مجالس تدارس القرآن: الربع الخامس من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد:

فما أشدَّ خطر أن يعرف الإنسان الحق ثم يعرض عنه، وأن يسمع كلام الله ثم يبدله، وأن تبلغه الحجة ثم يحول بينه وبينها هوى متبع أو حسد دفين! فليست المصيبة في الجهل دائمًا، وإنما قد تكون المصيبة الأعظم في علمٍ لا يورث خشية، ومعرفةٍ لا تقود إلى انقياد، ووحيٍ يُتلى ثم تُغلق دونه القلوب.

وفي هذا الربع من سورة البقرة يكشف القرآن صفحات مؤلمة من تاريخ بني إسرائيل؛ صفحاتٍ لا يُراد بها مجرد سرد الأخبار، وإنما يُراد بها أن ترى الأمة فيها مرآتها، وأن تبصر من خلالها مصارع الأمم حين يضعف تعظيم الوحي في النفوس. فها هنا قومٌ سمعوا كلام الله عز وجل، ثم حرفوا وبدلوا، وعرفوا الحق ثم كتموه، وجاءتهم البينات فلم تزدهم إلا عنادًا واستكبارًا، حتى صار الهوى حاكمًا على النص، والمصلحة مقدمة على الأمر الإلهي، والحسد حاجزًا بينهم وبين اتباع الهدى.

إنها آيات تهز القلب هزًّا، وتوقظ فيه الخوف من أن يكون للعبد نصيب من أخلاق من غضب الله عليهم؛ فلا يكفي أن يحمل المرء القرآن، ولا أن ينتسب إلى الإسلام، ولا أن يكثر من الأقوال والشعارات، ما لم يكن قلبه خاضعًا لله تعالى، مستسلمًا لوحيه، معظمًا لأمره ونهيه عز وجل.

ومن الآية الخامسة والسبعين إلى الآية الحادية والتسعين تتتابع مشاهد التحريف والكتمان والعناد، حتى تبلغ ذروتها في موقف قومٍ قيل لهم: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، فإذا بهم يردون دعوة الإيمان، لا لخفاء الحق، ولكن لأن الأهواء قد أغلقت أبواب القلوب. وهنا يقف المؤمن متأملًا خائفًا، يسأل ربه الثبات، ويتبرأ من كل خلق يحول بينه وبين التسليم الكامل لكلام الله تعالى.

قال الله جل جلاله: ﴿ ۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [ البقرة: 75]

هذه الآية تكشف أن أخطر الحجب بين العبد وبين الهداية ليس الجهل، وإنما فساد القصد بعد العلم.

وليست مجرد خبر عن قومٍ ضلّوا، بل هي كشفٌ مرعب للطريق الذي ينتهي بالإنسان إلى أبعد مسافةٍ بينه وبين الهداية، مع أنه كان قريبًا من الوحي، سامعًا لكلام الله عز وجل، عالمًا بمعناه، مدركًا لمراده.
وهنا مكمن الفزع في الآية: أن الخطر ليس دائمًا في الجهل، بل قد يكون في معرفةٍ لا تثمر خشية، وعلمٍ لا يقود إلى خضوع، وسماعٍ للوحي لا يورث صاحبه إلا مزيدًا من الجرأة على الله عز وجل.

يقول الله جل جلاله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾، وكأن الآية تهز المؤمنين هزًّا، وتوقظهم على حقيقة ما يواجهونه؛ فلا تتعلق القلوب بوهمٍ ساذج في قومٍ لم يكن يمنعهم من الإيمان غموض الحق، ولا ضعف الحجة، ولا خفاء البرهان، بل مانعهم شيء أعمق وأخطر: إنه فساد القلب إذا عرف الوحي ولم يخضع له.

إنها ليست آية تيئيس من هداية الخلق بإطلاق، فالهداية بيد الله تعالى، وقد يخرج من أصلاب العناد من يفتح الله قلبه للحق؛ لكنها آية تكشف أن هناك نوعًا من الناس إذا بلغ من قسوة القلب هذا المبلغ، ومن الجرأة على كلام الله هذا الحد، فإن المشكلة معه ليست في نقص البيان، بل في تعمد الإعراض بعد البيان.

﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾

يا لله… ما أعظمها من منزلة لو صدقوا!
يسمعون كلام الله جل جلاله… ليسوا بعيدين عن الوحي، ولا محرومين من النص، ولا فاقدين لمصدر العلم، بل هم في موضعٍ يتمنى المؤمن أن يكون فيه: يسمعون كلام الله، ويتلقون آياته، وتصل إليهم رسالته.
لكن الحقيقة، أن القرب من الوحي لا يكفي وحده ما لم يصحبه قلبٌ سليم.
فكم من إنسان تحيط به آيات الله من كل جانب، يسمع القرآن، ويحضر مجالس العلم، ويعرف النصوص، ويستطيع أن يتكلم عن الدين، لكنه لا يسجد لله قلبه، ولا ينكسر بين يديه، ولا يجعل من هذا العلم سلّمًا إلى الطاعة، بل قد يجعل منه سلاحًا يلوّي به المعاني، ويحتال به على الشرع، ويغطي به انحرافه.

هذه الآية تزلزل في النفس وهمًا خطيرًا: وهمَ أن مجرد القرب من العلم كافٍ للنجاة.
كلا، ليس كل من سمع انتفع، ولا كل من عرف اهتدى، ولا كل من حمل النص كان من أهله.

بل قد يكون الإنسان قريبًا من القرآن بلسانه، بعيدًا عنه بقلبه؛ يعرف ألفاظه ولا يعرف لله جل جلاله حقه، ويحسن الاستدلال به على الناس، لكنه لا يسمح له أن يحاكمه هو، أو يكسر كبرياءه، أو يفضح هواه.

﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ وهنا تنكشف الجريمة في أبشع صورها: لم يقفوا عند حد الإعراض، بل تجاوزوه إلى التحريف.
والتحريف ليس مجرد تبديل لفظٍ بلفظ، بل هو أوسع من ذلك وأخطر؛ هو كل إخراجٍ لكلام الله تعالى عن وجهه الذي أراده الله عز وجل: تحريفٌ بالتبديل، أو بالكتمان، أو بالتأويل الفاسد، أو بليّ النصوص حتى تخدم الأهواء، أو بإخفاء ما يوجب الانقياد، وإبراز ما يفتح أبواب التفلّت.

وهنا يشتد الخوف على القلب؛ لأن التحريف ليس جريمةً تقع بعيدًا عن النص، بل جريمة تقع داخل ساحة تتعلق بالوحي نفسه. إنه لا يعلن حربه على الدين من خارجه، بل يتسلل إليه من داخله، يلبس لباس العلم، ويتكلم بلسان الفهم، وربما ظنه الناس من أهل الهداية، بينما هو في الحقيقة يعبث بكلام الله تعالى ليوافق رغبةً في نفسه، أو دنيا يريدها، أو سلطانًا يخشى ضياعه، أو هوى لا يريد أن يتركه.

وما أشبه هذا الداء بما يقع في كل زمان؛ حين لا يُراد من النص أن يُتبع، بل أن يُستخدم.
حين لا يُفتح القرآن لطلب مراد الله، بل لطلب مخرجٍ من أمر الله.
حين لا يسأل العبد: ماذا يريد الله مني؟ بل يسأل: كيف أجعل النص يقول ما أريده أنا؟
وهنا تبدأ خيانة العلم، ويبدأ الانحراف الذي لا يفسد صاحبه وحده، بل يفسد من يتلقون عنه، ويُضلّ من يثقون به. وهل هناك خيانة أعظم من خيانة الله جل جلاله!

﴿مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾

وهنا تبلغ الآية ذروة التشنيع. فلم يحرفوه وهم يجهلون، ولم يبدلوا وهم لم يفهموه، ولم يضلوا لأن المعنى التبس عليهم، بل وقع التحريف من بعد ما عقلوه.
فقد فهموا الحق، وأدركوا المراد، وعرفوا وجه الكلام، ثم تعمدوا أن يصرفوه عن موضعه.
وهنا يسقط كل عذر، وتنهار كل ستارة؛ لأن الجناية لم تعد جناية خطأ، بل جناية خيانة مقصودة ومتعمدة.
إنها ليست زلةَ فهم، بل خيانة علم.
وليست عثرة اجتهاد، بل تعمد قلبٍ لم يرد الانقياد لله تعالى فاختار الاحتيال.

وهذا من أشد ما يجب أن يوقظ طالب العلم، والداعية، وكل من يتعامل مع كلام الله جل جلاله:
أن الخطر ليس فقط في أن تقول على الله بغير علم، بل أن تقول على الله بخلاف ما علمت.
أن تعرف موضع الحق، ثم تحرفه لمصلحة، أو مجاملة، أو خوف، أو عصبية، أو شهوة، أو انتصار للنفس.
وهنا تكون المصيبة أعظم؛ لأن صاحبها لا يفسد عن جهل، بل يفسد وهو يحمل في داخله نورًا كان يمكن أن يهديه لو صدق مع الله عز وجل.

﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾

هذه الكلمات الأخيرة كأنها المسمار الأخير في نعش الأعذار.
يعلمون أنهم يحرّفون. يعلمون أنهم يكذبون على الله تعالى. يعلمون أن ما يفعلونه ليس من الدين.
يعلمون أن هذا ليس مراد الوحي. يعلمون ما يستحقه من تجرأ على كلام الله عز وجل، ورغم كل ذلك، مضوا في طريق هواهم.

وما أقسى أن يبلغ القلب هذا الحد! أن يجتمع له العلم، ثم لا يردعه. أن يعرف، ثم لا يخشى.
أن يتبين له الحق، ثم لا يلين له. أن يكون الذنب عنده واضحًا، ومع ذلك يختاره وهو ينظر إليه!

هذه ليست مجرد معصية، بل منزلة مخيفة من قسوة القلب؛ منزلة يصبح فيها العلم شاهدًا على صاحبه لا قائدًا له، وتغدو الحجة عليه أتم، والبعد عنه أشد، لأنه لم يحرم النور، بل رأى النور ثم أدار له ظهره بملء إرادته!

وفي الآية درسٌ عظيم لكل من يظن أن العلم وحده يكفي

كثير من الناس إذا رأى المرء يحفظ، أو يقرأ، أو يتصدر، أو يملك أدوات البيان، ظن أنه بذلك في مأمن من الانحراف.
لكن القرآن هنا يقرر بوضوح أن العلم إذا لم يصحبه صدق مع الله عز وجل، وخشية، وتجرد، وخوف من مقام القول عليه، فقد ينقلب من أعظم النعم إلى أعظم الفتن.
بل إن فساد العالم أشد من فساد الجاهل؛ لأن الجاهل قد يضل نفسه فقط، أما العالم إذا خان علمه أضلّ معه أتباعًا، وفتح للباطل أبوابًا من داخل الدين، وزيّن للناس الانحراف باسم الفهم والتأويل.

ولهذا كان من أخوف ما في هذه الآية أنها لا تتحدث عن عوام ضلوا، بل عن فريقٍ يسمعون كلام الله ويعقلونه.
فإذا بلغ الخلل هذا الموضع، فإن أثره لا يقف عند صاحبه، بل يمتد إلى أمة كاملة، لأن العامة يتلقون دينهم عن هؤلاء، فإذا فسد المنبع فسد المورد، وإذا خان العالم النص خانت الأمة طريقها من حيث تشعر أو لا تشعر.

وهذا يفتح على المؤمن باب محاسبةٍ مهم جدًا، فليست القضية أن ندين بني إسرائيل ونمضي، بل أن نقف أمام الآية خائفين من نصيبٍ خفي من معناها في أنفسنا.
فهل عرفنا مراد الله في أمرٍ ما، ثم التففنا عليه؟
هل فهمنا النص، لكننا أوّلناه لأن تطبيقه على أنفسنا ثقيل؟
هل سمعنا الموعظة، وأدركنا أنها تمس موضع الداء فينا، ثم بدلاً من أن نتوب بدأنا نفتش عن مخارج، أو نهوّن الأمر، أو نصرف الكلام إلى غيرنا؟
هل نتفلت ونحتال على النص والوحي؟!

إن التحريف لا يكون دائمًا بالقلم واللسان فقط، بل قد يكون تحريفًا عمليًا حين يسمع القلب الأمر ثم يفرغ منه روحه، أو يقرأ النهي ثم يحتال على تجاوزه، أو يعرف حكم الله ثم يبحث عن الطريق الذي يبقي له شهوته مع شيء من راحة الضمير.
وهنا ينبغي أن يرتعد القلب؛ لأن العبد قد لا يكون من أهل التحريف الظاهر، لكنه قد يبتلى بشيء من روح التحريف إذا قدّم هواه على مراد الله عز وجل، أو جعل النص تابعًا لرغبته لا قائدًا لها. والكيّس الفطن يتحرز من الدخن وموجبات الزلل كما يتحرّز من كل انحراف وضلالة.

ولعل أهم ما يخرج به المؤمن من هذا المقام:

أن يسأل الله دائمًا قلبًا لا يخون ما علم.
قلبًا إذا سمع كلام الله خضع له، وإذا عقل مراده ازداد خوفًا من مخالفته، وإذا تبين له الحق لم يلوه ليوافق هواه، بل عارض هواه ليوافق الحق.
فالهداية ليست في كثرة ما تسمع، بل في مقدار ما تتأدب به مع ما تسمع.
وليست النجاة في وفرة النصوص من حولك، بل في أن يكون بينك وبين النص قلبٌ صادق، لا يتجرأ على تحريفه، ولا يعبث به، ولا يستخدمه ليبرر بعده عن الله عز وجل.

اللهم إنا نعوذ بك من قلبٍ يسمع كلامك ثم لا يخشع، ومن علمٍ لا يورثنا خوفًا منك، ومن فهمٍ نستخدمه لنتفلت من أوامرك بدل أن نقبل عليها، ومن نفسٍ تعرف الحق ثم تحرّفه أو ترده أو تفر منه.
اللهم اجعل القرآن في قلوبنا سلطانًا لا تابعًا، ونورًا لا حجة علينا، واجعلنا ممن إذا سمعوا كلامك عقلوه فآمنوا به، وانقادوا له، وعظّموه، ولم يجعلوا لأهوائهم عليه سبيلًا.

ومما يجب أن نخرج به من فهم لهذه الآية أن ليس كل من عرف الحق اهتدى، وإنما يهتدي من عرف الحق وعظَّمه وخضع له؛ فالعلم حين تحفه الخشية يكون سلّمًا إلى الجنة، وحين يفتقد لهذه الخشية ينحدر بصاحبه إلى النار.

ثم قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [ البقرة: 76]

هذه الآية تفتح بابًا واسعًا للتأمل في أمراض القلوب، ولا سيما مرض النفاق والخوف من الحق. ويا لها من مأساة للإنسان حين يعرف الحق ويخاف منه!

فلم يكن هؤلاء يجهلون الحقيقة، بل كانوا يخشون ظهورها. كانوا يعلمون أن محمداً ﷺ نبي حق، ويعرفون أوصافه في كتابهم، لكنهم لم يبحثوا عن سبيل للنجاة، بل بحثوا عن سبيل لإخفاء ما يعلمون. وهنا تتجلى إحدى أعظم المآسي البشرية؛ أن يتحول العلم من جسر إلى الهداية إلى عبء يحاول صاحبه الهروب منه، وأن يصبح الحق الذي ينبغي أن يُفرح به الإنسان خصمًا يخشاه ويكتمه.

والنفاق في حقيقته ليس كذب اللسان فقط بل ازدواج الروح!

﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾.

إنها صورة لقلب فقد استقامته؛ وجهٌ للمؤمنين، ووجهٌ آخر لأهل الباطل، وكلامٌ في العلن، وكلامٌ في الخفاء. والنفاق عبارة عن انقسام داخلي تعيشه النفس حين تعجز عن الوقوف مع الحق وقفة صادقة. ولذلك كان المنافق أشقى الناس؛ لأنه لا يهنأ بالحق الذي تركه، ولا يطمئن إلى الباطل الذي تمسك به.

ولذلك أيضا يعتبر أهل العلم من علامات انتكاس القلب أن ينشغل بحيل إخفاء الحجة بدل اتباعها.

فقد كان الواجب عليهم إذا وجدوا الدليل أن يسارعوا إلى الإيمان، لكنهم بدل ذلك انشغلوا بكيفية منع الدليل من الوصول إلى الناس. فصار همهم ليس البحث عن الحق، وإنما إخفاء الحق. وهكذا يفعل الهوى بصاحبه؛ فإذا عجز عن رد الحجة حاول حجبها، وإذا لم يستطع إبطال النور سعى إلى إطفائه. فتأمل هذه المراوغة بقلة أدب مع الله تعالى وكأن الله لا يراه!

كانوا يوصي بعضهم بعضًا بالكتمان، ويخافون أن تصل الحقيقة إلى المؤمنين، وكأنهم يظنون أن الحق يعيش بحراستهم أو يموت بكتمانهم. لكن سنة الله تعالى أن النور يخرج ولو أحاطت به الظلمات، وأن الحق يبقى حقًا ولو اجتمعت الألسن على إنكاره. فكم من حقيقة حاول أهل الباطل دفنها فكانت محاولاتهم نفسها سببًا في انتشارها.

قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية:”وأصل “الفتح” في كلام العرب: النصر والقضاء، والحكم. يقال منه: “اللهم افتح بيني وبين فلان”، أي احكم بيني وبينه, ومنه قول الشاعر:

ألا أبلــغ بنــي عُصْــمٍ رسـولا
بـــأني عــن فُتــاحَتكم غنــي

ويقال للقاضي: “الفتاح” ومنه قول الله عز وجل: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) [ الأعراف: 89] أي احكم بيننا وبينهم.

فإذا كان معنى الفتح ما وصفنا، تبين أن معنى قوله: (قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم) إنما هو أتحدثونهم بما حكم الله به عليكم، وقضاه فيكم؟ ومن حكمه جل ثناؤه عليهم ما أخذ به ميثاقهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم, وبما جاء به في التوراة. ومن قضائه فيهم أن جعل منهم القردة والخنازير, وغير ذلك من أحكامه وقضائه فيهم. وكل ذلك كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به، حجةً على المكذبين من اليهود المقرين بحكم التوراة، وغير ذلك [من أحكامه وقضائه].

فإذ كان كذلك. فالذي هو أولى عندي بتأويل الآية قول من قال: معنى ذلك: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من بعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى خلقه؟ لأن الله جل ثناؤه إنما قص في أول هذه الآية الخبر عن قولهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه: آمنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم; فالذي هو أولى بآخرها أن يكون نظير الخبر عما ابتدئ به أولها.

وإذا كان ذلك كذلك, فالواجب أن يكون تلاومهم، كان فيما بينهم، فيما كانوا أظهروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه من قولهم لهم: آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به. وكان قيلهم ذلك، من أجل أنهم يجدون ذلك في كتبهم، وكانوا يخبرون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. فكان تلاومهم -فيما بينهم إذا خلوا- على ما كانوا يخبرونهم بما هو حجة للمسلمين عليهم عند ربهم. وذلك أنهم كانوا يخبرونهم عن وجود نعت محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم، ويكفرون به, وكان فتح الله الذي فتحه للمسلمين على اليهود، وحكمه عليهم لهم في كتابهم، أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث. فلما بعث كفروا به، مع علمهم بنبوته”.

﴿لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ﴾. هذا ما كانوا يصنعون!

وصاحب الحق يفرح بالدليل، ويزداد به طمأنينة وثباتًا، أما صاحب الباطل فيخاف من البرهان كما يخاف المجرم من الشاهد. ولذلك لم يخشوا السيوف ولا الجيوش، وإنما خافوا كلمة حق تقيم الحجة عليهم. وما ذاك إلا لأن الفطرة تعلم أن الحجة إذا قامت انقطع العذر.

وتأمل هذه المفارقة العجيبة في هؤلاء القوم! كيف يؤمنون باليوم الآخر ويتواصون بالاحتيال على ما يؤمنون!

يقولون: ﴿لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ﴾ وهذا إقرار ضمني بأن هناك يومًا يقفون فيه بين يدي الله تعالى، وأنهم مؤمنون به! ومع ذلك استمروا في الكتمان والتحريف. وهذه من أعجب تناقضات النفوس؛ أن تؤمن بالعقوبة ثم تسير إليها، وأن تعلم بالوقوف بين يدي الله ثم تتزود لما يسخطه. فالخطر ليس في غياب المعرفة، بل في غياب أثر المعرفة على القلب.

وإن من أعظم العقوبات أن يصبح الإنسان خصمًا للحقيقة التي يعرفها.

لقد كانوا يعلمون أوصاف النبي ﷺ، ويعرفون صدقه، ومع ذلك وقفوا في صف المكذبين. وهنا تبلغ الخسارة ذروتها؛ حين يتحول الإنسان من شاهد للحق إلى محارب له، ومن دليل عليه إلى ساتر له، ومن داعٍ إليه إلى حاجز بين الناس وبينه.

وكأن الآية تمهد لما بعدها: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. فما قيمة الأسرار إذا كان الله يراها؟ وما قيمة المجالس المغلقة إذا كان الله يسمعها؟ وما قيمة الأقنعة إذا كان الله يعلم ما وراءها؟ إن أعظم ما يردع القلب عن النفاق أن يستحضر نظر الله إليه في خلواته قبل جلواته.

وليس كل من قال “آمنا” مؤمنًا حقا!

فاللسان قد ينطق بما لا يعتقده القلب، وقد تخرج الكلمة سهلة من الفم بينما القلب أبعد ما يكون عنها. ولذلك لم يجعل الله ميزان الإيمان مجرد الدعوى، بل جعل ميزانه الصدق والثبات والانقياد. فكم من كلمة “آمنا” نطقتها الألسن والشفاه ولم تعرف طريقها إلى القلب.

وهذا مقام خشية عظيم، لأن أشد الناس حسرة يوم القيامة من قامت عليه الحجة من فمه!

فالإنسان قد يجادل يوم القيامة عن نفسه، وقد يبحث عن الأعذار، لكن ماذا يصنع إذا كانت الأدلة التي تدينه خرجت من لسانه هو؟ ولهذا خافوا أن تكون اعترافاتهم حجة عليهم. وكل عبد ينبغي أن يخاف من كلمة يقولها اليوم ثم يجدها غدًا مكتوبة في صحيفته شاهدة له أو شاهدة عليه.

ولعل من أبلغ ما يستفاد من هذه الآية: أن صاحب الباطل لا يخاف من ظهور الحق لأن الحق ضعيف، بل لأنه يعلم في قرارة نفسه أن الحق أقوى منه، وأنه إذا ظهر سقطت كل الأعذار التي قد يتشدق بها. وإن للحق لهيبة حتى في نوفس محاربيه!

ثم يقول عز من قائل: ﴿ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [ البقرة: 77]

ما أعجب جرأة العبد على ربه!

وليس العجب من ذنبٍ وقع فيه الإنسان تحت سلطان الشهوة، وإنما العجب من إنسان يعلم أن الله يراه ثم يعصيه، ويعلم أن الله يسمعه ثم يكذب، ويعلم أن الله مطلع على قلبه ثم ينافق ويخادع. ولهذا جاء الاستفهام القرآني موبخًا: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾، وكأن القرآن يتعجب من حال قوم نسوا أعظم حقيقة في الوجود: أن الله لا تخفى عليه خافية.

وأصل الاستقامة مراقبة الله عز وجل.

لذلك فإن الكثير من الناس يحسن سلوكه إذا رآه الناس، ويتجمل إذا أحاطت به العيون، لكن المؤمن الحق هو الذي يستقيم حين يغيب الخلق؛ لأنه يعلم أن عين الله لا تغيب. فمتى استقر في القلب أن الله يعلم السر والنجوى، صارت الخلوة كالجلوة، وصار العبد يستحي من ربه أكثر مما يستحي من الناس.

ولو استحضر المرء يقينًا أن الله يسمع همسه، ويرى حركته، ويعلم ما يدور في صدره، لكان ذلك من أعظم ما يرده عن المعصية. وما وقع هؤلاء في التحريف والكتمان والنفاق إلا لأن أثر هذا العلم غاب عن قلوبهم، وإن كانوا يقرون به بألسنتهم. فكم من حقيقة يعلمها العقل ولكن القلب لا يعيشها!

قد يرى الناس ابتسامة على الوجه، بينما يمتلئ القلب حقدًا. وقد يسمعون كلمات الإيمان، بينما يضمر القلب الكفر. وقد يظنون الصلاح فيمن تزين لهم، بينما يعلم الله خفايا النفوس ودخائلها. ولهذا كان ميزان السماء مختلفًا عن موازين الأرض؛ فالخلق يحكمون على المظاهر، أما الله فيحكم على السرائر.

ومن أهم ما تربينا الآية عليه معرفة أن أخطر أنواع الجهل أن تنسى إحاطة الله بك.

فليس الجهل أن تجهل مسألة من مسائل الدنيا، وإنما الجهل الحقيقي أن تغفل عن نظر الله جل جلاله إليك. ولهذا جاء التوبيخ الإلهي: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾. لأن من استحضر علم الله لم يجرؤ على تحريف حق، ولا كتمان شهادة، ولا خداع مؤمن، ولا تلبيس باطل. وكلما ضعف هذا المعنى في القلب ازداد العبد جرأة على المعاصي. وأكثر الناس حياء من الله تعالى أكثر استقامة وأدبًا.

وقد يظن الناس أن الأبواب المغلقة تسترهم، وأن الظلام يحجبهم، وأن الهمسات الخافتة تضيع، لكن الله يعلم ما هو أخفى من ذلك كله. يعلم الكلمة قبل أن تنطق بها الشفاه، ويعلم النية قبل أن تتحول إلى عمل، ويعلم الخاطر قبل أن يستقر في النفس. فما من سر إلا وهو عند الله مكشوف، وما من خبيئة إلا وستظهر يوم تبلى السرائر.

وأعظم ما يربي الإخلاص استحضار هذه الآية!

فالذي يعمل لأجل الناس يحتاج إلى الناس ليثنوا عليه، أما المخلص فيكفيه علم الله به. والذي يترك المعصية خوفًا من الناس يضعف إذا غابوا، أما الذي يتركها خوفًا من الله عز وجل فإنه يحمل رقيبه معه حيثما كان. ولذلك كانت مراقبة الله تعالى من أعظم منازل السائرين إليه، وهي ثمرة الإيمان بأن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون.

والآية ليست مجرد خبر عن علم الله جل جلاله، بل هي تهديد ضمني لكل من أخفى باطلًا أو أضمر شرًا. فما دام الله يعلم السر، فإن السر لن يبقى سرًا إلى الأبد. سيأتي يوم تخرج فيه الخفايا، وتتكلم الصحائف، وتشهد الجوارح، وتنكشف النيات على رؤوس الأشهاد. يومها لا ينفع التستر، ولا تنفع الأقنعة، ولا تنفع الحيل.

وهذه الآية ترسم لنا الفرق بين المؤمن والمنافق.

فالمنافق يسمع أن الله يعلم السر والعلانية فيخاف انكشاف أمره أمام الناس، أما المؤمن فيسمعها فيخاف مقام ربه، ويزداد حياءً منه، ويجتهد في إصلاح قلبه. لأن القضية ليست مجرد الإيمان، وإنما أثر هذا الإيمان في السلوك والقلب.

فإذا أردت صلاح قلبك فأكثر من استحضار هذا المعنى!

رددها على نفسك في خلواتك، وعند شهواتك، وعند غضبك، وعند حديثك مع الناس: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. فإن القلب إذا امتلأ بهذا اليقين رقَّ، وخشع، واستقام، وأصبح صاحبه يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يعلم أن الله يراه. وتلك حقيقة الإحسان.

ومن أبلغ ما يستفاد من هذه الآية: أن المعصية لا تبدأ حين تتحرك الجوارح، بل تبدأ حين يضعف في القلب استحضار نظر الله إليه، فإذا عظم علم الله في قلب العبد صغرت عنده كل شهوة، وكل خوف، وكل رياء.

ثم يقول عز وجل: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [ البقرة: 78]

هذه الآية من أخطر الآيات في بيان آفة الجهل والتقليد الأعمى، وهي لا تتحدث عن اليهود وحدهم، بل تكشف سنة تتكرر في كل أمة تبتعد عن الوحي.

ولم يذم الله هؤلاء لأنهم لا يكتبون ولا يقرؤون فحسب، وإنما ذمهم لأنهم لا يعرفون كتاب ربهم معرفة تهديهم إلى الحق. فقد يكون الإنسان أميًا لا يقرأ حرفًا واحدًا، لكنه يعرف ربه ويهتدي بوحيه، وقد يحمل أعلى الشهادات ويعيش جاهلًا بأمر الله عز وجل. فالمصيبة ليست في أمية اليد، بل في أمية القلب والعقل.

وقد يكون الكتاب بين يديك وأنت أبعد الناس عنه!

﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾.

و “التمني” في هذا الموضع كما ذكر الطبري، هو تخلق الكذب وتخرصه وافتعاله. يقال منه: “تمنيت كذا “، إذا افتعلته وتخرصته. ومنه الخبر الذي روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: “ما تغنيت ولا تمنيت “، يعني بقوله: “ما تمنيت”، ما تخرصت الباطل، ولا اختلقت الكذب والإفك.

وكم من إنسان يقرأ القرآن منذ سنوات طويلة، لكن نصيبه منه مجرد ألفاظ تجري على اللسان، دون تدبر أو فهم أو عمل! فالقرآن لم ينزل ليُتلى فقط، وإنما نزل ليقود الحياة ويهدي القلوب. وإذا تحول الوحي إلى عادة شكلية لا توقظ القلب، فقد اقترب العبد من المعنى الذي ذم الله به هؤلاء.

ثم الفراغ لا يبقى فارغًا؛ فإذا خرج العلم دخل الوهم، وإذا غابت البصيرة حضرت الخرافة. ولذلك حين لم يكن عندهم علم يقيني، امتلأت نفوسهم بالأماني الكاذبة: أمنيات النجاة بلا عمل، وأمنيات المغفرة بلا توبة، وأمنيات الجنة مع الإصرار على المعصية. وهكذا يفعل الشيطان دائمًا؛ يعوض الناس عن الحق بالأحلام، وعن العمل بالأماني الحالمة.

﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.

وما أكثر الذين يعيشون على الموروثات والعادات والأقوال المنتشرة، دون أن يسألوا: هل هذا حق أم باطل؟ وهل هذا من الوحي أم من كلام الناس؟

إن أخطر أنواع الجهل أن يظن الإنسان أنه على علم وهو في الحقيقة أسير للظنون والأوهام.

والتقليد الأعمى يصنع أجيالًا لا تعرف الحق بنفسها!

لقد كان العلماء يحرفون، والعوام يصدقون دون بحث أو نظر، ففسد الجميع. ولهذا لا يرضى الإسلام للمسلم أن يكون مجرد نسخة مكررة من بيئته أو مجتمعه، بل يدعوه إلى البصيرة والتدبر والنظر في الأدلة. فالعبد سيقف وحده بين يدي الله، ولن تنفعه حجة: “وجدت الناس على هذا”.

وأخذل الناس لنفسه من باع عقله لغيره!

إن هؤلاء لم يكونوا يعرفون كتابهم، وإنما كانوا يتلقون دينهم من أفواه الرجال دون تمحيص. وكل أمة تسلم عقولها للأشخاص دون الرجوع إلى الوحي مهيأة للضلال مهما رفعت من شعارات العلم والدين. فالعقول خلقت لتتبع الحق الذي يحمله الأشخاص، لا لتتبع الأشخاص على أنهم الحق!

وهنا نبصر أحد أخطر أساليب الشيطان، فهو لا يقول للإنسان دائمًا: اعص الله، بل قد يقول له: أنت بخير، والله غفور، وستتوب لاحقًا، والصالحون سيشفعون لك، وأنت أفضل من غيرك. وهكذا يعيش الإنسان على رصيد من الأماني حتى يفجأه الموت قبل أن يحقق شيئًا منها. ولذلك جاء القرآن ليهدم الأماني ويبني مكانها العمل.

والجنة لا تُنال بالتمني، والعلم لا يُنال بالتمني، والاستقامة لا تُنال بالتمني. إنما تنال بالصدق والمجاهدة والعمل. ولهذا كان السلف يقولون: “ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل”. فكل أمنية لا تدفع صاحبها إلى طاعة الله هي خدعة متنكرة في ثوب الرجاء.

ومن أعظم نعم الله أن يرزقك اليقين!

ففرقٌ عظيم بين من يعيش على الظنون، ومن يعيش على اليقين. الأول يتقلب مع كل شبهة، ويضطرب مع كل فتنة، أما صاحب اليقين فثابت كالجبل؛ لأنه بنى إيمانه على الوحي لا على الأوهام، وعلى الدليل لا على التقليد، وعلى المعرفة لا على الظن.

وهذه الآية دعوة إلى تدبر القرآن لا مجرد الاكتفاء بتلاوته.

فليس المقصود أن نكثر القراءة فقط، بل أن نقرأ لنفهم، ونفهم لنعمل، ونعمل لننجو. أما أن يتحول القرآن إلى ألفاظ محفوظة بلا أثر في السلوك والقلب، فذلك حرمان عظيم. وأخشى ما يخشاه المؤمن أن يكون له من كتاب الله حروفه دون هدايته، وأصواته دون نوره، وتلاوته دون أثره.

وفي الآية معنى خطير! إنها تقرر حقيقة مخيفة: كل أمة يفسد علماؤها ويغفل عوامها تسير نحو السقوط!

فالآيات السابقة كشفت فساد المحرفين من العلماء، وهذه الآية كشفت غفلة المقلدين من العامة. فإذا اجتمع التحريف من الأعلى والتقليد من الأسفل ضاع الحق بين الفريقين. ولهذا كان صلاح الأمة مرهونًا بعلماء صادقين يبينون الحق، وعامة يطلبون الدليل ولا يكتفون بالشعارات.

ولعل من أبلغ ما يستفاد من الآية: أنه إذا غاب العلم الصحيح، لم يبق في القلب إلا الأماني، وإذا سكنته الأماني ماتت فيه العزائم؛ فكم من أناسٍ ضيعوا أعمارهم وهم يحلمون بالجنة، ولم يسيروا خطوة واحدة في طريقها.

ثم يقول عز وجل: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [ البقرة: 79]

اختلف المفسرون في معنى كلمة (ويل) فقال الشوكاني: الويل مرتفع على الابتداء، أي: أنها مبتدأ، وهي أصلاً نكرة لمفعول، لكن ساغ أن يبتدأ بها لأنها بمعنى الدعاء، والمعنى: خزي، أو عذاب، أو هلكة، أو واد في جهنم.

وقال الطبري: (الويل هو الوادي يسيل من صديد أهل النار وقيحهم).

وقيل: هي كلمة عذاب وهلاك، وقد وردت هذه الكلمة أيضاً في قوله تعالى في سورة الجاثية: {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الجاثية:٧].

وهي بشكل عام، كلمة تدل على الهلكة وعلى الوعيد الشديد.

وجاءت في مقام التحذر من الكذب على الله تعالى لأنه ليس بعد الكذب على الله ذنب أعظم!

فهناك من يكذب على الناس، وهناك من يظلمهم أو يخدعهم، لكن هذه الآية تتحدث عن جريمة أعظم من ذلك كله؛ أن يضع الإنسان كلامًا من عند نفسه ثم ينسبه إلى الله عز وجل. ولذلك لم يبدأ الله بذكر الذنب، بل بدأ بالوعيد: ﴿فَوَيْلٌ﴾، وكأن هول الجريمة سبق وصفها. فما أعظم جرأة عبدٍ يتكلم باسم الله بغير علم، أو ينسب إلى الشرع ما ليس منه، أو يلبس على الناس دينهم!

وأخطر تحريف هو الذي يلبس ثوب الدين.

فالباطل إذا ظهر عاريًا نفر الناس منه، لكن الخطر كل الخطر حين يلبس الباطل لباس الوحي، ويُقدَّم للناس على أنه دين الله. فهؤلاء لم يكتفوا بكتابة الباطل، بل أضافوا إليه جريمة أخرى: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. وهكذا كان المفسدون في كل زمان؛ لا يروج باطلهم إلا إذا غطوه بشعارات الحق ولباس الدين.

والدنيا كلها لا تساوي أن يُحرَّف لأجلها حكم من أحكام الله عز وجل.

﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.

تأمل كيف وصف الله تعالى الثمن بالقلة، مع أن الناس قد يرونه مالًا كثيرًا أو سلطانًا واسعًا أو شهرة عظيمة. لكنه قليل لأنه زائل، وقليل لأنه يفنى، وقليل لأنه لا يساوي لحظة واحدة من عذاب الله. فكل ما يؤخذ مقابل بيع الدين، مهما عظم في أعين الخلق، فهو عند الله ثمن قليل.

وما أكثر الذين يبيعون الحق بثمن قليل وهم لا يشعرون.

فليس البيع دائمًا بالمال، فقد يبيع المرء الحق من أجل منصب، أو جاه، أو شهرة، أو تصفيق الجماهير، أو رضا الناس. وكم من كلمة حق سكت عنها أصحابها خوفًا على مصالحهم أو أهوائهم، وكم من باطل زُيِّن للناس طمعًا في دنيا فانية وشهوة آنية. وكل ذلك داخل في معنى الآية بقدر ما فيه من تقديم الدنيا على مرضاة الله عز وجل.

ونبصر في معاني هذه الآيات معنى مهم جدا، فالقلم قد يكون أخطر من السيف.

لذلك خص الله الكتابة بالذكر فقال: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾. لأن الكلمة المكتوبة تبقى، وتنتقل بين الأجيال، وقد تضل بها أمم كاملة. ولهذا كان فساد العالم بالقلم أعظم من فساد الجاهل باللسان؛ لأن أثر اللسان قد ينتهي، أما أثر الكتابة فقد يبقى بعد موت صاحبها بقرون.

وكذلك المعصية قد تنتهي، لكن آثارها قد تستمر.

قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾. فالأول وعيد على الفعل نفسه، والثاني وعيد على آثاره ونتائجه. ولذلك فإن صاحب البدعة أو التحريف لا يحمل وزر كلمته فقط، بل يحمل أوزار كل من ضل بها إلى أن يشاء الله. وما أخطر أن يموت الإنسان بينما ذنوبه لا تزال تتكاثر في صحيفته كل يوم.

وأعظم الخسارة أن تجعل العلم وسيلة للدنيا.

فالعلم من أشرف العطايا، لكن هؤلاء جعلوه وسيلة لجمع المال والرئاسة والجاه. فبدل أن يكون العلم طريقًا إلى الله تعالى، جعلوه سلعة في سوق الدنيا. ولا عجب أن كان السلف يخافون أشد الخوف من طلب العلم لغير الله، لأن فساد العالم أخطر من فساد الجاهل.

ولم يكتف القرآن بويل واحد، بل قال: ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم﴾ ثم أعادها: ﴿وَوَيْلٌ لَّهُم﴾. وكأن العذاب يتبع العذاب، والوعيد يتلو الوعيد. لأن الجريمة مركبة: تحريف، وكذب على الله، وإضلال للناس، وأكل للأموال بالباطل. وإذا اجتمعت هذه الجرائم استحقت هذا التهديد المتكرر.

وأخطر الناس على الأمة من يتكلم باسم الشرع وهو يطلب الدنيا.

فالجاهل يضل نفسه، أما المحرف فيضل نفسه ويضل غيره. والجاهل قد يتوقف أثره عند شخصه، أما صاحب المنبر أو القلم أو الفتوى إذا باع دينه بدنيا غيره، فقد يفسد أجيالًا بأكملها. ولهذا اشتد وعيد الله على علماء السوء أكثر من وعيده على كثير من العصاة.

وهكذا نرى كيف تربينا هذه الآية على واجب أن يراقب المسلم نيته كلما تكلم في دين الله تعالى.

فما جاءت به هذه الآية من وعيد، يجعل المؤمن يرتعد من الجرأة على الفتوى والكلام في الشرع بغير علم. وليس السؤال فقط: هل ما أقوله صحيح؟ بل أيضًا: لماذا أقوله؟ هل أبتغي وجه الله أم أبتغي حظًا من الدنيا؟ فإن فساد النية قد يحول العلم إلى وبال على صاحبه.

ثم ما تكتبه اليوم ستلقاه غدًا لا محالة.

﴿مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.

كم يكتب الإنسان في حياته من كلمات ومقالات ورسائل وتعليقات! وقد ينساها كلها، لكنها لا تُنسى عند الله تعالى. فكل كلمة خطتها اليد ستعود يوم القيامة شاهدة لصاحبها أو عليه. فطوبى لمن ترك وراءه علمًا نافعًا وحقًا مبينًا، وويل لمن ترك باطلًا يتناقله الناس ويتفلتون به بعد موته.

ثم لا يكفي أن يكون الكلام مؤثرًا، بل يجب أن يكون حقًا.

فكثير من الناس ينبهرون بحسن العبارة وقوة الأسلوب وكثرة المتابعين، بينما الميزان عند الله شيء آخر: هل هذا من الحق أم من الباطل؟ وهل يدل على الله أم يصرف عنه؟ ولذلك لم يكن جرم هؤلاء في جودة ما كتبوا، بل في كونهم نسبوه إلى الله زورًا وبهتانًا. نعوذ بالله من ضلالهم وظلمهم وفتنتهم.

ثم يقول جل في علاه: ﴿ وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [ البقرة: 80]

قال أبو جعفر رحمه الله: “يعني بقوله: (وقالوا)، اليهود, يقول: وقالت اليهود: (لن تمسنا النار)، يعني لن تلاقي أجسامنا النار ولن ندخلها،” إلا أياما معدودة “. وإنما قيل ” معدودة ” وإن لم يكن مبينا عددها في التنـزيل، لأن الله جل ثناؤه أخبر عنهم بذلك وهم عارفون عدد الأيام، التي يوقتونها لمكثهم في النار. فلذلك ترك ذكر تسمية عدد تلك الأيام، وسماها ” معدودة ” لما وصفنا”.

وقال عكرمة: خاصمت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا إليها قوم آخرون، يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على رءوسهم: “بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم إليها أحد” . فأنزل الله: ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) الآية.

إن من أعجب ما يفسد القلوب أن يعيش الإنسان مطمئنًا إلى النجاة وهو مقيم على أسباب الهلاك. قالوا: ﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾ وهذه ليست مجرد دعوى، بل هي صورة لقلبٍ صنع لنفسه أمانًا وهميًا ليهرب من حقيقة الحساب. وهكذا يفعل الإنسان حين يفر من مسؤولية عمله إلى أحلام النجاة، فيستبدل الخوف من الله بأمنية زائفة لا تقوم على دليل.

والقرآن يضع الحد الفاصل بين طريقين: طريق لا يُنال فيه الأمن إلا بعهد من الله، وطريق يُبنى على الأماني. ولذلك جاء الرد الإلهي حاسمًا: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا﴾. فالأمان الحقيقي لا يصنعه الإنسان لنفسه، بل يُعطى لمن وفى بعهد الله. أما من اخترع لنفسه وعدًا بلا دليل فقد خادع نفسه قبل أن يخدع غيره.

وليس في الآية مجرد خطأ في التقدير، بل جرأة على القول على الله بلا علم. فأن ينسب الإنسان إلى الله حكمًا أو وعدًا دون دليل، هو من أعظم أبواب الفساد في الدين. ولذلك جاء الاستفهام توبيخيًا: إما عهد من الله، وإما افتراء عليه. ولا ثالث بين الحق والباطل حين يتعلق الأمر بكلام الله جل جلاله.

ومن أخطر ما يفتك بالقلب أن يطمئن قبل أن يقدم عمله. فالخوف من الله يدفع إلى التوبة، أما الأمن الكاذب فيدفع إلى التمادي. وهؤلاء جمعوا بين إساءة العمل وبين ادعاء النجاة، فكانوا كمن يمشي إلى النار وهو يظن أنه في طريق الجنة. وكل من أمن مكر الله على غير بينة فقد ولج مستنقعا خطيرًا من الغرور.

والدين ليس مساحة يتشكل فيها الأمل بحسب رغبة الإنسان، بل هو وحي يُتبع. لكن حين ينفصل القلب عن الدليل، يصبح الإنسان يختار لنفسه ما يريده من مصير، فيقول: لن يصيبنا إلا الخير، ولن تمسنا النار إلا قليلًا، وكأن الآخرة تخضع لأحلام البشر لا لعدل الله تعالى. وهنا ينكشف الانحراف: بتحويل الحقائق الإلهية إلى أماني نفسية.

ولم يرد الله على دعواهم بنفي مباشر فقط، بل بقاعدة عامة: أن النجاة لا تكون بالانتماء ولا بالدعوى، وإنما بالإيمان والعمل. فمن حمل السيئات وأحاطت به خطيئته فلا ينفعه انتساب ولا أماني. وهكذا يُغلق باب الوهم، ويُفتح باب الحقيقة: من أراد النجاة فليتبع مسارها.

﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ليست المشكلة في الخطأ الهين الذي قد يحدث في حياة الإنسان من صنيع يديه، بل في نسبة الحكم إلى الله بغير علم. فكل من تحدث باسم الدين بلا برهان، أو أفتى بلا دليل، أو زعم في الشرع ما لا يعرف، فهو داخل في هذا التحذير بقدر جرأته. والخطر هنا أن الكلام لا يُنسب إلى الإنسان، بل إلى الله جل جلاله.

وكلما ضعف اليقين في القلب امتلأ بالأماني. فالمؤمن الحق يخاف ويرجو ويعمل، أما صاحب الوهم فيستبدل العمل بالتمني، والحقيقة بالظن، واليقين بالتصورات. ولذلك لم يكن اعتراض القرآن على مجرد قولهم، بل على المنهج الذي صنع هذا القول: منهج بناء الدين على الرجاء الكاذب بدل الدليل الصادق.

هذه الآية تهدم كل ادعاء بالاستثناء الذاتي من الحساب. فلا أحد يملك أن يحدد لنفسه مدة عذاب أو ضمان نجاة دون وحي من الله. وكل من ظن أنه خارج ميزان الحساب الإلهي فقد وضع نفسه في وهم خطير. فالله لا يُحكم عليه، بل هو الحاكم.

وأشد ما يفسد القلب أن يخطئ ثم يطمئن أن خطأه لن يُحاسب عليه. فالمصيبة ليست فقط في المعصية، بل في تزيينها للنفس بالأمن الكاذب. ولهذا جاءت الآية تهدم هذا الجدار النفسي أولًا، قبل أن تتحدث عن المصير. ولا أقبح من المعصية مثل تهوين المعصية وتزيينها.

والخوف من الله إذا كان صادقًا قاد إلى التوبة، أما الأمن الزائف فيقود إلى الغفلة. وهؤلاء لما أمنوا بلا دليل، سقطوا في التمادي بلا حدود. فالقلب لا يستقيم إلا إذا بقي بين الخوف والرجاء، لا بين الغرور والاطمئنان الكاذب.

ولعلنا نخرج هنا بأهم خلاصة: إن أبرز ما تكشفه الآية هو أن الإنسان قد يهلك لا لأنه لا يعرف الحق، بل لأنه يختار أن يعيش في وهمٍ يريحه عن الحق. فكم من أمنية كانت أخطر على صاحبها من ذنب، لأنها صرفته عن التوبة، وألبسته ثوب النجاة وهو يسير إلى الهلاك.

ثم يقول تعالى: ﴿ بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [ البقرة: 81]

بعد أن أبطل الله دعوى اليهود: ﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، جاء الجواب الحاسم: ﴿بَلَى﴾. فكأن القرآن يهدم قصور الأماني بكلمة واحدة. فليس في الآخرة مجاملة لأحد، ولا محاباة لأمة، ولا استثناء لجنس أو نسب، وإنما هي أعمال وحقائق. وكم من إنسان يعيش على أحلام النجاة وهو لم يقدم لها سببًا!

وقول الله تعالى ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.

تعبير مخيف؛ فالله لم يقل: “عمل خطيئة”، بل قال: “أحاطت به”. أي أصبحت الخطيئة سورًا يطوق قلبه من كل جانب، فلا يرى حقًا إلا كذبه، ولا يسمع موعظة إلا أعرض عنها. تبدأ المعصية نقطة سوداء، ثم تتسع حتى تستولي على القلب كله إن لم يتداركها العبد بالتوبة.

والمعصية العارضة شيء، أما الخطيئة التي تحيط بصاحبها فشيء آخر. إنها حالة يصبح فيها الإنسان أسيرًا لذنبه، يفكر به، ويعيش له، ويدافع عنه، ويغضب من أجله. فلا يعود الذنب فعلًا يقع منه، بل هوية يعيش بها. وهذا من أعظم الخذلان.

ولهذا جمع الله بين السيئة وبين إحاطة الخطيئة بصاحبها. فالكفر في حقيقته ليس مجرد خطأ فكري، بل انقياد القلب للباطل حتى يغلق على نفسه أبواب الهداية. ولذلك كانت الذنوب إذا تراكمت قد تقود صاحبها إلى أعظم الذنوب وأخطرها.

روى الإمام أحمد  عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ فجاء ذا بعودٍ وذا بعودٍ، حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه”.

ثم لم يقل الله تعالى: اليهود أو غيرهم، وإنما قال: ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. فالحكم متعلق بالوصف لا بالانتساب. وهذه من أعظم قواعد القرآن؛ أن النجاة والهلاك لا يدوران حول الأسماء والألقاب، بل حول حقيقة الإيمان والعمل.

وذكر الله لفظ ﴿كَسَبَ﴾، لأن الكسب يدل على تعمد وسعي. فكأن صاحبها لم يقع فيها عرضًا، بل طلبها وسعى إليها ورضي بها. وهذا يبين أن الهلاك ليس بسبب زلة عابرة، وإنما بسبب طريق اختاره الإنسان لنفسه وأصر عليه حتى لقي الله به.

فإذا أحاطت الخطيئة بالقلب لم يعد يرى الحق حقًا. قد يسمع الآيات، وتبلغه المواعظ، ويرى البراهين، ومع ذلك يبقى معرضًا. ليس لأن الدليل ناقص أو لم يتضح، بل لأن القلب أصبح محاصرًا بالخطيئة. ولذلك كان السلف يخافون من الذنب واستدراجه أكثر من خوفهم من العقوبة وألمها؛ لأن الذنب قد يحرم صاحبه التوبة نفسها.

ثم كيف وصفهم الله تعالى؟ قال جل جلاله: ﴿فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾.

ففي الدنيا يصاحب الإنسان من يحب، أما في الآخرة فيصاحب ما اختارته أعماله. فمن لازم المعصية لازمته النار، ومن لازم الطاعة لازمته الجنة. وسميت النار صاحبة لهم لأنهم ألفوا أسبابها في الدنيا حتى صارت رفيقهم في الآخرة.

والخلود في النار لم يكن ظلمًا لهم، بل كان ثمرة حياة كاملة قامت على الكفر والإعراض. فمن عاش رافضًا للهداية حتى مات عليها، فقد اختار طريقه بنفسه. ولذلك يقرر القرآن أن الجزاء امتداد للعمل، لا أمر منفصل عنه.

والمؤمن قد يذنب، لكنه لا يرضى بالذنب ولا يستسلم له. أما الخطر الحقيقي فهو أن يصبح الذنب مألوفًا حتى لا يشعر صاحبه بقبحه. فإذا رأيت قلبك يتألم عند المعصية فاحمد الله؛ فذلك دليل حياة القلب. أما إذا زال الألم وصارت المعصية عادة لا تحرك في النفس ندمًا، فهنا موضع الخوف، فكيف إن أصبح المرء يبرر الذنب ويلتف على التوبة بالاحتيال؟!! فذاك طريق الهلاك ونقض الغزل!

وما دام الذنب لم يحط بالقلب كله فباب النجاة مفتوح. ولذلك كان من رحمة الله أن جعل التوبة تهدم ما قبلها، وأن جعل نور الإيمان قادرًا على اختراق حصون الذنوب مهما عظمت. فالخطر ليس في كثرة الذنوب فقط، بل في الإصرار عليها حتى تستولي على القلب.

الآية السابقة تحدثت عن أناس قالوا: لن تمسنا النار، وهذه الآية تحدثت عن الحقيقة التي تنتظرهم. وهكذا دائمًا؛ الأماني تصنع عالمًا وهميًا، أما القرآن فيعيد الإنسان إلى الواقع. فلا تنفع دعوى بلا عمل، ولا أمنية بلا برهان، ولا رجاء بلا طاعة.

والخلاصة المهمة من هذه الآية: أن الذنب لا يهلك صاحبه حين يفعله أول مرة، وإنما يهلكه حين يسكن قلبه، ثم يحيط به، ثم يصبح جزءًا من هويته؛ عندها لا يعود يحمل الخطيئة، بل تصبح الخطيئة هي التي تحمله. والعياذ بالله!

ثم يقول جل جلاله: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [ البقرة: 82]

عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس: “( والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) أي من آمن بما كفرتم به، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها. يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله، لا انقطاع له أبدا” .

وهكذا بعد أن أبطل الله تعالى أوهام اليهود وأمانيهم الكاذبة، بيَّن الطريق الحقيقي للنجاة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. فكأن القرآن يقول: ليست الجنة بالانتساب، ولا بالألقاب، ولا بالأماني، وإنما بالإيمان الصادق والعمل الصالح. فالطريق إلى الجنة ليس سرًّا خفيًا، بل هو واضح لكل من أراد النجاة.

ولم يكتف الله تعالى بذكر الإيمان وحده، بل قرنه بالعمل الصالح. لأن الإيمان الحقيقي لا يبقى حبيس القلب، بل يظهر أثره على الجوارح والسلوك. فكما أن الشجرة الحية لا بد أن تثمر، فكذلك القلب الحي بالإيمان لا بد أن يثمر طاعة واستقامة وخيرًا.

وفي الآية رد على كل من يظن أن مجرد الانتساب إلى الإسلام أو حب الصالحين يكفي للنجاة. فالله لم يقل: والذين انتسبوا، ولا قال: والذين تمنوا، وإنما قال: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. فالإيمان الذي لا يدفع صاحبه إلى الطاعة إيمان ناقص الأثر ضعيف البرهان.

وكل عمل لا يُراد به وجه الله فهو مردود، وكل عمل لا يكون على هدي رسول الله ﷺ فهو مردود. ولذلك فإن العمل الصالح ليس ما استحسنه الناس، وإنما ما كان خالصًا لله موافقًا لشرعه. فكم من جهد عظيم ضاع لأنه فقد الإخلاص، وكم من عمل أبطله صاحبه لأنه خالف السنة.

ومهما عمل العبد فلن يبلغ بعمله ثمن الجنة، ولكن الله برحمته جعل الأعمال أسبابًا للفوز بها. ولذلك فإن المؤمن يجمع بين الاجتهاد في الطاعة وبين الشعور بالفقر إلى رحمة الله. يعمل وكأنه لن ينجو إلا بعمله، ويرجو وكأنه لن ينجو إلا برحمة ربه.

﴿أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾.

كما سمى الله أهل النار أصحاب النار، سمى أهل الإيمان أصحاب الجنة. والصاحب هو الملازم. فمن لازم الطاعة في الدنيا لازمته الجنة في الآخرة. وما أجملها من صحبة! صحبة لا يعقبها فراق، ولا يكدرها حزن، ولا يهددها موت.

قد ينال الإنسان في الدنيا شيئًا يحبه ثم يخشى زواله. أما في الجنة فقد قطع الله هذا الخوف بقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. فلا مرض، ولا موت، ولا فراق، ولا نهاية. إنها سعادة لا يخالطها قلق، ونعيم لا يتبعه حرمان.

كما أن الكافر لما أصر على كفره استحق الخلود في النار، فإن المؤمن لما ثبت على الإيمان والعمل الصالح استحق الخلود في الجنة. فالجزاء من جنس العمل، والثبات في الدنيا يقود إلى النعيم الدائم في الآخرة.

ولما ذكر الله أهل النار وعاقبتهم، أتبع ذلك بذكر أهل الجنة. لأن القرآن يربي القلوب بالخوف والرجاء معًا. فلا يترك المؤمن يائسًا من رحمة الله، ولا يجعله آمنًا من مكره. بل يسير إلى الله بين جناحي الخوف والرجاء.

كل ركعة، وكل دمعة، وكل صدقة، وكل كلمة طيبة، وكل صبر على الطاعة أو عن المعصية، ليست أعمالًا تضيع هباءً، بل هي لبنات تُبنى لك في دار الخلود. والمؤمن حين يستحضر هذا المعنى تهون عليه مشاق الطريق. فنحن نبني بسعينا بالطاعات في الأرض لأنفسنا في الجنة!

وفي الآية السابقة: ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾، وفي هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. إنه فرق بين قلب استسلم للخطيئة حتى أحاطت به، وقلب استسلم لله فقادته طاعته إلى الجنة. وما بين المصيرين إلا اختيار الإنسان في هذه الحياة.

وهذه الآية تهدم كل دعوى جوفاء فارغة، وتبني في المقابل قاعدة النجاة الخالدة: إيمان صادق، وعمل صالح، وثبات حتى الممات. فمن حقق ذلك فله وعد الله الذي لا يتخلف، ومن أصدق من الله قيلًا؟

ومن أبلغ ما يستفاد من الآية: أنه إذا كانت الخطيئة قد أحاطت بأهل النار فأوردتهم الهلاك، فإن الإيمان والعمل الصالح يحيطان بالمؤمن من كل جانب حتى يسلماه إلى أبواب الجنة؛ فكل إنسان تحيط به في الدنيا أشياء، فطوبى لمن أحاطت به طاعة الله قبل أن يحيط به أجله.

ثم يقول تعالى ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ﴾ [ البقرة: 83]

تأمل هذا الميثاق العظيم؛ بدأ بالتوحيد، وخُتم بالصلاة والزكاة، وتوسطته حقوق الخلق. إنها ليست أوامر متفرقة، بل منهج حياة كامل. ولذلك كانت هذه الوصايا من الثوابت التي لم تتغير بتغير الشرائع، لأنها تقوم عليها سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.

﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾.

بدأ الله الميثاق بالتوحيد؛ لأن كل خير بعده فرع عنه، وكل فساد في الأرض يرجع إلى الإخلال به. فالقلب إذا استقام على عبادة الله استقامت جوارحه، وإذا فسد توحيده لم تنفعه الأعمال مهما كثرت. ولذلك كان أول ما دعا إليه الأنبياء جميعًا: أن يُعبد الله وحده لا شريك له.

ثم ما إن ذكر الله حقه حتى ثنى بحق الوالدين، وكأن القرآن يريد أن يقول: من عرف فضل الله ثم جحد فضل والديه فقد خان معاني الوفاء. فكم سهرا لينام أبناؤهما، وكم تعبا ليستريحوا، وكم بذلا من أعمارهم وأموالهم ومشاعرهم! ولذلك لم يأمر الله بالعدل مع الوالدين فقط، بل أمر بالإحسان، والإحسان أوسع من العدل وأجمل.

﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾.

كثير من الناس يحسن إلى البعيد ويقصر في حق القريب. لكن الإسلام يبدأ بإصلاح الدائرة الأقرب؛ لأن الأقارب أولى الناس بالبر والصلة والعطف. ومن أعظم الخذلان أن يجد الإنسان لينًا مع الغرباء وقسوة مع أرحامه. وهذا مما ينبغي الانتباه له في زماننا لكثرة ما عمّ الجفاء في بيوت المسلمين.

وقد خص الله اليتامى بالذكر لأنهم فقدوا السند الذي يحتمي به الأطفال عادة. وكل مجتمع يضيع أيتامه يعلن إفلاسه الأخلاقي. ولذلك كان الإحسان إلى اليتيم ليس مجرد صدقة، بل بناء لإنسان مكسور القلب يحتاج إلى من يعوضه شيئًا من فقده. وجعل الله تعالى كفالة اليتيم مهمة المجتمع لا منة فيها ولا أذى، بل حقه بين المسلمين.

﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾.

قد يحتاج المسكين إلى لقمة، وقد يحتاج إلى كلمة، وقد يحتاج إلى شعور بأنه إنسان له كرامة ومكانة. ولذلك فإن الإحسان إليه لا يقتصر على إعطائه المال، بل يشمل حفظ كرامته وصيانة مشاعره. فكم من صدقة جرحت قلب فقير أكثر مما أسعدته. ويأسرك الخطاب القرآني الذي يعتني بكرامة الإنسان ويعتني بتفاصيل أداء الواجب وإيفاء الحقوق، حتى يصنع مجتمعا آمنا مطمئنا.

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.

لم يقل للمؤمنين فقط، ولا للصالحين فقط، بل قال: ﴿لِلنَّاسِ﴾. أي لجميع الناس. فالأصل في لسان المؤمن أن يكون مصدر رحمة، لا مصدر أذى. كلمة طيبة قد تفتح قلبًا مغلقًا، وقد تجبر نفسًا مكسورة، وقد تكون سببًا في هداية إنسان أو إدخال السرور عليه.

وليس كل الناس يملكون الإنفاق على الآخرين، لكن كل الناس يستطيعون أن يحسنوا الكلام. ولهذا جاء الأمر بالقول الحسن عامًا؛ لأن أبواب الإحسان لا تنحصر في المال. قد تكون ابتسامة أو دعاء أو تشجيعًا أو مواساة أعظم أثرًا من كثير من الأموال. فما أجمل هذا الهدي وما أعظم هذا الدين الذي يعتني بالإحسان في دقائق تفاصيله!

ثم بعد ذكر حقوق الخلق عاد الخطاب إلى أعظم شعيرتين: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. فالصلاة صلة بين العبد وربه، والزكاة صلة بين العبد والناس. الأولى تطهر القلب من الشرك، والثانية تطهر النفس من الشح. وإذا صلحت علاقة الإنسان بالله وبالخلق فقد اكتملت أركان الاستقامة.

وتأمل كيف أن كل ما في الآية واضح لا غموض فيه: توحيد، وبر، وصلة، ورحمة، وكلمة طيبة، وصلاة، وزكاة. ومع ذلك قال: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾. فكثير من الناس لا يضل لأنه لا يعرف الحق، بل لأنه لا يريد أن يلتزمه. والمصيبة ليست في خفاء الطريق، بل في الإعراض عنه بعد معرفته.

والجاهل قد يتعلم، أما المعرض فقد عرف ثم أعرض. ولذلك كان ذمهم شديدًا؛ لأنهم لم يتركوا الميثاق جهلاً به، بل بعد أن أُخذ عليهم وتأكد لهم. وكلما ازداد علم الإنسان ازدادت مسؤوليته أمام الله.

﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنكُمْ﴾.

فيها بشارة لكل متمسك بالحق إذا كثرت الفتن. فليس العبرة بالكثرة، بل بالثبات. قد ينحرف جمهور الناس، وقد يضيع الميثاق بين الأكثرين، لكن الله يحفظ دائمًا طائفة صادقة تقوم بالحق وتثبت عليه. وفي ذلك إشارة خفية على أولوية الاهتمام بالجودة والجدوى لا بالأعداد والكثرة. على الاهتمام بالإخلاص وموجبات القبول لا شهرة بين الناس وأرتال المصفقين!

﴿وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ﴾.

لم يقل: أعرضتم فقط، بل وصفهم بالإعراض وصفًا مستمرًا. فالمشكلة لم تكن في زلة عابرة، وإنما في خلق متأصل. والخطر على الإنسان ليس أن يقع في التقصير مرة، بل أن يتحول التقصير إلى منهج، والغفلة إلى عادة، والإعراض إلى صفة ملازمة.

وهذه الآية ميزان لصلاح الفرد والمجتمع، فإذا أردت أن تعرف مقدار استقامة شخص أو أمة فانظر إلى هذه المعالم: توحيد صحيح، وبر للوالدين، وصلة للأرحام، ورعاية للضعفاء، ولسان طيب، وصلاة قائمة، وزكاة مؤداة. فإذا ضعفت هذه المعاني فاعلم أن الأمة بدأت تفقد ميثاقها مع الله.

ولعل من أهم ما يُقال في خلاصة الآية: أن الله قد جمع في آية واحدة حقه، وحق الوالدين، وحق الأقارب، وحق الضعفاء، وحق الناس جميعًا، ثم جمع وسائل حفظ ذلك كله في الصلاة والزكاة؛ فمن ضيع هذا الميثاق بعد وضوحه، فلم يضل لأنه لم يجد الطريق، وإنما لأنه أعرض عنه.

ثم يقول عز وجل: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [ البقرة: 84]

في تفسير ابن كثير للآية، يقول تبارك وتعالى منكرا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج، وهم الأنصار، كانوا في الجاهلية عباد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع. وبنو النضير حلفاء الخزرج. وبنو قريظة حلفاء الأوس. فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينه ونص كتابه، ويخرجونهم من بيوتهم وينهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكوا الأسارى من الفريق المغلوب، عملا بحكم التوراة!

وهذه الآية من أعظم الآيات في تقرير حرمة الدماء ووحدة الأمة، وفيها من المعاني التربوية والإيمانية ما يهز القلوب إذا تدبرته حق التدبر.

والدماء ليست قضية فرعية في الدين,

فقد بدأ الله هذا الميثاق بقوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾.

فأول ما أخذه الله عليهم بعد أصول الدين الاجتماعية هو صيانة الدماء. لأن العمران لا يقوم مع استباحة القتل، ولا تبقى أمة يستهان فيها بدم الإنسان. ولذلك كانت الدماء من أعظم الحرمات عند الله، حتى إن قتل نفس واحدة بغير حق جريمة تهتز لها الأرض والسماء.

قال سبحانه: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾.

فجعل دم أخيك دمك، وجعل إخراجه من داره إخراجًا لنفسك.

وفي هذا تربية عظيمة على شعور الأمة الواحدة؛ فالمؤمن لا يرى مصيبة أخيه بعيدة عنه، ولا يعتبر أذى إخوانه شأناً لا يعنيه، بل يشعر أن الجرح الذي يصيبهم يصيبه، وأن الألم الذي ينزل بهم ينزل به.

ولهذا كان الاعتداء على المسلمين اعتداءً على جسد الأمة كله.

وحين يسفك الإنسان دم أخيه فإنه لا يدمر حياة غيره فقط، بل يدمر قلبه وإيمانه وآخرته.

ولذلك عبّر القرآن بقوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾.

وكأن القاتل في الحقيقة يوجه السلاح إلى نفسه قبل أن يوجهه إلى ضحيته؛ لأنه يوردها موارد الهلاك يوم القيامة.

﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾.

جمع الله بين القتل والإخراج من الديار؛ لأن الإنسان لا يعيش بجسده فقط، بل يعيش بذكرياته وأهله وموطنه وأرضه.

ولذلك كان التهجير والاقتلاع من الأوطان من أعظم صور الظلم بعد القتل، لأن فيه تمزيقًا للحياة وتشريدًا للأسر وتحويلًا للإنسان إلى غريب بعد أن كان آمنًا مطمئنًا.

والإبعاد عقاب قاسٍ جدًا، وقد ذكره القرآن الكريم في آية (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ) (النساء: 66)؛

فساوى الله سبحانه بين الموت وبين الإخراج من الديار لما فيه من مصاب جلل ومؤلم.

والميثاق لم ينه عن القتل فقط، بل نهى عن كل ما يؤدي إلى تمزيق الجماعة.

فالخصومات، والتحزبات الظالمة، والعصبيات الجاهلية، وإثارة الأحقاد بين الناس؛ كلها طرق تؤدي في النهاية إلى سفك الدماء وتخريب المجتمعات.

ولهذا يبدأ الهدم غالبًا بكلمة، ثم ينتهي بدم. وكم من مغفّل لا يدري ما يحدثه من فساد بتعصبه وجهالته وإخلاصه الدين لغير الله عز وجل. ويحسبه هينا وهو عند الله عظيم!

وقيمة العهد عند الله عظيمة ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾.

فالمشكلة لم تكن في الجهل بالحكم، بل في نقض العهد بعد معرفته.

فالإنسان قد يخطئ عن جهل، لكن الخطر أن يعلم الحق ثم يخالفه عمدًا.

ولهذا ذكر الله إقرارهم وشهادتهم ليقيم عليهم الحجة الكاملة، فلا يبقى لهم عذر عند الله.

لقد عرفوا الحكم، وأقروا به، وشهدوا عليه، ثم نقضوه.

وهنا الدرس العظيم: ليس الشأن أن تعرف الحق، بل أن تثبت عليه.

فكم من إنسان يحفظ النصوص، ويعرف الأحكام، ويعظ الناس، ثم تأتي المصلحة أو الهوى أو العصبية فتغلب ما علمه.

واليهود كانوا يعلمون حرمة قتل بعضهم بعضًا، لكنهم شاركوا في الحروب بسبب الأحلاف والعصبيات.

فقدّموا الولاء للحلف والمصلحة على الولاء لأمر الله. وهذه آفة تتكرر في كل زمان؛ حين يصبح الانتماء للحزب أو القبيلة أو الجماعة أقوى من الانتماء للحق.

وما من أمة انهارت إلا وسبق انهيارها استهانة بالدماء.

فإذا صار القتل أمرًا معتادًا، وسهل على الناس تبريره، وسكتوا عن الظلم الواقع على إخوانهم، بدأت أسباب السقوط تدب في جسد الأمة وإن بدت قوية من الخارج.

﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾.

كل علم تعلمته، وكل آية سمعتها، وكل موعظة أثرت في قلبك؛ ستتحول يوم القيامة إلى شاهد لك أو عليك.

فليس السؤال: هل بلغك الحق؟ بل السؤال: ماذا فعلت بعد أن بلغك؟

وهذه الآية تعلمنا أن المؤمن لا يعيش لنفسه فقط.

فإذا جاع أخوه تألم، وإذا ظلم حزن، وإذا هُجّر تأثر، وإذا قُتل شعر أن شيئًا من جسده قد أصيب.

ولهذا جاء التعبير القرآني المدهش: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ ولم يقل: دماء غيركم. ليغرس في النفوس أن الأمة جسد واحد، وأن ما يقع على جزء منها يقع على الجميع.

وهذه الآية تذكرنا أن الدين ليس مجرد شعارات تُرفع، بل مواثيق تُوفى. فالمؤمن الصادق هو الذي إذا عاهد صدق عهده، وإذا علم عمل بعلمه، وإذا أقر بالحق ثبت عليه، لا الذي يقر بلسانه ثم ينقض بفعله.

وخلاصة الآية: إن الله أراد لأمة الإيمان أن تكون أمةً تصون الدماء، وتحفظ الأوطان، وتعظم العهود، وتشعر بوحدة المصير؛ فمن رأى دم أخيه كدمه، وبيته كبيته، وحقه كحقه، في أي أرض كان، فقد فهم شيئًا من مراد الله في قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ﴾.

ثم قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [ البقرة: 85]

وبّخ الله تعالى بني إسرائيل لأنهم أخذوا من شريعتهم ما وافق مصالحهم وتركوا ما خالف أهواءهم؛ ففادوا الأسرى امتثالًا لبعض الكتاب، لكنهم قبل ذلك قتلوا إخوانهم وأخرجوهم من ديارهم مخالفةً لنصوصه. وفي هذا تحذير للمؤمن من أن يجعل الدين تابعًا لرغباته، فيقبل ما يوافق هواه ويعرض عما يشق عليه.

وقوله تعالى: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ يقرر أن المؤمن الصادق ينقاد لأوامر الله كلها، لأنه يعبد الله لا هواه. أما من انتقى من الدين ما يريده وترك ما لا يريده، فقد شابه أهل الكتاب في هذا المسلك الخطير.

وقال تعالى: ﴿ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ ولم يقل: تقتلون إخوانكم؛ لأن المؤمنين بمنزلة النفس الواحدة. فكل اعتداء على مسلم هو اعتداء على جسد الأمة كله، وكل إفساد بين المسلمين هو جرح في جسد واحد.

قال تعالى: ﴿ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾. فقد يحمل التعصب أو المصالح أو التحالفات بعض الناس على نصرة الباطل، لكن المؤمن يقف مع الحق ولو خالف قومه أو جماعته أو مصالحه، لأن الولاء للحق مقدم على كل ولاء.

ولم ينفع اليهود أنهم كانوا يفادون الأسرى؛ لأنهم خالفوا أوامر أعظم منها. وفي هذا تنبيه إلى أن كثرة بعض الأعمال الصالحة لا تبرر الإصرار على المعاصي أو الظلم أو ترك الواجبات.

فهم كانوا يرون فداء الأسير واجبًا، لكنهم لم يروا أن قتله أو إخراجه من دياره يناقض ذلك. وهكذا يفعل الهوى بصاحبه؛ يعميه عن التناقضات الواضحة، فيجمع بين أمور لا تجتمع لو حكم الشرع والعقل. وفي ذلك تنبيه للحذر ممن يأخذون بعض الكتاب ويتركون بعضه، يظهرون الالتزام بجانب من الدين وهم يحاربون الجانب الآخر منه! كمن يتصدق وهو يسفك الدماء المعصومة ظلما وعدوانا، فهذا كفعل بني إسرائيل المغضوب عليهم!

قال تعالى: ﴿ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾. فالذنوب لا تؤخر عقوبتها كلها إلى الآخرة، بل قد يعجل الله لصاحبها بعض العقوبة بسببها، وقد تكون ذلًا أو فرقة أو اضطرابًا أو فقدانًا للبركة، جزاءً له على مخالفته.

فمن أعرض عن هدي الله قد يخسر سعادته في الدنيا، ثم يلقى العقوبة في الآخرة، ولذلك كان أعظم المكاسب هو الاستقامة على أمر الله في السر والعلن.

وختمت الآية بقوله تعالى: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾؛ ليتأكد أن الله يعلم الظواهر والبواطن، ويعلم من يطيع إخلاصًا ومن يطيع انتقاءً ومصلحةً، فلا يخفى عليه شيء من أعمال العباد.

فكلما عظّم الناس نصوص الوحي كلها، وتركوا الانتقاء والتحزب والهوى، اجتمعت كلمتهم وقويت شوكتهم. أما إذا صار كل فريق يأخذ من الدين ما يخدم مصلحته، فإن الفرقة والخزي يكونان من النتائج المحتومة. ولا يجمع الناس كالبنيان المرصوص شيء في هذه الدنيا كاجتماعهم على الوحي وعلى منهج النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذه الآية تحذر من أخطر أبواب الانحراف، وهو التعامل مع الدين بمنطق الاختيار والانتقاء، فتأخذ النفس ما يوافق رغبتها وتترك ما يخالفها. والنجاة إنما تكون بالتسليم الكامل لله، والانقياد لجميع أوامره، والوقوف مع الحق دون تحيز أو هوى.

ثم يقول تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [ البقرة: 86]

وصف الله حالهم بقوله: ﴿ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ﴾، وكأنهم أجروا تجارة استبدلوا فيها الباقي بالفاني، والنعيم الدائم بالمتاع الزائل. وكل من قدم هواه على أمر الله عز وجل فقد دخل في شيء من هذا المعنى بقدر مخالفته.

لقد خالف اليهود أوامر الله تعالى محافظةً على مصالح دنيوية وتحالفات قبلية، فكانت النتيجة أنهم خسروا الدنيا والآخرة. وهذا يذكر المؤمن بأن الدين هو الأصل، وأن أي مكسب دنيوي يأتي على حساب طاعة الله هو خسارة مهما بدا في الظاهر ربحًا.

ظنوا أنهم يحققون لأنفسهم مكانة أو قوة أو مصلحة عاجلة، لكن الله أخبر أن عاقبتهم الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة. وهكذا غالبًا ما تكون نهاية من يبيع المبادئ لأجل المصالح المؤقتة.

آثروا نصرة أحلافهم خشية العار، فاختاروا معصية الله على ما يتوهمونه من مصلحة أو مكانة. وهذا يبين أن الهوى إذا تمكن من القلب قد يدفع صاحبه إلى قرارات يعلم خطأها لكنه يقدمها على الحق.

ولما استهانوا بأمر الله ولم يعظموا الآخرة، جاء الوعيد الشديد: ﴿ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ ﴾. فمن استهان بحق الله ولم يبال بعاقبة فعله، استحق العقوبة التي لا يجد فيها تخفيفًا ولا راحة.

في الدنيا كان اليهود يعتمدون على أحلافهم وتحالفاتهم، أما في الآخرة فقال الله: ﴿ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ﴾. فكل أسباب القوة الدنيوية تنقطع يوم القيامة، ولا يبقى للعبد إلا إيمانه وعمله الصالح.

من تأمل الآية أدرك أن المشكلة لم تكن في قلة العلم فقط، بل في سوء التقدير؛ فقد باعوا النعيم الأبدي مقابل متاع محدود. والمؤمن يحتاج دائمًا إلى أن ينظر إلى الأمور بميزان الآخرة لا بميزان اللحظة الراهنة.

فالإنسان إذا جعل همه الأكبر رضا الله والدار الآخرة هانت عليه كثير من شهوات الدنيا، أما إذا استولى حب الدنيا على قلبه فقد يدفعه ذلك إلى التفريط في أوامر الله شيئًا فشيئًا.

لم يكن وعيدهم بسبب خطأ عابر، وإنما بسبب إصرارهم على مخالفة ما يعلمون من أحكام الله، وتقديم مصالحهم عليها. ولذلك جاء العقاب مؤكدًا وشديدًا.

هذه الآية تدعو كل مسلم إلى أن يسأل نفسه: هل أبيع شيئًا من ديني لأجل مال؟ أو منصب؟ أو سمعة؟ أو رضا الناس؟ فكل موقف يُقدَّم فيه رضا المخلوق على رضا الخالق هو صورة من صور استبدال الآخرة بالدنيا.

إذا كان أهل الباطل قد اشتروا الدنيا بالآخرة، فإن المؤمنين يفعلون العكس؛ يتركون بعض شهواتهم العاجلة طمعًا في رضوان الله وجنته. ولهذا وصف الله أهل الإيمان في مواضع أخرى بأنهم رابحون، لأنهم عرفوا قيمة ما يشترون وما يبيعون.

هذه الآية تكشف لنا أن أصل كثير من الانحرافات هو تقديم المصالح الدنيوية على أوامر الله تعالى. فمن جعل الآخرة نصب عينيه هان عليه ما يفوته من الدنيا، ومن جعل الدنيا أكبر همه قد يفرط في دينه شيئًا بعد شيء حتى يخسر الأمرين معًا. والعاقل هو من يزن كل قرار بميزان الآخرة قبل ميزان الدنيا. ولذلك كان الإيمان باليوم الآخر ركن ركين من أركان الإيمان ومن موجبات الاستقامة الأرجى، إذ ينضبط المؤمن به انضباطا مديدا ويحصن نفسه به تحصينا لازمًا.

ثم يقول الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [ البقرة: 87]

هذه الآية من الآيات الشديدة التي تكشف أصل الداء: داء ردِّ الوحي إذا خالف الهوى، مع أن الله أغدق عليهم من الحجج والرسل والآيات ما يوجب الخضوع لا الاستكبار.

بدأت الآية بتعداد النعم: كتابٌ أُنزل، ورسلٌ تتالت، وبيناتٌ أُعطيت، وتأييدٌ من الله لعبده عيسى عليه السلام؛ وكأن أبواب الهداية فُتحت لهم من كل جهة، فلم يُتركوا في ظلمة، ولم يُحرموا من بيان، ولم تنقطع عنهم الرسالات.

لكن المشكلة لم تكن يومًا في قلة الأدلة، بل في فساد القلوب؛ فكم من إنسان لا تنقصه الحجة، وإنما ينقصه الانقياد. وكم من أحد لا يجهل الحق، لكنه يكره أن يُلزم نفسه به. فإذا فسد موضع القبول في القلب، لم تنفع كثرة المواعظ، ولم تشفِه وفرة البراهين.

قوله تعالى: ﴿ وقفّينا من بعده بالرسل ﴾ يشعر بكثرة العناية؛ رسولٌ يتلو رسولًا، وموعظةٌ تعقب موعظة، ونذارةٌ تتبع نذارة، حتى لا تبقى شبهة لمعتذر. فسبحان الحليم العظيم!

وهنا موطن خوفٍ للمؤمن: أن تتحول كثرة ما يسمع من الحق إلى حجة عليه لا له؛ يسمع القرآن، والمواعظ، والسنن، والآيات، ثم لا يتغير، ولا ينكسر، ولا يراجع نفسه. فليس الخطر في أن يُحرم العبد من النور فقط، بل في أن يُعطى النور ثم يغمض عينيه عنه.

وخص الله عيسى عليه السلام بالذكر، وذكر له البينات وتأييد روح القدس؛ ليُفهم أن هؤلاء لم يردوا دعوةً غامضة أو حجةً ضعيفة، بل ردوا رسالات مؤيدة من السماء، ظاهرة الآثار، قوية البرهان.

وروح القدس هو جبريل عليه السلام، وليس الإنجيل. والدليل أن الله قال لعيسى: ﴿إذ أيدتك بروح القدس﴾ ثم قال بعدها: ﴿وعلمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل﴾. فلو كان “روح القدس” هو الإنجيل لكان المعنى: “أيدتك بالإنجيل وعلمتك الإنجيل”، وهذا تكرار لا فائدة فيه. لذلك فالصواب أن روح القدس هو جبريل الذي أيّد الله به عيسى عليه السلام ونصره. وسُمّي جبريل “روحًا” لأنه مخلوق من روح خلقها الله، وأضيف إلى “القدس” أي الطهر والقداسة.

وهنا تظهر فظاعة الجريمة: ليس هو خلافًا في وجهة نظر، ولا ترددًا بين أدلة متقاربة، بل مواجهة صريحة للوحي بعد ظهوره. فإذا بلغ الإنسان هذه الحال، صار لا يطلب الحق ليتبعه، بل يطلب من الحق أن يتشكل على مقاس هواه.

وهذه الآية تفضح أصل الانحراف كله: أن يكون الهوى حاكمًا على الوحي.
فهم لم يرفضوا الرسل لأن الرسالة غير واضحة، ولا لأن البرهان ناقص، بل لأن الرسل جاءوا بما يخالف شهواتهم، ويكسر كبرياءهم، ويمنع باطلهم، ويسلبهم سلطان العبث بالدين.
وهنا ميزان خطير جدًا في محاسبة النفس:

ليس السؤال فقط: هل أحب القرآن؟
بل السؤال الأصدق: هل أُسلِّم للقرآن إذا جاء على خلاف ما أحب؟
هل إذا نهاني عن شهوةٍ تركتها؟
هل إذا أوجب عليَّ أمرًا شقّ على نفسي قبلته؟
هل إذا فضح تقصيري انكسرتُ أم بحثت عن مخارج؟
فموطن الصدق الحقيقي ليس عند موافقة الوحي للهوى، بل عند مصادمته له.

قال تعالى: ﴿ استكبرتم ﴾، ولم يقل فقط: عصيتم أو خالفتم؛ لأن الاستكبار أعمق من مجرد الذنب، إنه رفض الانقياد أصلًا، وتعاظمٌ على الحق، وترفّعٌ عن التسليم لله عز وجل.

وما أهلك الأمم غالبًا إلا هذا: ليس أنهم لم يعرفوا، بل أنهم رأوا أن الخضوع للحق ينقص من جاههم أو سلطانهم أو صورتهم أمام الناس.

فالعبد قد يعرف أن الحق في التوبة، أو الاعتذار، أو ترك الباطل، لكن يمنعه الكِبر؛ كِبر أن يقول: أخطأت. وكِبر أن يرجع. وكِبر أن يتنازل. وكِبر أن يُرى في صف الملتزمين بعد أن كان في صف المتفلتين.

وهكذا يصبح الكبر بابًا إلى الهلاك، لأن صاحبه لا يرد الحق لخفائه، بل يرده لأنه أثقل على نفسه من أن تنقاد. وما من إعراض أو تفلت إلا كان خلفه كبر متجذر في القلب، والعياذ بالله!

قال تعالى: ﴿ ففريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون ﴾.
وهذا تصوير مزلزل لمسار القلوب إذا استحكم فيها الهوى: تبدأ بردّ الحق، ثم لا تقف عند حدّ التكذيب، بل تتطور إلى محاربة حملة الحق.

فالنفوس إذا كرهت نور الله لم تكتفِ غالبًا بالانصراف عنه، بل تضيق بمن يذكّرها به؛ لأن وجود الداعية الصادق يوقظ الضمير، ويهدم المبررات، ويكشف العوار.
ولهذا ترى أهل الباطل في كل زمان لا يكتفون برد النصيحة، بل يسعون إلى إسكات الناصح، وتشويه المصلح، وإسقاط صاحب الحق.

فإن لم يقدروا على قتل الجسد، حاولوا قتل الأثر، واغتيال السمعة، وتحطيم الكلمة. وهذا مسلك خبيث جدًا، لأنه انتصار لحظ النفس على حساب الحق، ولا يسلكه تقي!

والرسل ما جاؤوا ليأخذوا من الناس دنياهم، بل جاؤوا لينقذوهم من غضب الله تعالى، ويخرجوهم من الظلمات إلى النور. ومع ذلك كان جزاء كثير من بني إسرائيل: التكذيب والقتل.
وهذا من أعجب انقلاب الموازين: أن يتحول المنقذ إلى متهم، والناصح إلى عدو، والمصلح إلى خطر!

فإذا رأيت القلب يضيق بمن يذكّره بالله، وينفر من النصيحة، ويستثقل أهل الصدق، فليخف على نفسه؛ فإن هذه ليست علامة صحة، بل قد تكون بذور مرض قديم: مرض من لا يريد أن يقال له: قف، هذا حرام، وهذا باطل، وهذا لا يرضي الله. فتأخذه العزة بالإثم ويمعن استكبارًا وفجورًا! وهذا من مسالك الفساد في الأرض. فكم من فساد أحدثه الناس في الأرض بسبب استكبارهم على الحق أو استعلائهم على النصيحة ومحاربتهم الناصح بأخبث وسيلة!

هذه الآية وإن نزلت في بني إسرائيل، فإن معناها يتجاوزهم إلى كل من ورث شيئًا من طريقتهم:

من يقبل من الدين ما يوافق طبعه ويرد ما يخالف شهوته.
من يُظهر الاحترام للنصوص ما دامت لا تمس رغباته، فإذا مستها بدأ التأويل والتملص والاعتراض.
من يفرح بالشرع حين يكون في صالحه، ويضيق به حين يكون عليه.
من يطلب من العلماء فتوى تُريح هواه لا حكمًا يرضي ربَّه.
فهذه الآية تضع معيارًا صارمًا: هل أنت عبدٌ لله أم عبدٌ لما تهوى؟

ومن أخطر ما تكشفه الآية أن العائق عن الهدى قد لا يكون جهلًا أو التباسًا فكريًا، بل هوى النفس. فالإنسان قد يتوهم أن أزمته في قلة الأدلة، بينما أزمته الحقيقية أنه لا يريد أن يدفع ثمن الحق.
لا يريد أن يترك ما يحب.
لا يريد أن يخسر علاقة محرمة.
لا يريد أن يتنازل عن منصب أو مال أو صورة اجتماعية أو أن تخدش هالة التعظيم حوله!

فإذا جاءه الشرع بما يزعجه قال: لم أقتنع بعد، أو المسألة فيها خلاف، أو لا أرى هذا مناسبًا لزماننا…أو يجد له ما يتفلت به ويتخلف به، وربما كانت هذه كلها ستائر يختبئ خلفها الهوى.

ولو قابل ذلك حسن الاستجابة والمسارعة لإحقاق الحق ونصرته ولو على حساب نفسه، لنال من فضائل التواضع لله ما يعزه ويجبره ويعظم قوة الحق في قلبه وأثره، ولكن الناس تبخل فيحرمون أنفسهم الخير والفضل.

والرسل بالنسبة للمؤمنين رحمة، لكن بالنسبة لأهل الهوى يصبحون خصومًا؛ لأنهم يطالبونهم بالتوبة، ويمنعونهم من الانفلات، ويهدمون عروش الباطل التي بنوها داخل أنفسهم.
ولهذا كان أهل الانحراف يرون المصلحين خطرًا على “مصالحهم” لا رحمة لهم.
وهنا فليتأمل العبد: كيف يستقبل أوامر الله؟
هل يستقبلها كطوق نجاة، أم كقيد؟
هل يرى في الحلال والحرام رحمةً من الله، أم تضييقًا على رغباته؟
فهذا الفرق بين قلب حيٍّ يعرف ربه، وقلبٍ أسره هواه.

وقد أشار أهل التفسير إلى أن التعبير بقوله ﴿ تقتلون ﴾ فيه استحضار لصورة الجريمة وكأنها تقع الآن؛ ليبقى مشهد قتل الأنبياء حيًا في النفوس، فتشتد بشاعته ويعظم قبحه.
وكأن القرآن لا يريدك أن تمر على هذه الجرائم مرور السامع البارد، بل يريدك أن تراها رأي العين: نبيٌّ يأتي بالهدى، وقومٌ يقابلونه بالكبرياء، ثم بالتكذيب، ثم بسفك الدم.

وهذا من أعظم ما يزلزل القلب: أن الإنسان إذا فسد قد ينتقل من مخالفة أمر إلى محاربة من جاء بأمر الله.

بنو إسرائيل كانوا أهل كتاب، وعندهم أنبياء، وتراث وحي، ومع ذلك لم يشفع لهم هذا حين فارقوا حقيقة الاستسلام.
فليس الشأن في كثرة الانتساب، ولا في حمل الأسماء الكبيرة، ولا في الكلام عن الدين، بل الشأن كل الشأن: هل إذا جاء حكم الله خضعت؟

فالخطر ليس على الجاهل فقط، بل على من يعرف ثم يرفض، وعلى من يتصدر ثم يعصي عن استكبار، وعلى من يجعل الدين في لسانه لا في قلبه وسلوكه.

وإذا أراد العبد النجاة من هذا المسلك، فليتعلم أن يخاصم هواه من أول الطريق، لا بعد أن يستحكم؛ لأن الهوى إذا تُرك نما، وإذا نُوقش سكت قليلًا ثم عاد، وإذا أُطيع مرة سهلت الثانية إلى أن يتمكن، حتى يصبح صاحبه لا يسأل: ما حكم الله؟ بل يسأل فقط: ما الذي يوافقني؟

ولهذا فإن من أعظم أبواب النجاة:

أن يدرّب الإنسان نفسه على قبول الحق ولو خالف رغبته.
وأن يفرح بمن يهديه عيوبه، لا بمن يصفق له.
وأن يفتش في اعتراضاته على الأحكام: أهي اعتراضات طالب حق، أم احتجاجات نفس لا تريد الانقياد؟
وأن يكثر من دعاء الله أن يرزقه قلبًا سليمًا لا يرد الحق إذا خالف هواه.

وفي خلاصة معاني هذه الآية، فإن الكارثة ليست في قلة الوحي، بل في قلب لا يريد الوحي إلا تابعًا لهواه. فالآية ترسم مأساة أمة أُغدقت عليها الكتب والرسل والبينات، لكن لما تعارض الوحي مع الأهواء قدّموا الهوى على الهدى، فكان منهم التكذيب والقتل.

وهذا هو التحذير الباقي لكل مؤمن:
إياك أن تجعل قبولك للحق مشروطًا بموافقة مزاجك.
إياك أن تختار من الدين ما يريحك وتترك ما يربّيك.
إياك أن تستقبل النصوص بعين المنتقي لا بعين العبد المستسلم.
فإن أول طريق الهلاك: أن تقول للشرع في سرك: أقبلك ما دمت توافقني، فإذا خالفتني رددتك أو تأولت عليك.

وإن كان من بقية معنى يعز جدا في زماننا، فإن دعاة الإصلاح والحق، دعاة الشريعة والاستعلاء بالإيمان، المنادون بالاستقامة على منهج النبي صلى الله عليه وسلم، المجاهدون في سبيل الله تعالى، الدعاة إلى عزة الإسلام، محاربون اليوم ومطاردون لأجل كلمة التوحيد التي يصونون مقتضياتها، وفي ذلك صورة أخرى مما يفعله من اتبع سبيل بني إسرائيل في معارضة الحق ومحاربته، فكما قتل أولئك الأنبياء وأعرضوا عن نصحهم، يحارب هؤلاء أهل الجهاد والدعوة ويعرضون عن تذكرتهم. وتلك من حلقات الصراع بين الحق والباطل لا تزال دائرة إلى قيام الساعة.

ثم يقول تعالى ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [ البقرة: 88]

قلوبنا غلف، أي عليها أغطية. وهو مثل قوله: (قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه) أي في أوعية. وقال ابن عباس: أي قلوبنا ممتلئة علما لا تحتاج إلى علم محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره. وقيل: هو جمع غلاف. مثل خمار وخمر ، أي قلوبنا أوعية للعلم فما بالها لا تفهم عنك وقد وعينا علما كثيرا ! وقيل: المعنى فكيف يعزب عنها علم محمد صلى الله عليه وسلم. فرد الله تعالى عليهم بقوله: (بل لعنهم الله بكفرهم).

وهذه الآية تفضح حيلةً نفسية خطيرة عند أهل الإعراض: بدل أن يعترفوا بأنهم رفضوا الحق عنادًا، يجعلون المشكلة في القلوب نفسها، كأنها لا تستطيع الفهم أصلًا. وفي هذا من قلب الحقائق، والتنصل من المسؤولية، ما يستحق وقفة طويلة.

فمن أسوأ ما يفعله الإنسان إذا عجز عن قبول الحق أن يختلق عذرًا لقلبه.

لم يقولوا: نحن لا نريد أن نتبعك، أو نحن نستكبر عن الانقياد، بل صاغوا رفضهم في صورة عذر:
﴿ قلوبنا غلف ﴾
أي: قلوبنا مغطاة، لا يصل إليها ما تقول، ولا تنفذ إليها دعوتك أو أنها مكتفية بما هي فيه لا حاجة لها بنصحك.
وهنا تتجلى خباثة النفس حين تريد أن تجمع بين الإعراض عن الحق وتبرئة نفسها من تبعة الإعراض؛ فلا تصرح بالعناد، بل تلبسه لباس العجز، ولا تقول: رفضنا، بل تقول: لم نستطع أن نفهم، لم نستطع أن نتأثر، لم تتهيأ قلوبنا. أو أننا نكتفي بما عرفنا!

وهذا باب خطير يتكرر في الناس: كم من إنسان لا يريد الطاعة، لكنه لا يحب أن يقال عنه: عاصٍ أو مستكبر، فيبحث عن صيغة ألطف يخفي بها تمرده:

هذا الكلام لا يدخل قلبي، لست مقتنعًا، لا أشعر أن هذا يناسبني، قلبي لم ينفتح بعد، وربما كانت المشكلة في الحقيقة ليست في القلب من حيث الخِلقة، بل في القلب من حيث الإصرار والهوى والذنوب.

واليهود أرادوا بهذه الكلمة أن يغلقوا باب الدعوة من أصله.

وكما تذكر التفاسير فإن مقصودهم من قولهم: ﴿ قلوبنا غلف ﴾ هو إقناط النبي ﷺ من إيمانهم، كأنهم يقولون له: لا تتعب نفسك معنا، لا فائدة من خطابنا، قلوبنا محجوبة لا يصل إليها ما جئت به.
وهذه ليست مجرد عبارة عابرة، بل هي لون من الصد عن سبيل الله؛ لأن صاحبها لا يكتفي بأن يرفض الحق، بل يريد أن يقطع الطريق على كل محاولة لإيصاله إليه.

وهكذا يفعل بعض الناس مع المواعظ والآيات والنصح: لا يكتفي بعدم الانتفاع، بل يبني حول نفسه جدارًا من العبارات التي تمنع اقتراب الحق منه، وكأنه يقول لكل ناصح: انصرف، لا تحاول، لا فائدة.
وهنا يبدأ الخطر الحقيقي: حين يتحول العبد من مقصّرٍ يحتاج إلى علاج، إلى إنسان يحرس مرضه، ويدافع عن عماه، ويغلق على نفسه أبواب النور.

والقرآن يهدم هذا الاعتذار من أساسه: ليست المشكلة في طبيعة القلب، بل في حال القلب!

لذلك جاء الرد الإلهي حاسمًا: ﴿ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾

أي: ليس الأمر كما زعموا من أن القلوب مخلوقة على هيئة تمنعها من الفهم، أو أن فيها غطاءً جبريًا لا سبيل إلى رفعه؛ بل الحقيقة أن الله لعنهم بسبب كفرهم. فالعلة ليست عجزًا فطريًا، بل جناية مكتسبة.
ليست قلوبًا معذورة، بل قلوبًا عوقبت.
ليست قلوبًا محرومة من الفهم ابتداءً، بل قلوبًا حُرمت بركة الفهم جزاءً على كفرها وإعراضها.

وهنا درس مزلزل: بعض الناس يظن أن قسوة قلبه حالة محايدة، أو مجرد طبع شخصي، أو مزاج نفسي، بينما القرآن يعلمنا أن القلب قد يُحرم النور عقوبةً، ويُمنع لذة الإيمان جزاءً، ويُبتلى بالصدود عن الحق بسبب ذنوب تراكمت حتى صارت حجابًا كثيفًا بينه وبين الله تعالى.

بين قولهم: قلوبنا غلف، وردِّ الله: بل لعنهم الله انتقال من دعوى البراءة إلى كشف الضلالة.

لقد فضح الله تعالى أصل الداء: فالمشكلة في الكفر، لا في عدم البيان.
المشكلة في الجحود، لا في غموض الحق.
المشكلة في التمرد، لا في قصور الحجة.

وهذا من أعظم ما ينبغي أن يفزع له المؤمن في محاسبة نفسه: حين يجد في نفسه نفرة من الحق، أو ثقلًا عن الطاعة، أو جفاءً مع القرآن، فلا يسارع إلى تبرير حاله بكلمات فضفاضة، بل يسأل نفسه بصدق: هل بيني وبين الله ذنبٌ أورثني هذا الحرمان؟
هل هناك معصية قديمة لم أتب منها؟
هل في القلب كبرٌ، أو حسدٌ، أو اتباع شهوة، أو إصرار على باطل، جعل الوحي لا يجد في قلبي موضعًا طاهرًا يستقر فيه؟

والذنب لا يمرّ على القلب بلا أثر؛ قد يتحول إلى حاجز حقيقي يمنع الفهم.

إن الكفر والذنوب قد تُنتج بالفعل أغشيةً على القلب، لا من أصل الخِلقة، بل من أثر الجريمة.
فالقلب يولد قابلًا للحق، مهيأً له، لكن إذا أصر صاحبه على المعصية، وأعرض عن الوحي، وردّ الهدى، واستحب العمى على النور، واستكبر، عوقب قلبه حتى يضيق عن الخير، ويثقل عليه القرآن، ويستوحش من الذكر، ويستريح للباطل.

فالمشكلة إذن ليست في أن القلب لا يمكنه أن يفهم، بل في أن القلب عوقب حتى صار لا يريد أن يفهم. وهذا فرق هائل بين قلب مبتلى يحتاج إلى رحمة، وقلب أفسده صاحبه ثم راح يحتج بفساده على ربه.

ومن أخطر أبواب الخذلان أن يتحول الذنب من معصية إلى حجاب، فقد يقع الإنسان في ذنب، ثم يندم، فيكون ذنبه بابًا إلى الانكسار والتوبة.
لكن المصيبة الكبرى حين يتحول الذنب إلى حجابٍ بينه وبين الهداية؛ فلا يعود يرى نفسه مذنبًا أصلًا، بل يبدأ في تبرير بعده عن الله، والتماس الأعذار لقسوة قلبه، حتى يصبح الحرمان عنده شيئًا طبيعيًا لا يفزعه.

وهذا معنى مرعب في الآية: أن الإنسان قد يستمر في الكفر والإعراض حتى يبلُغ من القسوة درجة يقول معها عمليًا: أنا لست مهيأً لهذا الطريق، قلبي لا يتفاعل مع هذا، هذه المعاني لا تدخلني… مع أن الحقيقة ليست أن الباب مغلق من جهة الله، بل أن العبد هو الذي سدّ الأبواب على نفسه ثم ادعى أنه محبوس.

ثم إن قولهم: قلوبنا غلف ليس تواضعًا بالعجز، بل تعالٍ واكتفاء.

وكنا قد أشرنا لما قاله بعض أهل التفسير من معنى آخر قريب، وهو أنهم قالوا: قلوبنا أوعية للعلم، مستغنية عما جئت به؛ أي: عندنا من العلم ما يكفينا، فلا نحتاج إلى هدايتك.

وهذا يفتح بابًا آخر من التدبر: أن القلب قد يُحرم الحق لا لأنه لا يطلبه، بل لأنه ممتلئ بنفسه، معجب بما عنده، مكتفٍ بموروثه، متعالٍ على أن يتعلم أو يراجع أو يذعن.

وهذا داء قاتل في طلب الهداية: أن يدخل الإنسان على القرآن وهو مكتفٍ بنفسه، أو على النصيحة وهو يرى أنه أكبر من أن يُوجَّه، أو على الحق وهو يحمل في داخله جوابًا جاهزًا: أنا أعرف، لا جديد عندك. فمثل هذا لا يحجبه نقص البيان، بل يحجبه امتلاؤه بنفسه.

والآية تعلمنا أن القلب قد يُطرد من الرحمة قبل أن يُحرم من الفهم.

فقوله تعالى: ﴿ بل لعنهم الله بكفرهم ﴾ يبين أن القضية ليست علمية بحتة، بل إيمانية تربوية.
واللعن هو الطرد من رحمة الله، وإذا طُرد القلب من الرحمة، فمن أين يأتيه النور؟

إذا أبعده الله عن مواطن التوفيق، فمن أين يجد رقة الذكر، وانشراح الصدر، ولذة السجود، وحلاوة القرآن؟

فالقضية ليست أن القلب آلة فهم فقط، بل هو موضع نظر الرب، فإذا فسد وتمادى صاحبه في الكفر، عوقب بالحرمان من الرحمة، وإذا حُرم الرحمة أظلم، وإذا أظلم ضاق بالهدى، وإذا ضاق بالهدى ازداد بعدًا… وهكذا تدخل النفس في دائرة مخيفة من العقوبة المتراكمة.

ثم ليس كل من لم يتأثر بالقرآن معذورًا.

فالآية تسقط حجة خطيرة قد يتكئ عليها بعض الناس: أنا لا أتأثر، إذن لست مكلَّفًا بما لا يدخل قلبي.
كلا، ليس كل من لم يتأثر يكون معذورًا، فقد يكون عدم التأثر نفسه ثمرةً لإعراض سابق.
قد يكون عدم الفهم نتيجة لذنوب كثيفة.
وقد يكون جمود العين ثمرة طول الغفلة.
وقد يكون ضيق الصدر بالحق أثرًا من آثار المعصية، لا دليلًا على سقوط المسؤولية.

ولهذا فالمؤمن إذا وجد قلبه قاسيًا لا يقول: هذا طبعي، بل يقول:
يا رب، بأي ذنب حُرمت؟
ما الذي أطفأ نور قلبي؟
ما الذي جعلني أسمع الآيات فلا تستجيب نفسي؟
ما الذي جعلني أعرف الحق ولا أندفع إليه؟
هذه هي الأسئلة التي تفتح باب النجاة، لا أسئلة التبرير.

﴿ فقليلًا ما يؤمنون ﴾: الإيمان الناقص لا ينفع صاحبه إذا كان مبنيًا على الانتقاء والهوى.

وهذه الجملة تحتمل معنيين ذكرهما أهل التفسير:

إما أن المؤمن منهم قليل.
أو أن إيمانهم قليل؛ يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، أو يظهرون قدرًا يسيرًا لا ينفعهم.

وفي الحالتين، فالآية ترسم صورة إيمانٍ مبتور، إيمانٍ مشوّه، إيمانٍ لا يملك سلطانًا على القلب ولا أثرًا على السلوك.
وهنا موضع الخوف: ليس كل انتسابٍ للإيمان نجاة، ولا كل تصديقٍ جزئي كافيًا، ولا كل معرفةٍ عقلية نافعة؛ بل لا بد من إيمان يذعن، ويستسلم، ويقبل الحق كله، لا ما وافق المصلحة والهوى فقط.

فكم من إنسان في قلبه شيء من الإيمان، لكن هذا الشيء ضعيف مغلوب، محاصر بالشهوات، مطمور تحت ركام الذنوب، لا ينهض بصاحبه إلى طاعة، ولا يزجره عن معصية، ولا يحمله على صدق التوبة. وهذا من أخوف أحوال القلب: أن يبقى فيه بقايا إيمان لا تقوده إلى الله.

هذه الآية تفضح منهجًا نفسيًا يتكرر في كل زمان: بدل علاج القلب، يُبرَّر مرضه.

بدل أن يفتشوا عن سبب انغلاق القلوب، أعلنوا الانغلاق كأنه قدر نهائي لا سبيل إلى تغييره.
وهذا من مكر النفس: أن تحوّل المشكلة من داء يحتاج إلى علاج إلى هوية ثابتة يجب التعايش معها.
فلا يعود صاحبها يطلب التوبة، ولا يجاهد نفسه، ولا يطرق أبواب الهداية، بل يكتفي بوصف حاله وتثبيتها.

وهذا شبيه بمن يذوق مرارة المعصية، ثم بدل أن يفر منها، يقول: أنا هكذا.
وشبيه بمن يجد قسوة في قلبه، ثم بدل أن يبكي ويستغفر، يقول: طبعي جاف.
وشبيه بمن يفر من القرآن، ثم بدل أن يتهم نفسه، يقول: هذا النوع من الخطاب لا يناسبني.

إن الآية تعلمنا أن توصيف المرض ليس عذرًا للبقاء فيه، بل الواجب أن يكون أول الطريق إلى الخلاص منه.

ولعل أخوف ما في الآية أنها تجعل القسوة نتيجةً للكفر لا مجرد حالة شعورية.

قد يقرأ الإنسان الآية فيظن أن الحديث عن قوم كفار وانتهى، لكن موطن العبرة أعمق من ذلك:
أن كل إعراض عن الحق، وكل استكبار على الوحي، وكل تعمد للمعصية، كل استكبار على النصيحة، هو خطوة في طريق قد ينتهي بصاحبه إلى شيء من هذا الإغلاق واللعن والحرمان.

نعم، ليس كل عاصٍ كافرًا، لكن الذنوب إذا تراكمت بلا توبة، والهوى إذا استحكم بلا مجاهدة، والحق إذا رُدّ مرارًا بلا خوف، فإن القلب يدخل منطقة الخطر.

ولهذا كان السلف يخافون من الذنب لا فقط لأنه معصية، بل لأنه قد يترك في القلب أثرًا بعده:
وحشة من الله، ثقلًا عن الطاعة، ضيقًا من النصيحة، نفورًا من القرآن، واستمراءً للباطل.

وفي الآية دعوة ضمنية إلى أن يفتش العبد عن أبواب رحمة الله قبل أن يُحال بينه وبينها

وإذا كان الله قد أخبر أن اللعن والطرد من رحمته سبب لقلة الإيمان، فإن من أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه المؤمن: أن يبقى في دائرة الرحمة.

وكيف يبقى فيها؟

بالتوبة الصادقة، وكثرة الاستغفار، وتعظيم الوحي، والانكسار بين يدي الله، وترك الاستعلاء على النصوص، ومجاهدة الهوى، وسؤال الله بإلحاح أن يشرح صدره للحق. وإبقاء قلبه ذاكرا نابضا بالتوحيد.

فالقلب لا يثبت بنفسه، ولا ينجو بذكائه، ولا يصفو بقوته، بل برحمة الله.
وإذا تُرك العبد إلى نفسه هلك، وإذا وكله الله إلى قلبه ضاع، وإذا حجبه عن رحمته قسا وانطفأ.
ولهذا كان من أعظم الأدعية معنىً: اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين.

هذه الآية تسحق عذر المتنصلين، وتكشف أن كثيرًا من أبواب الصد عن الحق ليست أبواب جهل، بل أبواب عنادٍ وكفرٍ واتباع هوى. فإذا رأيت من نفسك ثقلًا عن القرآن، أو ضيقًا من الموعظة، أو هروبًا من أوامر الله، فلا تقل سريعًا: قلبي لا يتقبل.
بل قل: يا رب، ما الذي فعلته حتى ضاق قلبي عن كلامك؟
ما الذنب الذي جعل النور لا يستقر في صدري؟
ما المعصية التي أقامت بيني وبين الهداية ستارًا؟

فتش عن مكمن الخلل، ابحث عن سبب تعثرك، ولا تستغرق وقتك في التبرير الذي يخذلك.

هذا هو الطريق الصحيح: أن تتهم نفسك لا الوحي، وأن تطلب علاج القلب لا تبرير مرضه،
وأن تخاف من الذنب لأنه قد لا يقف عند حد المعصية، بل يمتد حتى يحرمك لذة الإيمان نفسها.

ثم يقول عز من قائل: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [ البقرة: 89]

قال البغوي في تفسير هذه الآية: “( ولما جاءهم كتاب من عند الله ) يعني القرآن ( مصدق ) موافق ( لما معهم ) يعني التوراة ( وكانوا ) يعني اليهود ( من قبل ) قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ( يستفتحون ) يستنصرون ( على الذين كفروا ) على مشركي العرب، وذلك أنهم كانوا يقولون إذا حزبهم أمر ودهمهم عدو: اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان، الذي نجد صفته في التوراة، فكانوا ينصرون، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وثمود وإرم ( فلما جاءهم ما عرفوا ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم من غير بني إسرائيل وعرفوا نعته وصفته ( كفروا به ) بغيا وحسدا. ( فلعنة الله على الكافرين )”.

والآية لا تتحدث عن قومٍ التبس عليهم الحق، بل عن قوم عرفوه ثم جحدوه. وهذه من أخطر صور الانحراف؛ أن يكون الدليل حاضرًا، والعلم قائمًا، والبشارة السابقة معروفة، ثم يمنع الهوى صاحبه من الانقياد. فليست العبرة بكثرة ما نعرف من حقائق الإيمان، وإنما العبرة: هل نذعن لما نعرف من هذه الحقائق؟ وهل تقودنا المعرفة إلى السجود والطاعة، أم إلى مزيد من الجدل والمكابرة؟

كانوا يعرفون صفات النبي ﷺ، ويستفتحون به قبل بعثته، ويتوعدون الناس بخروجه، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به. وهذا يرعب قلب المؤمن: أن يكون العلم نفسه سببًا في زيادة التبعة إذا لم يصحبه صدق وتسليم. فليس كل من حفظ النصوص نجا، ولا كل من أحاط بالأدلة انتفع؛ إنما ينتفع من طهّر قلبه من الكبر، والحسد، وحب الصدارة.

كانوا ينتظرون النبي ﷺ ويستبشرون بقربه، لكنهم كانوا يريدونه على الصورة التي توافق نفوسهم: من جهتهم، وعلى وفق مصالحهم، وتحت سلطانهم. فلما جاءهم من غير الوجه الذي اشتهوا، انقلب الاستبشار إلى جحود. وهنا درس قاسٍ للنفس: ليس الصدق أن تطلب الحق مطلقًا، بل الصدق أن تقبل الحق ولو جاء على خلاف مرادك، أو هدم مكانتك، أو نزع عنك امتيازًا ألفته.

ويبين أهل التفسير عند تفسير هذه الآية، أن الذي صدّهم لم يكن ضعف البرهان، بل البغي والحسد وخوف ضياع الرياسة. وهنا يتجلى أن معركة الإيمان ليست معركة عقل فقط، بل معركة قلب أيضًا. فكم من إنسان لا يمنعه من التوبة ضعف الدليل، وإنما يمنعه كبر النفس، وحب الظهور، وكراهية أن يعترف أنه كان مخطئًا. ولذلك كان من أهم دعاء العبد: أن يرزقه الله قلبًا سليمًا يقبل الحق إذا ظهر.

حسدوا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فلم يعترضوا على شخصٍ فحسب، بل اعترضوا في الحقيقة على قسمة الله واختياره. وهذه منزلة خطيرة؛ لأن الحاسد لا يتألم فقط من نعمة غيره، بل قد يصل به الحال إلى رد الحق نفسه إذا جاء على يد من يحسده. ومن هنا كان الحسد ليس مجرد خُلُق مذموم، بل بابًا من أبواب الكفر والخذلان إذا استحكم في القلب.

كانوا قبل البعثة يرفعون شعار الانتظار والاستنصار بهذا النبي، ويتحدثون عن نصرته والقتال معه، لكن ساعة الامتحان كشفت الحقيقة. وهذا يوقظ المؤمن من الاغترار بالدعاوى. فليس الشأن أن تقول: لو أدركت زمن النبي ﷺ لنصرته، أو لو حضرت ميدانًا من ميادين الحق لفعلت. إنما الشأن: ماذا تفعل اليوم حين يأتيك الحق في أمرٍ يخالف هواك؟ كيف يكون موقفك من أوامر الله إذا مست مالك، أو جاهك، أو راحتك، أو صورتك أمام الناس؟

كثرت منهم الدعوى قبل البعثة: الاستفتاح، والانتظار، والتوعد بخروج النبي ﷺ. فلما وقع الامتحان في عين ما كانوا يتحدثون عنه، سقطوا. وكأن الآية تعلمنا أن العبد ينبغي أن يخاف من المواضع التي يكثر فيها من الحديث عن الثبات والنصرة والصدق؛ لأن الله قد يبتليه فيها ليميز صدق المقال من صدق الحال.

حين كان النبي ﷺ المنتظر غيبًا في المستقبل، كان الحديث عنه يسيرًا، والاستنصار به مريحًا، والتعلق به لا يكلّف شيئًا. لكن حين حضر الحق واقعًا، وصار له أوامر، واتباع، وتخلٍّ عن مكاسب، انكشفت النفوس. وهذا معنى دقيق في السير إلى الله: كثيرون يحبون الحق بوصفه فكرة، لكن قليلين يحبونه حين يصبح التزامًا وتضحيةً وانقيادًا.

مجيء الكتاب من عند الله، ومجيء الرسول الذي يعرفون صفته، كان من أعظم النعم التي ساقها الله إليهم؛ لكنهم لم يُحرموا لخفاء الطريق، بل حُرموا بسبب فساد باطنهم. فكم من أبواب خير تُفتح للعبد، ثم لا ينتفع بها لأنه لم يهيئ قلبه لها. وقد يسمع الموعظة، ويرى الدليل، ويُدعى إلى الطاعة، لكن المانع في داخله لا في خارجِه.

لم يقل: فلما جاءهم ما لم يتبين لهم، أو ما اشتبه عليهم، بل قال: ﴿ما عرفوا﴾. وفي هذا توبيخ شديد؛ لأن الجريمة هنا ليست مجرد الكفر، بل الكفر مع المعرفة. وهذه من أعظم صور الخيانة: أن يخون الإنسان ما استيقنه قلبه، ويقف في صف الباطل وهو يعلم. ولهذا كان السلف يخافون من علمٍ لا يعملون به، لأنه قد يتحول من نورٍ يهدي إلى حجةٍ تدين.

وختمت الآية بقوله: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، ولم يكن ذلك لمجرد الجهل أو العجز، بل بسبب الكفر المتعمد بعد المعرفة. وما أقسى أن يُطرد العبد عن الرحمة بسبب كبرٍ في قلبه أو حسدٍ يأكل إيمانه. وهذا يدعو المؤمن إلى شدة الخوف من كل خلقٍ يمكن أن يقطع بينه وبين قبول الوحي.

ليست الغاية من الآية أن نذم قومًا مضوا فحسب، بل أن نفتش عن بقايا هذا الداء في أنفسنا:

  • هل نفرح بالحق ما دام على ألسنتنا، فإذا جاء من غيرنا ثقل علينا؟
  • هل نحب ظهور الحق، أم نحب أن نكون نحن الذين يظهر الحق على أيديهم؟
  • هل نرد نصيحةً أو علمًا أو توجيهًا لأن قائلَه لا يوافق هوانا؟
  • هل نعرف مواضع التقصير في أنفسنا ثم نؤجل التوبة ونلبس على قلوبنا؟

فالآية مرآة دقيقة تكشف أن العبد قد يهلك لا لأنه لم يعرف الطريق، بل لأنه عرفه ولم يرد أن يسلكه.

وإذا كانت هذه الآية قد صورت قسوة من عرف ثم كفر، فإن من أعظم نعم الله على عبده أن يرزقه قلبًا إذا بان له الحق لان له، وخضع، واستجاب، ولم يستكبر. ولذلك كان من أجلّ الأدعية:
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعل في قلوبنا حسدًا ولا كبرًا ولا بغيًا يصدنا عن هداك.

كان عندهم كتاب، وعندهم علم، وعندهم بشارات، وعندهم أوصاف النبي ﷺ، ومع ذلك لم يغنِ عنهم ذلك شيئًا لما فقدوا الانقياد. فالقرب من النصوص، أو كثرة الكلام في الدين، أو الاشتغال بالعلم، أو الانتساب إلى أهل الحق؛ كل ذلك لا ينفع وحده حتى يكون معه إيمان صادق، وقلب منيب، وتسليم كامل لله عز وجل.

الحق لا يُرد لأن قائله أصغر منك، أو أقل منك منزلة، أو ليس من جماعتك، أو لا يوافق صورتك الذهنية. فاليهود ردوا أعظم حق لأنهم لم يحتملوا أن يكون الفضل في غيرهم. والمؤمن الحق يتعلم من هذه الآية أن يقول: العبرة بما قال الله ورسوله ﷺ، لا بما تهواه نفسي، ولا بما يحفظ لي مكاني بين الناس.

هذه الآية ليست مجرد إدانة لكفرٍ تاريخي، بل هي إنذار دائم لكل من يعرف الحق ثم تؤخره نفسه عن قبوله. إنها تحذر من العلم بلا خشية، ومن الدعوى بلا صدق، ومن الانتساب للدين مع فساد القلب، ومن الحسد إذا نازع صاحبه في قبول الوحي. وتعلّمنا أن النجاة ليست في مجرد معرفة الهدى، بل في محبة الهدى، والانقياد له، والتجرد لله عند ظهوره.

ثم يقول عز وجل: ﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [ البقرة: 90]

ما أقسى أن يصف الله تعالى صفقةً من صفقات البشر بأنها صفقة خاسرة إلى هذا الحد: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾.

ليست الخسارة هنا في مالٍ ضاع، ولا في تجارةٍ كسدت، ولا في جاهٍ زال، بل الخسارة في النفس نفسها؛ النفس التي هي أعظم ما يملكه الإنسان، وأغلى ما في وجوده، وأخطر ما سيقف به بين يدي الله عز وجل. لقد باعوا أنفسهم، ولم يبيعوا شيئًا خارجها؛ فرّطوا في نجاتها، وأوردوها موارد الهلكة، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وأخذوا لأنفسهم ثمنًا لا يساوي شيئًا إلا العذاب والخزي والطرد من رحمة الله تعالى.

أيُّ صفقة هذه؟

إنها الصفقة التي يقع فيها الإنسان حين يرى الهدى، ثم يتركه لهوىً في قلبه.
حين يعرف الحق، ثم لا يرده شبهةٌ في الدليل، ولا خفاءٌ في البرهان، وإنما يرده مرض في النفس: كِبر، أو حسد، أو حبّ صدارة، أو ضيق من أن يكون الفضل لغيره. هنا لا يعود الأمر مجرد خطأ في الفهم، بل يتحول إلى بيعٍ للنفس. كأن الله يقول: هؤلاء لم يُغلبوا على أمرهم، ولم يضلوا في متاهةٍ لا يعرفون منها المخرج، بل عقدوا الصفقة بأيديهم، وباعوا أنفسهم بأنفسهم، وقبضوا الثمن الخاسر راضين به: ﴿أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾.

وتأمل: ما الذي حملهم على هذه الصفقة؟

لم تقل الآية: جهلًا، أو التباسًا، أو عجزًا عن التمييز.
بل كشفت الدافع العميق المختبئ في القلب: ﴿بَغْيًا﴾.

والبغي هنا ليس مجرد معصية لحظية، بل هو ظلمٌ داخلي، وحسدٌ مستحكم، وتمرّدٌ على قسمة الله، وكراهيةٌ لأن ينزل فضله على غيرهم. كأن مشكلتهم لم تكن مع الدليل، بل مع اختيار الله تعالى. لم يطيقوا أن يكون الرسول من غيرهم، ولم يحتملوا أن يفيض الله من فضله على من يشاء من عباده، فوقفوا من الوحي موقف الخصومة لا لأنهم لم يعرفوه، بل لأنهم لم يرضوا به.

وهنا يرتجف القلب؛ لأن الآية لا تحكي عن قوم مضوا فحسب، بل تفضح داءً يمكن أن يتسلل إلى كل نفس:
أن لا يضيق صدرك بالباطل لأنه باطل، بل يضيق صدرك بالحق لأنه جاء على يد غيرك.
أن لا ترفض القول لأنه خطأ، بل لأن قائله لا يروق لك.
أن تعجز عن اتباع الهدى لا لأنه غير واضح، بل لأن اتباعه يجرّدك من وهم التفوق، أو يكسرك أمام من كنت تظن أنك أعلى منه.

وما أفظع الحسد حين يتحول من مرض أخلاقي إلى موقف من الوحي!

والحسد في صورته السطحية خلق ذميم، لكن الحسد إذا تمكّن من القلب صار بابًا من أبواب الردى؛ لأنه لا يكتفي بأن يحرق صاحبه من الداخل، بل يدفعه إلى ردّ الحق نفسه إذا جاء على يد من يحسده.
وهنا تكمن المأساة: أن يتحول مرض القلب إلى حجاب عن الله.
أن يبلغ العبد منزلة يرى فيها الهدى، ثم يمنعه منه شيء لا علاقة له بالحقيقة نفسها، وإنما علاقته بكِبر النفس، ومرارة المقارنة، وغليان الأنانية، وحب أن يكون الاصطفاء له لا لغيره. وما أقبح حب التفرد بالصيت!

ولذلك فإن الآية من أشد ما يوقظ القلب إلى أن معركة الهداية ليست معركة عقل فقط، بل معركة تزكية.
كم من إنسان يعرف الحكم الشرعي، ويعرف موضع الحق، ويعرف أين الرشد، لكنه يتأخر عنه لأن في داخله شيئًا لم ينكسر بعد!
كم من إنسان يسمع النص، فيدرك أنه المقصود به، وأن النجاة في التسليم له، لكنه يبحث عن مخرج؛ لا لأن الدليل لم يقنعه، بل لأن هواه لم يرضخ بعد!
وكم من عبد يُحرم من بركة العلم والقرآن لا لقلة ما سمع، بل لكثرة ما في قلبه من التمنّع على الله!

﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾

كأن الآية تريد أن تغيّر ميزان الربح والخسارة في قلب المؤمن.
فالخسارة ليست أن تخسر شيئًا من الدنيا في سبيل الحق؛ الخسارة الحقيقية أن تخسر نفسك وأنت تظن أنك تحافظ على مكانتك.
أن تترك الحق لتبقى صورتك محفوظة أمام الناس.
أن ترد النص لأن قبوله سيهدم تعصبًا قديمًا أو رأيًا ألفته أو منزلةً بنيتها.
أن تؤثر راحة الهوى على مشقة التوبة.
أن تختار لذة العناد على ذلّ الانكسار لله.
هذه كلها صور من بيع النفس بثمنٍ بخس، ولو لم يسمّها الناس كذلك.

إن بعض الناس يظن أن بيع النفس يكون فقط في الكفر الصريح، والآية وإن نزلت في الكافرين، إلا أن معناها يفتح للمؤمن باب محاسبة شديد:
كم مرة بعنا شيئًا من ديننا لنشتري به رضا الناس؟
كم مرة بعنا صفاء قلوبنا لنشتري به لذة الانتصار للنفس؟
كم مرة بعنا صدق التوبة لنشتري به مهلةً أخرى مع الذنب؟
كم مرة بعنا نور الاتباع لنشتري به نشوة المخالفة أو تعظيم الذات؟

ثم تأمل هذا اللفظ المزلزل: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ﴾

إنها ليست زلّة واحدة، ولا سقطة عابرة، بل تراكُم من أسباب السخط.
ذنب فوق ذنب، وإعراض فوق إعراض، وجحود بعد معرفة، وحسد بعد بيان، وبغي بعد حجة.
كأن القلب إذا لم يتدارك نفسه عند أول انحراف، جرّه الانحراف إلى ما بعده؛ حتى تتراكم الظلمات، ويصير الذنب الواحد بابًا إلى ذنوب، والردة الصغيرة عن الحق سببًا لردات أكبر، حتى يبوء العبد بغضبٍ فوق غضب.

وهذه من أخوف معاني الآية: أن الذنوب ليست جزرًا منفصلة، بل قد تكون سلسلة؛ أولها تكبر خفي، ثم حسد، ثم جحود، ثم اعتراض على قدر الله، ثم استمراء للباطل، ثم قسوة قلب، ثم بعدٌ عن التوفيق. ولهذا كان أهل الإيمان يخافون من الذنب لا من جهة فعله فقط، بل من جهة ما يجرّ إليه، ومن جهة أثره في إغلاق منافذ النور في القلب. والعاقل يخشى ويتحصن موجبات الظلام في نفسه!

﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾

ولم يقل: مؤلم فقط، أو شديد فقط، بل مهين.
وهذا من جنس الجزاء الموافق للذنب؛ لأن من ردّ الحق تكبرًا، وعاند الوحي استعلاءً، وحسد فضل الله أن يؤتيه من يشاء، عوقب بعذابٍ فيه إهانة وإذلال.
فمن تكبّر على الحق أذلّه الله، ومن أراد أن يعلو على أمر الله وضعه الله، ومن ضاق صدره أن يكرم الله غيره أذاقه الله من الذل ما يناسب فساد قلبه.
وهكذا يكون الجزاء من جنس العمل: لما لم يتواضعوا للحق في الدنيا، أعدّ الله لهم في الآخرة عذابًا يفضح كبرياءهم ويهشم غرورهم.

وهنا يقف المؤمن مع نفسه وقفة خوف:

هل في قلبي شيء من هذا البغي وأنا لا أشعر؟
هل أضيق إذا رأيت الله يفتح على غيري؟
هل أجد في نفسي حرجًا إذا جاءني الحق من إنسان لا أرتاح له؟
هل أحزن لنعمة أخي أكثر مما أحزن على ذنبي؟
هل أستثقل التراجع عن رأيٍ ظهر لي خطؤه لأن نفسي لا تحتمل الاعتراف؟
هل أتعامل مع الوحي بروح العبد المتلقي، أم بروح المتحكم الذي يقبل ما يوافقه ويترك ما يزعجه؟

إن من أخطر ما تكشفه هذه الآية أن الإنسان قد لا يُهلكه ضعف المعرفة، بل فساد الاستقبال.
قد يعرف، لكن لا يتواضع. قد يفهم، لكن لا ينكسر. قد يسمع، لكن لا يستسلم. قد يوقن، لكن الهوى يغلبه. وهنا تكون الكارثة؛ لأن الحجة قامت، لكن القلب لم يفتح لها بابه.

ولذلك فهذه الآية ليست فقط في ذم اليهود، بل في تربية المؤمن على ثلاثة أصول عظيمة:

الأصل الأول: أن يحرس قلبه من الحسد
فالحسد ليس ذنبًا صغيرًا في الهامش، بل قد يتحول إلى قوة مدمرة تفسد على العبد دينه وعقله وعبادته ونظرته إلى فضل الله تعالى. ومن لم يجاهد الحسد في بدايته، ربما ساقه إلى الاعتراض على قدر الله، وكراهية نعمته على عباده، وضيق الصدر من مواطن الخير إذا لم يكن له فيها نصيب.

الأصل الثاني: أن يربي نفسه على التسليم للحق أينما جاء
فالمؤمن لا يسأل: من الذي قال؟ وهل هو من طائفتي؟ وهل يوافق صورتي عن نفسي؟ بل يسأل: هل هذا هو مراد الله؟ هل هذا هو الحق؟ فإذا تبين له، ألقى السلاح بين يدي الوحي، ورضي أن يُهزم هواه لتنتصر هدايته.

الأصل الثالث: أن يخاف من صفقات الخسارة الخفية
فليست كل صفقة خاسرة ظاهرة. قد يبدو للناس أنك ربحت جاهًا، أو انتصرت في خصومة، أو حفظت مكانتك، لكنك في ميزان السماء كنت تخسر شيئًا من نفسك كل مرة ترد فيها الحق، أو تؤخر التوبة، أو تنتصر لهواك على حساب أمر الله.

ولعل من أجمل ما يخرج به العبد من هذا المجلس:

أن يسأل الله دائمًا سلامة الصدر للحق.
أن لا يكون في قلبه اعتراض على اختيار الله، ولا ضيق من فضل الله على عباده، ولا حرج من أن يُظهر الله الحق على يد غيره، ولا استكبار عن الرجوع إذا تبين له الصواب.
فالهداية ليست فقط أن تعرف؛ الهداية الحقيقية أن يُحبَّب إليك الانقياد، وأن يرزقك الله قلبًا إذا رأى نور الوحي لم يطفئه حسد، ولم يحجبه كبر، ولم يصرفه عنه هوى.

اللهم لا تجعل في قلوبنا بغيًا على فضلك، ولا حسدًا لعبادك، ولا كبرًا يصدنا عن التسليم لك، واجعلنا ممن إذا عرفوا الحق أحبوه، وإذا تبين لهم اتبعوه، وإذا دعوا إلى هداك أقبلوا عليك بقلوب منكسرة ونفوس خاضعة، ولا تجعلنا ممن باعوا أنفسهم بثمن الهوى، فرجعوا بغضبٍ على غضب.

ثم يقول تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [ البقرة: 91]

من أخطر ما تكشفه هذه الآية أن الإنسان قد يلبس على نفسه بلباس الإيمان، ويختبئ خلف عنوانٍ ديني، ويظن أنه بذلك نجا من الامتحان، بينما هو في الحقيقة يردُّ أمر الله باسم التمسك بأمر الله!
فاليهود لم يقولوا: لا نؤمن بالله، ولم يصرحوا برفض الوحي جملة، بل قالوا: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾.
وهنا موضع الخطر؛ لأن العبارة في ظاهرها عبارة إيمان، لكن حقيقتها كانت ستارًا للهوى، وحجابًا عن الحق، وذريعةً لردّ ما أنزل الله بعده. فليس كل من تكلم بلغة الإيمان كان مؤمنًا حقًا، وليس كل من رفع شعار الالتزام كان منقادًا لله فعلا، فقد يتكلم المرء بكلمات تبدو مستقيمة، بينما يخبئ في داخلها روحًا متمردة، تريد أن تنتقي من الدين ما يلائمها، وترد منه ما يثقل عليها.

إنهم لم يرفضوا الوحي لأنه ليس من عند الله، بل لأنه ليس على مقاس أهوائهم

وهذا هو مكمن الداء. لم يكن اعتراضهم على أصل التنزيل، وإنما على اتساع دائرة الوحي لتشمل ما لم ينزل عليهم. كأنهم أرادوا أن يحتكروا الإيمان، وأن يحصروا فضل الله فيما أُنزل على أسلافهم، وأن يجعلوا صلتهم بالوحي صلة امتلاك لا صلة عبودية.

قالوا: نؤمن بما أُنزل علينا.
ولم يقولوا: نؤمن بما أنزل الله.

وبين العبارتين مسافة شاسعة جدًا؛ مسافة بين عبدٍ سلّم لله مطلقًا، وبين نفسٍ لا تقبل من الدين إلا ما كان لها فيه نصيب خاص أو انتماء موروث أو تعصب مألوف.

وهنا تلتفت النفس إلى سؤال مخيف: هل أتعامل أنا مع الوحي بهذه الروح؟
هل أحب من الدين ما وافق بيئتي ومزاجي وتكويني، ثم أضيق بما سواه؟
هل أقبل النص إذا كان في مصلحة الفكرة التي أحبها، ثم أبحث عن المخارج إذا جاء النص على خلاف ما ألفته؟
هل أريد دينًا يزكّي ما أنا عليه، أم أريد دينًا يغيّرني كما يريد الله؟

والإيمان الحقيقي لا يتجزأ بحسب الهوى!

هذه الآية تقرر أصلًا جليلًا: أن الإيمان ليس انتقاءً، وليس تصويتًا على النصوص، وليس أخذًا لما يوافق الطبع وتركًا لما يزعج النفس.

الإيمان الحق أن تؤمن بما أنزل الله؛ لا بما أنزل عليك وحدك، ولا بما تحب، ولا بما نشأت عليه فقط، ولا بما يوافق جماعتك أو مذهبك أو بيئتك أو تاريخك، بل بما أنزل الله كله، لأن العبرة في الوحي ليست بكونه صادرًا إلى من نحب، بل بكونه صادرًا من الله جل جلاله.

فإذا ثبت أن هذا كلام الله، أو شرعه، أو أمره، أو حكمه، لم يعد للهوى حق الاعتراض، ولم يعد للانتقاء مكان، ولم يعد للمزاج أن يختار من الوحي ما يشاء ويترك ما يشاء.

ولذلك كان قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ ليس علامة إخلاص، بل علامة انحراف في أصل التلقي. إنهم لم يأتوا إلى الوحي بصفة العبيد الذين يتلقون من ربهم، بل بصفة المتحكمين الذين يضعون حدودًا للإيمان: هذا نقبله، وهذا لا نقبله، هذا يدخل عندنا، وهذا يبقى خارجه.
وهكذا يصير التدين أحيانًا قشرةً جميلة تخفي تحتها تمردًا عميقًا على مقتضى العبودية.

﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾

ما أبشع هذا الانكشاف!
كأن القرآن يفضح ما وراء العبارة المزخرفة.
قالوا بألسنتهم: نؤمن. لكن الحقيقة التي كشفها الله: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾.
إنها صورة متكررة في حياة الناس: لسانٌ يتحدث عن الإيمان، وقلبٌ يمارس الانتقاء، ومواقفُ تكشف أن الإيمان المزعوم ليس خضوعًا لله، بل تفاوضٌ مع الله على حدود الطاعة!

وقد يبتلى العبد بشيء من هذا وهو لا يشعر؛ لا في أصل الإيمان كحال اليهود، ولكن في بعض مسالك التديّن والسلوك.
فيحب من الشرع ما يعززه أمام الناس، ويثقل عليه ما يكشف نقصه.
ويفرح من النصوص بما يوافق شدته على غيره، ويستثقل ما يطالبه هو بالمراجعة والتواضع وكسر النفس.
ويستبشر بالأحكام التي تدين الآخرين، ثم يضيق بالأحكام التي تقتلع شهوته أو تعري تقصيره أو تلزمه بالتوبة.

ثم يأتي هذا القيد العظيم الذي يهدم عليهم عذرهم كله:

﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ﴾

أيُّ حجة بقيت بعد هذا؟
إنهم لا يردون شيئًا غريبًا عن أصل دينهم، ولا كتابًا يناقض ما بين أيديهم، ولا وحيًا يهدم ما عندهم من الحق، بل يردون كتابًا هو الحق، ثم هو مع ذلك مصدّق لما معهم.

فكفرهم به ليس مجرد كفر بكتاب جديد، بل هو في الحقيقة نقض لما يزعمون الإيمان به أصلًا. لأن من آمن حقًا بما عنده من الوحي، ثم جاءه وحي آخر يصدقه ويشهد له ويكمله، كان مقتضى صدقه مع الأول أن يؤمن بالثاني. أما أن يزعم التمسك بالأول ثم يرفض ما يصدقه، فهذه ليست محافظة على الدين، بل تمزيق له من الداخل.

وهنا درس دقيق في حياة المؤمن: قد يحتج الإنسان أحيانًا باسم “الثبات على الأصل”، أو “التمسك بما عرفه”، أو “الوفاء لما تربى عليه”، بينما يكون في الحقيقة رافضًا لحق ظهر له لأنه يزعزع عاداته أو مواقفه أو تحيزاته.
فليس كل من قال: أنا متمسك بما عندي، يكون محمودًا.
بل قد يكون هذا الشعار نفسه غطاءً للخوف من التجرد، أو ستارًا لرفض ما أوجبه الله.

ما الذي يريده الله من عباده؟

يريد منهم قلبًا لا يتعامل مع الوحي بروح الملكية، بل بروح العبودية.
يريد منهم نفسًا إذا تبين لها الحق قالت: سمعنا وأطعنا، لا: هذا الذي أعرفه فقط، وهذا الذي أرتاح له فقط، وهذا الذي ورثته فقط.
يريد منهم أن يكون ميزانهم: ما أنزل الله، لا: ما ألفناه، ولا ما وجدنا عليه الناس، ولا ما يوافق مكانتنا، ولا ما يحفظ صورتنا، ولا ما يرضي انتماءاتنا.

ثم تأتي الضربة الكاشفة التي تفضح دعواهم من أصلها:

﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.

إنها ليست مناقشة نظرية، بل إلزام عملي ينسف الدعوى من جذورها.
فلو كنتم مؤمنين حقًا بما أُنزل عليكم، فكيف اجترأتم على أنبياء الله؟ كيف قابلتم رسل السماء بالقتل لا بالتوقير؟ كيف جمعتم بين دعوى الإيمان وبين تاريخٍ ملوث بمعاداة الأنبياء ورد رسالاتهم؟

كأن القرآن يقول لهم: الإيمان ليس دعوى تُقال، بل حقيقة تظهر آثارها في الموقف من رسل الله وأوامره وحدوده.
فمن زعم الإيمان، ثم وقف من أوامر الله موقف الجفاء، ومن أنبيائه موقف العداوة، ومن شرعه موقف الانتقاء، فقد كذّب دعواه بفعله، ولو ظل يردد بلسانه ألف مرة: نحن مؤمنون.

وهذا من أعظم ما يحتاجه المؤمن في محاسبة نفسه:
أن لا يكتفي بتعريف نفسه بما يقول، بل بما يفعل.
ليس المهم كم مرة قلت: أنا أحب القرآن، بل ماذا فعل القرآن فيك؟
ليس المهم أن تقول: أنا مؤمن بالحق، بل هل إذا واجهك الحق في موضعٍ يخالف هواك خضعت له؟
ليس المهم أن ترفع شعارات النصرة والاتباع، بل كيف يكون موقفك حين يكلفك الوحي بكسر شهوة، أو ترك تعصب، أو الاعتراف بخطأ، أو الانقياد لمن لا تحب؟

والآية تربي القلب على الخوف من التناقض بين الدعوى والحقيقة.

فكم من إنسان يقول: أنا مع الحق، لكن مواقفه كلها تكشف أنه مع نفسه.
وكم من إنسان يقول: أنا أحب السنة، لكنه لا يحب منها إلا ما لا يجرح كبرياءه.
وكم من إنسان يقول: أنا أطلب مرضاة الله، لكنه إذا تعارضت مع صورته أمام الناس قدّم صورته.
وكم من إنسان يظن أن انتسابه إلى العلم، أو الدعوة، أو بيئة صالحة، أو ميراث إيماني، سيكفيه، بينما الامتحان الحقيقي هو: هل أنت منقاد لله في كل ما علمت؟

وفي قوله: ﴿أَنبِيَاءَ اللَّهِ﴾ رهبة عظيمة!

أضافهم الله إلى نفسه تشريفًا لهم وفضحًا لبشاعة الجريمة.
كأن قتلهم ليس مجرد عدوان على أشخاص، بل عدوان على مقام الرسالة، وتمرد على الهدى الذي بعثهم الله به، ورفض للرحمة التي ساقها الله على أيديهم.

ولهذا كان أعظم ما يفضح دعوى الإيمان: أن يعادي المرء من جاءه من عند الله بالهداية، أو أن يردّ من يذكّره بالله، أو أن يستثقل أهل الحق لأنهم يوقظون فيه ما يحب أن يدفنه.

ومن هدايات هذا المجلس:

أن أخطر ما يفسد التدين ليس دائمًا الجحود الصريح، بل التدين الانتقائي؛ أن يختار الإنسان من الدين ما يزينه، ويترك ما يربيه، ويقبل ما يريحه، ويرد ما يغيّره.
وأن من علامات الصدق مع الله: أن يتسع قلبك لكل ما أنزل الله، لا لكل ما تحبه أنت.
وأن من أخوف الفتن: أن تتحول الموروثات والانتماءات والأسماء والشعارات إلى حجاب بينك وبين التسليم للوحي.
وأن دعوى الإيمان لا تُختبر بكثرة الكلام عنها، بل بمقدار ما تحملك على الطاعة، وعلى توقير أمر الله، وعلى الاستجابة للحق حين يظهر.

ولعل العبد يخرج من هذه الآية بدعاء عظيم:

اللهم إنا نعوذ بك من إيمانٍ باللسان لا يجاوز العبارات، ومن دعوى لا يصدقها الانقياد، ومن تدينٍ انتقائي يأخذ من الوحي ما يوافق الهوى ويترك ما يخالفه.
اللهم ارزقنا قلوبًا إذا قيل لها: آمنوا بما أنزل الله، قالت: سمعنا وأطعنا.
ولا تجعل فينا نفسًا تضيق من الحق إذا جاء من غير طريقها، أو تستثقل الهدى إذا خالف مألوفها، أو تردّ من دينك ما لا يوافق رغبتها.
اللهم اجعلنا من أهل التسليم الكامل، والاتباع الصادق، والعبودية التي تحب اختيارك، ولا تعترض على حكمك، ولا تفرق بين شيء من وحيك، إنك أنت الهادي إلى سواء السبيل.

وفي الختام،

في هذا الربع من سورة البقرة لا يعرض القرآن تاريخًا يروى فحسب، ولا يكتفي بكشف قبائح أمة مضت، بل يفتح أمام المؤمن مرآة مخيفة يرى فيها مداخل الانحراف حين يفسد القلب، ولو أحاطت به آيات الله، وسمع كلامه، وعرف الحق بأدلته وبشاراته.
إنها آيات تكشف كيف يمكن للإنسان أن يسمع الوحي ثم يحرّفه، ويعرف الحق ثم يكتمه، ويُدعى إلى الإيمان ثم ينتقي منه ما يوافق هواه، ويترقب النبي الموعود ثم يكفر به حين يأتي على غير ما تشتهي نفسه. فالمشكلة في هذا المقطع ليست مشكلة جهلٍ محض، بل مشكلة قلوبٍ عرفت ثم أعرضت، وأبصرت ثم أنكرت، وبلغها النور ثم آثرت عليه ظلمات الهوى والحسد والبغي.

لقد فضحت هذه الآيات وجوهًا متعددة من الانحراف:
فضحت قسوة القلب التي تجعل صاحبها يسمع كلام الله ثم لا يخضع له، وفضحت التحريف والكتمان حين يتحول العلم من أمانة إلى وسيلة تلبيس وخداع، وفضحت الأماني الكاذبة التي يخدر بها الإنسان نفسه وهو يظن أن مجرد الانتساب ينجيه، وفضحت التناقض الأخلاقي الذي ينهى عن شيء ثم يواقعه، ويعرف الحكم ثم يلتف عليه، وفضحت التدين الانتقائي الذي يقول: نؤمن ببعض ما أنزل الله ونكفر بما وراءه، وفضحت فوق ذلك كله داء الحسد الذي قد يبلغ بصاحبه أن يرد الوحي نفسه، لا لضعف الحجة، بل لأنه لم يحتمل أن يكون فضل الله على غيره.

وهنا يظهر الدرس العظيم في هذا الربع: أن أخطر ما يواجه العبد ليس أن يجهل الحق فقط، بل أن يعرفه ثم لا يذعن له. وأن البلاء ليس في قلة النصوص، بل في قسوة القلب إذا واجه النصوص. وأن الانحراف لا يبدأ دائمًا من إعلان الكفر، بل قد يبدأ من التفاف خفي على أمر الله، أو من تبرير للهوى، أو من حسد دفين، أو من تعصب لموروث، أو من دعوى إيمان لا يصدقها التسليم. ومن هنا كانت هذه الآيات زلزلةً لكل قلب يقرأ القرآن؛ لأنها لا تدع المؤمن يكتفي بإدانة بني إسرائيل، بل تدفعه أن يسأل نفسه في خوف: هل فيّ شيء من أوصافهم وأنا لا أشعر؟
هل أسمع الحق ثم أؤجله؟
هل أعرف موضع التوبة ثم ألتف عليه؟
هل أفرح بالوحي ما دام يوافقني، فإذا خالف هواي ثقل عليّ؟
هل أضيق من فضل الله على غيري؟
هل أتمسك من الدين بما يزينني وأترك منه ما يربيني ويكسر نفسي لله؟

إن الربع الخامس من البقرة يعلّمنا أن النجاة ليست في مجرد الانتساب إلى كتاب، ولا في كثرة المعرفة، ولا في الدعوى، ولا في الميراث الديني، وإنما النجاة في قلبٍ يلين للوحي، ويخضع للحق، ويتجرد من الحسد والكبر، ويقبل ما أنزل الله كله دون انتقاء أو اعتراض أو استعلاء. فليس الإيمان كلمةً تقال، بل عبودية كاملة؛ وليس العلم شرفًا في ذاته، بل أمانة ترفع صاحبها إذا عمل بها، وتكون حجة عليه إذا خانها؛ وليس الخطر في أن يضل الإنسان الطريق، بل في أن يبصره ثم يرفض أن يسلكه.

فكأن هذه الآيات كلها تصب في نداء واحد عظيم:
احذر أن تكون قريبًا من الوحي بعيدًا عن أثره، واحذر أن يكون في قلبك من الهوى ما يطفئ نور ما عرفت من الحق، واحذر أن تبيع نصيبك من الهدى بلذة عاجلة أو عصبية عمياء أو حظ نفسٍ زائل.
فما أكثر من عرفوا فهلكوا، وما أقل من عرفوا فخضعوا! وما أعظم نعمة الله على عبدٍ جعل بينه وبين القرآن قلبًا سليمًا، لا يحرفه، ولا يرده، ولا ينتقي منه، ولا يعارضه بكبرٍ أو حسدٍ أو شهوة.

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ولا تجعل فينا قلبًا يسمع آياتك ثم يقسو، ولا نفسًا تعرف الحق ثم تبغيه، ولا صدرًا يضيق من فضلك على عبادك، ولا علمًا يكون حجة علينا.
اللهم ارزقنا إيمانًا صادقًا لا يعرف الاحتيال أو التفلت، وتسليمًا كاملًا لا تعارضه الأهواء، وقلوبًا إذا سمعت كلامك خشعت، وإذا عرفت الحق أحبته، وإذا دُعيت إلى هداك قالت: سمعنا وأطعنا.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرًَا.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x