مجالس تدارس القرآن: الربع الرابع من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم،

الحمد لله رب العالمين، الملك الحق المبين، العزيز الحكيم، الذي أنزل القرآن هدىً للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان، وجعله نوراً للقلوب، وشفاءً لما في الصدور، وموعظةً للمتقين، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشكره على نعمه الظاهرة والباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تفرد بالكمال والجلال، وتنزه عن الشريك والمثال، له الخلق والأمر، وإليه المرجع والمآل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، أرسله الله رحمةً للعالمين، وحجةً على الخلائق أجمعين، فبلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.

اللهم إنا نسألك رحمةً من عندك تهدي بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتصلح بها أحوالنا، وتزكي بها أعمالنا، وتلهمنا بها رشدنا، وتعصمنا بها من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وتجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا.

أما بعد؛ فإن من أعظم نعم الله على عباده أن أنزل عليهم هذا الكتاب العظيم، الذي لا تنقضي عجائبه، ولا تنفد كنوزه، ولا يخلق على كثرة الرد، يهدي للتي هي أقوم، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد. وقد كان القرآن ولا يزال منبع الهداية، ومصدر العلم، وأساس الإصلاح، به حياة القلوب، وصلاح الأفراد والمجتمعات، ومن تمسك به فاز واهتدى، ومن أعرض عنه ضل وشقي.

نقف في هذا المجلس مع الربع الرابع من سورة البقرة الجليلة، وهو ربع يمتد من قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.

يكشف هذا الربع جانبًا مهمًا من طبيعة النفس البشرية حين تضعف صلتها بالله عز وجل، ويعرض صورًا متتابعة من نعم الله العظيمة على بني إسرائيل، يقابلها التبرم والجحود وكثرة الاعتراض، حتى مع مشاهدة الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة.

وفي هذه الآيات نرى كيف أن كثرة النعم لا تكفي وحدها لصلاح القلب، ما لم يصحبها الشكر والخضوع والامتثال، كما نرى أن أعظم ما يُخشى على العبد ليس فقدان الدليل، وإنما قسوة القلب بعد قيام الحجة وظهور البرهان. ولذلك ينتقل السياق من ذكر الماء المتفجر من الحجر، والمنّ والسلوى، ودخول القرية، ورفع البلاء، إلى الحديث عن القلوب التي لم تنتفع بكل تلك الآيات.

نحاول في هذا المجلس أن نتأمل هذه المشاهد القرآنية لا بوصفها أحداثًا تاريخية مضت، بل باعتبارها سننًا ربانيةً تتكرر في الأمم والأفراد، لنقف على أسباب حياة القلوب وأسباب قسوتها، ونتعرف على أثر الشكر والطاعة والتسليم في حفظ الإيمان، وأثر الاعتراض والتسخط وتتبع الشهوات في إفساده.

نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يلين قلوبنا لذكره، ويعمرها بخشيته، ويرزقنا أعينًا دامعة من خوفه، وأن يفتح علينا أبواب العلم النافع والعمل الصالح، ويهدينا ويهدي بنا، ويجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، إنه سميع قريب مجيب.

قال الله جل جلاله: ﴿ ۞ وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [ البقرة: 60]

كان بنو إسرائيل في التيه، في أرضٍ لا زرع فيها ولا نهر، وقد أحاط بهم العطش كما يحيط الخوف بالغريق. عندها لم يلجأ موسى عليه السلام إلى الأسباب التي يملكها البشر، بل رفع حاجته إلى رب البشر، فكانت أولى مشاهد القصة درسًا خالدًا: أن الأنبياء إذا ضاقت بهم السبل اتسعت لهم أبواب السماء.

﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾.

لم يستسق لنفسه، بل لقومه، مع ما لقي منهم من عناد وتعب. وهكذا هي قيادة النبوة؛ تحمل همَّ الناس حتى حين يقصرون ويخالفون ويجلبون الأذى.

ثم جاءت الإجابة الإلهية على صورة لا تخطر على عقلٍ بشري: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾. فالعصا في ظاهر الأمر قطعة خشب، والحجر رمز الجمود والقسوة، وليس بينهما وبين الماء أي صلة يعرفها الناس. ولكن الله عز وجل يريد أن يعلم عباده أن الأسباب لا تعمل بذاتها، وإنما تعمل بأمره سبحانه. فإذا شاء جعل الماء يخرج من الحجر، والنار بردًا وسلامًا، والبحر طريقًا يبسًا. وهذا الفهم مهم جدًا لمن يكثر التعلق بالأسباب، ليدرك عظمة المسبب ويعظم التوكل.

فضرب موسى الحجر امتثالًا ويقينًا ﴿فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾. لم تكن قطرات تتسرب، ولا جدولًا صغيرًا يشق طريقه بصعوبة، بل انفجار ماءٍ غزير من قلب الصخر الصلد. وكأن الآية تقول: إذا أراد الله الفرج انفجرت ينابيعه من أشد المواضع يأسًا.

وكان بنو إسرائيل اثنتي عشرة قبيلة، فجاءت النعمة على قدر الحاجة، لا تزيد فتفسد النظام، ولا تنقص فتوقع الخصومة. ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾. لكل قبيلة عينها، ولكل فريق مورده، فلا تزاحم ولا نزاع.

وهنا تتجلى حكمة الله تعالى في تدبير الأرزاق؛ فكما قسم الأرزاق قسم أماكنها، وكما أعطى النعم أعطى معها ما يحفظها من أسباب الفساد والخصام. فكثير من الناس ينظرون إلى النعمة نفسها، ولا ينتبهون إلى أن من أعظم النعم حسن تنظيمها.

ثم جاء النداء الكريم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ﴾. لم يقل: من كسبكم، ولا من حولكم وقوتكم، بل من رزق الله. ليبقى القلب معلقًا بالمنعم لا بالنعمة، وبالرازق لا بالرزق. فكل لقمة لا تورث العبد شكرًا، وكل شربة لا تزيده معرفة بربه، فقد ضاع أعظم المقصود منها.

غير أن القصة لا تقف عند ذكر النعمة، بل تنتقل مباشرة إلى التحذير: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.

وكأن القرآن يعلمنا أن أعظم امتحان يأتي بعد العطاء لا قبله. فكم من أناس صبروا على الشدة، فلما فُتحت لهم أبواب النعمة فسدوا. وكم من أقوام نجحوا في مواجهة الفقر، ثم سقطوا عند اختبار الغنى.

ولهذا اقترن الطعام والشراب بالنهي عن الفساد؛ لأن شكر النعمة ليس كلمات تقال باللسان فقط، بل عبودية يمتلئ بها القلب، فتنعكس استقامة تظهر في السلوك. فالمؤمن كلما ازدادت عليه نعم الله ازداد تواضعًا وطاعة وحياء من ربه، أما القلب الغافل فإنه كلما كثرت عليه النعم ازداد بطرًا وفسادًا.

وفي الآية رسالة متجددة لكل مسلم: إذا رأيت أبواب الرزق تُفتح لك من حيث لا تحتسب، فلا تنظر إلى الحجر الذي خرج منه الماء، بل انظر إلى رب الحجر. وإذا ساق الله إليك نعمة لم تبذل في تحصيلها حولًا ولا قوة، فإياك أن تجعلها وسيلة للفساد، فإن المنعم الذي أجرى العيون من الصخر قادر على أن يوقفها متى شاء.

وكانت هذه الآية، مما ساقه الله من أرزاق لبني إسرائيل من الآيات العظيمة التي توالت عليهم .. لتقيم حجة لهم أو عليهم.

ثم يقول جل جلاله: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [ البقرة: 61]

ما أعجب الإنسان حين يملُّ النعمة لطول ألفتها! لقد كان بنو إسرائيل يعيشون في التيه، لا زرع ولا حصاد ولا تجارة، ومع ذلك كان رزقهم ينزل عليهم من السماء مباشرة: المنّ والسلوى. طعام يأتيهم بلا كدّ ولا تعب، يحمل في كل لقمة معنى العناية الإلهية والرعاية الربانية. لكن القلوب إذا اعتادت النعمة وغفلت عن عظمة المنعم، ضعفت بصيرتها وأقلت الأدب، ومالت إلى طلب المزيد والكثير بدل أن تؤدي واجبها في شكر المنعم.

وهذا ما قالته بنو إسرائيل: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾.

لم تكن المشكلة في صنف الطعام، بل في طبيعة القلب. فكم من نعمة أفسدها الملل! وكم من عطاء إلهي فقد قيمته حين صار مألوفًا! فالنفوس إذا لم تُربَّ على الشكر تحوّلت أعظم المنن إلى أشياء هينة، لا تستحق الامتنان.

ولذلك لم يطلبوا زيادة نعمة، بل طلبوا استبدالها. أرادوا أن يتركوا ما اختاره الله تعالى لهم إلى ما اختارته شهواتهم لأنفسهم. وهنا تظهر إحدى أخطر آفات القلوب: أن يثق العبد بأمانيه أكثر من ثقته بحكمة ربه.

قال تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.

إنها ليست قضية استبدال للطعام فحسب، بل قضية موازين. حين تنقلب الموازين في القلب يرى الأدنى أعلى، ويرى الخسارة مكسبًا، ويرى الحرمان حرية. وهكذا تبدأ الانحرافات الكبرى كلها؛ من لحظة يقدِّم الإنسان فيها هواه على اختيار الله جل في علاه.

لقد كان المنّ والسلوى رزقًا ربانيًا استثنائيًا، يحمل معنى الكرامة والاصطفاء، أما ما طلبوه فهو طعام يوجد في كل قرية وسوق وحقل. ولذلك جاء الجواب يحمل شيئًا من التوبيخ: إن كنتم تريدون هذه الأشياء الدنيوية المألوفة فاهبطوا إلى أي مصر من الأمصار تجدوا ما تشتهون. أما النعمة التي بين أيديكم فليست مما يُنال في الأسواق، وإنما هي هبة من السماء.

وهكذا تتكرر المأساة في حياة البشر؛ يتركون النفائس طلبًا للمبتذل، ويبيعون المعاني العظيمة بالمكاسب الصغيرة. كم من إنسان باع لذة الطاعة بشهوة عابرة! وكم من داعية باع عز الدعوة بحطام الدنيا! وكم من أمة تركت رسالتها لتنافس غيرها على فتات الأرض!

ثم تأتي العقوبة من جنس الداء.

﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾.

لأن من تعلقت نفسه بالدون عاش دنيئًا، ومن رضي بسفاسف الأمور حُرم معاليها. والذلة ليست مجرد هزيمة خارجية، بل تبدأ من الداخل، حين تفقد النفس علوها، وتضيع منها كرامة الإيمان، وتصبح أسيرة المطالب الصغيرة والشهوات الحقيرة.

ولهذا جمع الله بين الذلة والمسكنة؛ فالذلة على الظاهر، والمسكنة في الباطن. وجهٌ ذليل، وقلب فقير، وهمّة منخفضة. وهذه من أشد العقوبات؛ أن يفقد الإنسان عزة الروح قبل أن يفقد أسباب القوة. ولهذا فإن من حفظ عزة قلبه بالله، ولم يبعها لشهوة أو خوف أو طمع، كان أقدر على صناعة العزة في واقعه، وأجدر بأن يحيا كريمًا ويموت كريمًا.

ثم يكشف القرآن الجذور الحقيقية لهذه النهاية المؤلمة.

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾.

فالمشكلة لم تبدأ بطلب البصل والعدس، وإنما بدأت قبل ذلك بكثير. بدأت حين استهانوا بأوامر الله، ثم اعتادوا المخالفة، ثم ألفوا العصيان، حتى انتهى بهم الأمر إلى أعظم الجرائم. وهكذا الذنوب؛ لا تقف عند حد. معصية اليوم قد تكون بابًا لمعصية الغد، والغفلة الصغيرة قد تجر وراءها سلسلة طويلة من الانحدار.

ولهذا ختم الله الآية بقوله:

﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.

فالعصيان إذا تكرر صار طبعًا، والاعتداء إذا استمر صار منهجًا. وما من سقوط عظيم إلا وكانت بدايته تنازلًا صغيرًا ظنه صاحبه هيّنًا.

وفي الآية رسالة لكل مؤمن: احذر أن تحتقر نعمة اعتدتها، واحذر أن تجعل هواك حكمًا على اختيارات الله لك. فليس كل ما تشتهيه النفس خيرًا، وليس كل ما تملّه النفس شرًا. ورب نعمة يضيق بها العبد اليوم، لو كُشف له ما وراءها من الخير لبكى شكرًا، لا ضجرًا.

إن أعظم الحرمان ليس أن يفقد الإنسان بعض متاع الدنيا، وإنما أن يفقد القدرة على رؤية فضل الله فيما بين يديه.

ولعل من أجمل ما يربط هذه الآية بما قبلها أن بني إسرائيل لما انفجرت لهم المياه من الحجر لم يشكروا النعمة، بل انتقلوا إلى طلب نعمة أخرى؛ فكأن القلب الذي لا يكتفي بالله لا يكتفي بشيء، والقلب الذي لا يملأه الشكر لا تملأه الدنيا كلها.


ثم قال الله جل جلاله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [ البقرة: 62]

فبعد أن عرضت السورة صورًا من انحرافات بني إسرائيل وعصيانهم، قد يتوهم السامع أن القضية قضية انتسابٍ إلى قومٍ بعينهم، أو أن الفضل والذم يجريان على الأسماء والأجناس. فجاءت هذه الآية لتردَّ الناس جميعًا إلى الميزان الذي لا يتغير:

﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.

إن هذه الآية من أوسع آيات القرآن في تقرير ميزان النجاة، لكنها ليست على إطلاقٍ يفهمه من يقتطعها من سياقها، بل هي بيانٌ لحقيقة الإيمان حين يكون صادقًا في أصله، قبل التحريف والبدل، أو بعده إذا تحقق الرجوع إلى الحق على وجهه.

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

فأصل الآية أن الله ذكر أصنافًا اشتهرت بأسمائها في التاريخ الديني: المؤمنون، واليهود، والنصارى، والصابئون.

أما “الذين آمنوا” فهم أهل الإيمان الحق، سواء كانوا ممن سبق النبي ﷺ قبل بعثته ممن لم يبدلوا كحنيفية إبراهيم ومن سلك سبيل التوحيد، أو هم المؤمنون من هذه الأمة بعد بعثته، أو من آمن من الأمم السابقة إيمانًا صحيحًا لم ينسخه تحريف.

وأما “الذين هادوا” فهم اليهود، وسُمّوا بذلك لوجوه؛ منها قولهم: هدنا إليك أي ملنا ورجعنا، وقيل لأنهم تابوا عن عبادة العجل، وقيل لأنهم مالوا عن الحق، وقيل لأنهم كانوا يتحركون عند قراءة التوراة تعظيمًا لها.

وأما “النصارى” فسُمّوا بذلك لقول الحواريين: نحن أنصار الله، وقيل لانتسابهم إلى قرية ناصرة التي نزلها عيسى عليه السلام، وقيل لاعتزازهم بنصرة الدين في بدايته.

وأما “الصابئون” فاسمهم من الصبأ، أي الخروج، لأنهم خرجوا من دين إلى دين. وقد اختلف في حقيقتهم؛ فقيل: قوم من أهل الكتاب، وقيل: فرقة بين اليهود والنصارى، وقيل: قوم يعبدون الملائكة ويأخذون من كل دين شيئًا، وقيل: قوم انقرضوا. وقد اختلف العلماء في حكمهم بحسب اختلاف أحوالهم في زمانهم.

ثم يأتي قيد الآية الذي يرفع الإشكال:

﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.

فليست الأسماء هي التي تنفع، ولا الانتماءات الظاهرة هي التي تنجي، وإنما العبرة بحقيقة الإيمان: تصديق القلب بالله واليوم الآخر، والعمل الصالح الذي يصدّق هذا الإيمان.

ولهذا اختلف المفسرون في معنى الآية: فقيل إنها فيمن كان مؤمنًا حقًا قبل النسخ والتحريف، من الأمم السابقة أو من أهل الفطرة، أو من آمن بالأنبياء ولم يبدل، فهؤلاء لهم أجرهم. وقيل إنها تشمل من آمن من كل أمة إيمانًا صحيحًا قبل بعثة النبي ﷺ، أو من آمن به بعد بعثته إيمانًا خالصًا.

وقيل أيضًا: إن ذكر هذه الطوائف ليس على سبيل التزكية المطلقة، بل لبيان أن النجاة لا تُنال بالاسم والانتماء، وإنما بالتحقق بالإيمان والعمل الصالح، فمن تحقق بهما نال الأجر والأمن، ومن فقدهما لم ينفعه اسم ولا نسب.

ثم ختمت الآية بوعد جامع:

﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي ثواب محفوظ عند الله لا يضيع، ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في مستقبلهم، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم.

فهي ليست مجرد تقسيم تاريخي للأمم، بل قاعدة إلهية كبرى: أن طريق النجاة واحد في حقيقته، وإن اختلفت الأسماء والقرون، وأن الله لا ينظر إلى الألقاب، بل إلى حقيقة الإيمان إذا استقر في القلب، وصدّقه العمل.

وهكذا تنكشف الآية على معناها العميق: أنها تنقض أوهام التفاضل بالانتساب، وترد الإنسان إلى الميزان الوحيد الذي لا يتبدل عبر الزمن: الإيمان الصادق والعمل الصالح.

فليس السؤال: إلى أي أمة تنتمي؟ ولا: ما الاسم الذي تحمله؟ بل السؤال الذي تدور عليه النجاة كلها: بماذا تؤمن؟ وكيف تعمل؟

لقد ذكر الله المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين، ثم لم يجعل الفارق بينهم الاسم ولا التاريخ ولا الانتساب، وإنما جعل الفارق الإيمان الصحيح والعمل الصالح. وكأن الآية تنزع عن القلوب كل ما تتعلق به من أوهام العصبية الدينية والقومية، لتعيدها إلى أصل الطريق: الصدق مع الله عز وجل.

فالسماء لا تعرف الألقاب التي يتفاخر بها الناس، وإنما تعرف القلوب التي آمنت، والأعمال التي صلحت.

وفي هذا درس عظيم؛ فإن الإنسان بطبعه يحب أن يستريح إلى الانتماء، ويظن أن مجرد انتسابه إلى أهل الحق يكفيه. لكن الله لا يقبل من أحد أن يتكئ على نسب، أو تاريخ، أو جماعة، أو بيئة نشأ فيها.

كم من رجل ولد في بيت صالح فهلك! وكم من رجل جاء من بيئة بعيدة عن الحق فنجا! لأن القضية ليست أين وُلدت، بل كيف عشت، وليست ماذا ورثت، بل ماذا آمنت.

ولهذا لم يقل الله: “من انتسب إلى الحق”، بل قال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.

فالإيمان الحق ليس فكرة في العقل فقط، بل نور يغير السلوك، ويثمر عملاً صالحًا. وكل إيمان لا يظهر أثره على الجوارح فهو إيمان ناقص بقدر ما نقص من أثره.

ومن لطائف الآية أنها جمعت بين الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر. لأن من عرف الله أحبه وخافه، ومن أيقن بالآخرة استقام طريقه. فالذي ينسى الآخرة يسهل عليه التفريط، والذي يغيب عنه مراقبة الله يسهل عليه الانحراف.

ولهذا كان أكثر فساد الناس ناشئًا من ضعف أحد هذين الأصلين: ضعف تعظيم الله، أو ضعف استحضار الوقوف بين يديه.

ثم تأتي البشارة التي تتطلع إليها كل نفس: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.

تأمل هذه الإضافة العظيمة: “عند ربهم”. ليس أجرًا ضائعًا، ولا معروفًا منسيًا، ولا عملًا تبدده الأيام. كل ركعة، وكل دمعة، وكل مجاهدة للنفس، وكل صبر على الطاعة، محفوظ عند رب العالمين.

إن البشر قد ينسون إحسانك، وقد يجحدون تعبك، وقد يسيئون الظن بك، لكن ما دام الأجر عند الله فلا يضيع شيء.

ليس ذلك فقط بل: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

فالخوف من المستقبل يطارد أهل الدنيا، والحزن على الماضي يثقل قلوبهم، أما أهل الإيمان الصادق فقد أمنهم الله من الأمرين جميعًا.

لا خوف عليهم مما يستقبلون، لأن الله معهم.
ولا هم يحزنون على ما مضى، لأن ما عند الله خير وأبقى.

وهذه هي السعادة الحقيقية التي يبحث عنها الناس في الأموال والمناصب والملذات فلا يجدونها؛ طمأنينة القلب التي تنشأ من الإيمان بالله، واليقين بلقائه.

وفي الآية رسالة خفية لكل مسلم: لا تغتر بانتسابك إلى الإسلام، فإن الله لم يجعل النجاة للاسم المجرد، وإنما جعلها لحقيقة الإيمان والعمل. فكما أن اليهود لم تنفعهم يهوديتهم حين خالفوا أنبياءهم، وكما أن النصارى لم ينفعهم انتسابهم لعيسى عليه السلام حين انحرفوا عن رسالته، فكذلك لا ينفع أحدًا مجرد حمل اسم الإسلام إذا فرط في الإيمان والعمل.

فالميزان عند الله واحد لا يتبدل: صدق الإيمان، وصلاح العمل، والثبات على الوحي الذي أنزله الله على رسله.

ومن أعظم دلائل عدل الله في هذه الآية أنه لا يحابي أمة على أمة، ولا قومًا على قوم، بل يفتح باب النجاة لكل من صدق وآمن واتبع الحق الذي جاءه. فدين الله ليس ناديًا مغلقًا للأجناس، وإنما هو طريق مفتوح للقلوب الصادقة.

ومن المناسب الربط بينها وبين الآية السابقة؛ فبعد أن ذكر الله قومًا استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، ذكر هنا الميزان الحقيقي للكرامة عنده، وكأن المعنى: ليست العبرة بمن تنتسب إليه، بل بما تحمله في قلبك من إيمان، وما تترجمه في حياتك من عمل صالح. فكم من منتسبٍ سقط، وكم من صادقٍ نجا. وهذا أمر نراه جليا في زماننا، فكم من معتنق جديد للإسلام التزم وثبت وسابق في سبيل الله وكم من مسلم عاش في الإسلام عمره، ثم انتكس وجحد وارتد! نعوذ بالله من سوء المنقلب.

ثم يقول الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [ البقرة: 63]

من أعجب ما تكشفه هذه الآية أن الله عز وجل لم يكتف بإعطاء بني إسرائيل الكتاب، بل أخذ عليهم الميثاق، وشدّد عليهم العهد، ورفع فوقهم الجبل تخويفًا وإنذارًا. لأن القضية لم تكن قضية نقصٍ في الأدلة، وإنما كانت مشكلة قلوب تتفلت من الالتزام كلما سنحت لها الفرصة.

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾.

والميثاق ليس وعدًا عابرًا، بل عهدٌ ثقيل، ومسؤولية عظيمة، وتكليف يترتب عليه حساب. وهكذا شأن الدين كله؛ ليس ثقافة نتعلمها، ولا معلومات نحفظها، بل عهد بين العبد وربه، يترتب عليه السمع والطاعة والاستجابة.

ولهذا فإن أخطر ما يصيب القلب أن يتحول الدين عنده من “ميثاق” إلى “معرفة”. يعرف كثيرًا، ويقرأ كثيرًا، ويسمع كثيرًا، لكن لا يشعر أنه ملتزم بعهد أمام الله.

ثم تأمل هيبة المشهد: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾.

قال ابن عباس: “أمر الله تعالى جبلاً من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رؤوسهم، وذلك لأن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام فأمر موسى قومه أن يقبلوها ويعملوا بأحكامها فأبوا أن يقبلوها للآصار والأثقال التي هي فيها، وكانت شريعة ثقيلة فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام فقلع جبلاً على قدر عسكرهم، وكان فرسخاً في فرسخ، فرفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة الرجل كالظلة، وقال لهم: إن لم تقبلوا التوراة أرسلت هذا الجبل عليكم”.

جبل عظيم يرتفع فوق رؤوسهم، والقدرة الإلهية تريهم آية تهز القلوب، ثم يأتي الأمر بعدها مباشرة:

﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾.

وكأن القرآن يريد أن يعلمنا أن الوحي لا يُؤخذ بفتور، ولا يُحمل بتردد، ولا تُقام به الحياة على سبيل التجربة العابرة. إنما يؤخذ بقوة؛ قوة العزيمة، وقوة الصبر، وقوة المجاهدة، وقوة الثبات.

فكم من الناس يحبون الدين، لكنهم لا يحملونه بقوة.
وكم من الناس يعرفون الحق، لكنهم لا يملكون إرادة الالتزام به.
والمشكلة ليست دائمًا في وضوح الطريق، بل في ضعف السير فيه.

ولم يقل سبحانه: “اقرؤوا ما آتيناكم”، بل قال: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾.

لأن الوحي لا يريد قارئًا فحسب، بل يريد حاملًا، ولا يريد حافظًا للنصوص فقط، بل منفذًا لمعانيها.

ولهذا أتبع الأمر بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾.

أي لا تجعلوا الكتاب كلمات تمر على الألسنة ثم تغيب عن الحياة. اذكروه تلاوةً، واذكروه فهمًا، واذكروه عملًا. فكم من كتابٍ حُفظ فضاع أثره، وكم من آياتٍ تُليت ولم تتجاوز الآذان إلى القلوب.

إن الذكر المقصود هنا ليس مجرد استحضار الألفاظ، وإنما استحضار الأوامر والنواهي والوعد والوعيد حتى تبقى حاضرة في حركة الإنسان كلها.

ومن لطائف الآية أن الغاية من العلم ليست العلم نفسه، وإنما: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

فكل علم لا يزيد صاحبه تقوى فقد فاته أعظم مقصوده. وكل حفظ لا يورث خشية، وكل دراسة لا تقود إلى عمل، فقد انفصلت عن الغاية التي أنزل الله الكتب من أجلها.

إن القرآن لم ينزل ليملأ الذاكرة بالمعلومات، بل ليملأ القلب بالتقوى.

وفي الآية رسالة مؤثرة لأهل القرآن خاصة: ليس المطلوب أن نحمل المصاحف في أيدينا فحسب، بل أن نحمل أوامرها في نفوسنا. وليس المطلوب أن نزداد علمًا فقط، بل أن نزداد استجابة. فالعبرة ليست بعدد الآيات التي نقرأ بل بعدد الآيات التي استجبنا لها، ليس بكمّ ما نعرف من الحق، وإنما بمقدار ما نقيم منه.

ولهذا كان السلف يعدّون العمل ثمرة العلم، ويرون أن من ازداد علمًا ولم يزدد خشية فقد ازداد حجة على نفسه. نسال الله العفو والعافية.

إن مشهد الجبل المرفوع فوقهم يذكرنا بحقيقة يغفل عنها كثير من الناس: أن الوحي أمر عظيم، وأن التكليف ليس شيئا يمكن التفلت منه، وأن العهود التي بين العبد وربه ليست ألفاظًا تقال ثم تُنسى. فمن أراد أن ينتفع بكتاب الله فليأخذه بقوة، وليذكر ما فيه، وليجعل غايته التقوى، فهناك يبدأ الانتفاع الحقيقي بالوحي، وهناك تنشأ حياة القلوب.

ولعل من أبلغ ما يربط هذه الآية بما قبلها أن الآيات السابقة كشفت مرض اتباع الهوى واستبدال الأدنى بالأعلى، فجاءت هذه الآية لتبين العلاج: خذوا ما آتيناكم بقوة. فالأمم لا تضيع غالبًا لأنها لا تعرف الحق، وإنما لأنها لا تحمله بعزمٍ يليق بعظمته. ولن يعرف القلب حقيقة القوة حتى يأخذ الكتاب حقا بقوة!

ثم يقول عز من قائل: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [ البقرة: 64]

تأتي هذه الآية قصيرة الألفاظ، لكنها من أعظم الآيات كشفًا لحقيقة الإنسان، وبيانًا لسعة رحمة الله.

فبعد الميثاق المؤكد، وبعد رفع الجبل فوق رؤوسهم، وبعد الآيات التي لا تترك مجالًا للشك أو التردد، كان المتوقع أن يثبتوا على الطاعة، وأن يستقيموا على العهد، وأن يستحيوا من ربهم الذي أراهم من آياته ما أراهم.

لكن القرآن يفاجئنا بقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.

“ثم” هنا تحمل معنى العجب؛ أي بعد كل هذه المقدمات، وبعد كل هذا البيان، وبعد كل هذا التخويف والتأكيد، وقع التولي والإعراض!

وكأن الآية تعلمنا أن المشكلة الحقيقية ليست دائمًا في قلة الأدلة، بل في فساد الإرادة. فكم من إنسان يعرف الحق ثم يعرض عنه، وكم من إنسان يرى الآيات واضحة ثم يتبع هواه.

إن القلب إذا لم يرد الهداية فلن تكفيه كثرة البراهين.

وتأمل قوله: ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾.

لم يقل: أخطأتم، أو قصرتم، بل توليتم. والتولي أعمق من مجرد الوقوع في الذنب؛ إنه إعراض بالقلب، وانصراف عن الطريق، وترك للعهد الذي أُخذ عليهم.

ولهذا كانت الجريمة عظيمة، لأن المخالفة جاءت بعد العلم، والإعراض جاء بعد البيان، والنكوص جاء بعد الميثاق.

وهنا يبرز أعظم مشهد في الآية كلها:

﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾.

كأن السورة بعد أن عرضت سلسلة طويلة من الانحرافات والمعاصي تريد أن تذكرنا بحقيقة لا ينبغي أن تغيب عن المؤمن: أن النجاة ليست ثمرة أعمالنا وحدها، بل ثمرة فضل الله أولًا.

فالعبد يطيع بفضل الله. ويتوب بفضل الله. ويثبت بفضل الله. ويُغفر له بفضل الله.

ولو وُكل الإنسان إلى نفسه طرفة عين لهلك.

كم مرة أعرض القلب ثم أعاده الله؟ وكم مرة ضل الفكر ثم هداه الله؟ وكم مرة زلت القدم ثم سترها الله؟

إن حياة المؤمن كلها قائمة على هذا الفضل العظيم الذي يلاحقه رغم تقصيره، ويستره رغم ذنوبه، ويفتح له أبواب العودة كلما ابتعد.

ولهذا لم يقل سبحانه: لولا عدلكم، أو لولا أعمالكم، أو لولا استحقاقكم.

بل قال: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾.

لأن الفضل هو العطاء الذي لا يستحقه العبد بعمله، والرحمة هي التي تمنع نزول ما يستحقه من العقوبة.

وما أكثر ما يعيش الإنسان بين هذين الجناحين دون أن يشعر: فضل يجلب النعم، ورحمة تدفع النقم.

ثم تأتي الخاتمة المرعبة: ﴿لَكُنتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

ولم يقل: لخسرتم شيئًا من دنياكم، أو بعض مصالحكم، بل: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ على الإطلاق.

لأن أعظم الخسارة ليست خسارة المال ولا الجاه ولا المنصب، وإنما خسارة العبد لنفسه عند الله.

وقد سمى الله أهل النار خاسرين، وسمى المحرومين من رضوانه خاسرين، لأن كل خسارة في الدنيا يمكن تعويضها إلا هذه الخسارة.

وفي الآية درس عظيم لأهل الطاعة والعلم والدعوة: لا يغتر أحد بثباته، ولا بعلمه، ولا بكثرة عمله. فبنو إسرائيل أخذ عليهم الميثاق، ورأوا الآيات، وخوطبوا بالوحي، ثم وقع منهم التولي.

فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، والثبات منحة لا تُملك، وإنما تُطلب وتُرتجى.

ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».

فكلما ازداد العبد علمًا ازداد شعورًا بحاجته إلى فضل الله، وكلما ازداد طاعة ازداد خوفًا من أن يُحرم التوفيق.

إن هذه الآية تعلم المؤمن أن يعيش بين أمرين لا ينفصلان: الخوف من التولي، والرجاء في رحمة الله. فلا يأمن مكر الله، ولا يقنط من رحمته، بل يسير إليه بقلب منكسر يعلم أن نجاته كلها بعد الله قائمة على فضله ورحمته عز وجل.

ومن أبدع التناسق في هذا السياق أن الآية السابقة ختمت بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ثم جاءت هذه الآية لتبين أن التقوى نفسها لا تحصل بمجرد وجود الأوامر والمواثيق، بل تحتاج فوق ذلك إلى فضل من الله ورحمة. فليس كل من عرف الحق وُفِّق إليه، وإنما السعيد من جمع الله له بين معرفة الحق والإعانة على اتباعه.

ثم يقول جل جلاله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [ البقرة: 65]

بعد أن ذكَّرهم الله بالمواثيق التي نقضوها، والنعم التي كفروها، والتولي الذي وقع منهم بعد قيام الحجة، انتقل إلى مشهد من أشد مشاهد العقوبة رهبةً في تاريخ بني إسرائيل:

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ﴾.

لم يقل: أخطؤوا، ولا قصروا، بل قال: ﴿اعْتَدَوْا﴾.

لأن القضية لم تكن شهوة عابرة، ولا زلة مفاجئة، وإنما كانت اعتداءً على حدود الله، ومحاولةً للتحايل على أمره بشكل متعمد.

لقد حُرِّم عليهم الصيد يوم السبت، فكان الواجب أن يستسلموا لأمر الله، سواء عرفوا حكمته أم لم يعرفوها. لكن النفوس إذا تعلقت بالشهوة ولم ترد تركها بدأت تبحث عن المخارج التي تُبقي لها المعصية وتُسقط عنها اسمها.

فاحتالوا على الشرع ولم يواجهوه مواجهةً صريحة. وضعوا الشباك يوم السبت، وحبسوا السمك في الحفر والبرك، ثم أخذوه يوم الأحد، وظنوا أن تغيير صورة الفعل يغير حقيقته.

وهنا تتجلى آفة خطيرة تتكرر في كل زمان: أن يظن الإنسان أنه يخدع شرع الله بالحيل والأسماء.

فكم من محرمٍ غُيِّر اسمه ليصبح مقبولًا! وكم من باطلٍ أُلبس ثوب الحق ليبدو مشروعًا!
وكم من نفسٍ أقنعت نفسها أنها لم تعص الله، مع أنها إنما غيرت شكل المعصية لا حقيقتها!

إن الله لا ينظر إلى الأسماء التي يختبئ خلفها الناس، بل إلى الحقائق التي تقوم عليها الأعمال.

ولهذا كانت جريمتهم أعظم من مجرد الصيد؛ لأنهم جمعوا بين المعصية والاستهانة، وبين المخالفة ومحاولة الالتفاف على الأمر الإلهي.

ولهذا جاءت العقوبة على صورة تهز القلوب:

﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.

أمرٌ واحد من رب العالمين، فإذا بهؤلاء الذين تكبروا على أمره، وتلاعبوا بحدوده، ينتقلون من صورة الإنسان المكرم إلى صورة القرد المهان.

إنها عقوبة تحمل معنى عظيمًا؛ فكما أنهم شوّهوا فطرة الطاعة بالتحايل، شُوّهت صورهم جزاءً وفاقًا.

وتأمل كلمة: ﴿خَاسِئِينَ﴾.

أي مطرودين، مبعدين، صاغرين، لا كرامة لهم ولا منزلة.

فإن أعظم العقوبات ليست الألم الجسدي، بل أن يُطرد العبد من دائرة الكرامة الإلهية، وأن يسقط من عين الله عز وجل بسبب إصراره على المعصية.

وفي الآية درس مرعب لكل من اعتاد الالتفاف على الأوامر الشرعية. فإن الخطر ليس في الوقوع في الذنب فقط، بل في أن يصل الإنسان إلى مرحلة يقنع فيها نفسه أن المعصية طاعة، أو أن الحيلة تُبطل الحكم، أو أن تغيير الألفاظ يغير الحقائق.

إن الشيطان لا يهمه أحيانًا أن ينكر الإنسان الحكم صراحة، بل يكفيه أن يجعله يلتف حوله حتى يفرغه من مضمونه.

ولهذا كان السلف يخافون من الحيل أكثر من خوفهم من المعصية الظاهرة؛ لأن صاحب المعصية قد يعترف بذنبه ويتوب، أما صاحب الحيلة فيظن أنه محسن وهو يفسد.

ومن تأمل سياق الآيات وجد أن هذه القصة جاءت بعد ذكر التولي عن الميثاق، وكأنها صورة عملية لذلك التولي. فالتولي لا يبدأ دائمًا برفض الحق جهارًا، بل قد يبدأ بمحاولة التهرب من تبعاته، ثم يتطور إلى التلاعب بأحكامه، حتى يصل بصاحبه إلى العقوبات التي لم يكن يتخيلها.

وفي القصة رسالة لكل مؤمن: إن الله يريد منك الاستسلام لأمره، لا البحث عن طريق يحقق لك شهواتك مع بقاء اسم الطاعة. فالعبد الصادق يسأل: ماذا يريد الله مني؟ أما صاحب الهوى فيسأل: كيف أصل إلى ما أريد دون أن أتحمل تبعة المخالفة؟

والفرق بين السؤالين هو الفرق بين طريق الأنبياء وطريق المعتدين.

إن هذه الآية تعلمنا أن حدود الله لا تُخادَع، وأن الأحكام لا تتغير بالأسماء، وأن من أعظم علامات سلامة القلب أن يقف عند أمر الله مستسلمًا، لا محتالًا ولا متلاعبًا ولا متكلفًا للمخارج.

فإن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم حقيقة المقاصد وإن تغيّرت صور الأعمال. سبحانه.

وهكذا جاءت هذه القصة بعد قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾، فكأن السورة تبين أن التولي عن أوامر الله لا يكون دائمًا بالرفض الصريح، بل قد يكون بالتحايل عليها والبحث عن طرق للفرار من مقتضاها. ولهذا كان الاعتداء في السبت صورة من أخطر صور التولي؛ لأنه جمع بين المخالفة وادعاء الالتزام في الوقت نفسه. فتأمل.

ثم يقول عز وجل: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [ البقرة: 66]

بعد أن جاءت القصة على مشهد الاعتداء والعقوبة الصارمة، يكشف القرآن مقصدًا أعمق من مجرد ذكر الحادثة، وهو أن العقوبة ليست انتقامًا مجردًا، بل رسالة ممتدة عبر الزمن:

﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾.

فما وقع على تلك القرية لم يكن حدثًا منغلقًا في زمانه، بل صار علامة في طريق التاريخ، تُرى آثارها من يأتي بعدها كما رآها من كان قبلها.

إن “النَّكال” في اللغة هو العقوبة التي يُقصد بها الردع والزجر، لكن القرآن يرفع معناها إلى مستوى أوسع؛ فهي ليست مجرد إيلام، بل عبرة تمتد آثارها لتقول لكل من يأتي بعدها: إن طريق المعصية مهما بدا خفيًا أو مبررًا، فإنه ينتهي إلى فضيحة وعقوبة.

ثم تتسع الدائرة أكثر: ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾.

أي لم تُجعل عبرة لمن حضر فقط، بل لمن سيأتي بعد ذلك إلى قيام الساعة. وكأن التاريخ كله صار شاهدًا على هذه الحادثة، يقرأها كل جيل فيتلقى منها الرسالة ذاتها: أن حدود الله ليست محلاً للتجربة، وأن من يعتدِ على أوامر الله لا بد أن يترك أثرًا يُخيف من بعده.

وهكذا تتحول القصة من حدثٍ في قرية إلى قانونٍ في الأمم؛ أن المعصية حين تُصرّ عليها جماعة، لا تهلك وحدها، بل تصبح عبرة للآخرين، كأنها نار تُرى من بعيد لتحذر السائرين في الطريق.

لكن القرآن يلفت نظرًا دقيقًا لا يراه كل أحد: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.

فليست كل القلوب سواء في تلقي العبر. فهناك من يرى الحادثة فيتجاهلها، وهناك من يراها فيسخر منها، وهناك من يراها فيزداد بها بُعدًا. أما المتقون، فهم الذين تتحول عندهم الوقائع إلى دروس، والعقوبات إلى تذكير، والتاريخ إلى هداية.

إن القلب المتقي لا يحتاج أن يقع في التجربة ليعتبر، بل يكفيه أن يرى أثرها في غيره. فهو قلب حيّ، يتلقى الإشارة قبل أن يصل البلاء.

وفي هذا بيان دقيق لطبيعة الهداية: ليست كل آية موعظة لكل أحد، بل الموعظة تحتاج إلى قلب مستعد، كما تحتاج الأرض الطيبة إلى ماء السماء.

وهكذا تجمع الآية بين معنيين عظيمين:
معنى الردع العام الذي يُخيف كل من بلغه الخبر، ومعنى التربية الخاصة التي لا ينتفع بها إلا من اتقى الله.

ومن هنا يظهر سر التباين بين الناس في فهم الوقائع؛ فالحادثة الواحدة يمر بها الجميع، لكن أثرها في القلوب يختلف باختلاف ما فيها من تقوى أو قسوة.

وفي ختام هذا المشهد، يبقى المعنى الأعمق حاضرًا: أن سنن الله في الأمم لا تتكرر عبثًا، بل لتبقى شاهدة على أن طريق الاستكبار على أوامر الله لا ينتهي إلا بخسارة، وأن طريق التقوى هو وحده الذي ينجو بصاحبه من أن يكون عبرة لغيره.

فالسعيد من اتعظ بغيره قبل أن يُتخذ هو نفسه عبرة.

وهكذا تُختتم قصة السبت في هذا الموضع، لتبقى في السورة سلسلة مترابطة: أمرٌ إلهي، ثم تهاون، ثم تحايل، ثم عقوبة، ثم عبرة ممتدة إلى قيام الساعة.

ثم يقول عز وجل: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [ البقرة: 67]

تأتي هذه الآية في سياق قصةٍ لم تبدأ من لحظةٍ واحدة، بل من تراكمات طويلة من التعنت وسوء الأدب مع الوحي، حتى صار السؤال الإلهي السهل موضع شكٍّ واعتراض:

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.

أمرٌ واضح، لا لبس فيه، ولا يحتاج إلى التفاف ولا تعقيد. لكنه في ميزان القلوب المريضة لم يكن مجرد تكليف، بل صار مدخلًا للجدال، واختبارًا لمدى قبولهم للانقياد.

فكان أول ردٍّ يعكس اضطراب الداخل قبل الخارج:

﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾.

لم يتوجهوا بالسؤال عن الحكمة، ولا طلبوا الفهم بأدب، بل بادروا باتهام النبي نفسه بأن كلامه محل سخرية! وهنا يظهر الفرق الدقيق بين قلبٍ يبحث عن الفهم، وقلبٍ يبحث عن المخرج من الطاعة.

إنه ليس مجرد اعتراض، بل انزلاق في مقام الخطاب مع الوحي؛ إذ يتحول الأمر الإلهي في نظرهم من هدايةٍ إلى عبث، ومن تكليفٍ إلى مادة تهكم.

وهذا من أخطر أمراض القلوب: أن تفقد الهيبة أمام أمر الله، فإذا نزل التكليف لم تستقبله بالامتثال، بل بالاعتراض، وإذا جاء البيان لم تتلقه بالقبول، بل بالارتياب.

وهنا يأتي الجواب النبوي في غاية الحزم والأدب:

﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.

كأن موسى عليه السلام يردّ أصل التهمة إلى مصدرها الحقيقي؛ فالجهل ليس في الأوامر الإلهية، ولا في كلام الأنبياء، بل في قلبٍ يظن أن وحي الله موضع هزل أو عبث.

إن الجاهل هو من يضع الأمور في غير مواضعها؛ فيتهم الحق بالباطل، ويظن الحكمة سخرية، ويجعل مقام النبوة محل اتهام.

وفي هذا الجواب بيان عظيم: أن أعظم ما يُصان عنه مقام الرسالة ليس الخطأ، بل الاستهزاء. فالأنبياء أبعد الناس عن العبث في القول والعمل، لأنهم مبلغون عن الله عز وجل، ومن كان كذلك استحال أن يكون موضعًا للسخرية أو اللعب.

ثم تكشف الآية عن طبائع متكررة في بني إسرائيل: ليس مجرد سؤال واحد، بل سلسلة من التعنت والجدال، حتى صار الامتثال عندهم آخر الخيارات، لا أولها.

إن القلوب إذا لم تتربَّ على التسليم منذ البداية، تحوّل كل أمرٍ جديد إلى مساحة اختبار وجدال، بدل أن يكون موضع طاعة وانقياد.

وهكذا يظهر أن المشكلة لم تكن في “أمر البقرة” نفسه، بل في المنهج الداخلي للتلقي: هل يتلقى العبد أمر الله كعبدٍ يستسلم، أم كخصمٍ يناقش؟

فمن جعل نفسه في مقام الخصومة مع الوحي، لن تنفعه كثرة البيان، لأن الإشكال ليس في نقص الفهم، بل في فساد القبول. وتأمل هذه المعاني وعمق أثرها في النفوس والأداء، ثم أصل تسمية سورة البقرة، مقام تدبر عظيم.

وفي قول موسى عليه السلام: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ تربية للأمة كلها على أن احترام الوحي أصلٌ من أصول الدين، وأن أي خطاب مع أمر الله ينبغي أن يكون مبنيًا على التعظيم والتسليم، لا على التهكم والاعتراض أو أحد منهما.

وهكذا تتحول هذه الآية إلى قاعدة تربوية عظيمة: أن أول درجات الانحراف ليست ترك الأمر، بل سوء استقبال الأمر. وأن أول خطوات النجاة ليست كثرة الأسئلة، بل سلامة الأدب مع الله جل جلاله.

ومن تمام السياق أن هذه الحادثة جاءت بعد ذكر اعتداءات سابقة، فكأن السورة ترسم تدرج الانحراف: من نقض الميثاق، إلى التولي، إلى التحايل، إلى السخرية من الوحي نفسه، حتى تصل القلوب إلى مرحلة لا ترى في الأمر الإلهي إلا مادة جدل، بدل أن تراه طريق هداية.

ثم يقول عز وجل: ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [ البقرة: 68]

يستمر القرآن في كشف طبيعة القلوب التي لا تنقاد من أول الأمر، بل تتدرج في التعنت خطوة بعد خطوة، حتى يتحول الوضوح إلى غموض بسبب سوء الطلب وكثرة السؤال.

﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ﴾.

لقد صدر الأمر أولًا في غاية البساطة: ذبح بقرة. وكان يكفيهم أن يمتثلوا وينتهوا. لكن حين لم يباشروا الطاعة من أول لحظة، فتحوا على أنفسهم باب الأسئلة التي لا تنتهي.

إنه منهج القلب المتردد: لا يكتفي بالبيان الأول، بل يطلب بيانًا بعد بيان، لا طلبًا للفهم فقط، بل هروبًا من الامتثال.

وهكذا تبدأ الطاعة في الانكماش، وتبدأ روح التكليف في الذبول، كلما دخلت الأسئلة التي لا يقصد بها الوصول إلى الحق، بل تأخير الانقياد له.

فجاء الجواب الرباني بتحديدٍ واضح: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ﴾.

وصفٌ دقيق يزيل كل التباس: ليست كبيرة هَرِمة قد ضعفت عن العمل، ولا صغيرة لم تبلغ سن النفع، بل هي وسط بين ذلك.

وفي هذا المعنى إشارة لطيفة: أن التكليف الإلهي ليس فيه تعسير، ولا مشقة خارجة عن الطاقة، بل هو اختيارٌ موزون، قائم على الحكمة والاعتدال. فحتى حين أمرهم الله بذبح بقرة، لم يطلب منهم إلا ما هو موجود ومعتدل، لا متشدد فيه ولا متعنت.

لكن المشكلة لم تكن في صعوبة الأمر، بل في طبيعة التلقي له.

ثم تأتي الجملة الحاسمة التي تكشف أصل الداء: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾.

كأن الخطاب الإلهي يقول لهم: دعوا الأسئلة التي لا تنتهي، وارجعوا إلى الأصل الذي فُرض عليكم منذ البداية: الامتثال.

إنها دعوة صريحة لإيقاف دائرة التعنت، لأن بعض الأسئلة لا تزيد الإنسان علمًا، بل تزيده بعدًا عن العمل.

وهنا تتجلى قاعدة عظيمة: أن الدين ليس مشروع استقصاء دائم، بل هو مشروع طاعة. فحين يتحول السؤال من طريق إلى الفهم إلى طريق للهروب من التنفيذ، يصبح وبالًا على صاحبه.

ومن تأمل هذا السياق رأى كيف أن بني إسرائيل لم يقعوا في الخطأ دفعة واحدة، بل بالتدرج: بدأوا بالاعتراض، ثم طلبوا البيان، ثم أعادوا السؤال، حتى ضُيّق عليهم ما كان واسعًا، بسبب سوء أدبهم مع الأمر الأول.

وهذا من سنن الله في عباده: أن من لم يبادر إلى الطاعة في أول الأمر، قد يُبتلى بتشديد لا بسبب صعوبة التكليف، بل بسبب تأخر الامتثال.

وفي قوله: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ تربية للأمة كلها على أن معيار النجاة ليس كثرة الفهم، بل صدق التنفيذ. فكم من إنسان فهم كثيرًا ولم يعمل، وكم من إنسان عمل بما فهمه أولًا فبارك الله له فيه وزاده هدى.

إنها آية تُعيد ترتيب العلاقة بين العلم والعمل: فالعلم بلا امتثال يتحول إلى حجة على صاحبه، والعمل مع التسليم يتحول إلى طريق يقين.

وهكذا يستمر القرآن في رسم صورة القلب المتردد: كلما أُعطي بيانًا زاد سؤالًا، وكلما فُتح له باب سعة أدخل نفسه في ضيق، حتى صار التعنت سببًا في التعقيد، مع أن الأمر في أصله شديد الوضوح: “افعلوا ما تؤمرون”.

ولعل من أجمل ما يربط هذه الآية بما قبلها أن بني إسرائيل حين قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾، بدأوا سلسلة من الأسئلة التي لم تكن طلبًا للهدى، بل اختبارًا للأمر، فكانت النتيجة أن كل سؤال زادهم بعدًا عن روح الامتثال، بدل أن يقربهم من الطاعة.

ثم قال تعالى: ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [ البقرة: 69]

تستمر سلسلة الأسئلة التي لم تُبنَ على طلب الهداية بقدر ما بُنيت على إطالة الطريق إلى الامتثال، وكأن القوم كلما ضاق عليهم البيان بحثوا عن تضييقٍ آخر لأنفسهم:

﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا﴾.

ولو أنهم امتثلوا من البداية لما احتاجوا إلى هذا التدرج المتكرر في السؤال. لكن النفس إذا لم تحسم معها الأمر من أول لحظة، تفتح على صاحبها أبوابًا من التكلّف لا تنتهي، حتى يتحول الواضح إلى متشعب، والميسور إلى معقّد.

وهنا يظهر ملمح دقيق في هذه القصة: أن السؤال إذا خرج عن حد الحاجة صار عبئًا على السائل، لا طريقًا للعلم. فكلما تأخر الامتثال، كثرت القيود، وضاق المجال، لا لأن التكليف تغيّر في ذاته، بل لأن القلوب هي التي اختارت طريق التعنت.

فجاء الجواب: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾.

وصفٌ يزيد في التحديد، ويكشف عن جمال في الخلقة: صفرة شديدة نقية، ليست باهتة ولا مشوشة، بل لونٌ واضح يلفت النظر:

﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾.

وفي هذا المعنى إشارة لطيفة إلى أن خلق الله كله مبني على الإحسان والجمال، حتى في المواضع التي يُظن أنها مجرد أوامر تكليفية. فالبقرة ليست مجرد وسيلة لاختبار الامتثال، بل هي أيضًا آية في الحسن والبهاء.

لكن الملفت أن هذا الجمال لم يُثمر فيهم جمال امتثال، بل زادهم إصرارًا على السؤال. وكأن القلب إذا لم يصفُ مع الوحي، لم تنفعه حتى مظاهر الحسن فيه.

وهنا تتجلى سنة ثابتة: أن من تعمّق في السؤال بلا حاجة، ضاق عليه الجواب، ومن تأخر في الطاعة، كثرت عليه القيود. فالأمر في بدايته كان سهلا ميسرًا، لكنهم جعلوه معقدًا بتكرارهم، حتى صار الامتثال أصعب مما كان، لا لذات التكليف، بل لفساد التلقي.

إن الآية تربي في المؤمن خلق المبادرة؛ أن لا يجعل من الأسئلة وسيلة للهروب من العمل، وأن لا يربط طاعته بتفاصيل لا يحتاجها، فإن الدين في جوهره مبني على الوضوح والانقياد، لا على التعقيد والتردد.

وفي قوله: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ ملمح آخر؛ أن الله تعالى يلفت النظر إلى أن النعمة قد تكون في أبسط صورها جميلة، لكن الانتفاع بها لا يكون لمن اشتغل بالاعتراض عن الامتثال. فالجمال في المخلوق لا ينفع قلبًا أعرض عن الخالق.

وهكذا تمضي القصة خطوة بعد خطوة، لتكشف أن أصل الانحراف لم يكن في نقص البيان، بل في كثرة التعنت. وأن الطريق إلى الراحة في التكليف ليس في كثرة السؤال، بل في صدق الاستجابة:

﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾.

ومن أعمق ما يظهر في هذا السياق أن كل زيادة في السؤال كانت تقابلها زيادة في التقييد، وكأن السورة تعلم أن أبواب التشديد تُفتح حين يُغلق باب الامتثال المباشر، وأن القلب كلما ابتعد عن روح الطاعة ضاق عليه حتى المباح من التفاصيل.

ولذلك كان المتنطعون أضيقَ الناس عيشًا، وأكثرهم شقاءً في عباداتهم؛ لأنهم أثقلوا أنفسهم بالتكلّف، وأغرقوها في التعقيد والتعمّق الذي نهت عنه الحنيفية السمحة، فحوّلوا ما جعله الله يسرًا إلى مشقة، وما جعله رحمةً إلى عناء.

ثم قال الله عز وجل: ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [ البقرة: 70]

تبلغ سلسلة السؤال في قصة البقرة ذروتها في هذا الموضع، حيث يظهر أن القوم لم يعودوا يبحثون عن مجرد وصف، بل عن مخرجٍ من أصل الامتثال:

﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ﴾.

لقد تجاوزوا مرحلة السؤال الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، حتى صار السؤال عندهم عادةً لا ضرورة، وتحوّل الاستفهام من طريقٍ للبيان إلى طريقٍ لإطالة الزمن قبل التنفيذ.

ثم يبررون ذلك بقولهم:

﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾.

وهنا تظهر طبيعة النفس حين تبتعد عن روح المبادرة؛ فهي لا ترى الواضح واضحًا، بل ترى المتشابه في كل شيء. فالمشكلة ليست في كثرة البقر، بل في كثرة التردد في القلب. فالقلب الحازم يرى الطريق ولو كثرت الاحتمالات، أما القلب المتردد فيجعل من الاحتمال الواحد عشرات الموانع.

إن التشابه الحقيقي لم يكن في البقر، بل في إرادتهم. فحين تضعف الإرادة يشتبه كل شيء، وحين تقوى تتضح حتى أعقد الأمور.

ثم تأتي الجملة التي تكشف بقايا نور في الخطاب:

﴿وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾.

إنها كلمة تحمل في ظاهرها رجاء الهداية، لكنها جاءت متأخرة بعد سلسلة من التعنت. ولو كانت في أول الأمر لكانت عنوان طاعة وانقياد، لكنها هنا أقرب إلى تعبيرٍ عن العجز بعد الإعياء من كثرة السؤال.

وفيها درس دقيق: أن ذكر المشيئة وحده لا يكفي إن لم يقترن به صدق المبادرة. فكثير من الناس يعلّقون الهداية على “إن شاء الله”، لكنهم لا يخطون خطوة واحدة في طريق الامتثال.

إن الهداية في حقيقتها ليست كلمة وادعاء، بل طريق يُسلك، ومتى سُلك الطريق بصدق أُعطي صاحبه من التوفيق ما يعجز عنه كثرة السؤال.

وهكذا يظهر في هذا المشهد أن القوم بعد أن ضيّقوا على أنفسهم ما كان واسعًا، لم يبقَ لهم إلا الاعتراف بأنهم محتاجون للهداية، لكن بعد أن أثقلوا أنفسهم بسلسلة من التعقيد الذي لم يكن لازمًا منذ البداية.

إنها صورة لقلبٍ لم يُحسن التعامل مع الأمر الأول، فصار كل أمر بعده أثقل، وكل بيان أضيق، حتى صار الامتثال في النهاية مشحونًا بالتكلف الذي صنعته أيديهم لا حكم الله عز وجل.

وفي هذا عبرة عظيمة: أن من لم يبادر المرء إلى الطاعة حين يكون الطريق سهلًا، قد يُبتلى بأن يمشي إليها وهو مثقل بقيود صنعها هو بنفسه.

وهكذا تنتهي هذه المرحلة من القصة لتؤكد حقيقة واحدة: أن أصل الداء لم يكن في نقص البيان، بل في تأخر الامتثال، وأن القلب إذا لم يحسم موقفه من أول الأمر، جرّ على نفسه من التعقيد ما كان في غنى عنه.

ولعل من أبلغ ما يربط هذه الآية بما قبلها أن كل مرحلة من السؤال كانت تُقابل بتضييق في الوصف، حتى انتهى بهم الأمر إلى الاعتراف بالتشابه والعجز، وكأن السورة تقول: إن الوضوح لا يُفقد من النصوص، بل من القلوب حين تفقد حسمها واستجابتها الأولى. وهنا وقفة تدبر عظيمة لمن كان يرجو رحمة ربه، فالسر كل السر في حسن الاستجابة بلا تفلت ولا تنطع ولا احتيال. وبقدر الصدق تكون الفتوحات وبقدر الارتياب يكون الغبن والحرمان.

ثم يقول جل جلاله: ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [ البقرة: 71]

تصل القصة إلى لحظة اكتمال الوصف بعد سلسلة طويلة من السؤال والتعنت، وكأنهم لم يصلوا إلى البقرة إلا بعد أن ضيّقوا على أنفسهم ما كان في أصله واسعًا:

﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا﴾.

لقد اكتمل الآن البيان: ليست بقرة مُذللة للعمل، ولا مُسخَّرة للحراثة والسقي، بل هي خالصة في صفاتها، سليمة من العيوب، نقية اللون بلا اختلاط ولا علامة تُخرجها عن وصفها.

وفي هذا البيان دلالة لطيفة: أن الله لم يجعل التكليف شاقًا في ذاته، بل جعل المطلوب موجودًا، لكنه غير شائعٍ ولا مبتذل، حتى يختبر صدق الامتثال لا سهولة الاختيار.

إنها بقرة متميزة في صفاتها، كأنها تُطلب مرة لا تتكرر، لا لأن في التكليف مشقة مقصودة، بل لأن القلوب التي أبطأت في الاستجابة تحتاج إلى أن تُختبر بوضوح بعد أن كانت هي سبب التعقيد.

ثم تأتي اللحظة التي تكشف المفارقة الكبرى:

﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾.

وكأنهم لم يدركوا أن الحق لم يتغير في كلام موسى من البداية إلى النهاية، وإنما الذي تغيّر هو فهمهم المتأخر، وإصرارهم على الاستكثار من السؤال.

لقد جاءهم الحق أول مرة واضحًا، لكنهم لم يصدقوه إلا بعد أن ثقل عليهم بالتفصيل، فظنوا أن الحق لا يكون حقًا إلا إذا مرّ عبر طريق التعقيد.

وهذا من أعجب أمراض القلب: أن لا يطمئن إلى الوضوح، حتى إذا صارت الأمور معقدة قال: الآن ظهر الحق!

ثم تأتي الخاتمة التي تختصر المشهد كله:

﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.

لم يكن الامتثال سهلًا، لا بسبب صعوبة الأمر، بل بسبب ثقل النفوس وكثرة المراوغة. كادوا أن يتركوا الامتثال رغم وضوح الأمر، لأن التعنت الذي سبق الذبح كان قد استهلك فيهم روح المبادرة.

وهنا تظهر سنة عظيمة: أن من يبطئ في الاستجابة في البداية، قد يثقل عليه الفعل في النهاية، حتى لو صار واضحًا وسهلًا.

إنها ليست مسألة قدرة، بل مسألة قلب. فالذي يتأخر عن الطاعة مرة، يجد في قلبه ترددًا في الثانية، ثم يتحول التردد إلى ثقل، حتى يصبح الفعل نفسه مشحونًا بالضغط الداخلي الذي صنعه هو بتأخيره.

وفي قولهم: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ إشارة إلى أن كثيرًا من الناس لا يعترفون بالحق إلا بعد أن يمر عبر اختبارات صنعوها بأنفسهم، بينما الحق في ذاته ثابت، لا يتغير بكثرة الأسئلة ولا بتعقيد الطلب.

وهكذا تنتهي قصة البقرة بمعنى مركزي عظيم: أن أصل البلاء لم يكن في التكليف، بل في طريقة استقبال التكليف، وأن الطاعة لو بُنيت من أول الأمر على التسليم، لكانت أيسر وأوضح وأقرب إلى الامتثال، ولكن حين يدخل التعنت على القلب، يتحول الواضح إلى معقّد، والقريب إلى بعيد، والميسور إلى ثقيل.

ومن أجمل ما يُفهم من ختام القصة أن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ليس وصفًا لصعوبة الأمر، بل لوصف حالة نفسية تراكمت عبر سلسلة من الاعتراضات، وقيل: “وما كادوا يفعلون” من شدة اضطرابهم واختلافهم فيها.

وقال أبو جعفر الطبري بعد مناقشة الأقوال في تفسير الآية: “والصواب من التأويل عندنا, أن القوم لم يكادوا يفعلون ما أمرهم الله به من ذبح البقرة، للخلتين كلتيهما: إحداهما غلاء ثمنها، مع ما ذكر لنا من صغر خطرها وقلة قيمتها؛ والأخرى خوف عظيم الفضيحة على أنفسهم، بإظهار الله نبيه موسى صلوات الله عليه وأتباعه – على قاتله”.

ثم يقول عز وجل: ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [ البقرة: 72]

تعود الآيات بعد قصة البقرة إلى أصل الجريمة التي كانت سببًا في ذلك التكليف، لتكشف أن التعقيد الذي وقع في السؤال لم يكن منفصلًا عن فسادٍ أعمق في السلوك:

﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾.

إنها جريمة قتل، لكنها لم تقف عند حد الفعل، بل تبعتها حالة من التدافع والاختلاف: كل فريق يدفع التهمة عن نفسه، وكل طرف يلقيها على غيره، حتى اختلطت الحقيقة بالادعاءات، وضاعت المسؤولية بين الأقوال المتناقضة.

وهذا المشهد يكشف طبيعة النفس حين تقع في الذنب: لا تكتفي بالفعل، بل تحاول أن تحيطه بسياج من الإنكار والتبرير، وكأنها تريد أن تمحو أثره بالكلام، مع أن الحقيقة لا تمحى إلا بالتوبة.

ثم تأتي الكلمة الفاصلة: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.

في هذه الجملة يتجلى قانون إلهي ثابت: أن ما يُخفى في صدور الناس لا يبقى خافيًا إلى الأبد. قد تتأخر الحقيقة، وقد يضطرب الناس في تحديدها، لكن الله عز وجل يخرجها في الوقت الذي يشاء، وبالطريقة التي يريدها، حتى تتبين البراءة من التهمة، والجاني من المدّعي.

وهنا يظهر ارتباط عجيب بين هذه الآية وقصة البقرة التي سبقتها؛ فالجريمة التي حاولوا إخفاءها هي التي كانت سببًا في الأمر بذبح البقرة، وكأن السورة تكشف أن الله لا يشرع الأحكام عبثًا، بل يربط الأحداث بعضها ببعض، حتى تنكشف الحقائق على أتم وجه.

إنهم قتلوا نفسًا، ثم اختلفوا في قاتلها، فكان التكليف الإلهي وسيلة لإظهار ما حاولوا كتمانه، لا مجرد حكم شرعي معزول عن الواقع.

وفي هذا بيان دقيق: أن الله قد يبتلي العباد بما يكشف به ما في داخلهم، لا ليعذبهم ابتداءً، بل ليظهر العدل، ويقيم الحجة، ويزيل التهمة عن الأبرياء.

وتأمل التعبير: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾.

لم يقل: اختلفتم فقط، بل تدافعتم، وكأن كل واحد يدفع عن نفسه التهمة بقوة، في مشهد يعكس اضطراب الضمير حين يحاول الإنسان الهروب من نتائج فعله.

لكن مهما طال التدافع، يبقى وعد الله: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.

فالحق لا يُدفن، والباطل لا يستقر، وإن تأخر ظهوره، لأن الله لا يترك دمًا يضيع، ولا حقًا يُطمس، ولا حقيقة تُمحى بضغط الجدل أو كثرة الادعاء.

وهكذا تتضح حكمة الربط بين هذه الآية وقصة البقرة: أن ما ظنوه مجرد تكليف غامض، كان في الحقيقة طريقًا لكشف جريمة مستترة، وأن ما بدا لهم تشديدًا في التكليف، كان في جوهره إقامةً للعدل وإظهارًا للحقيقة.

وفي هذا درس عظيم: أن أحكام الله ليست مجرد أوامر تُتلى، بل قد تكون مفاتيح لكشف ما تخفيه القلوب، وإظهار ما تتدافع عنه الألسنة، حتى يستقر العدل على أتم صورة.

إن الله إذا أراد شيئًا أظهره، ولو اجتمع الناس على كتمانه، وإذا شاء كشف الحق، جعل من أسبابه ما لا يخطر على بال.

ومن تمام السياق أن السورة تربط بين الذنب وكشفه، وبين التهمة وإظهار براءتها، لتؤكد أن الله لا يضيع عنده حق، وأن ما يُدفن في ظلمات الكتمان لا بد أن يخرجه نور الحق في الوقت الذي يشاء، ولو بعد حين.

ثم يقول عز وجل: ﴿ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [ البقرة: 73]

عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس – كما في تفسير ابن كثير- قال: “إن أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة حتى وجدوها عند رجل في بقر له، وكانت بقرة تعجبه، قال: فجعلوا يعطونه بها فيأبى، حتى أعطوه ملء مسكها دنانير، فذبحوها، فضربوه يعني القتيل بعضو منها، فقام تشخب أوداجه دما [ فسألوه ] فقالوا له: من قتلك؟ قال: قتلني فلان”.

بعد سلسلة طويلة من السؤال والتعنت، يصل المشهد إلى لحظة تتجاوز حدود الأسباب المألوفة، لتفتح باب القدرة الإلهية على مصراعيه:

﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾.

أمرٌ موجز، لكنه يحمل في طياته انقلابًا كاملًا على قوانين العادة؛ فالمقتول الذي أُخفيت جريمته، والبقرة التي شُدد في أوصافها، يجتمعان في لحظة واحدة لتكونا سببًا في إظهار الحقيقة وإحياء الميت.

إنها ليست مجرد تفاصيل حادثة، بل انتقال من عالم التدبير البشري المحدود إلى عالم القدرة الإلهية المطلقة، حيث تتحول الأسباب إلى وسائل لإظهار ما وراءها من حكمة.

فإذا بالميت يعود حيًا، لا بقدرة البشر، ولا بوسيلة معروفة، بل بأمر الله وحده الذي لا يعجزه شيء:

﴿كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ﴾.

وهنا ينتقل الخطاب من خصوص القصة إلى عموم العقيدة؛ فالمشهد الذي رأوه بأعينهم ليس مجرد حلٍّ لقضية قتل، بل آية كبرى تُذكّرهم بحقيقة البعث، وأن من أحيا نفسًا بعد موتها في الدنيا قادر على إحياء الخلق كلهم بعد الفناء.

إنه استدلال من المشاهد إلى الغيب، ومن الواقع إلى المستقبل، ومن القصة الجزئية إلى الحقيقة الكونية.

لكن القرآن لا يكتفي بعرض المعجزة، بل يكشف غايتها:

﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.

فالمقصود ليس مجرد الإبهار، بل الإيقاظ. ليس رؤية الحدث فقط، بل تحريك العقل ليفهم دلالته. فالعقل الذي لا يتفكر في الآيات يبقى أسير الظاهر، أما العقل الذي يتأملها فينتقل من مشاهدة الحدث إلى إدراك خالقه.

وفي هذا الموضع تتجلى حكمة عميقة في سياق القصة: أن كل ما مرّ من تفاصيل التعنت في السؤال، لم يكن عبثًا في السرد، بل كان تمهيدًا لإظهار هذه اللحظة العظمى؛ لحظة إحياء الميت، وكشف القاتل، وإقامة الحجة البالغة على القوم.

فما ظنوه تعقيدًا في التكليف، كان في الحقيقة طريقًا لكشف الحقيقة الكبرى، وما حسبوه مشقة في البحث عن البقرة، كان وسيلة لإظهار آية من آيات الله العظمى.

وهكذا تتكشف سنة من سنن الله في خلقه: أن ما يراه الناس تشديدًا قد يكون في باطنه رحمة، وأن ما يظنه العبد تعقيدًا قد يكون طريقًا إلى أعظم اليقين. وما أجمل الاطمئنان لحكمة الرحمن.

وفي قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ إشارة إلى أن المشكلة لم تكن في غياب الآيات، بل في غياب العقل المتدبر. فالعقل الذي لا يتأثر بالآيات لا ينتفع بكثرتها، بينما العقل الحي يكفيه مشهد واحد ليهتدي.

إنها لحظة تُعيد ترتيب المفاهيم: فالمعجزة لم تأتِ فقط لتُثبت القدرة، بل لتوقظ القلب، وتعيد الإنسان إلى أصل وظيفته: أن يعقل، لا أن يمر على الأحداث مرور الغافلين.

وهكذا تنتهي هذه الحلقة من القصة، وقد انتقلت من سؤالٍ عن بقرة، إلى كشف جريمة، إلى إحياء ميت، إلى تقرير أصل من أصول الإيمان بالبعث. وكأن القرآن يقول: إن طريق الهداية قد يبدأ بتكليف بسيط، لكنه ينتهي إلى أعظم الحقائق إذا صَدَق القلب في التلقي.

ومن أعجب ما يظهر في هذا السياق أن القصة لم تكن فقط لاختبار بني إسرائيل في الامتثال، بل كانت أيضًا لإظهار القدرة الإلهية في أبهى صورها، حتى تتجاوز القضية حدودها الجزئية إلى بناء يقين عام في مسألة البعث والحياة بعد الموت.

ثم يقول عز من قائل: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [ البقرة: 74]

تصل السورة في هذا الموضع إلى تصوير حال القلب حين يبتعد عن أثر الوحي، فلا تعود الآيات تُحرّكه، ولا المعجزات تُليّنه، ولا النعم تُوقظه:

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾.

كلمة “ثم” هنا ليست مجرد ترتيب زمني، بل هي فاصل بين مشهدين متناقضين: مشهد الآيات المتتابعة، والمعجزات المتجددة، وكشف الحقائق، ثم مشهد القلب الذي لم يزدد إلا صلابة. كأن كل ما سبق لم يترك فيه أثرًا، وكأن التاريخ كله مرّ عليه دون أن يحرّك فيه ساكنًا.

ثم تأتي الصورة القرآنية التي تُخرج المعنى من دائرة المجرد إلى عالم الحس:

﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.

ليست قسوة عادية، بل قسوة تُقاس بأصل الصلابة في الطبيعة: الحجر.

ثم يُزاد في البيان: بل قد تكون أشد. وهنا تتجلى عظمة التعبير القرآني في كشف الحقيقة دون مجاملة؛ فالقلوب التي خوطبت بالوحي، ورأت المعجزات، وعايشت الآيات، صارت في بعض أحوالها دون الجماد في قابلية التأثر.

لكن القرآن لا يقف عند حد التشبيه، بل يقلب الموازين ليكشف مفارقة مدهشة:

﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾.

فالحجر الذي يُضرب به المثل في القسوة، قد يكون في ذاته ألين من قلبٍ لا يتفجر منه خير. إن في الطبيعة جمادًا يتحول إلى مصدر حياة، تتفجر منه الأنهار، فيسقي الأرض ويحيي الموات، بينما القلب القاسي يبقى مغلقًا لا يفيض بعلم ولا رحمة ولا هداية.

ثم ينتقل التصوير إلى درجة أخرى:

﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾.

حجر يتصدع، فيخرج منه ماء. صورة تحمل معنى الانكسار الذي يتحول إلى حياة. كأن التشقق هنا ليس ضعفًا، بل بابٌ للرحمة. بينما القلب القاسي يظل متماسكًا ظاهريًا، لكنه ميت من الداخل، لا يخرج منه شيء.

ثم تأتي الصورة الأبلغ:

﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.

حجر يسقط من علٍ، لا بضغط طبيعي فقط، بل بخشية الله. فإذا كان الجماد في بعض تجلياته يتحرك خشوعًا، فكيف بقلبٍ خُلق ليعرف الله، ثم لا يتحرك ولا يلين؟

وهنا تنقلب الصورة رأسًا على عقب: فالقسوة الحقيقية ليست في الحجر، بل في القلب الذي فقد خاصية التأثر، فقد خشيته، حتى صار أقل استجابة من الجماد نفسه.

إنها مفارقة مقصودة لتأنيب الوعي: أن ما يظنه الإنسان في الطبيعة قسوةً قد يحمل في داخله حياةً وحركةً وخشية، بينما قلبه هو الذي بلغ من الجمود ما لا يبلغه الحجر.

ثم يُغلق المشهد بتهديد هادئ لكنه نافذ:

﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.

ليست القضية مجرد وصف لحالة قلبية، بل هي مراقبة إلهية دقيقة لكل أثر من آثار هذا الجمود. فالقلب الذي يقسو لا يغيب عن علم الله، ولا يخرج عن محاسبته، وإن تأخر الجزاء.

وفي هذا السياق تتجلى حكمة عظيمة: أن قسوة القلب ليست مجرد حالة شعورية، بل هي نتيجة تراكم من الإعراض بعد العلم، والتولي بعد الآيات، والتعنت بعد البيان. ولهذا جاءت في نهاية سلسلة طويلة من المواقف التي لم تُثمر فيهم لينًا، بل زادتهم غلظة.

ومن أعمق ما قيل في هذا الموضع ما أشار إليه بعض أهل العلم، ومنهم ابن القيم، أن الله لم يكتفِ بتشبيه القلوب بالحجارة، بل فضّل الحجارة عليها من وجوه: فالحجر قد يفيض منه الماء، وقد يتشقق فينفع، وقد يهبط من خشية الله، أما القلب القاسي فقد يُحرم هذه المعاني كلها.

وهكذا يتحول التشبيه من مجرد صورة بلاغية إلى ميزان دقيق يكشف مواقع القلوب من الحياة: قلب حيّ يتفجر منه الخير، وقلب يتشقق فينفع، وقلب يخشع فيلين، وقلب يقف جامدًا لا حياة فيه، ولا أثر، ولا رجاء فيه إلا أن يحييه الله عز وجل.

إنها آية لا تصف الماضي فقط، بل تضع معيارًا دائمًا: أن قيمة القلب ليست في صلابته، بل في قدرته على التأثر بالحق، وأن أعظم حياة للقلب أن يبقى قابلًا للانكسار بين يدي الله عز وجل.

ويبقى أخطر ما يجب أن يتحصن منه المؤمن: قسوة القلب!

هكذا تنتهي هذه الرحلة من التدبر لآيات الربع الرابع من سورة البقرة، كسلسلة واحدة متماسكة تكشف طبائع القلوب حين يشخص حالها الوحي.

بدأ المشهد من الحجر إلى الحجارة! بتسلسل بديع عظيم!

بنعمةٍ ظاهرة في التيه، حين استسقى موسى لقومه، فانفجرت لهم الحياة من حجرٍ صلد، وتفرّق الماء اثنتي عشرة عينًا، كأن الرحمة تُفصّل على قدر اختلافهم، ثم يُقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، فكانت النعمة مقرونة بالتحذير، والفضل مقرونًا بحدود لا تُتجاوز.

لكن القلب الذي لا يعرف الشكر، لا يلبث أن يضيق بالنعمة نفسها، فيبدّل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويختار مألوف الأرض على رزق السماء، فتُكتب عليه الذلة، ويبوء بغضبٍ من الله، لا لأن الطعام تغيّر، بل لأن القلب هو الذي انحرف عن ميزان التقدير. ومن قابل مقامات الشكر بالكبر، حُرم المعية والفضل.

ثم تُعرض عليهم الآيات، ويُرفع فوقهم الطور، ويُؤخذ عليهم الميثاق، ومع ذلك يتولّون من بعد ذلك، وكأن القلوب إذا لم تُمسكها التقوى من داخلها، لم تنفعها الجبال إذا رُفعت فوقها.

ثم تتوالى المشاهد: اعتداء في السبت، ومسخٌ بعد حيلة، وعبرةٌ تُجعل نكالًا لما بين يديها وما خلفها، حتى لا يكون التاريخ مجرد خبر، بل شاهدًا على سنن لا تتبدل: أن التحايل على أمر الله ليس دهاء ولا نجاة، وأن مخالفة حدوده لا تنتهي عند لحظتها.

ثم تأتي قصة البقرة، لا لتكون مجرد حكمٍ فقهي، بل لتكشف طبيعة النفس حين تُختبر: كيف يتحول الأمر الواضح إلى أسئلة متكلّفة لا تنتهي، وكيف يُستبدل الامتثال بالجدل، والطاعة بالتأجيل، حتى تضيق عليهم الأرض بما رحبت، لأن القلوب لم تُرِد أن تنقاد.

وكلما تأخروا خطوة، ضاق عليهم البيان خطوة، حتى انتهوا إلى وصفٍ دقيق لبقرةٍ لم يكن ينقصهم علمها، بل كانت تنقصهم إرادة الفعل من البداية.

ثم تُكشف الجريمة التي كانت أصل القصة: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾، فتتضح الحقيقة التي حاولوا دفنها، ويخرج ما كتموه إلى العلن، لأن الله لا يُبقي دمًا ضائعًا، ولا حقًا مخفيًا، ولا جريمةً مستترة إلى الأبد. وفي ذلك مواساة لأهل الحق والقصاص!

ثم تقع المعجزة التي تتجاوز حدود القصة: يُضرب القتيل ببعض البقرة فيحيا، ليُحل نزاع، وليُعلن أصل من أصول الإيمان: ﴿كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ﴾، وكأن القصة كلها كانت طريقًا لإيقاظ القلوب من موتٍ آخر لا يُرى.

لكن المفارقة الكبرى تأتي بعد كل ذلك: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾، وكأن كل ما سبق من آيات لم يترك في القلب أثرًا، حتى صار أشد من الحجر. ومع ذلك لم يُترك الحجر نفسه دون حياة، فالحجارة تتفجر منها الأنهار، وتتشقّق فيخرج منها الماء، وتهبط من خشية الله، أما القلب فإذا قسى، فقد يُغلق دون رجعة إلا أن يفتحه الله برحمته.

وهنا تتجلى الحقيقة النهائية التي تقود كل هذا السياق: أن القضية ليست في قلة الآيات، ولا في ضعف البيان، ولا في غموض التكليف، بل في قابلية القلب نفسه.

فالقلب الحي يكفيه دليل واحد فينقاد، والقلب المريض تُتلى عليه الآيات فلا يزداد إلا بعدًا، والقلب القاسي تمر عليه المعجزات فلا يزداد إلا صلابة.

ومن هنا يفهم العبد أن أعظم ما يُطلب منه ليس كثرة المعرفة فقط، بل سلامة التلقي؛ أن يستقبل أمر الله كما يستقبله العبد بين يدي سيده: بلا جدالٍ يُخرج الطاعة عن معناها، ولا تأخيرٍ يُفسد روحها، ولا اعتراضٍ يُطفئ نورها.

إن هذه السورة لا تقص علينا تاريخ أمةٍ مضت فحسب، بل تكشف لنا ملامح القلب في كل زمان: كيف يبدأ بالنعمة، ثم يضيق بها، ثم يجادل الوحي، ثم يتحايل على الأمر، ثم يطلب البيان بعد البيان، حتى إذا جاء الحق واضحًا، قال: الآن جئت بالحق!

وما بين بداية الربع ونهايته رسالة واحدة تتكرر بأشكال مختلفة: أن الهداية ليست كثرة معلومات، بل صدق انقياد، وأن النجاة ليست في كثرة السؤال، بل في حسن الامتثال، وأن القلب إذا لم يُسلِّم من أول الطريق، قد يضيع في تفاصيل الطريق إلى آخره.

فطوبى لقلبٍ إذا سمع ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ لم يحتج بعدها إلى كثير سؤال، ولا طول جدال، بل عرف أن بينه وبين ربه عهدًا لا يقوم على الفهم وحده، بل على التسليم أولًا، ثم يأتي الفهم تابعًا له. ولله الحكمة والأمر ولله الحمد والشكر، هدانا الله لأحسن القول والعمل.

وفي الختام، نسأل الله سبحانه أن يجعل ما قلناه وسمعناه حجةً لنا لا علينا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، ويعلِّمنا ما ينفعنا، ويزيدنا علمًا وهدىً واستقامة.

ثم صلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، إمام المتقين، وسيد الأولين والآخرين، الذي بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.

اللهم ارضَ عن أصحابه أجمعين؛ وعن أمهات المؤمنين، وعن المهاجرين والأنصار، وعن أهل بدر وأهل بيعة الرضوان، وأهل مؤتة ومن سار في مغازي النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه .. وعن سائر الصحابة الغرِّ الميامين، الذين حملوا هذا الدين، وبلَّغوا هذا النور، وجاهدوا في سبيلك حق الجهاد، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجمعنا بهم في جنات النعيم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x