مشاهدة أسماء الله وصفاته في أقداره وأحكامه؛ فمن شهد اسم الملك، واسم الحكيم، واسم العليم، لم يبق في قلبه اعتراض، وإنما يبقى التسليم والرضا.

ثم تأمل كيف انتقلت الآية من بيان الملك إلى بيان الافتقار:

﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.

كأن الله يهدم آخر ما يتعلق به القلب من الأوهام؛ فلا وليَّ يحفظك إن لم يحفظك الله، ولا نصيرَ ينصرك إن لم ينصرك الله، ولا قوةَ تمنع عنك ما أراده، ولا أحد يجلب لك ما منعه.

وكم من الناس يطرقون أبواب الخلق قبل باب الخالق، ويخافون أصحاب المناصب أكثر من خوفهم من ربهم، ويرجون ما في أيدي الناس أكثر مما يرجون فضل الله، حتى إذا سقطت عنهم الأسباب، علموا أن الوليَّ الحق لم يكن إلا الله جل جلاله.

قال بعض السلف: “من عرف الله استراح من الناس.” لأنه يعلم أن القلوب كلها بيده، والأرزاق بيده، والنصر بيده، والهداية بيده، فلا يذل إلا له، ولا يفتقر إلا إليه عز وجل.

ولهذا كان من أعظم الخذلان أن يتعلق القلب بغير الله؛ لأن كل ما سوى الله يملك أن يتركك، أما الله سبحانه فلا يترك من صدق في اللجوء إليه، ولا يضيع من احتمى بجنابه، ولا يخذل من فوض أمره إليه.

وفي الآية علاجٌ لداء العصر؛ داء التعلق بالأسباب. فالأسباب مأمورٌ بها، لكنها ليست محلَّ الاعتماد، وإنما هي أبوابٌ يجري الله عليها أقداره. فمن علَّق قلبه بالسبب، وكله الله إليه، ومن علَّقه برب الأسباب، فتح له من الخير ما لا يخطر له على بال.

ولذلك كان الأنبياء أعظم الناس أخذًا بالأسباب، وأعظمهم تعلقًا بمسببها. فإبراهيم أُلقي في النار، فلم يتعلق بالنار ولا بمن حولها، وإنما قال: حسبي الله ونعم الوكيل. وموسى وقف أمام البحر، وخلفه فرعون، فلم ير قوة الماء ولا بطش العدو، وإنما رأى ملك ربه فقال: ﴿كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.

فإذا امتلأ القلب بشهود ملك الله، صغرت الدنيا كلها في عينه، ولم يعد يخاف إلا الله، ولم يرجُ إلا الله، ولم يفتقر إلا إلى الله. وهذا هو سر العبودية الذي يورث صاحبه عزًّا لا يعرفه أهل الدنيا؛ لأن من كان الله وليَّه، فلا وحشة عليه وإن اجتمعت عليه الدنيا، ومن فقد ولاية الله، فلن تغنيه ولاية الخلق كلها.

فاسأل نفسك عند هذه الآية: إلى من يلتجئ قلبي عند الشدائد؟ ومن أرجو عند نزول الكرب؟ وبمن أستقوي إذا ضعفت؟ فإن كان الجواب: بالله وحده، فقد ذقت شيئًا من معنى هذه الآية، وإن كان القلب لا يزال يتلفت إلى غيره، فاعلم أن باب التوحيد لا يزال ينتظر طرقك له.

﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾… كلمةٌ لو استقرت في القلب، لسقطت منه هيبة الدنيا، وخرج منها خوف الخلق، واستراح من عبودية الأسباب، وعاش في ظل ولاية الملك الحق، الذي بيده خزائن السماوات والأرض، والذي لا يُخيِّب عبدًا أقبل عليه صادقًا، ولا يرد قلبًا احتمى بجنابه.

قال عز وجل: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [ البقرة: 108]

ليست كلُّ الأسئلة مذمومة، وإنما المذموم هو السؤال الذي يولد من قلبٍ لم يعرف مقام العبودية. فهناك سؤالُ طالبٍ للهداية، وهناك سؤالُ متعنتٍ يطلب الغلبة لا الحقيقة. الأول يفتح الله له أبواب العلم، والثاني يفتح على نفسه أبواب الضلال.

ولهذا لم يقل الله تعالى: “أم تسألون رسولكم”، بل قال: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا﴾؛ فأنكر حتى الإرادة قبل وقوع الفعل، لأن أصل الداء يبدأ في القلب، قبل أن ينطق به اللسان. فإذا فسد القصد، لم ينفع حسن العبارة.

لقد كان بنو إسرائيل أكثر الأمم آيات، ومع ذلك كانوا أقلهم انتفاعًا بها؛ لأنهم لم يستقبلوا الوحي بقلب المتعبد، وإنما بقلب الممتحِن. قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾، وقالوا: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، ولم يكن ينقصهم الدليل، وإنما كانت تنقصهم القلوب الخاشعة.

ولذلك فإن أعظم ما يفسد القلب ليس الجهل، بل الكِبر. فالجاهل إذا صدق طلبه تعلَّم، أما المتكبر فلا تزيده البينات إلا بعدًا؛ لأنه لا يبحث عن الحق، وإنما يبحث عن انتصار نفسه.

ولهذا قال ابن كثير رحمه الله: «ذمَّ الله من سأل الرسول صلى الله عليه وسلم على وجه التعنت والاقتراح، كما سألت بنو إسرائيل موسى تعنتًا وتكذيبًا وعنادًا.» فما أهلك الأمم قبلنا نقصُ الحجج، وإنما أهلكها فسادُ القلوب.

ومن أعظم صور الأدب مع الوحي أن يقف العبد عند النص موقف المتلقي، لا موقف الممتحِن. ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما كلمةً تُكتب بماء الذهب: «ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب محمد ﷺ، ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة، كلها في القرآن.» فما كان يشغلهم كثرة الجدل، وإنما كان همهم كثرة العمل.

وكان الصحابة رضي الله عنهم يهابون سؤال رسول الله ﷺ، حتى قال البراء بن عازب رضي الله عنه: «إن كان ليأتي عليَّ السنة أريد أن أسأل رسول الله ﷺ عن الشيء، فأتهيب منه، وكنا نتمنى الأعراب.» ولم تكن هيبتهم خوفًا من النبي ﷺ، وإنما تعظيمًا للوحي، وخشية أن ينزل بسبب السؤال تكليفٌ يشق على الأمة.

ولهذا قال رسول الله ﷺ: «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم.» فليس الخطر في السؤال، وإنما في السؤال الذي يُولد الاعتراض، أو يجرُّ إلى التشديد، أو يفتح أبواب التنطع.

ولذلك كان السلف يكرهون المسائل التي لا عمل تحتها، وكانوا يقولون: إذا نزلت النازلة وُفِّق لها أهلها. أما الاشتغال بما لم يقع، والتكلف فيما لم يُكلَّف به العبد، فإنه يقسي القلب، ويصرفه عن العلم النافع إلى الجدل العقيم.

ثم تأمل هذا التعبير المخيف:

﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾.

ولم يقل: “ومن يكفر”، بل قال: ﴿يَتَبَدَّلِ﴾؛ لأن الإيمان رأس مالٍ عظيم، فمن ترك التسليم للوحي، واستبدل به الاعتراض والهوى، فكأنه باع أغلى ما يملك بأبخس ثمن. وليس كل تبديلٍ يقع دفعةً واحدة، بل يبدأ بخطوة صغيرة: سؤالٍ متعنت، أو اعتراضٍ خفي، أو تقديمٍ للعقل على النص، حتى ينتهي بصاحبه إلى الضلال.

ولهذا قال ابن القيم رحمه الله بمعناه: ما ضرب عبدٌ نصوص الوحي بعقله إلا عوقب بحرمان نور الوحي. فإن للوحي نورًا لا يجتمع مع الكبر، كما لا يجتمع الليل والنهار.

وكم في زماننا من قلوبٍ تشبه قلوب بني إسرائيل، لا لأنها تنكر القرآن، ولكن لأنها لا ترضى من الدين إلا بما وافق أهواءها. فإذا جاء الحكم موافقًا لرغبتها قالت: هذا هو الإسلام، وإذا خالف هواها بدأت تبحث عن المخارج، أو الاعتراضات، أو الشبهات. وهذا لونٌ من ألوان استبدال الإيمان بالهوى.

إن المؤمن الصادق إذا سمع أمر الله، لم يكن أول ما يسأل: لماذا؟ وإنما أول ما يقول: سمعنا وأطعنا. لأنه يعلم أن السؤال عن الحكمة بعد التسليم يزيده إيمانًا، أما السؤال قبل التسليم فقد يجره إلى الاعتراض.

فاسأل نفسك عند هذه الآية: كيف أستقبل أوامر الله؟ هل أبحث عن طريق الامتثال، أم أبحث عن طريق الاعتذار؟ هل أقف بين يدي الوحي موقف العبد، أم موقف القاضي الذي يزن النصوص بميزان هواه؟

إن الطريق إلى الله لا يقطعه الذكاء، وإنما يقطعه التسليم. وما ارتفعت منزلة أبي بكر رضي الله عنه حتى قال عند خبر الإسراء: “إن كان قال فقد صدق.” فكان يقينه سابقًا لفهمه، وتسليمه سابقًا لتعليله، وذلك هو الإيمان الذي يورث صاحبه الثبات.

﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾؛ فاحذر أن يكون أول انحرافك سؤالًا ولد من كِبر، أو اعتراضًا خرج من هوى، فإن القلوب لا تسقط دفعةً واحدة، وإنما تبدأ بخطوة، ثم أخرى، حتى تبتعد عن نور الوحي وهي تظن أنها لا تزال على الطريق.

ثم قال عز وجل: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ البقرة: 109]

من أشد ما يكشفه القرآن للقلوب أن أخطر أعدائها ليس دائمًا من يحاربها بالسيف، بل من يحارب إيمانها. فعدوك الحقيقي ليس من يريد أن يسلبك مالًا أو أرضًا، وإنما من يتمنى أن يسلبك أعظم نعمة أنعم الله بها عليك: نعمة الهداية.

ولهذا لم يقل الله: ودوا أن تهلكوا، ولا: ودوا أن تفتقروا، بل قال: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾. لأن الشيطان وأولياءه يعلمون أن خسارة الدين أعظم من خسارة الدنيا كلها، وأن من فقد الإيمان لم يغنه بعد ذلك نصرٌ ولا مالٌ ولا سلطان.

وتأمل قوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ﴾، فكأن الآية تشير إلى أن الإيمان إذا استقر في القلب صار هو الجوهرة التي تتوجه إليها سهام الأعداء. فكلما ازداد العبد قربًا من الله، ازداد الشيطان وأولياؤه حرصًا على انتزاع هذا النور من قلبه.

ثم كشف الله الدافع الحقيقي لهذا العداء، فقال:

﴿حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾.

ولم ينسبه إلى شبهة، ولا إلى جهل، ولا إلى نقص دليل، وإنما نسبه إلى نفوسهم؛ لأن المشكلة لم تكن في الحق، بل في القلوب التي رفضته.

قال أبو العالية رحمه الله: “تبين لهم أن محمدًا رسول الله يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حسدًا وبغيًا إذ كان من غيرهم.”

فكم من إنسان لا يترك الحق لأنه لم يعرفه، وإنما يتركه لأن نفسه لا تريد أن تخضع له. ولذلك كان ابن القيم رحمه الله يقول في معنى كلامه: ليس كل من جهل الحق ضل، وإنما أكثر الضلال بعد معرفة الحق وتركه اتباعًا للهوى. فالهوى إذا ملك القلب أطفأ نور البصيرة، حتى يرى صاحبه الحق ثم يفر منه.

ولهذا قال تعالى:

﴿مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾.

وهذه من أشد آيات القرآن رهبةً؛ لأن الجاهل أقرب إلى العذر من المعاند، أما من عرف ثم جحد، وأبصر ثم أعرض، فذلك الذي استحق أشد العقوبة.

وفي الآية تحذيرٌ للمؤمن من أن يظن أن كل مخالفٍ للحق إنما خالفه لخفائه؛ فكم من الناس من يعرف الحق كما يعرف ولده، ثم يمنعه الكبر، أو الرياسة، أو الحسد، أو شهوة النفس من اتباعه.

ومن أخطر الأمراض التي تكشفها الآية الحسد، فإنه أول ذنبٍ عُصي الله به في السماء، حين حسد إبليس آدم، وأول جريمةٍ في الأرض، حين حسد قابيل أخاه فقتله. وكلما تمكن الحسد من القلب، صار صاحبه يتألم لرؤية نعم الله على عباده أكثر مما يتألم من مصائبه.

قال بعض السلف: “ما خلا جسد من حسد، ولكن الكريم يخفيه، واللئيم يبديه.” فإذا استقر الحسد في القلب ولم يجاهده صاحبه، قاده إلى البغي، ثم إلى الظلم، ثم إلى رد الحق، كما فعل أهل الكتاب.

ثم تأتي المفاجأة الإيمانية في وسط هذه الآية:

﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾.

ما أعجب القرآن! بعد أن كشف للمؤمنين هذا الحقد الدفين، لم يفتح لهم باب الانتقام، وإنما فتح لهم باب تزكية النفوس.

لأن المؤمن لا يتحرك بانفعال الغضب، وإنما يتحرك بأمر الله. فإذا أمره الله بالعفو عفا، وإذا أمره بالجهاد جاهد، فهو عبدٌ للأمر، لا عبدٌ لردة الفعل.

والصفح إنما يُطلب من القادر، لا من العاجز، فكأن الله يخاطب المؤمنين: أنتم أهل القوة الحقيقية، فلا يحملكم حقد أعدائكم على أن تتخلوا عن أخلاق الوحي.

ولذلك كان رسول الله ﷺ، كما روى أسامة بن زيد رضي الله عنهما، يعفو عن المشركين وأهل الكتاب ويصبر على أذاهم كما أمره الله، حتى أذن الله بقتالهم. فالعفو هنا لم يكن ضعفًا، وإنما كان طاعة، فلما تغيّر الحكم تغيّر الفعل؛ لأن المؤمن لا تحكمه العاطفة، وإنما يحكمه الوحي.

وفي هذا درسٌ عظيم للدعاة؛ فليس كل أذى يُقابل بالعقوبة، وليس كل إساءة يُقابلها انتقام، بل لكل مرحلة حكمها، ولكل مقام عبوديته. ومن استعجل ما أخره الله، أو أخر ما عجله الله، فقد خرج عن سواء المنهج.

ثم ختم الله الآية بقوله:

﴿حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾.

فلا تستبطئ نصر الله، ولا تظن أن حلمه إهمال، ولا أن تأخير العقوبة عجز. إنما هي حكمة الملك العزيز الذي يضع كل شيء في موضعه.

وقد تحقق هذا الوعد، فأذن الله للمؤمنين بالجهاد، وأذل من حارب دينه، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من السلف: إن هذه الآية نُسخت بآية القتال. فكان العفو في وقته عبادة، وكان الجهاد في وقته عبادة، لأن العبرة ليست بالفعل نفسه، وإنما بموافقة أمر الله عز وجل.

فإذا قرأت هذه الآية، فلا تنشغل بعداوة أهل الكتاب وحدها، بل فتش قلبك؛ فربما كان أخطر أعدائك هو الحسد الذي يتسلل إلى نفسك، أو الهوى الذي يمنعك من قبول الحق، أو الغفلة التي تجعلك لا تشعر بمن يريد أن يسرق منك إيمانك.

واسأل نفسك: هل أحرس إيماني كما أحرس مالي؟ وهل أخاف على قلبي من الشبهات والشهوات كما أخاف على بيتي من اللصوص؟ فإن الله أخبرك أن هناك من يتمنى أن تعود كافرًا، فكيف يأمن على دينه من علم أن أعداءه لا يطمعون في شيءٍ كما يطمعون في انتزاعه من قلبه؟

إن الإيمان هو أعظم ما تملك، فمن عرف قدره عاش يحرسه، ويزداد شكرًا كلما رأى من حُرم نوره، وسأل الله الثبات حتى يلقاه، فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، ولا نجاة إلا لمن ثبته الله على الهدى.

ثم يقول عز من قائل: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [ البقرة: 110]

بعد أن كشف الله للمؤمنين ما تخفيه صدور أعدائهم من حسدٍ وكيد، لم يشغلهم بالانشغال الدائم بهم، وإنما ردَّهم إلى ما هو أعظم أسباب النصر والثبات: إصلاح العلاقة بالله تعالى.

فليس الطريق إلى الغلبة أن يكثر العبد من مراقبة خصومه، وإنما أن يكثر من الوقوف بين يدي ربه. ولهذا لم يقل: استعدوا لهم أولًا، وإنما قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. وكأن القرآن يعلم الأمة أن قوة الصفوف تبدأ من المحاريب، وأن النصر يُولد من السجود قبل أن يُولد في ميادين المواجهة.

ولم يقل سبحانه: “صلوا”، بل قال: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. فإقامة الصلاة ليست أداء حركاتها، وإنما إقامة حدودها، وإتمام خشوعها، وحضور القلب فيها، حتى تصبح حياةً للقلب قبل أن تكون عملًا للجوارح.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “إن أهمَّ أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع.” فالصلاة ليست عبادةً بين عبادات، بل هي الميزان الذي تُوزن به بقية الأعمال.

ثم قرن الله بها الزكاة؛ لأن الدين لا يبني علاقة العبد بربه فقط، بل يبني علاقته بالناس أيضًا. فالصلاة تزكي القلب، والزكاة تزكي المال، وإذا صلح القلب والمال، صلح المجتمع كله.

وكان ابن القيم رحمه الله يلخص هذا المعنى في أن الصلاة والزكاة هما جماع الإحسان إلى الخالق والإحسان إلى المخلوق؛ فالصلاة حق الله، والزكاة حق عباده، ومن جمع بينهما فقد استكمل أصل العبودية.

ثم يفتح الله بابًا واسعًا للأمل، فيقول:

﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾.

يا لها من كلمة تهز القلب! فكل خيرٍ تظنه ذهب، هو في الحقيقة لم يذهب، وإنما سبقك إلى الآخرة ينتظرك.

وسماه الله تقديمًا، ولم يسمه إنفاقًا أو بذلًا؛ لأن المؤمن لا يخسر حين يعطي، بل يرسل ماله وأعماله إلى الدار التي سينتقل إليها. وكل عاقل يقدِّم متاعه إلى منزله قبل أن يسكنه، والآخرة هي المنزل الحقيقي، فما ترسله إليها اليوم ستجده غدًا بين يديك.

ولهذا كان بعض السلف إذا تصدق بشيء قال: “اللهم اجعله وديعةً عندك.” لأنه يعلم أن ما عند الله لا يضيع، وأن خزائن السماء أوثق من خزائن الأرض.

وقال الحسن البصري رحمه الله: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، فقدم لنفسك تجد غبَّه.” فما من يوم ينقضي إلا ويحمل معه فرصةً لن تعود، وما من عملٍ صالح إلا وهو لبنةٌ في دارك عند الله عز وجل.

وتأمل قوله تعالى:

﴿لِأَنفُسِكُم﴾.

فكأن الله يذكرك أن كل طاعةٍ تفعلها، إنما نفعها راجع إليك، لا إلى ربك. فالله غنيٌّ عن عبادتك، وإنما أنت الفقير إلى رحمته. وكل سجدة، وكل صدقة، وكل دمعة، وكل كلمة خير، إنما تبني بها نفسك قبل أن تبني غيرك.

ثم قال:

﴿تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾.

ولم يقل: “يُكتب لكم”، أو “تؤجرون عليه”، بل قال: ﴿تَجِدُوهُ﴾؛ لتشعر أن عملك لم يَفْنَ، ولم يتبدد، وإنما هو محفوظ ينتظرك، كما قال سبحانه: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾.

وما أعظمها من كرامة، أن يكون الذي يحفظ عملك هو الله جل جلاله، لا بشرٌ ينسى، ولا صحيفةٌ تضيع، ولا ذاكرةٌ تخطئ. فإذا كان الكريم هو الذي يتولى حفظ العمل، فكيف يكون الجزاء؟

قال بعض السلف: “لو علمت أن الله تقبل مني سجدةً واحدة، لكان الموت أحبَّ إليَّ من الحياة.” لأن الله قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، ومن وجد عمله عند الله، فقد وجد كل شيء.

ثم ختم الله الآية بقوله:

﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.

وكأنها عينٌ من السماء تراقب كل حركةٍ في حياتك؛ لا لتفضحك، وإنما لتطمئنك أن شيئًا من عملك لن يضيع.

يبصر قيامك إذا نام الناس، ويرى دمعتك التي لم يعلم بها أحد، ويشهد صدقتك التي أخفيتها عن أعين الخلق، ويسجل جهادك مع نفسك حين غلبت هواها، فلا يذهب عنده تعب، ولا يضيع لديه إخلاص.

قال ابن جرير رحمه الله: “هذا الخبر وإن خرج مخرج الخبر، ففيه وعدٌ ووعيد، وأمرٌ وزجر.” فهو وعدٌ لمن أحسن أن الله لن يضيع إحسانه، ووعيدٌ لمن أساء أن الله لا تخفى عليه إساءته.

وهذا من أعظم ما يعين على الإخلاص؛ فمن علم أن الله يبصر عمله، استغنى عن نظر الناس إليه. فلا يفرح بمدحهم، ولا يحزن إذا جهلوا عمله، لأن الذي يرجوه قد رآه، والذي يخافه قد اطلع عليه.

فإذا مررت بهذه الآية، فتذكر أنك لا تبني لليوم، وإنما تبني للأبد. وأن كل ركعة، وكل صدقة، وكل بر، وكل كلمةٍ طيبة، إنما تضعها في خزائن ربك، وستجدها يوم تكون أحوج ما تكون إليها.

﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾… فليس الشأن كم بقي لك في الدنيا، وإنما الشأن: كم أرسلت إلى الآخرة؟ وليس الغني من كثرت أمواله، وإنما الغني من كثرت ودائعه عند الله. فطوبى لمن جعل أيامه قوافلَ من الخير، تسبقه إلى ربه، حتى إذا لقيه وجد كل ما قدَّم حاضرًا، وأعظم مما كان يرجو.

ثم يقول تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [ البقرة: 111]

ما أكثر الذين يعيشون على الأماني، وما أقل الذين يسيرون على البراهين. فالدين لا يقوم على الأمنيات، ولا تُنال الجنة بالألقاب، ولا يرفع العبد عند الله انتسابه، وإنما يرفعه صدقه واستقامته. ولهذا أبطل الله دعواهم بكلمة واحدة: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾، فكل دعوى لا يسندها وحي، ولا يشهد لها دليل، فهي أمنية مهما زخرفت بالعبارات.

ومن أعظم أبواب الضلال أن يتحول الدين من اتباع إلى ادعاء. فإن اليهود والنصارى لم يأتوا بحجة، وإنما اكتفوا بالانتماء، فاستبدلوا العمل بالأماني، والبرهان بالدعوى. ولذلك كان الحسن البصري رحمه الله يقول: “ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل.” وكأن هذه الكلمة تفسير عملي لهذه الآية؛ فكم من إنسان يحسن الظن بنفسه، وهو مقصر في حق ربه، يمني نفسه بالنجاة وهو لم يسلك طريقها.

هذه الآية تؤسس لأصل عظيم في الإسلام: أن البرهان هو ميزان الحق. فلا يقبل الله دعوى مجردة، ولا يرضى لعباده أن يبنوا عقائدهم على التقليد الأعمى. ولهذا جاء التحدي الإلهي: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. فالمؤمن يتعبد لله بالبصيرة، ويوقن أن الحق لا يخاف السؤال، وإنما يخشاه أهل الباطل.

كلما ضعف الدليل، ارتفع صوت الدعوى. ولذلك لم يقل سبحانه: إنهم مخطئون فحسب، بل كشف أصل الداء، وهو أنهم يعيشون على الأمنيات. قال أبو العالية رحمه الله: “أماني تمنوها على الله بغير حق.” فما أكثر من يتمنى رحمة الله وهو مقيم على معصيته، ويتمنى الفردوس وهو زاهد في أسبابها.

والقرآن يربي المؤمن على التحرر من سلطان الشعارات. فلا يغتر بكثرة المنتسبين، ولا بعراقة الأسماء، ولا بقدم التاريخ، وإنما يسأل دائما: أين الدليل؟ وأين البرهان؟ فهذه الكلمة: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ ليست خطابا لأهل الكتاب وحدهم، بل هي منهج حياة لكل مسلم؛ يزن به الأقوال، ويميز به الحق من الباطل، والسنة من البدعة، والهدى من الهوى.

من رحمة الله أنه أغلق باب الاحتجاج بالأماني، وفتح باب العمل الصالح. فلو كانت الجنة تنال بالانتساب، لما كان للأنبياء جهاد، ولا للصالحين تعب، ولا للشهداء بذل. وإنما جعل الله الطريق واضحا: إيمان صادق، وعمل صالح، واستسلام للوحي.

وكل دعوى في الدين تحتاج إلى شاهد من الوحي، لا إلى شاهد من الهوى. ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: “كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر ﷺ.” فليس في الإسلام معصوم بعد رسول الله ﷺ، ولا يقبل قول أحد إلا إذا وافق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وفي الآية تحذير من الغرور الخفي. فقد يكون الإنسان بعيدا عن اليهود والنصارى، لكنه يقع في جنس فعلهم، حين يظن أن مجرد انتمائه للإسلام، أو لأسرة صالحة، أو لعلم، أو لدعوة، كافٍ لضمان النجاة، مع التفريط في الطاعة. قال ابن مسعود رضي الله عنه: “ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية.” فالنجاة ليست بالانتساب، وإنما بتحقيق العبودية.

إن أول ما يهدمه القرآن هو الوثوق بالنفس دون برهان. فالهوى يحب أن يطمئن الإنسان إلى نفسه، أما الوحي فيدعوه إلى مراجعة إيمانه وأعماله باستمرار. ولهذا كان السلف يخافون النفاق على أنفسهم مع كثرة أعمالهم، ولم يغتروا بطاعة، ولم يركنوا إلى سابقة.

ثم تأمل كيف انتقلت الآية من دعوى الجنة إلى طلب البرهان. لتعلم أن الله لا يقبل في دينه المجاملات، ولا يحابي أحدا، وأن الميزان واحد للبشر جميعا. فمن أراد الجنة فليأت بدليلها من إيمان صحيح، وعمل صالح، واتباع للنبي ﷺ، لا بمجرد التمني؛ فإن الأماني بضائع المفاليس، أما أهل البصائر فإنما يتزودون بالبراهين والطاعات. قال الحسن البصري رحمه الله: “إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظن بالله، وكذبوا؛ لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.” وهذا من أبلغ ما يفسر هذه الآية، ويكشف خطر الاغترار بالأماني دون صدق الاتباع والعمل.

ثم قال تعالى: ﴿ بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [ البقرة: 112]

بعد أن أبطل الله أماني أهل الكتاب، أقام الميزان الذي لا يحابي أحدًا. فلا النجاة بالأسماء، ولا بالأعراق، ولا بالانتساب إلى أمة أو طائفة، وإنما النجاة بكلمتين جمعتا الدين كله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. فكم أسقطت هذه الآية من دعاوى، وكم رفعت من عباد خفيين لا يعرفهم الناس ولكن عرفهم الله بإخلاصهم وإحسانهم.

تأمل قوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾، ولم يقل: أسلم لسانه أو جوارحه. لأن الوجه أشرف ما في الإنسان، فإذا خضع الوجه لله، تبعته العين فلا تنظر إلا إلى ما يرضيه، واللسان فلا ينطق إلا بما يحبه، والقلب فلا يتوكل إلا عليه. فالاستسلام الحق ليس حركة جوارح، بل انقياد روح، وخضوع قلب، وذلٌّ كامل لرب العالمين.

الإسلام والإحسان هما جناحا القبول. فالإسلام إخلاص القصد، والإحسان إصابة العمل. ولهذا قال سعيد بن جبير رحمه الله في تفسير الآية: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: متبع فيه الرسول ﷺ. فلا يكفي أن تريد الله حتى تعبده بما شرع، ولا يكفي أن توافق السنة حتى يكون قصدك وجه الله.
ولهذا قرر السلف قاعدة عظيمة استنبطوها من هذه الآية وغيرها: لا يقبل الله عملاً إلا بشرطين؛ الإخلاص والمتابعة. قال الفضيل بن عياض رحمه الله في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: “أخلصه وأصوبه.” قيل: وما أخلصه وأصوبه؟ قال: “إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا؛ والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة.” وهذه الآية من أوضح ما يشهد لهذه القاعدة.

كم من عاملٍ أتعب جسده، وسهر ليله، وأنفق ماله، ثم عاد عمله عليه هباءً؛ لأنه فقد الإخلاص أو فقد الاتباع. ولهذا قال ابن كثير رحمه الله: “فمتى كان العمل خالصًا ولم يكن صوابًا لم يتقبل، ومتى كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يتقبل.” إنها كلمة تهز القلب، وتجعل العبد يفتش عن نيته قبل أن يفتش عن عمله.

وفي الآية رد على كل من ظن أن كثرة الأعمال وحدها تنجي. فالرهبان عبدوا الله دهورًا، ولكن لما لم تكن عبادتهم على هدي رسله، قال الله فيهم: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. والمنافقون صلوا مع المسلمين، لكن لما فقدوا الإخلاص، لم ترفع لهم صلاة. فالقبول ليس بكثرة العمل، وإنما بصحته.

إن أعظم نعمة ينالها المؤمن ليست الجنة وحدها، بل الأمن الذي يسبقها. قال تعالى: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فلا خوف مما يستقبل، ولا حزن على ما مضى؛ لأن من تولى الله أمره في الدنيا، تولاه يوم يفزع الناس. قال سعيد بن جبير رحمه الله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: في الآخرة، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على الموت وما خلفوا وراءهم.

ما أكرم هذا الوعد! لم يقل: فله أجر، بل قال: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾. وإذا كان الأجر عند الكريم، فلا تسأل عن سعته، وإذا كان المدخر عند رب العالمين، فلا يخشى عليه ضياع، ولا نقص، ولا تأخير. قد ينسى الناس إحسانك، وقد يجحدون معروفك، أما ما أودع عند الله فلا يغيب ولا يضيع.

وفي هذه الآية دعوة إلى تصحيح الباطن قبل تجميل الظاهر. فإن الله بدأ بإسلام الوجه له، ثم أتبعه بالإحسان في العمل. فرب عمل صغير عظمته النية، ورب عمل عظيم حطمته الرياء. وكان السلف يخافون على النيات أكثر من خوفهم على الأعمال، لأن العمل يراه الناس، أما النية فلا يعلمها إلا الله عز وجل.

هذه الآية تبني المسلم على العبودية لا على الهوية. فلا يقول: أنا من أهل الإسلام، فيطمئن إلى مجرد الانتساب، بل يسأل نفسه كل يوم: هل أسلمت وجهي لله حقًا؟ وهل عملي خالص لله؟ وهل هو على سنة رسول الله ﷺ؟ فمن حقق هذه المعاني، دخل في وعد الله العظيم: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. إنها بشارة لأهل الإخلاص، وسلوى لأهل الاستقامة، ووعد لا يخلفه الله لعباده الصادقين.

ثم يقول عز وجل: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [ البقرة: 113]


من أعجب ما يفسد القلوب أن يجتمع العلم مع الهوى. فالآية لم تذم اليهود والنصارى لأنهم جهلاء، بل لأنهم قالوا هذا ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾. فالعلم إذا لم يصحبه إخلاص وعدل، لم يزدد صاحبه إلا بعدًا عن الحق، ولهذا كان السلف يخافون من علم لا يعمل به أكثر من خوفهم من الجهل.

وليس كل من حمل الكتاب اهتدى بالكتاب. فقد تتلو العين الآيات، ولا يتلوها القلب، ويجري القرآن أو التوراة أو الإنجيل على اللسان، بينما يحكم الهوى في العقل. ولذلك قال الحسن البصري رحمه الله: “أنزل القرآن ليُعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملاً.” فالمقصود من الوحي أن يقود صاحبه إلى التسليم، لا أن يكون وسيلة للخصومة والانتصار للنفس.

إن التعصب يعمي صاحبه حتى ينكر ما يعلم. فاليهود كانوا يجدون في التوراة البشارة بعيسى عليه السلام، والنصارى يجدون في الإنجيل تصديق موسى عليه السلام، ومع ذلك كفر كل فريق بما عند الآخر. قال ابن عباس رضي الله عنهما: “إن كلا يتلو في كتابه تصديق من كفر به.” وهذه من أعظم صور اتباع الهوى؛ أن يعرف الإنسان الحق ثم يجحده لأن قبوله يهدم تعصبه.

من ترك الإنصاف مع خصمه، شابه أهل الكتاب وإن حمل اسم الإسلام. فليس المقصود من الآية مجرد حكاية خلاف اليهود والنصارى، بل التحذير من خلقهم؛ وهو أن يحمل البغض على نفي كل خير عند المخالف، أو حمل الخلاف على الجور في الحكم. وقد قال الله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، فالعدل فريضة حتى مع الخصوم.

قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ يحمل توبيخًا خفيًا شديدًا؛ لأن الخلاف إذا صدر من الجاهل كان له عذر، أما إذا صدر ممن أوتي العلم، فقد قامت عليه الحجة. ولهذا كان ابن القيم رحمه الله يقرر أن فساد العالم أشد على الأمة من فساد الجاهل؛ لأن الناس يقتدون بالعالم، فإذا قاده الهوى أضلَّ من وراءه.

ثم انظر إلى قوله: ﴿كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾. إنها صفعة لكل من اغتر بعلمه؛ إذ ساوى الله بين مقالة أهل الكتاب مع علمهم، ومقالة الجهال مع جهلهم، لأن العلم الذي لا يثمر إنصافًا لا يرفع صاحبه عن منزلة الجاهلين. قال بعض السلف: “العالم من خشي الله، ومن لم يخش الله فليس بعالم.” وهذا هو الميزان الحقيقي.

وفي الآية دليل على أن الهوى يطمس نور العلم. فكم من إنسان يعرف الحق، لكنه يرده لأنه يخالف مذهبه، أو جماعته، أو شيخه، أو بيئته. فإذا استولى التعصب على القلب، صار الوحي تابعًا للرأي، بدل أن يكون الرأي تابعًا للوحي، وهنا يبدأ الانحراف.

ومن أعظم آفات أهل الأهواء أنهم يجعلون الولاء للطائفة قبل الولاء للحق. فالحق عندهم ما وافق جماعتهم، والباطل ما خالفها، ولو شهد الوحي بخلاف ذلك. أما أهل السنة فيدورون مع الدليل حيث دار، لأنهم يعلمون أن الرجال يعرفون بالحق، لا أن الحق يعرف بالرجال.

ولما كثرت الأقوال، وردها الله كلها إلى يوم الفصل: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ففيها تسلية للمؤمن إذا رأى كثرة الخصومات، واضطراب المذاهب، وعلو أصوات المبطلين؛ فإن الحكم الأخير ليس لأهل الجدل، وإنما لرب العالمين. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾، فلا يضيع حق، ولا ينجو باطل.

هذه الآية تعلم الداعية وطالب العلم أدبًا عظيمًا: أن يجعل همَّه طلب الحق، لا الانتصار للنفس، وأن يفرح إذا ظهر الحق على لسان غيره، كما يفرح إذا ظهر على لسانه. وكان الإمام الشافعي رحمه الله يقول: “ما ناظرت أحدًا إلا أحببت أن يظهر الله الحق على لسانه.” وهذا هو خلق أهل الإخلاص، أما أهل الأهواء فإنهم يريدون أن ينتصروا لأنفسهم ولو انهزم الحق.

وفي الآية تحذير للأمة أن تسلك طريق من قبلها. فإن الأمة لا تهلك حين يقل علمها فقط، وإنما تهلك حين يبقى العلم في الكتب، ويغيب أثره عن القلوب، فيصبح الوحي شاهدًا على الناس بدل أن يكون قائدًا لهم. فإذا رأيت خصومة لا يحكمها الدليل، وتعصبًا يطغى على الإنصاف، فاعلم أن شبهًا من أهل الكتاب قد دبَّ إلى القلوب، فاستمسك بالوحي، واسأل الله قلبًا يعرف الحق ويذعن له، فإن النجاة ليست بكثرة المعلومات، وإنما بكمال التسليم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ثم يقول جل جلاله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [ البقرة: 114]

وخراب المساجد ليس هدم جدرانها فقط.

فقد يتصور الناس أن خراب المسجد هو أن تُهدم مآذنه أو تُسوّى جدرانه بالأرض، لكن القرآن يوسع المعنى ليشمل كل ما يعطل رسالته.

فالذي يمنع إقامة الصلاة، أو يحول بين الناس وبين العلم، أو يخيف المصلين، أو يطفئ نور الدعوة، أو يحارب حلق الذكر، فهو داخل في السعي في خراب المساجد، وإن بقيت أبنيتها شامخة.

ولهذا قال بعض أهل العلم: إن تعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإسلام فيها خراب لها.

فالمسجد الذي خلت صفوفه من المصلين، وسكتت فيه دروس العلم، وغابت عنه تلاوة القرآن… قد أصابه من الخراب ما لا تصلحه الزخارف والقباب.

وأعظم الظلم هو محاربة التوحيد.

فقد افتتحت الآية بقوله: ﴿ومن أظلم﴾، وهو أسلوب يفيد بلوغ الغاية في الظلم.

ولم يكن سبب هذا الوصف أنهم قتلوا أو نهبوا، وإنما لأنهم منعوا الناس من ذكر الله.

فكل معركة يُمنع فيها الناس من عبادة ربهم أعظم عند الله من معركة تُسلب فيها الأموال؛ لأن الأموال تعوض، أما انقطاع الناس عن ربهم فهو خراب للقلوب قبل أن يكون خرابًا للأماكن.

ولهذا كانت معركة الأنبياء الأولى حماية التوحيد قبل حماية العمران.

والمسجد يُبنى بالذكر قبل الحجر.

قال سبحانه: ﴿أن يذكر فيها اسمه﴾

فلم يقل: أن تُرفع، أو تُزين، أو تُوسع.

لأن قيمة المسجد ليست في حجارته، وإنما فيما يعلو فيه من ذكر الله.

قال الحسن البصري: “إنما عُمِّرت المساجد بذكر الله.”

فقد يكون مسجد صغير في أطراف قرية أعظم عند الله من مسجد فخم قلَّ فيه الذكر، لأن الله ينظر إلى ما يعمر القلوب لا إلى ما يبهر الأبصار.

ومن حارب بيوت الله أهانه الله.

قال تعالى: ﴿أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾

جزاءٌ من جنس العمل. وهكذا لما أخافوا أهل الإيمان في المساجد، جعل الله الخوف لباسًا لهم.

ولما منعوا المؤمنين من الأمن، سلبهم الله الأمن.

وقد تحقق هذا الوعد؛ فمنع المشركون من دخول المسجد الحرام بعد الفتح، وصاروا يدخلونه – لو دخلوا – في ذلة وخوف.

وهذه سنة الله التي لا تتبدل: من أرهب أهل الطاعة، أورثه الله الرعب. ومن آذى أولياء الله، جعل الذل يطارده حيث سار.

وخراب المساجد يبدأ من خراب القلوب.

فليس كل من أغلق باب مسجد هو الذي سعى في خرابه فقط. بل قد يخرّبه أهلُه إذا فرغوه من رسالته.

وإذا صار المسجد مكانًا للصلاة فقط، وغابت عنه التربية، والتعليم، وإصلاح الناس، وتخريج الدعاة، فقد فقد جزءًا من وظيفته التي قامت بها مساجد النبوة.

فالمساجد في الإسلام ليست دور عبادة فحسب، وإنما مصانع للإيمان، ومدارس للعلم، ومراكز لإعداد الأمة.

والجزاء من جنس العمل.

قال تعالى: ﴿لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾

فجمع الله عليهم عقوبتين:

  • خزيًا عاجلًا.
  • وعذابًا آجلًا.

قال ابن كثير: “فكما صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام صُدوا عنه، وكما أجلوهم من مكة أُجلوا منها.”

وهذه قاعدة قرآنية مطردة: من أفسد موضعًا جعله الله سببًا في إذلاله.

ومن حارب دين الله، كانت هزيمته من الجهة التي ظن أنه انتصر منها.

وعمارة المساجد مسؤولية كل مسلم.

فإذا كان الله توعد من يسعى في خرابها، فإن ضد ذلك هو السعي في عمارتها.

وعمارتها ليست بالتبرعات وحدها، بل: بحضور الصلوات. وتعليم القرآن. وإحياء حلق العلم. وإكرام أهلها. والدعوة إلى الله فيها. والمحافظة على هيبتها وآدابها.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 18].

وقال عبد الله بن مسعود: “من سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادى بهن.”

والأمة التي تحفظ مساجدها تحفظ هويتها.

ولذلك كان أول ما يستهدفه أعداء الإسلام عند احتلال البلدان هو المسجد؛ لأنه القلب النابض للأمة.

فإذا سكت المنبر، وخلا المحراب، وانقطع العلم، ضعفت الأمة ولو كثرت جيوشها.

ولهذا كان المسجد النبوي أول مشروع أقامه النبي ﷺ بعد الهجرة، قبل الأسواق، وقبل الدور، وقبل مؤسسات الدولة؛ لأنه يعلم أن بناء الإنسان يبدأ من المسجد.

فإذا عُمِّرت المساجد بالإيمان، عُمِّرت الأمة بالعزة، وإذا خربت القلوب، لم تنفعها أعظم الأبنية.

ثم يقول عز وجل: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [ البقرة: 115]

ليست الأرض في ميزان الإيمان بقاعًا متفرقة يتوزعها سلطان البشر، ولا جهاتٍ تتنافس فيها الممالك، وإنما هي كلها لله؛ شرقها وغربها، سهلها وجبلها، مسجدها وصحراؤها، موضع عزها وموضع ابتلائها.

يقول سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، فابتدأ بالملك قبل التوجيه؛ ليغرس في قلب المؤمن حقيقة كبرى: أن الذي يأمر بالقبلة هو مالك الجهات كلها، وأن الذي يختار لعباده موضع التوجه هو رب المشارق والمغارب، فلا يتوهم أحد أن جهةً من الجهات تقربه إلى الله بذاتها، أو أن مكانًا يخرج عن إحاطة ملكه وسلطانه.

فالكعبة التي أمر الله باستقبالها ليست لأنها حجرٌ أو بناء، وإنما لأنها قبلةٌ اختارها الله، ووجهةٌ رضيها لعباده؛ فشرفها من أمر الله لها، وفضلها من نسبة الله إليها، كما أن الزمان والمكان إنما يكتسبان الفضل بما أقامه الله فيهما من شرعه وعبادته.

ولما أُخرج رسول الله ﷺ من مكة، وفارق أصحابه المسجد الحرام الذي طالما عبدوا الله فيه، جاءت هذه الآية تسليةً للقلوب المهاجرة: أن من حُرم مكانًا في سبيل الله، لم يُحرم رب المكان، ومن فارق مسجدًا، فإن الأرض كلها لله.

فليس قرب العبد من ربه محصورًا بجدار، ولا مقيدًا ببقعة؛ بل حيثما كان قلبه متعلقًا بالله، ووجهه متوجهًا إليه، فقد وجد باب العبودية مفتوحًا.

قال ابن كثير رحمه الله في معنى الآية: إن فيها تسلية للنبي ﷺ وأصحابه الذين أخرجوا من مكة وفارقوا مسجدهم ومصلاهم، وأن الله أخبرهم أن له المشرق والمغرب، فأينما توجهوا فثم جهته التي أمرهم بها.

وهذه من أعظم معاني رحمة الله بعباده؛ فإن البشر قد يمنعونك من مكان، لكنهم لا يستطيعون أن يحجبوا عنك رب المكان. قد يغلقون باب مسجد، لكنهم لا يغلقون باب السماء. قد يضيقون عليك أرضًا، لكنهم لا يضيقون عليك رحمة الله الواسعة.

﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾

ليست الآية دعوة إلى ترك القبلة أو التوجه حيث شاء الإنسان، وإنما هي بيان لسعة ملك الله وتيسيره على عباده؛ فالمؤمن لا يعبد جهة، وإنما يعبد رب الجهات.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: “قبلة الله أينما توجهت شرقًا أو غربًا”.

وقال مجاهد رحمه الله: “قبلة الله حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها: الكعبة”.

فالآية تعلم القلب أن لا يتعلق بالأسباب وينسى مسببها، وأن لا يقف عند الصور ويغفل عن المعاني؛ فالقبلة علامة للطاعة، وليست معبودًا، والبيت الحرام رمز للتوحيد، وليس وثنًا.

ولهذا كان الصحابة إذا اشتبهت عليهم الجهات، أو كانوا في سفر، اجتهدوا في طلب القبلة، فإن أصابوا فالحمد لله، وإن أخطؤوا بعد بذل وسعهم لم يؤاخذهم الله؛ لأن المقصود هو صدق التوجه إليه سبحانه.

وفي قصة أصحاب رسول الله ﷺ الذين صلوا في ليلة مظلمة فلم يعرفوا القبلة، جاءت معاني الرحمة والتيسير؛ فإن الله لا يريد من عباده العنت، وإنما يريد منهم صدق القصد وبذل الوسع.

ثم إن الأرض كلها ميدان للعبودية.

فمن أعظم ما تفتحه هذه الآية في القلب: أن العبودية ليست محصورة في الظروف المثالية.

فقد يعبد الإنسان الله في مسجد عامر، وقد يعبده في أرض غربة، وقد يعبده في سجن، وقد يعبده تحت خوف، وقد يعبده في طريق سفر.

ولهذا قال النبي ﷺ: «جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا».

فالإسلام دين لا ينقطع بانقطاع الأماكن، ولا يضعف بزوال الظروف؛ لأن صلة العبد بربه أعمق من الجدران، وأقوى من القيود.

قد يُحرم قومٌ من مساجدهم، وقد تُغلق أبواب بيوت الله، وقد يمنع أهل الباطل ذكر الله في مواضع من الأرض، لكنهم لا يستطيعون أن يمنعوا المؤمن من أن يجعل قلبه محرابًا، وصدره موضع ذكر، وحياته كلها عبادة لله.

قال بعض السلف: “ما دام القلب مع الله فلا وحشة على صاحبه، ولو كان في أشد المواطن”.

﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

وختم الله الآية باسمين عظيمين: الواسع العليم.

واسعٌ في ملكه؛ فلا تضيق عليه الجهات.
واسعٌ في رحمته؛ فلا تضيق على عباده الأحوال.
واسعٌ في فضله؛ فلا تنفد خزائنه.
واسعٌ في علمه؛ فلا يخفى عليه مكان عبد ولا حال قلب.

فأنت وإن كنت في طرف من أطراف الأرض، وإن لم يعرفك أحد، وإن خفي عملك عن الناس، فإن الله يعلمك ويراك ويسمع دعاءك.

لا يضيع سجود سجدته في مكان مهجور، ولا دمعة نزلت في خلوة، ولا دعاء خرج من قلب منكسر.

قال ابن جرير الطبري رحمه الله في معنى ﴿عَلِيمٌ﴾: إن الله عليم بأعمال عباده، لا يغيب عنه منها شيء.

فإذا ضاقت بك الأرض، فتذكر أن الأرض كلها لله.
وإذا أُغلِق في وجهك باب، فتذكر أن أبواب الله لا تُغلق.
وإذا منعك الناس من موضع، فتذكر أن ربك لا يحجبه عنك موضع.

فالمؤمن لا يبحث عن الله في جهة، بل يبحث عنه في قلبٍ صادق، وطاعةٍ خاشعة، ونفسٍ أقبلت عليه سبحانه.

فالمشرق والمغرب لله، وما بينهما لله، وأنت عبدٌ لله؛ فحيثما كنت، فاجعل وجهك له، وقلبك له، وسعيك له؛ فإن من كان الله معه فلا يضيع، ومن تولى الله تولاه الله.

ثم قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ [ البقرة: 116]

من أعظم ما يميز القرآن أنه لا يكتفي بإبطال الباطل، بل يردّ القلوب إلى تعظيم الله وتنزيهه، ويكشف فساد الأقوال التي تنقص من مقام الرب سبحانه، ولو صدرت من أممٍ تنتسب إلى الدين.

فجاءت هذه الآية في مواجهة أعظم افتراء قيل في حق الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾.

كلمةٌ واحدة حملت وراءها من سوء الأدب مع الله ما تتفطر منه السماوات والأرض، كما قال سبحانه عن هذا القول في موضع آخر:

﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۝ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ۝ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: 88-90].

فالعقيدة ليست ألفاظًا عابرة، بل هي معرفةٌ بالله؛ وكلما عظّم العبد ربَّه، عظمت في قلبه حرمة التوحيد، واستنكر كل قول يضيف إلى الخالق صفات المخلوقين.

﴿سُبْحَانَهُ﴾

ما أعظم هذا الرد المختصر!

لم يقل الله فقط: “كذبوا”، بل قال: ﴿سُبْحَانَهُ﴾؛ لأن المقام مقام تنزيه قبل أن يكون مقام رد.

فالله سبحانه منزه عن مشابهة خلقه، وعن الحاجة إلى غيره، وعن أن يكون له نظير أو شريك أو ولد.

والولد إنما يحتاج إليه المخلوق لضعفه؛ ليستعين به عند العجز، ويبقى به ذكره بعد فنائه، ويستمر به نوعه بعد موته، أما الله سبحانه فهو الحي القيوم، الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء.

قال ابن كثير رحمه الله: إن الله تعالى قرر أنه السيد العظيم الذي لا نظير له ولا شبيه، وأن جميع الأشياء غيره مخلوقة له مربوبة، فكيف يكون له منها ولد؟

فالذي خلق كل شيء لا يكون شيءٌ من خلقه جزءًا منه، والذي يملك كل شيء لا يحتاج إلى شيء.

قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 101].

من ملكه كل شيء، كيف يكون له ولد من مخلوقاته؟

قال سبحانه: ﴿بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

جاءت كلمة “بل” لتقلب هذا الوهم من أساسه؛ فليس الأمر كما زعموا، بل الحقيقة التي لا ريب فيها: أن كل ما في السماوات والأرض ملك لله وخلق لله وعبد لله.

فالملائكة التي زعم المشركون أنها بنات الله، والأنبياء الذين غلا فيهم الغالون، وكل من في الكون؛ الجميع تحت ملكه وسلطانه.

كيف يكون المملوك ولدًا للمالك؟
وكيف يكون العبد ابنًا لمن خلقه وأوجده؟

إن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، والله سبحانه ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.

قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

افتراءٌ على من يرزق ويعافي

وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس أحَدٌ -أو ليس شَيءٌ- أصبَرَ على أذًى سَمِعَه مِنَ اللهِ؛ إنَّهم لَيَدعونَ له ولَدًا، وإنَّه لَيُعافيهم ويَرزُقُهم!».

تأمل هذا المعنى العظيم:

يُساء إلى الله، وهو المنعم.
يُفتَرى عليه، وهو المتفضل.
يُجحد فضله، وهو الذي يفيض النعم على الجاحدين.

فهو سبحانه لا يعاجل بالعقوبة، بل يمهل عباده، ويفتح لهم أبواب التوبة، ويرزق من عصاه كما يرزق من أطاعه.

وهذا من كمال حلمه وصبره جل جلاله، لا من ضعفٍ أو عجز؛ فهو القادر الذي لا يعجزه شيء، ولكنه كتب على نفسه الرحمة.

﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾

بعد أن أبطل دعوى الولد، بيّن الحقيقة الكبرى:

أن الجميع عبيد له.

﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾

كل من في السماوات والأرض خاضع لأمره، منقاد لمشيئته، قائم تحت قهره وسلطانه.

قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها: “قانتين: مصلين”.

وقال عكرمة وأبو مالك: “مقرون له بالعبودية”.

وقال مجاهد رحمه الله: “مطيعون”.

وهذا القنوت يشمل طاعة الخلق كلها لله:

فالمؤمن يقنت له طوعًا بمحبة وإيمان.
والكافر يقنت له قهرًا؛ فلا يستطيع الخروج عن ملكه، ولا الفرار من حكمه.

قال مجاهد: “هو مطيعون، إنسانًا كان أو غيره؛ يقول: كن إنسانًا فيكون، وكن حمارًا فيكون”.

فكل شيء يجري تحت كلمة الله: كن.

وحين يزول الوهم يظهر التوحيد.

فهذه الآية تهدم أصل كل غلو؛ فإن أعظم الانحرافات تبدأ حين يُرفع المخلوق فوق منزلته، حتى يُجعل له شيء من خصائص الخالق.

فالنبي عبدٌ ورسول، والملك عبدٌ مكرم، والولي عبدٌ صالح، وكل ما سوى الله عبدٌ فقير إليه.

قال الله تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 93].

فالعزة كل العزة أن تعرف مقامك عبدًا لله، لا أن ترفع مخلوقًا فوق قدره.

وإذا امتلأ القلب بتعظيم الله، صغرت عنده كل الأوهام.

يعلم أن الله واحد لا شريك له، غني لا يحتاج إلى أحد، كامل لا يلحقه نقص، عظيم لا يحيط الخلق بجلاله.

فلا يتعلق إلا به، ولا يرجو إلا إياه، ولا يخاف إلا منه، ولا يصرف شيئًا من العبادة إلا له.

فكل من في السماوات والأرض عبيدٌ له، وكل من عليها فانٍ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.

فطوبى لقلبٍ عرف ربه، فنزّهه عن أوهام البشر، وعبده على بصيرة؛ فإن أعظم نعمة على العبد أن يعرف عظمة من يعبده عز وجل.

قال تعالى: ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [ البقرة: 117]

بعد أن أبطل الله سبحانه افتراء من زعموا أن له ولدًا، أقام الدليل على بطلان قولهم بذكر عظمة الخالق وكمال قدرته؛ فمن عرف الله حق المعرفة، علم أن نسبة الولد إليه سبحانه من أعظم المحالات؛ لأن الذي أوجد الكون كله من العدم، لا يحتاج إلى شيء من خلقه، ولا يكون شيء من خلقه جزءًا منه أو ولدًا له.

فقال سبحانه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

أي: خالقهما وموجدهما على غير مثال سبق.

فهو سبحانه لم يحتذِ نموذجًا سابقًا، ولم يستعن بمادة موجودة، ولم يقتبس فكرة من خالق قبله؛ لأنه هو الأول الذي ليس قبله شيء.

إن البشر إذا صنعوا شيئًا فإنما يصنعونه من مواد خلقها الله، وعلى قوانين أودعها الله، وبعقول منحهم الله إياها، أما الله سبحانه فإبداعه محضٌ من قدرته، وإيجاده صادر عن مشيئته.

قال ابن كثير رحمه الله: “أي: خالقهما على غير مثال سبق”.

وقال ابن جرير الطبري رحمه الله: “المبدع: المنشئ والمحدث ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد”.

فالله سبحانه ليس كالصانع الذي يجمع أجزاءً متفرقة، ولا كالمخترع الذي يطور شيئًا موجودًا، بل هو الذي أوجد الأصل من العدم، وأخرج الوجود من غيب العدم إلى شهادة الكون.

وعظمة الخالق تظهر في عظمة خلقه.

فخص الله السماوات والأرض بالذكر؛ لأنها أعظم ما يشاهده الإنسان من مخلوقاته.

فإذا وقف القلب أمام اتساع السماء، وارتفاعها بلا عمد، وانتظام أفلاكها، ودقة سننها، وإذا تأمل الأرض بما فيها من جبال وبحار وأحياء، أدرك شيئًا من معنى قوله:

﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

لكن مهما بلغ الإنسان في العلم والاكتشاف، فلن يبلغ إلا شيئًا يسيرًا من أسرار خلق الله.

قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].

فهذا الكون العظيم ليس قائمًا بذاته، ولا وجد صدفة، وإنما هو أثر من آثار قدرة البديع سبحانه، يشهد لخالقه بالكمال والوحدانية.

ومن أعظم دلائل قدرته: خلق عيسى عليه السلام.

ومن لطائف السياق أن هذه الآية جاءت بعد ذكر قول من قالوا: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، ومن جملة من زعموا ذلك النصارى الذين غلوا في المسيح عليه السلام.

فجاء الرد عليهم من نفس الباب: فالذي خلق السماوات والأرض بلا أصل ولا مثال، قادر أن يخلق عيسى بلا أب.

والذي أوجد آدم من تراب، وأوجد حواء من آدم، وأوجد عيسى من أم بلا أب، لا يعجزه شيء.

قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59].

فالمعجزة لا تعني أن صاحبها جزء من الله، بل تعني كمال قدرة الله عليه.

وكلما عظمت الآية، ازداد ظهور عظمة الآمر بها، لا عظمة المخلوق الذي وقعت عليه.

﴿وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾

وما أعظم هذه الكلمة!

أمرٌ عند البشر يحتاج إلى سنوات، وأسباب، ومقدمات، وأدوات، وجيوش، وأموال؛ أما عند الله فلا يحتاج إلا إلى تعلق الإرادة.

إذا أراد شيئًا لم يحتج إلى معاناة، ولا إلى استعانة، ولا إلى انتظار.

قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82].

فالأمر كله بين الكاف والنون.

ليس معنى ذلك أن الله سبحانه يحتاج إلى لفظٍ أو صوتٍ كما يحتاج المخلوق، بل هو بيان لعظمة قدرته وسرعة نفاذ أمره؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

قال ابن كثير رحمه الله: “يبين بذلك تعالى كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه إذا قدر أمرًا وأراد كونه، فإنما يقول له: كن، فيكون”.

وبين عجز الخلق وقدرة الخالق تأمل الفرق:

الإنسان إذا أراد شيئًا سأل: كيف؟
والله إذا أراد شيئًا قال: كن.

الإنسان تقف أمامه الحواجز.
والله يخلق الأسباب والمسببات.

الإنسان يحتاج إلى الزمن.
والله خالق الزمن.

الإنسان يحتاج إلى المكان.
والله خالق المكان.

فكيف يُجعل من هذا العاجز المحتاج ندًا لمن له ملك السماوات والأرض؟

وبين المعاني رسالة للقلوب المعلقة بالله. فإذا كان الله الذي خلق السماوات والأرض يقول للشيء: كن فيكون، فكيف ييأس عبدٌ يعلم أن أمره كله بيد الله؟

كم من أمر ظنه الناس مستحيلًا، فجاء فرج الله في لحظة.

وكم من باب ظنه العبد مغلقًا، فإذا بأمر الله يفتحه من حيث لا يحتسب.

فلا تقيس قدرة الله بضعفك، ولا تقيس وعد الله بضيق واقعك.

فربّك الذي أوجد الكون من عدم قادر أن يخرج الفرج من قلب الشدة، والنصر من قلب المحنة، والحياة من قلب الموت.

قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].

ثم تأمل! الآية تبدأ بـ ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وتنتهي بـ ﴿كُن فَيَكُونُ﴾.

وبينهما رسالة عظيمة:

من أبدع الكون بلا مثال، لا يعجزه شيء.
ومن قال للعدم كن فكان الوجود، لا يعجزه إصلاح قلب، ولا تغيير حال، ولا كشف كرب.

فعلّق قلبك بمن إذا أراد شيئًا لم تقف أمام إرادته حدود، ولم يمنعه مانع، ولم يعجزه أمر.

فسبحان من أبدع فأحسن، وقدّر فأحكم، وأمر فكان؛ له الملك كله، والأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله.

قال جل في علاه: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [ البقرة: 118]

بعد أن ذكر الله سبحانه افتراء من نسبوا إليه الولد، أتبع ذلك بذكر داءٍ آخر من أدواء القلوب المنحرفة: طلب الآيات لا طلب الهداية، والبحث عن الحجة لا للوصول إلى الحق، بل للتهرب منه.

فقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

لم يقل الله: “وقال الذين لا يؤمنون” فقط، بل وصفهم بالجهل: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

وهذا من بديع التعبير القرآني؛ لأن أصل الانحراف عن الحق هو فساد العلم والبصيرة، فالإنسان قد يكون عنده ذكاء، وفصاحة، وقدرة على الجدل، لكنه إذا فقد نور الوحي لم يكن علمه إلا حجابًا يقوده إلى الضلال.

فالعلم النافع ليس كثرة المعلومات، وإنما معرفة الله، ومعرفة طريقه، والانقياد للحق إذا ظهر.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].

فمن لم يزده علمه خشيةً وانقيادًا، فقد حُرم ثمرة العلم.

قالوا: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾

كان اعتراضهم: لماذا لا يكلمنا الله مباشرة؟ ولماذا لا تأتينا آية أخرى غير ما جاء به الرسول ﷺ؟

وهذا السؤال في ظاهره طلبٌ للدليل، لكنه في حقيقته كان طلبًا متعنتًا؛ لأنهم لم يكونوا يبحثون عن الحق، بل يريدون شروطًا يضعونها هم على الله وعلى رسله.

فالذي جاءهم بالقرآن، وهو أعظم آية، لم يقبلوا، والذي أقام الله له البراهين الواضحات لم يذعنوا، ثم طلبوا آية أخرى!

وهذه سنة أهل الباطل في كل زمان؛ يتركون الأدلة القائمة، ويشتغلون بطلب أدلة جديدة، لا لأنهم يريدون الإيمان، بل لأنهم يريدون التأخير والمماطلة.

قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [الأنعام: 7].

فالمشكلة ليست في غياب البرهان، وإنما في فساد القلب.

ليس كل طالبٍ للحق يريد الحق

هناك فرق عظيم بين سؤال المسترشد وسؤال المعاند.

فالمؤمن يسأل ليهتدي، ويبحث ليصل، ويقبل الدليل إذا ظهر.

أما المعاند فإنه يجعل السؤال طريقًا للهروب، كلما جاءته حجة طلب غيرها، وكلما ظهر له نور طلب ظلمة أخرى.

ولهذا قال الله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.

فالآيات واضحة، لكن الانتفاع بها يحتاج إلى قلب موقن.

أما القلب المريض فلن تزيده كثرة البراهين إلا جدلًا.

قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 111].

﴿كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ﴾

لم يكن هذا الاعتراض جديدًا، بل هو طريق قديم سلكه المكذبون عبر التاريخ.

فقد قال قوم موسى عليه السلام: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: 55].

وقال المشركون للنبي ﷺ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا﴾ [الإسراء: 90].

وطلبوا أن تنزل عليهم الملائكة، وأن يرقى النبي ﷺ إلى السماء، وأن يأتيهم بكتاب خاص بهم.

فتشابهت الأقوال؛ لأن مصدرها واحد: قلب لم يخضع لله.

﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وهذه من أعظم الآيات في كشف حقيقة الباطل.

فقد تتغير الأزمان، وتتغير الأسماء، وتتغير الأمم، لكن القلوب إذا تشابهت في الكبر والعناد خرجت منها الأقوال نفسها.

وقلوب المستكبرين في كل عصر متشابهة: يريدون أن يخضع الحق لأهوائهم، بدل أن يخضعوا هم للحق.

يريدون آية على مقاس رغباتهم، لا آية تقودهم إلى عبادة الله.

ولهذا قال ابن كثير رحمه الله: “تشابهت قلوب مشركي العرب وقلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو”.

فالعبرة ليست بالأشكال، وإنما بحقيقة القلب.

والمعجزة لا تنفع قلبًا لا يريد الهداية. فالله سبحانه لم يمنع عنهم البيان، بل قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾.

فالقرآن آية، والكون آية، والفطرة آية، وسيرة النبي ﷺ آية.

لكن الله قال: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.

لأن اليقين هو المفتاح الذي يفتح أبواب الهداية. أما من أغلق قلبه، فلن تنفعه كثرة المشاهد.

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ۝ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: 96-97].

وبين المعاني تسلية للدعاة إلى الله، ففي الآية عزاء لكل من يحمل رسالة الحق؛ فإن أهل الدعوة قد يواجهون اليوم الأسئلة نفسها بألفاظ جديدة.

قد يقال: أرونا دليلاً آخر.
أثبتوا لنا شيئًا فوق ما جاء.
لماذا لا يحدث كذا وكذا؟

فليتذكر الداعية أن هذه ليست معركة جديدة، وأن الأنبياء قبله واجهوا مثل ذلك.

فالرسول ﷺ لم يُكذَّب لضعف حجته، بل كُذِّب لأن القلوب التي أمامه لم تكن تريد الخضوع.

وليس الخطر أن يجهل الإنسان بعض الأشياء، فكل البشر يجهلون. لكن الخطر أن يجهل طريق الهداية، ثم يظن أنه أعلم من الوحي.

وليس الخطر أن يسأل الإنسان، فالسؤال باب العلم. لكن الخطر أن يجعل السؤال ستارًا لرفض الحق.

فاسأل ربك قلبًا موقنًا، لا قلبًا يجادل. واطلب الحق، لا مجرد الانتصار.

فإن الله قد بيّن الآيات، وإنما ينتفع بها من أقبل عليه بقلبٍ صادق لا يتفلت ولا يُخادع ولا يحتال.

فالحق واضح، ولكن بعض القلوب لا تحتاج إلى مزيد من الأدلة، بل تحتاج إلى مزيد من الصدق مع الله تعالى.

ثم يقول عز وجل: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [ البقرة: 119]

بعد أن ذكر الله سبحانه عناد المعاندين، وطلبهم الآيات على سبيل التعنت، جاءت هذه الآية لتثبت قلب النبي ﷺ، وتبين حقيقة مهمته، وتضع ميزان الدعوة إلى الله: البلاغ والبيان، لا حمل الناس على الإيمان قهرًا.

فقال سبحانه مخاطبًا نبيه ﷺ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾

يا لها من شهادة عظيمة!

لم يقل: أرسلناك بدعوة، أو برسالة، أو بكلام؛ بل قال: ﴿بِالْحَقِّ﴾.

فالذي جاء به النبي ﷺ ليس رأيًا بشريًا، ولا فلسفةً عقلية، ولا تجربةً تاريخية، وإنما هو الحق الذي جاء من عند الحق سبحانه.

حقٌ في مصدره؛ لأنه من الله.
وحقٌ في أخباره؛ لأنها صدق لا يدخله كذب.
وحقٌ في أحكامه؛ لأنها عدل ورحمة وحكمة.
وحقٌ في غايته؛ لأنه يقود إلى عبادة الله والفوز برضوانه.

قال الله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: 105].

فالقرآن حق، والرسالة حق، والنبي ﷺ حق، والطريق الذي جاء به حق.

ثم تأمل التكريمٌ للنبي ﷺ، فقد افتتحت الآية بقوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾

وهذا من أعظم التشريف؛ فإن الله سبحانه نسب الإرسال إلى نفسه مباشرة، ليُظهر منزلة رسوله، وأنه ليس صاحب مشروع بشري، ولا قائد فكرة من عند نفسه، بل هو رسول الله المختار.

فالنبي ﷺ لم يقم بدعوة من ذاته، ولم يختر لنفسه مقام النبوة، وإنما اختاره الله وحمله أمانة البلاغ.

قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4].

وقال تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ فجمعت هذه الكلمة وظيفتين عظيمتين:

  • البشارة لمن أطاع الله،
  • والإنذار لمن أعرض عن أمر الله.

فدين الله ليس تخويفًا مجردًا، ولا ترغيبًا مجردًا، بل هو توازن بين الرجاء والخوف.

يبشر المؤمنين برحمة الله وجنته: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: 2].

وينذر المعرضين من عذاب الله: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: 39].

وفي الحديث الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال في تفسير الآية: “بشيرًا بالجنة، ونذيرًا من النار”.

فالنبي ﷺ جاء رحمةً للعالمين، يحمل للناس أعظم بشارة: طريق النجاة، ويحذرهم من أعظم خسارة: لقاء الله وهم على غير رضاه.

والداعية يحمل الرسالة لا القلوب.

ثم قال سبحانه: ﴿ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾

أي: لا تُكلَّف حساب من اختاروا طريق الضلال بعد قيام الحجة عليهم. فمهمتك يا محمد أن تبلغ، لا أن تخلق الإيمان في القلوب.

أنت تفتح الطريق، أما هداية القلوب فهي بيد الله.

قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: 40].

وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: 272].

وهذا من أعظم ما يريح قلب الداعية؛ فإنه يبذل السبب، لكنه لا يحمل نفسه ما لا يملك.

فليس عليه أن يفتح القلوب، وإنما عليه أن يطرق الأبواب.

وقد كان النبي ﷺ أحرص الناس على هداية الخلق، حتى قال الله له: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3].

أي: لعلك تهلك نفسك حزنًا عليهم.

كان يرى الناس يسيرون إلى النار، فيتألم لهم، ويريد نجاتهم، حتى جاءه هذا التوجيه الرباني: لا تحمل نفسك ما لا تطيق، فإن وظيفتك البلاغ.

وهكذا كان قلبه ﷺ يجمع بين أعظم الرحمة وأكمل التسليم لله. وسنة الرسل واحدة.

زفي هذه الآية تسلية عظيمة للنبي ﷺ ولأتباعه من بعده: فإن طريق الدعوة ليس مفروشًا بالقبول دائمًا. فالرسل قبل محمد ﷺ كُذبوا، وأوذوا، واتُّهموا، وطُلبت منهم الآيات تعنتًا.

قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: 43].

فلا يستوحش أهل الحق من قلة المستجيبين، ولا يظنوا أن رفض الناس دليل ضعف الرسالة.

فالأنبياء كانوا أصدق الناس، ومع ذلك قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13].

ومن عظيم منزلته ﷺ أن صفته كانت معروفة عند أهل الكتاب. ففي الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه ذكر صفة النبي ﷺ في التوراة: أنه “عبد الله ورسوله، سميته المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ…”.

فهو ﷺ رسول الرحمة، الذي فتح الله به القلوب، وأخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور التوحيد.

قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2].

وهذه الآية ترسم للداعية طريقه:

لا تجعل همك السيطرة على النتائج، بل صدق البلاغ.
لا تجعل نجاحك بعدد من استجاب، بل بصدق ما قدمت.
لا تجعل رفض الناس يكسر قلبك، فإن الهداية بيد الله.

فكم من داعية صدق ولم ير ثمرة سعيه إلا بعد سنين، وكم من نبي مات ولم يؤمن به إلا القليل.

والميزان عند الله ليس كثرة الأتباع، وإنما صدق العبد مع ربه.

لقد أرسل الله محمدًا ﷺ بالحق؛ فمن أراد النجاة فليتمسك بالحق الذي جاء به.

فهو الطريق الذي فيه البشارة لمن أقبل، والإنذار لمن أعرض.

فيا من تحمل هم الدعوة والإصلاح: بلّغ الحق بحكمة، وارحم الخلق، وابذل السبب، ثم سلّم القلوب لخالقها. فأنت رسولٌ للبيان، ولست مالكًا للهداية.

ومن أعظم الطمأنينة أن تعلم أن الله لم يطالبك بفتح القلوب، وإنما طالبك بصدق الوقوف على أبوابها.

ثم قال جل جلاله: ﴿ وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [ البقرة: 120]

بعد أن بيّن الله سبحانه أن وظيفته ﷺ البلاغ، وأن أهل العناد قد لا يقبلون الحق ولو قامت عليهم البراهين، كشف في هذه الآية عن حقيقة مهمة في طريق الدعوة: أن رضا الناس غاية لا تُدرك إذا كان ثمنه ترك الحق، وأن المؤمن لا يزن الحق بقبول البشر له، بل بقبول الله سبحانه.

فقال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾

هذه الآية تكشف طبيعة الصراع بين الحق والباطل؛ فالمشكلة لم تكن في شخص النبي ﷺ، ولا في أسلوب دعوته، ولا في وضوح حجته، وإنما في أن أهل الأهواء لا يرضون عن صاحب الحق حتى يترك ما هو عليه ويتحول إلى تابع لهم.

فالذي يطلب رضاهم بالتنازل عن دينه لن يصل إلى غايته؛ لأنهم لا يريدون مجرد الحوار أو التقارب، وإنما يريدون أن يتخلى صاحب الحق عن خصوصية الحق الذي يحمله.

ولهذا قال ابن جرير الطبري رحمه الله أي: “ليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبدا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق.”

وهذا ميزان عظيم لكل صاحب دعوة: لا تجعل رضا الخلق هو المعيار، فإن القلوب بيد الله، ومن جعل غايته إرضاء الناس أضاع الحق وأتعب نفسه.

ثم رضا الناس لا يكون مع مخالفة أمر الله. فمن أخطر ما يبتلى به أهل الحق أن يحاولوا الجمع بين رضا الله ورضا أهل الباطل، مع أن الله أخبر أن بعض الناس لن يرضوا إلا بالتنازل عن أصل الدين.

قال سبحانه: ﴿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ﴾

جاء التعبير بـ “لن” الدالة على النفي المؤكد؛ ليقطع الطريق على الوهم القائل: ربما يمكن الوصول إلى رضاهم ببعض التنازلات.

فقد يرضون عنك في أمور الدنيا، وقد يتعاملون معك في المصالح، لكن الرضا الكامل الذي يجعلهم يقبلون بك لا يكون إلا إذا تركت ما تخالفهم فيه من الحق.

ولهذا كان الأنبياء أعلم الناس بهذه الحقيقة؛ فلم يجعلوا دعوتهم تابعة لأمزجة الأقوام، بل دعوا الأقوام إلى عبادة الله وحده.

قال الله عن نوح عليه السلام: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: 111].

وقالوا عن الأنبياء: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23].

﴿حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾

لم يقل: حتى توافق بعض أقوالهم، أو حتى تجاملهم، بل قال: ﴿حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾.

لأن قضية الدين ليست قضية تفاصيل هامشية، بل قضية اتباع وسلوك وطريق.

والملة هي الطريق والمنهج الذي يسلكه الإنسان.

فكل إنسان في هذه الحياة يسير في طريق؛ إما طريق الوحي، وإما طريق الهوى.

ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23].

فمن لم يتبع هدى الله، اتبع شيئًا آخر ولو ظن أنه مستقل عن ذلك. ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ﴾

هذا هو الجواب الرباني.

لم يقل: قل إن هدى الله أحد طرق الهداية، أو أنه أفضل الطرق؛ بل قال: ﴿هُوَ الْهُدَىٰ﴾.

أي أن الهداية الحقيقية المحققة للسعادة في الدنيا والآخرة هي ما جاء من عند الله عز وجل.

فكل طريق يخالف الوحي قد يكون فيه بعض المنفعة الدنيوية، أو بعض الأفكار الصحيحة الجزئية، لكن الهداية الكاملة التي تقود إلى رضوان الله لا تكون إلا فيما أنزله الله تعالى.

ولهذا قال ابن كثير رحمه الله: “هدى الله الذي بعثني به هو الهدى، يعني: هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل.”

فليس الميزان: ماذا يوافق أهواء الناس؟
ولا: ماذا تقبله الحضارات؟
ولا: ماذا يصفق له الجمهور؟

بل الميزان: ماذا قال الله؟

ثم العلم بعد ظهوره ليس كحال الجهل قبله.

قال تعالى: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾

وهذه كلمة عظيمة؛ لأن الخطر ليس في ضعف الإنسان قبل معرفة الحق، وإنما الخطر أن يعرف الحق ثم يتركه طلبًا لرضا أحد.

فالذي يضل عن جهل ليس كالذي يترك البصيرة بعد أن أشرق عليه النور.

ولهذا كان القرآن شديد التحذير من اتباع الهوى بعد قيام الحجة.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26].

فالهوى قد يزين للإنسان أن التنازل حكمة، وأن التمييع تسامح، وأن ترك بعض الحق طريق للقبول؛ لكنه في الحقيقة بداية الانحراف.

﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

والخطاب للنبي ﷺ، وهو المعصوم، من باب بيان خطورة الأمر على الأمة من بعده.

فإذا كان هذا التهديد موجهًا إلى خير الخلق لو قدر منه ذلك، فكيف بمن سواه؟

قال ابن كثير رحمه الله: “فيه تهديد ووعيد شديد للأمة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى بعد ما علموا من القرآن والسنة.”

فالمؤمن لا يحفظ دينه بالاعتماد على قوته، وإنما بالاعتصام بالله، وسؤال الثبات.

لا ولي ولا نصير لمن ترك الله قال سبحانه: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾

أي: إذا ترك الإنسان هدى الله واتبع أهواء البشر، فمن ينقذه؟ فالناس الذين سعى إلى رضاهم لا يملكون له شيئًا.

والذين ترك الحق لأجلهم لن يحملوا عنه وزره.

قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ۝ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ۝ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: 34-36].

فكل العلاقات تنقطع يوم القيامة إلا علاقة العبودية لله.

قد يجد صاحب الحق نفسه وحيدًا، وقد يرى أن التنازل يجلب القبول، وأن التخفف من بعض المعاني يجلب المحبة. لكن القرآن يربيه على حقيقة أعظم: ليس المطلوب أن يرضى عنك الناس إذا كان رضاهم بسخط الله، وإنما المطلوب أن يرضى الله عنك.

فمن طلب رضا الله ولو سخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس في الوقت الذي يشاء.

ومن طلب رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس.

وفي الحديث: «من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس».

فلا تجعل قلبك أسيرًا لنظرة الناس إليك. كم من إنسان ترك شيئًا من دينه خوفًا من كلام الناس، ثم مضى الناس وبقي هو مع حسرة التفريط. وكم من عبد ثبت على الحق، ففتح الله له قلوبًا لم يكن يتوقعها.

فالحق لا يحتاج أن يعتذر عن نفسه، والهدى لا يحتاج أن يزين نفسه بأهواء البشر.

فاثبت على هدى الله؛ فإن كل الطرق تنتهي، ويبقى طريق واحد فقط: الطريق الذي يوصلك إلى رضوان الله عز وجل.

ثم يقول عز وجل: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [ البقرة: 121]

بعد أن ذكر الله سبحانه أحوال من أعرضوا عن الحق من أهل الكتاب، وكيف قادتهم الأهواء إلى التحريف والعناد، ذكر في هذه الآية نموذجًا آخر مضيئًا: قومًا لم تمنعهم الانتماءات السابقة، ولا الأهواء المتوارثة، من اتباع الحق حين عرفوه.

فالميزان عند الله ليس الاسم ولا الانتساب، وإنما صدق التعامل مع الوحي.

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾

إنها نعمة عظيمة أن يمنّ الله على عبده بكتاب يهديه، فالكتب المنزلة ليست مجرد معلومات تُحفظ، ولا نصوصًا تُتلى بالألسن، وإنما هي نور يقود القلوب إلى ربها.

ولكن أعظم الابتلاء أن يؤتى الإنسان الكتاب ثم لا ينتفع به، وأن يحمل بين يديه سبيل النجاة ثم يعرض عنه. ولهذا ذم الله أقوامًا حملوا التوراة ولم يحملوا هدايتها، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5].

فليس الشأن أن يكون الكتاب بين اليدين، وإنما الشأن أن يكون الكتاب في القلب حياةً وسلوكًا.

﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ هذه هي حقيقة الانتفاع بالوحي.

وليس المقصود مجرد ترديد الحروف، فإن التلاوة في لغة العرب تأتي بمعنى الاتباع، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: “يتبعونه حق اتباعه”.

فالتلاوة الحقيقية هي أن يتلو القلبُ قبل اللسان، وأن يسير العبد خلف أوامر القرآن ونواهيه.

ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “والذي نفسي بيده، إن حق تلاوته أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئًا على غير تأويله.”

فكم من تالٍ للقرآن لم يتلُ القرآن حق تلاوته؛ لأنه جعل الحروف على لسانه، والهوى في قلبه.

وكم من إنسان أقل قراءة بالمقارنة، لكنه عظيم الاتباع، قد أقام القرآن في حياته مستجيبا لأمر ربه.

والقرآن ليس كتاب تبرك فقط بل كتاب هداية، فبعض الناس يتعاملون مع القرآن كأنه كتاب للبركة فقط، يفتحونه عند الحاجة، أو يزينون به المجالس، ثم تبقى أوامر القرآن بعيدة عن واقعهم.

لكن الله قال: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾

أي: يقرؤونه قراءة تُثمر إيمانًا وانقيادًا.

قال الحسن البصري: “يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه.”

فالقرآن لم ينزل ليكون صوتًا جميلًا فحسب، بل ليكون قائدًا للحياة.

قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9].

ومن صدق مع كتاب الله قاده إلى الحق كله قال سبحانه: ﴿أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾

تأمل التعبير القرآني: ﴿أُولَٰئِكَ﴾

ففيه إشارة إلى رفعة منزلتهم؛ لأنهم لم يقفوا عند مجرد العلم، بل انتقلوا إلى الإيمان والانقياد.

وهذا يبين أن من أعظم علامات صدق الإنسان مع الكتاب الذي بين يديه أن يقوده ذلك الكتاب إلى الحق إذا ظهر له.

فاليهود الذين عرفوا صفات النبي ﷺ في كتبهم ثم كتموا الحق لم يكونوا ممن تلو الكتاب حق تلاوته.

أما الذين قرؤوه بصدق، فقد قادهم إلى الإيمان بمحمد ﷺ.

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ ۝ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا﴾ [القصص: 52-53].

فالوحي الصادق لا يقود صاحبه إلا إلى وحي الله، والحق لا يعارض الحق.

والتلاوة الصادقة تفتح باب الهداية.

فالإنسان إذا دخل على القرآن بقلب يبحث عن الحق، فتح الله له أبواب النور.

أما من دخله متكبرًا أو طالبًا لما يوافق هواه، فقد يرى الآيات ولا يهتدي بها.

ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 118].

فالمشكلة ليست في وضوح الدليل، وإنما في صلاح القلب لقبول الدليل.

فالقرآن واحد، لكن القلوب مختلفة:

قلب يراه نورًا، وقلب يراه حجة عليه.

﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾

لم يقل: فأولئك هم المخطئون، أو الضالون فقط، بل قال: ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾

لأن أعظم خسارة ليست فقد مال، ولا ضياع منصب، ولا ذهاب لذة من الدنيا، وإنما أن يخسر الإنسان طريق الآخرة.

فالذي يرفض كتاب الله يخسر أعظم فرصة أُعطيت له: فرصة معرفة ربه، والسير إليه، والنجاة بين يديه. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: 15].

وهذه الآية تضع أمامنا سؤالًا مخيفًا:

هل نحن ممن يتلون القرآن أم ممن يتبعون القرآن؟

هل القرآن يغيرنا، أم أننا نمر على آياته ولا يتغير فينا شيء؟

فإن القرآن لم ينزل ليكون زينة للأصوات، بل ليكون حياة للقلوب.

قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: “لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم.” وهذا أثر يجهش له القلب بكاء!

فكلما طهُر القلب ازداد تعلقه بالقرآن، وكلما قسا القلب ثقل عليه الوحي.

وحق تلاوة القرآن ليست بكثرة الصفحات فقط، ولا بحسن الصوت فقط، وإنما:

أن تقرأه مؤمنًا أنه كلام الله.
أن تتدبر معانيه.
أن تحل حلاله وتحرم حرامه.
أن تقف عند أمره فتأتمر.
وعند نهيه فتنزجر.
وأن تجعل القرآن قائدًا لك لا تابعًا لهواك.

فمن أقبل على القرآن بصدق، ساقه القرآن إلى الإيمان، ومن أعرض عنه خسر الدنيا والآخرة.

فالقرآن لا يرفع قومًا بمجرد حمله، وإنما يرفع من حمله علمًا وعملاً، وتلاوةً واتباعًا.

الخاتمة

وفي ختام هذه الآيات المباركات التي طافت بنا في ميادين عظيمة من التوحيد والهداية والثبات، يقف القلب أولًا عند حقيقةٍ كبرى تُسكن النفوس وتملؤها يقينًا: أن تدبير الله كلَّه حكمة، وأن شرعه كلَّه رحمة، وأنه سبحانه لا يغيِّر حكمًا، ولا ينسخ آية، إلا إلى ما هو خير لعباده أو مثلها؛ كما قال جل جلاله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.

فما أعظم أن يطمئن المؤمن إلى اختيار ربه، فلا يعترض على أمره، ولا يتردد في التسليم لحكمه؛ إذ يعلم أن الذي شرع هو الذي يعلم، وأن الذي قدَّر هو الذي رحم، وأن الخير كل الخير فيما اختاره الله لعباده، وإن خفيت عليهم حكمته في أول الأمر.

ثم جاء تقرير أصلٍ يبدد كل شك، ويغرس في القلب كمال التوكل: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۝ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ فمن اجتمع له كمال القدرة، وكمال الملك، وكمال الحكمة، وجب أن يُسلَّم له الأمر كله، وأن يُفوَّض إليه القضاء كله، فلا يُعارَض حكمه، ولا يُتَّهَم تدبيره.

ثم علَّمتنا الآيات أدبًا عظيمًا مع الوحي، فنهتنا أن نسلك سبيل الأمم التي أكثرت الاعتراض والتعنت، فقال سبحانه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ﴾؛ فليس كل سؤالٍ محمودًا، وإنما يبارك الله في قلبٍ يتلقى أوامره بالتسليم والانقياد، لا بالمراء والجدال.

وكشفت الآيات أن من أعظم ما يصرف الناس عن الحق الحسدُ الذي يعمي البصائر، فقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾؛ لتبقى قلوب المؤمنين يقظة، لا تستغرب حرب الحق، ولا تستوحش كثرة المعاندين، بل تعلم أن طريق الإيمان محفوف بالابتلاء، وأن العاقبة للمتقين.

ثم أرشدت إلى الزاد الذي يعين على الثبات، فقال سبحانه: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا… وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ فكأن الآيات تقول: لا تجعلوا أذاهم يشغلكم عن تزكية أنفسكم، ولا تستهلكوا أعماركم في ملاحقة الباطل، بل ابنوا إيمانكم، وأقيموا صلتكم بربكم، فإن كل خيرٍ تقدمونه لأنفسكم ستجدونه عند الله، وهو خيرًا وأعظم أجرًا.

ثم ترتقي الآيات بالقلب إلى مشهدٍ جامعٍ من مشاهد التعظيم والإجلال؛ ربٌّ عظيمٌ له المشرق والمغرب، واسعُ الرحمة، كاملُ القدرة، بيده الأمر كله، إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، لا يحتاج إلى ولد، ولا يعجزه خلق، ولا يخفى عليه سرٌّ في الأرض ولا في السماء.

جاءت الآيات بتصحيح وجهة العبودية، فقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾

لتعلم القلوب أن الله لا تحصره جهة، ولا يحد ملكه مكان، وأن العبد إذا صدق في طلب ربه وجد أبواب رحمته مفتوحة، وأن من أُغلق في وجهه بابٌ من أبواب الأرض فإن أبواب السماء لا تُغلق أبدًا.

ثم نزّه سبحانه نفسه عن أقوال المبطلين: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ﴾

فارتفعت كلمة التنزيه لتزلزل كل وهمٍ بشري عن الخالق العظيم؛ فالله الواحد الأحد، الذي له ما في السماوات والأرض، كيف يحتاج إلى ولد وهو مالك كل شيء؟ وكيف يفتقر إلى معين وهو الذي قامت به السماوات والأرض؟!

ثم كشف سبحانه عن عظمة قدرته: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾

فهو الذي أوجد هذا الكون البديع بلا مثال سابق، وأنشأ الخلق من العدم، ولا يعجزه أمر، ولا يتوقف مراده على سبب من خلقه؛ فإذا أراد شيئًا لم يقف أمام إرادته مانع، ولم يتأخر عن أمره واقع.

ثم كشفت الآيات عن داء القلوب التي لا تريد الهداية، فقال سبحانه:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾

فليست المشكلة دائمًا في غياب الدليل، وإنما قد يكون الدليل حاضرًا والقلب غائبًا، وقد ترى العين البرهان ولا ينتفع به القلب إذا أُغلق بأقفال الهوى والكِبر.

فكم من إنسان طلب آية بعد آية، لا لأنه يريد الهداية، ولكن لأنه يريد أن يبقى في موضع الاعتراض، وكم من قلبٍ صادقٍ اهتدى بنورٍ يسير؛ لأنه جاء يبحث عن الحق لا عن الانتصار للنفس.

ثم جاء البلسم لقلب الداعية وحامل الرسالة: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾

لتستقر في النفوس قاعدة عظيمة: أن وظيفة أهل الحق البلاغ والبيان، وأما هداية القلوب فبيد الله وحده.

فلا يحمل الداعية همَّ من أعرض بعد قيام الحجة، ولا يظن أن رفض الناس للحق دليل على ضعف الحق؛ فقد ردت الأمم رسلها، ولم يكن ذلك نقصًا في الرسالات، بل كان شاهدًا على قسوة القلوب.

ثم جاءت الآية التي ترسم طريق الثبات: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ﴾

لتقول لكل مؤمن: لا تجعل رضا الخلق ميزانك، فإن الناس تتغير أهواؤهم، وتتبدل مقاييسهم، أما الحق فثابت لا يتبدل.

فمن جعل غايته رضا الله، هان عليه سخط البشر، ومن جعل قلبه متعلقًا بتصفيق الناس عاش أسيرًا لأهوائهم.

وأخيرًا ختمت الآيات بميزان النجاة: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾

فليست العبرة بحمل الكتاب، وإنما بحمل هدايته، وليست النجاة بكثرة التلاوة مجردة، وإنما بأن تتحول الآيات إلى حياة في القلب، ونور في الطريق، واستقامة في العمل.

فالسعيد من لم يجعل القرآن خلف ظهره، بل جعله أمامه يقوده إلى الله؛ يقرأ آيات الرحمة فيطمع، وآيات الوعيد فيخاف، وآيات الأحكام فينقاد، وآيات التوحيد فيزداد تعظيمًا وإجلالًا.

يا من أكرمك الله بكتابٍ يهديك، لا تكن ممن حملوا النور ولم يبصروا به، ولا ممن عرفوا الحق ثم أعرضوا عنه؛ فإن الخسارة الحقيقية ليست أن تفقد شيئًا من الدنيا، وإنما أن تلقى الله وقلبك بعيد عن كلامه.

فطوبى لقلبٍ جعل القرآن أنيسه، ولعينٍ بكت من آياته، ولجوارحَ تحركت بأوامره، ولعبدٍ إذا ضاقت عليه الأرض تذكر أن لله المشرق والمغرب، وإذا اشتبهت عليه الطرق تذكر أن هدى الله هو الهدى، وإذا عجز عن تغيير القلوب علم أن عليه البلاغ، وعلى الله الهداية.

فاللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وقائدنا إليك، ولا تجعلنا ممن عرفوا آياتك ثم أعرضوا عنها، بل اجعلنا من الذين يتلونه حق تلاوته، فيؤمنون به، ويعملون به، ويُحشرون مع أهله وخاصة الله، يوم يقوم الناس لرب العالمين.

وصلّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. آمين.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x