بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد:
نصل في هذا الربع إلى مقطعٍ من سورة البقرة تتصل فيه الابتلاءات مع الاصطفاء، والانتساب مع الحقيقة، والدعوى مع البرهان؛ مقطعٌ يأخذنا في رحلةٍ عميقة مع ملة إبراهيم عليه السلام، ليعلّمنا أن الطريق إلى الله عز وجل، لا يُورث بالأسماء، ولا يُنال بالانتساب، ولا تحفظه الشعارات، وإنما يُنال بالاستسلام لله جل جلاله، والصدق معه سبحانه، والثبات على أمره عز وجل.
ومن هنا كان لا بد أن نبدأ هذا الربع من قوله تعالى:
﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ ففي هذه الآية يفتح الله لنا بابًا عظيمًا لفهم حقيقة الاصطفاء: إبراهيم لم يكن إمامًا لأنه انتسب إلى أهل الصلاح، وإنما لأنه أتمّ ما ابتلاه الله به. ثم تتوالى الآيات لتكشف لنا ملامح هذه الملة: التوحيد، والتسليم، والبراءة من الشرك، وتعظيم شعائر الله، والوصية للأبناء بالدين، حتى ينتهي بنا السياق إلى إبراهيم الذي لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا، وإنما كان حنيفًا مسلمًا.
وفي هذا الموضع يجب أن أستدرك آيتين من الربع السابع لم أتناول تدبراتهما في الربع السابق، حتى يكتمل معنا السياق ولا ينقطع خيط التدبر، فنبدأ من قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (123)﴾.
وهاتان الآيتان اللتان نستدركهما من الربع السابق ليستا دخيلتين على هذا الموضع، بل إنهما امتداد لازم لمعناه وبناء مقصوده؛ إذ إن الحديث عن بني إسرائيل في هاتين الآيتين يأتي في سياق تذكيرهم بنعمة الله عليهم وفضله، ثم يعقبه التحذير من أن هذا الفضل والانتساب لا يغنيان عن العبد شيئًا إذا جاء يوم الحساب؛ فلا تجزي نفس عن نفس شيئًا، ولا ينفع انتسابٌ ولا دعوى ولا منزلةٌ يُتوهَّم أنها تستجلب النجاة بغير إيمان وعمل.
ثم يأتي بعد ذلك مباشرةً قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، وكأن السياق ينقلنا من الحديث عن قومٍ ظنوا أن فضل آبائهم واصطفاءهم يكفيهم، إلى النموذج الذي تتحقق فيه حقيقة الاصطفاء؛ إبراهيم عليه السلام، الذي لم يكن اصطفاؤه بمجرد الانتساب، وإنما بما حققه من العبودية، وأتمه من أمر الله، ووفّى به من العهد.
ومن هنا يتضح وجه اتصال الآيتين بما بعدهما: فالسياق لا يعرض لنا تاريخ بني إسرائيل أو قصة إبراهيم عليه السلام عرضًا مجردًا، وإنما يصحح مفهومًا عظيمًا: أن النجاة ليست بالانتساب، وأن الكرامة عند الله لا تحفظها الأسماء، وأن دعوى السير على ملة إبراهيم لا تصح إلا بتحقيق حقيقتها من التوحيد والاستسلام والاتباع.
ولهذا تأتي الآيات بعد ذلك متتابعةً في كشف حقيقة هذه الملة، فتذكر بناء البيت، ودعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ووصيته لبنيه، ثم ترد دعوى اليهود والنصارى في الانتساب إلى إبراهيم، وتقرر الحقيقة الفاصلة: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾.
فكان من تمام هذا البناء أن نستدرك الآيتين قبل الدخول في هذا المقطع؛ حتى لا يفوتنا المفتاح الذي يربط أوله بآخره: فالاصطفاء ليس دعوى، والانتساب ليس نجاة، وإنما حقيقة العبودية أن نستسلم لله، ونصدق في العهد معه، ونتم ما ابتلانا به عز وجل.
إن الوقوف على سيرة إبراهيم عليه السلام، يوجب علينا أن نسأل أنفسنا: ما الذي بقي من ملة إبراهيم فينا؟
هل نحن ممن يطلبون مقامًا عند الله بالاسم والانتساب، أم ممن يثبتون صدق انتسابهم بالعمل؟
هل نريد الاصطفاء دون ابتلاء، والإمامة دون أمانة، والثبات دون مجاهدة؟
أم أننا نفهم أن الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم لم تكن طريقًا إلى الإمامة فحسب، بل كانت امتحانًا لما في القلب من صدق التسليم؟
ثم تأخذنا الآيات إلى قضيةٍ أشد خطورة: حين يتحول الانتساب إلى الآباء والصالحين من باعثٍ على الاقتداء بهم إلى حجابٍ عن الحق، وحين يظن الإنسان أن صلاح من سبقه يمكن أن يغنيه عن صلاحه هو. وهنا تأتي المعاني القرآنية الحاسمة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾ فطريق الله لا يُقطع بالنسب، ولا يُحفظ بالاسم، ولا يُنال بالتمني.
لكل جيلٍ ابتلاؤه، ولكل عبدٍ عمله، ولكل قلبٍ امتحانه.
وإذا كان إبراهيم الخليل عليه السلام، قد امتحن وابتلي! فهل نريد نحن أن ننتسب إلى إبراهيم بدون عناء تعب، أم نريد أن نسير على طريق إبراهيم مهما كلف الثمن؟
فالفرق بينهما هو الفرق بين الادعاء والحقيقة.
قال الله عز وجل: ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [ البقرة: 122]
من أعظم ما يلفت القلب في هذه الآية أن الله لم يبدأ مع بني إسرائيل بتعداد ما فعلوه من المخالفات، وإنما بدأ بتذكيرهم بالنعمة: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾.
فالنفس قد تعتاد النعمة حتى لا تراها نعمة، وقد يطول عليها أمد العطاء حتى تنسى المُنعِم، فتتحول النعمة في شعورها من فضلٍ يستوجب الشكر إلى أمرٍ تراه حقًّا مكتسبًا لا فضلًا من الله عز وجل.
ولهذا كان تذكير الله لهم بنعمه قبل تعداد انحرافاتهم إيقاظًا للضمير: لقد أُعطيتم كثيرًا، فماذا صنعتم بما أُعطيتم؟
والنعمة ليست مالًا وصحةً وفراغًا فحسب؛ بل من أعظم النعم أن يفتح الله للعبد باب العلم، أو الدعوة، أو القرآن، أو العمل الصالح، أو يجعل له موضعًا ينصر فيه الحق، ثم يترك له من العمر والقدرة ما يستطيع به أن يقوم بهذا الباب.
فإذا نسي العبد أن ما في يده من خير هو من الله، نسي معه لماذا أُعطيه.
قال ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: «إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه». فليس حق النعمة أن تفرح بوجودها، وإنما أن تعرف حق الله فيها.
ثم إن تكرار التذكير بالنعمة دليل على أن القلب سريع النسيان، لذلك لم يذكر الله هذه النعمة مرةً واحدة ثم كفى، بل أعاد تذكير بني إسرائيل بها، وفي ذلك معنى بالغ: أن الإنسان قد يعلم النعمة ولا يستحضرها، وقد يستحضرها ثم يغفل عنها، وقد يعرف فضل الله عليه ثم يتصرف كأنه لم يُعطَ شيئًا.
ولهذا كان القرآن يعيد التذكير؛ لأن القلب يحتاج إلى التذكير كما يحتاج الجسد إلى الغذاء.
ومن هنا نفهم خطورة الغفلة، فليست المشكلة دائمًا في أن العبد يجهل فضل الله تعالى، وإنما قد تكون في أنه يعلم ثم ينسى. وكم من إنسان يعرف أنه لم يكن ليصل إلى ما وصل إليه إلا بتوفيق الله، ثم إذا جاء وقت العمل تصرف وكأن الفضل كله لنفسه.
يعرف النعمة بلسانه، وينسب الفضل إلى نفسه بعمله.
والله سبحانه يربي عباده على ألا يعيشوا أسرى الاعتياد؛ بل أن يعودوا كل مرة إلى أصل الحقيقة أن ما بي من نعمة فمن الله.
يقول تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾: والفضل تكليف قبل أن يكون تشريفًا.
وقد يظن الإنسان أن التفضيل يعني رفعةً بلا مسؤولية، بينما سنن الله لا تجري هكذا.
فكلما عظمت النعمة عظمت التبعة، وكلما ارتفع مقام الإنسان ازدادت مطالبته بحق الله فيما أعطاه. ولهذا جاء التذكير بالتفضيل بعد النعمة مباشرة: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾.
أي: لا تنظروا إلى ما أعطيتموه بعين الامتياز المجرد، بل انظروا إليه بعين الأمانة والمسؤولية.
ومن أعظم ما يفسد النعم أن يتحول شعور الإنسان بالفضل إلى شعور بالاستحقاق، وأن يتحول الاصطفاء إلى كِبر، والعطاء إلى استعلاء، والمكانة إلى غفلة عن حق الله عز وجل.
ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله في وصف أهل القرآن: «يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه».
فالعبرة ليست بما يحمله الإنسان من عنوان، ولا بما يُنسب إليه من فضل، وإنما بما أحدثه هذا الفضل في قلبه من عبودية.
وليست العبرة أن يكون القرآن في حياتك، بل أن تكون حياتك تابعة للقرآن
ولذلك جاءت الآيتان مباشرة في سياق قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
لتتكشف حقيقة عظيمة يخلصها قول ابن عباس رضي الله عنهما في معنى ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: أي «يتبعونه حق اتباعه».
وكذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: «يتبعونه حق اتباعه».
فهل قادك القرآن إلى تعظيم الله؟ إلى ترك ما حرم؟ إلى القيام بما أوجب؟ إلى الصبر حين تتعارض طاعة الله مع هوى النفس؟ إلى قبول الحق ولو جاء على خلاف ما تشتهي؟
فأعظم الخوف أن يكون القرآن حاضرًا في لسان العبد وغائبًا عن قراراته.
وإذا صدق العبد مع كتاب الله قاده القرآن إلى الحق!
وهذه من أعمق المعاني التي ذكرها أهل التفسير في هذا الشأن، أن من أقام الكتاب حق إقامته، قاده ذلك إلى الإيمان بالحق الذي جاء به النبي ﷺ. وهذا يعلّمنا أن المشكلة ليست دائمًا في قلة الأدلة، وإنما قد تكون في طريقة التعامل مع الدليل.
فالإنسان إذا دخل على الوحي طالبًا الحق، هداه الله به. ولهذا كان من أعظم صفات أهل العلم أنهم إذا أشكل عليهم شيء لم يجعلوا جهلهم حاكمًا على النص. بل بحثوا في تفاسير السلف وما نقلوه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذه تربية عظيمة: أن يكون همّك أن يهديك القرآن، لا أن تتباهى بحفظك القرآن مجردًا.
وتدبر آيات القرآن وإقامة النفس على معانيها، والعمل بها، يحيي القلب ويقويه ويقوي البصيرة وينير الطريق.
وأخطر ما يصيب صاحب النعمة أن يظن أن النعمة دليل على رضى الله عنه، فتفضيل بني إسرائيل في الآية لا يعني أن التفضيل قد ضمن لهم النجاة مهما فعلوا.
وهذه قاعدة شديدة الأهمية: وجود النعمة ليس شهادةً للعبد بأنه مرضيٌّ عنه.
قد يعطي الله العبد ليختبره، وقد يفتح له ليرى ماذا يصنع بفتوحه، وقد يرفع عنه الحجة ثم يحاسبه على ما علم وأوتي. ولهذا كان القرآن يذكر بني إسرائيل بنعم الله عليهم، ثم يذكر تقصيرهم وانحرافهم؛ ليهدم في النفوس وهمًا خطيرًا: أن الانتساب، أو السابقة، أو المكانة، أو العلم، أو كثرة العطاء، تغني عن حقيقة العبودية.
فليس السؤال: كم أعطاني الله؟ بل السؤال الأشد خطرًا: ماذا صنعتُ بما أعطاني الله؟
وما أكثر من يفرح بفتح الله له في باب، ثم لا يسأل نفسه: هل أنا قائم بحق هذا الفتح؟
ومن أعظم صور شكر النعمة أن تخاف أن تكون غير أهل لها. فكلما عرف العبد فضل الله عليه، لم يزده ذلك غرورًا، وإنما زاده خوفًا وافتقارًا. ولهذا كان السلف شديدي الخوف من أن يكون ما عندهم من الخير حجة عليهم بدل أن يكون نجاةً لهم.
والشكر الحقيقي ليس أن تتحدث عن النعمة، وإنما أن تؤدي حقها.
ثم إن النعمة التي لا تقودك إلى الله قد تكون استدراجًا لقلبك. حين يتأمل المؤمن قصة بني إسرائيل في هذه السورة، يدرك أن كثرة النعم لا تمنع الانحراف. فقد يرى الإنسان نعمًا متتابعة، وفتوحًا، وعلمًا، وقدرة، ومكانة، ثم لا يزداد بها إلا بعدًا. وهذا يربي القلب على ألا يقيس علاقته بالله بحجم ما في يده من الدنيا.
فليس كل فتح كرامة، وليس كل منع إهانة. وإنما الميزان: ماذا فعل الفتح بقلبك؟ وماذا فعل المنع بقلبك؟
إذا أعطاك الله فزادك عُبوديةً، فهذه نعمة عظيمة. وإذا منعك فزادك افتقارًا إليه، فهذه نعمة أعظم.
أما أن يعطيك فتزداد غفلة، أو يمنعك فتزداد سخطًا، فالمصيبة ليست في العطاء والمنع، وإنما في القلب الذي لم يعرف كيف يتعامل مع قدر الله. ولذلك كان لحال القلب مع الأقدار المؤلمة شأن عظيم، فمن رضي وسلم بل ووصل به الحال إلى أن أحب ما قدره الله تعالى له، فهو يجد من فضائل ما يزيده محبة وشكرًا وتعظيمًا لخالقه مهما كان القدر مؤلمًا ومفجعًا. ومن يقابل الأقدار بالتسخط والتذمر وقلة الأدب مع الله عز وجل فهو يحرم نفسه الخير ويوجب لنفسه الحرمان ويسير في طريق هلاك إن لم يستدرك نفسه ويتوب وينيب لله عز وجل.
ونلاحظ أن الله كرر التذكير لبني إسرائيل، لأن القضية ليست في وصول الموعظة، بل في بقائها حيّة في القلب، وهذا من أجمل ما يستوقف في سياق الآيات: أن القرآن يعود إلى التذكير بالنعم والميثاق والخوف من اليوم الآخر.
فكأن الرسالة تقول لك: لا تظن أن سماع الحق مرة يكفي. فإن القلب يتقلب، والذاكرة تضعف، والنفس تستأنس بما تكرر عليها، ولذلك كان القرآن يعيد القصص، ويكرر الوعد والوعيد، ويعيد ذكر النعم والنقم، حتى لا تتحول الحقائق العظيمة إلى معلومات باردة. وهذا معنى عظيم جدًا.
ولهذا ينبغي للمؤمن أن يعيد على قلبه أصوله دائمًا، وكلما نسي القلب، أعاده القرآن إلى الحقيقة الأولى، حقيقة العبودية لله عز وجل وأن كل ما في يدك فضل من الله، وأن الفضل يوجب شكرًا، والشكر يوجب عملًا، والعمل يوجب إخلاصًا، ولا نجاة للعبد إلا برحمة الله.
قال عز وجل: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [ البقرة: 123]
بعد النعمة يأتي التحذير من الاغترار بها، وما أعجب ترتيب الآية في سياقها!
﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْمًا…﴾.
كأن الله عز وجل يقول: تذكروا ما أعطيتكم، لكن لا تجعلوا ما أعطيتكم سببًا للغرور. فقد تكون للمرء سابقة، أو علم، أو صلاح ظاهر، أو انتساب إلى أهل الخير، أو باب من أبواب الخدمة لدين الله، ثم يظن أن هذه الأشياء وحدها كافية لإنقاذه. فيأتي القرآن ليوقظ القلب: سيأتي يوم لا تنفع فيه هذه العناوين إن لم تتحول إلى عبودية حقيقية.
فليست القضية أن تكون من أهل النعمة، وإنما أن تؤدي حق النعمة قبل أن تقف بين يدي المنعم.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾: أي اجعل الآخرة حاضرًا في قراراتك.
لم يقل سبحانه: «وخافوا الله خوفًا مجردًا»، وإنما قال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾.
وهذا من أعظم ما يربي القلب على استحضار الآخرة. فالتقوى ليست كلامًا مجردًا، وإنما أن تجعل لذلك اليوم أثرًا في اختياراتك الآن. قبل أن تتكلم: تذكر ذلك اليوم. وقبل أن تظلم: تذكر ذلك اليوم. وقبل أن تترك واجبًا: تذكر ذلك اليوم. وقبل أن تؤثر رضا الناس على رضا الله: تذكر ذلك اليوم. وقبل أن تنتصر لنفسك بالباطل: تذكر ذلك اليوم.
فكم من شهوة كانت ستسقط لو حضر في القلب مشهد الوقوف بين يدي الله! وكم من خصومة كانت ستنتهي لو تذكر المتخاصمان أن بينهما يومًا لا تخفى فيه خافية!
ويوم القيامة يُسقط كل الاتكالات البشرية!
يقول تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾.
فهناك ينكشف الوهم الذي يعيشه الإنسان في الدنيا: وهم أن هناك من يستطيع أن يحمله، أو يبرر عنه، أو ينقذه من تبعة عمله. فقد يكون للإنسان في الدنيا أبٌ يحميه، أو زوجٌ يسنده، أو جماعةٌ تدافع عنه، أو أصحابٌ يحيطون به، أو مكانةٌ تجعل الناس يتجاوزون عن أخطائه. لكن كل هذه الروابط تنتهي عند حدٍّ معين. هناك: نفسك أنت. وعملك أنت. وموقفك أنت.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
فيا من تتكئ على أهل الدنيا: تهيأ ليومٍ لن يبقى لك فيه إلا الله عز وجل.
ثم لا يحمل أحد عنك عبء الطريق! فمن أعظم ما تربي في المرء هذه الآية أن الإنسان لا ينبغي أن يعيش على حساب الآخرين في علاقته بالله. فلا تقل: فلان صالح وسأكون معه. وأهلي على الخير، فأنا بخير. وجماعتي على الحق، فأنا على الحق. وشيخي عالم، فيغنني ذلك عن الانحراف.
أنا في ثغر صالح، إذًا أنا محفوظ. لكن الحق لا يُنال بالانتساب، والنجاة لا تكون بالتعلق بالأسماء.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: «يتبعونه حق اتباعه». فالمطلوب منك أن تتبع الحق بنفسك، وأن تقوم بما أمرك الله به بنفسك.
قد يعينك الصالحون، وقد تصحب أهل الخير، وقد تنتفع بعلم العلماء، لكن لا أحد يستطيع أن يعبد الله عنك.
قال تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾: لا يمكنك أن تشتري النجاة
والعدل هنا بمعنى الفداء. أي: لا يمكن للنفس أن تقدم بدلًا أو فداءً تتخلص به من تبعة ما قدمت. وفي الدنيا يستطيع الإنسان أن يعوض بعض الأخطاء بالمال، وأن يسترضي بعض الناس بالهدايا، وأن يشتري بعض الخدمات، وأن يجد مخرجًا من كثير من أزماته. أما الآخرة فليست كذلك.
هناك لا ينفع المال إذا لم يكن قد صار في الدنيا طاعة، ولا تنفع المكانة إذا لم تكن قد استُعملت في الحق، ولا ينفع الكلام إذا لم يكن وراءه صدق.
ولهذا ينبغي أن تسأل نفسك اليوم، قبل أن يأتي يوم لا يمكنك فيه أن تضيف إلى رصيدك شيئًا: ماذا أعددت لذلك اليوم؟
وتأتي الآية لتعلمنا ألا نجعل الشفاعة ذريعة إلى ترك العمل.
قال سبحانه: ﴿وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾.
وليس معنى ذلك نفي الشفاعة التي أثبتها الله لعباده في مواضع أخرى، وإنما هو نفي للشفاعة التي يتوهمها أهل الباطل؛ شفاعةً مستقلة عن إذن الله ورضاه.
فالشفاعة حق، لكنها ملك لله، لا يملكها أحد من دونه. قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾.
فلا تجعل رجاءك في شفاعة أحد سببًا لترك الاستعداد للقاء الله جل جلاله.
بل كن ممن يرجو شفاعة النبي ﷺ، ويحب رسول الله ﷺ، ويتبع سنته، ويصدق في التوحيد والطاعة، ويخاف أن يأتي يوم لا تنفع فيه شفاعة إلا لمن أذن الله له ورضي عنه.
وهذه الآية الجليلة تهدم عبادة الأشخاص، ففيها تربية شديدة على توحيد التعلق بالله عز وجل.
فقد يتعلق القلب بشخص حتى يظن أن نجاته متوقفة عليه، أو أن الحق يعرف بالرجال، أو أن القرب من فلان يغنيه عن القيام بحق الله. فتأتي الآية لتقطع هذا التعلق من جذوره:
﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾.
حتى أعظم الناس مقامًا لا يملك من نفسه شيئًا إلا ما أقدره الله عليه، فكيف بمن دونه؟
ولهذا كان من أعظم ما قاله النبي ﷺ لأقرب الناس إليه، محذرًا من الاتكال على القرابة:
«يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا».
فإذا كان هذا خطاب النبي ﷺ لأحب الناس إليه، فكيف يطمئن إنسان إلى نسب أو جماعة أو اسم أو مكانة؟
وبهذا القدر أرجو أن نكون قد استدركنا ما فاتنا من الربع السابق، ونستهل الآن آيات الربع الثامن، ونختم بها آخر ربع في الجزء الأول من سورة البقرة الجليلة.
قال الله عز وجل: ﴿ ۞ وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [ البقرة: 124]
﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾؛ فما كانت إمامة إبراهيم عليه السلام في الناس ابتداءً بلا امتحان، ولا نالها لمجرد شرف النسب، وإنما سبقتها كلمات من الابتلاء أتمها ووفّاها؛ فكان الجزاء من جنس العمل: لما أتمّ ما ابتلاه الله به، جعله إمامًا يُقتدى به، ودالًّا على سبيل الهدى. وفي هذا من أعظم الدلالات أن المراتب العالية في الدين لا تُنال بالدعاوى، وإنما تُنال بالصبر على التكليف، والوفاء عند الابتلاء، وإتمام ما يأمر الله به العبد وإن شقّ عليه.
ثم انظر إلى علو همته عليه السلام: لما بُشّر بهذه المنزلة العظيمة، لم يقف طموحه عند نفسه، بل قال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾؛ أراد أن يمتد أثر الهداية بعده، وأن يخرج من ذريته من يحمل ميراث النبوة والدعوة والقيام بأمر الله عز وجل. وهذه من علامات الهمة الصادقة: أن لا يطلب العبد الخير لنفسه وحدها، بل يسأل الله أن يجعل في ذريته ومن بعده من يحملون راية الهدى.
لكن الله جل جلاله وضع الحد الفاصل الذي لا يتجاوزه أحد: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. فالإمامة في الدين عهد، والظلم يناقضها؛ إذ كيف يكون المرء دليلًا إلى الله وهو لا يزال مصرًّا على ظلم نفسه أو غيره؟ ولهذا فليست القضية نسبًا ولا انتسابًا ولا دعوى ولا مكانة اجتماعية، وإنما صبر ويقين، وإيمان وعمل، واستقامة وخشية وإنابة. فمن أراد أن يكون له نصيب من ميراث أهل الإمامة والهداية، فليتأمل أولًا في حاله مع الظلم، وليعلم أن الطريق إلى التأثير في الناس يمر أولًا من طريق إصلاح النفس.
ثم تأتي الصورة التي تزيد المعنى جمالًا: إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يرفعان قواعد البيت، ذلك العمل العظيم الذي سيبقى أثره في الأرض إلى قيام الساعة، ومع ذلك لا يعجبان بعملهما، ولا يستعظمان طاعتهما، ولا يريان أن بذل الجهد وحده كافٍ، بل يرفعان أيديهما وقلوبهما قائلين: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
يا لها من منزلة! يبنيان بيت الله، وهما خليل الله وابنه، ثم يخافان ألا يكون العمل قد قُبل! فليست العبرة عند أهل الإيمان بكثرة العمل في أعين أنفسهم، وإنما العبرة أن يكون العمل خالصًا لله عز وجل، موافقًا لأمره سبحانه، ثم يسألون الله بعد ذلك القبول. ولذلك كان من أعظم ما ينبغي أن يتعلمه العاملون: أن الخوف بعد العمل من رده ليس ضعفًا، بل من كمال تعظيم الله جل جلاله.
ثم لا يكتفيان بسؤال القبول، بل يسألان الله أن يجعلهما مستسلمين له: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾؛ وكأن أعظم ما يخافانه بعد العمل أن يحول بينهما وبين الله شيء من أنفسهما، فيسألان الثبات على الاستسلام والانقياد. ثم يتجاوز دعاؤهما أنفسهما إلى ذريتهما: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾، فيمتد قلب الداعية الصادق من إصلاح نفسه إلى صناعة جيل من بعده.
ثم يقولان: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾؛ أي علّمنا كيف نعبدك، ودلنا على ما ترضاه منا. وهذا من أعظم أبواب العبودية: ألا يكتفي العبد بالرغبة في طاعة الله، بل يسأل الله أن يعلّمه كيف يطيعه على الوجه الذي يرضيه. فكم من إنسان يريد الخير، ولكن تنقصه البصيرة في الطريق إليه!
ثم يختمان دعاءهما بقولهما: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾؛ حتى في مقام الطاعة، وحتى وهما يرفعان قواعد البيت، لا يأمنان على نفسيهما، بل يسألان الله التوبة. وهذه منزلة عظيمة من فقه العبودية: كلما ازداد العبد قربًا من الله، ازداد افتقارًا إليه، ولم يرَ لنفسه حولًا ولا قوة، ولم يغتر بعمله، ولم يأمن مكر نفسه.
وهكذا تجتمع في هذه الآيات أصول الطريق كله: ابتلاءٌ يُظهر الصدق، وإتمامٌ يورث الإمامة، واجتنابٌ للظلم يحفظ عهد الله، وعملٌ يُرجى قبوله، ودعاءٌ بالاستسلام، وحرصٌ على امتداد الهداية في الذرية، وطلبٌ للبصيرة في العبادة، وتوبةٌ بعد العمل، وافتقارٌ دائم إلى رحمة الله.
فليس أهل الثغور والمراتب العالية أولئك الذين كثر كلامهم عن رسالتهم، وإنما أولئك الذين إذا ابتُلوا أتمّوا، وإذا عملوا خافوا، وإذا دُلّوا على أمر الله استسلموا، وإذا أتموا الطاعة سألوا القبول، وإذا نظروا إلى الطريق لم يثقوا بأنفسهم، بل رفعوا أكف الافتقار: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾.
ثم قال عز وجل: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [ البقرة: 125]
معنى عظيم جدًا في سياق قصة إبراهيم عليه السلام، وهو أن الإمامة التي جعلها الله له لم تكن مجرد منزلة شرف، وإنما كانت إمامة في التوحيد والطاعة والنسك، ثم بقيت آثارها في البيت الحرام وشعائر الحج إلى قيام الساعة.
والبيت أثرٌ باقٍ من إمامة إبراهيم فبعد أن ذكر الله ابتلاء إبراهيم عليه السلام وإتمامه الكلمات، ثم جعله إمامًا للناس، جاء ذكر البيت مباشرة:
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾
فهذا البيت من أعظم الشواهد الباقية على إمامة الخليل؛ إذ لم تكن إمامته أمرًا تاريخيًا انقضى بوفاته، بل أبقى الله من آثارها بيتًا تهوي إليه أفئدة الناس، وشعائر يتعبدون بها، ونسكًا يتوارثونه جيلاً بعد جيل.
ولهذا أشار أهل التفسير إلى أن البيت الحرام بقي أثرًا دالًا على إمامة إبراهيم وذريته، وتذكيرًا بحالهم.
﴿مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾: أي أن القلوب تعود إليه. والمثابة من الثَّوْب، وهو الرجوع.
فكأن الله جعل البيت موطنًا تثوب إليه القلوب والأبدان، يعود إليه الناس مرة بعد مرة، ولا تنقضي رغبتهم فيه.
وهذه لفتة بديعة: فالإنسان قد يزور مكانًا ثم تنتهي علاقته به، أما بيت الله فكلما عاد إليه ازداد شوقًا إليه، وكأن في القلب حنينًا متجددًا إلى ذلك الموطن الذي جعله الله مثابة للناس.
﴿وَأَمْنًا﴾: وهي ثمرة التوحيد والتعظيم.
فمن آثار البيت أن الله جعله أمنًا، حتى إن العرب في جاهليتها كانت تعظم حرمته، فلا تستحل فيه ما تستحله خارجه. وهذا يبين عظمة ما أودعه الله في هذا المكان من الهيبة والتعظيم، ثم جاء الإسلام فزاد البيت تشريفًا وتعظيمًا، وربط تعظيمه بتوحيد الله وعبادته.
﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾
ومقام إبراهيم ليس مجرد حجر يُرى، بل هو أثر من آثار عبادة الخليل عليه السلام، جعله الله شاهدًا على مقامه وعبادته.
وعلى التفسير الذي رجحه السعدي، يتسع معنى الآية ليشمل الاقتداء بإبراهيم في شعائر الحج ومناسكه، فلا تكون العبرة بمجرد الوقوف عند أثر مادي، وإنما بالاقتداء بمن ترك هذا الأثر: إبراهيم عليه السلام.
وهنا يظهر مرة أخرى معنى الإمامة: فالإمام هو الذي يُقتدى به.
﴿وَطَهِّرَا بَيْتِيَ﴾: أي أنها إمامة في التوحيد قبل أن تكون في البناء.
ومن أجمل ما في الآية أن الله قال: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾
وأضاف البيت إلى نفسه جل جلاله: ﴿بَيْتِيَ﴾.
والإضافة هنا إضافة تشريف وتعظيم، ولذلك كان تطهيره أمرًا عظيمًا؛ إذ ليس بيتًا من بيوت الناس، بل بيت الله عز وجل الذي عظمه الله وشرفه. وتطهيره لا يقتصر على إزالة الأقذار الحسية، بل يشمل تطهيره من الشرك والكفر والمعاصي والرجس؛ ليكون موضعًا للعبادة الخالصة:
﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
فإبراهيم وإسماعيل لم يكن عملهما مجرد بناء حجارة، بل كانا يبنيان موطنًا للتوحيد والعبادة.
ومن هنا نفهم معنى ﴿حَنِيفًا﴾ حين يأتي قوله تعالى: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.
والأقوال التي نقلتها عن السلف ترجع إلى معنى جامع: مستقيمًا. مخلصًا. حاجًّا. متبعًا. مؤمنًا بالرسل جميعًا. والحنيفية: شهادة أن لا إله إلا الله وما يتبعها من شرائع التوحيد.
فالحنيفية ليست مجرد وصف لإبراهيم من الناحية التاريخية، وإنما هي منهج الانحراف عن كل باطل إلى توحيد الله وحده لا شريك له.
ولهذا كان من أعظم ما في دعوة إبراهيم أنه لم يجعل الحق تابعًا لهوية قومية أو انتساب طائفي؛ فلا اليهودية ولا النصرانية هي الميزان، وإنما الميزان هو ملة إبراهيم الحنيفية.
وهنا نرى الرابط العميق بين الآيات، وتتضح وحدة السياق بصورة جميلة جدًا:
فإبراهيم عليه السلام لم ينل الإمامة لمجرد النسب أو الشرف، وإنما بالقيام بأوامر الله وإتمام ما ابتلاه به الله عز وجل. ثم صارت إمامته منهجًا يُقتدى به، وبقيت آثارها في البيت، والمناسك، والتوحيد، والحنيفية.
ولهذا كان قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ مهمًا جدًا في فهم كل ذلك؛ لأن الإمامة في الدين عهدٌ عظيم، لا تُنال بمجرد الانتساب، وإنما بأسبابها من الإيمان والتوحيد والصبر واليقين والعمل الصالح. ومن هنا تأتي روعة دعاء إبراهيم بعد ذلك: لم يكتفِ بأن يكون هو مسلمًا، بل قال: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ ثم: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ ثم: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾.
فكأن الخليل يعلمنا أن الإمامة الحقيقية تبدأ بإسلام القلب لله، ثم بمعرفة العبادة، ثم بإقامتها على الوجه الذي يحبه الله، ثم بسؤال الله القبول والتوبة، ثم بالحرص على أن يمتد هذا الخير في الذرية والأجيال.
وهذا هو سر بقاء ملة إبراهيم: ليست مجرد قصة رجل صالح، بل طريقٌ يقوم على التوحيد، والاستسلام، والنسك، والاقتداء، والدعوة، وتطهير مواطن العبادة من الشرك والباطل.
ثم قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [ البقرة: 126]
وهذه الآية تأتي امتدادًا بديعًا لما قبلها؛ فبعد أن ذكر الله إمامة إبراهيم، وبناء البيت، وتطهيره، وتعليم المناسك، يذكر هنا دعاء الخليل للبلد الذي جعله الله موطنًا للتوحيد والعبادة.
ودعاء إبراهيم للأمن والرزق حيث قال عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾
فجمع في دعائه بين الأمن والرزق؛ لأن صلاح حياة الناس لا يستقيم بأحدهما دون الآخر.
الأمن يحفظ النفوس، والرزق يحفظ معاشها، وكلاهما من أعظم نعم الله على البلاد والعباد.
واللافت أن إبراهيم لم يسأل لبلده القوة أو كثرة الأموال فحسب، بل بدأ بالأمن؛ لأن المال مع الخوف لا يهنأ به صاحبه، والوطن الذي لا يأمن أهله لا يستقيم فيه دين ولا دنيا.
ولنتأمل أدب إبراهيم عليه السلام في الدعاء ففي هذه الآية يظهر أدب عظيم من آداب الأنبياء مع ربهم. عز وجل.
فقد قال أولًا: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ ثم قال: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
فقيّد دعاءه بالرزق بالمؤمنين، تأدبًا مع الله، بعد أن سبق أن قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
وكأن إبراهيم عليه السلام لما علم أن الولاية والإمامة في الدين لا تكون للظالمين، خصّ أهل الإيمان بدعائه فيما يرجو أن يكون من البركة الخاصة.
لكن الله سبحانه بيّن له أن رزقه الدنيوي أوسع من ولايته الدينية. فثمة فرق بين الرزق والولاية، وهذا من أعمق معاني الآية: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾. فالله عز وجل يرزق المؤمن والكافر، ويعطي الطائع والعاصي، ويمد هذا وهذا من عطائه.
لكن الرزق ليس دليلًا على المحبة والرضا. قد يُعطى الإنسان من الدنيا كثيرًا وهو أبعد الناس عن الله، وقد يكون ما أُعطيه استدراجًا وإمهالًا، لا إكرامًا. ولهذا قال: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾.
فمهما طال متاع الكافر أو اتسعت دنياه، فإنه قليل بالنسبة إلى ما ينتظره بعد الموت.
أما المؤمن، فإن الدنيا بالنسبة إليه وسيلة: يستعين بالرزق على طاعة الله، ثم ينتقل من متاع الدنيا إلى نعيم الآخرة. وأما الكافر فيأخذ نصيبه من الدنيا، ثم يكون مآله: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
والرزق لا يعني الكرامة. وهذه قاعدة إيمانية عظيمة جدًا تستحق أن تُستخرج من الآية: فليس كل من وُسِّع عليه فقد أكرمه الله، وليس كل من ضُيِّق عليه فقد أهانه الله.
فالدنيا يعطيها الله من يحب ومن لا يحب. بل قد يعطي الكافر ما لا يعطي المؤمن، كما قال تعالى: ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾.
لكن العبرة ليست بما في اليد، وإنما بما يكون عليه المصير. ولهذا ختم الله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾: نهاية المتاع.
واختيار لفظ ﴿أَضْطَرُّهُ﴾ شديد التأثير. فالإنسان في الدنيا قد يظن أنه يملك طريقه ومصيره، ويتقلب في النعيم وكأنه مستغنٍ، لكن النهاية تأتيه قهرًا: يُنتزع من الدنيا، ثم يُساق إلى المصير الذي لم يكن يستطيع دفعه.
فالدنيا مهما امتدت ليست وطنًا دائمًا، والنعيم الذي لا يقود إلى الله قد يكون مجرد متاع قصير يسبق الحساب. ولهذا جاء التعبير: ﴿أُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ ثم: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾. متاع قليل، ثم مصير حتمي.
ودعاء إبراهيم لمكة مرتبط بإمامته. وهنا يظهر اتصال هذه الآية بما قبلها بصورة شديدة الجمال. فإبراهيم عليه السلام: ابتلاه الله فأتم الكلمات. فجعله إمامًا للناس. ورفع معه شأن البيت. ودعا أن يكون البيت أمنًا. وسأل لأهله الرزق. وسأل أن يبقى فيه التوحيد والعبادة. ثم جعل الله هذا البلد مقصدًا للناس إلى قيام الساعة.
فإمامة إبراهيم لم تكن مقامًا شخصيًا ينتهي بموته؛ بل تركت وراءها بيتًا وشعائر ونسكًا ودعاءً وملةً يتبعها المؤمنون. وهذا ينسجم تمامًا مع قوله تعالى: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. فمن أعظم آثار العبد أن يترك بعده أثرًا صالحًا يُقتدى به.
وهنا لابد لنا من وقفة مع معنى الأحاديث الواردة في تحريم مكة، فقد نقل الحافظ ابن كثير أحاديث مهمة في مقام تفسيره للآية؛ لأنها تبين أن إبراهيم عليه السلام كان له شأن عظيم في إظهار حرمة مكة وإشهارها، ولذلك قال النبي ﷺ: «إن إبراهيم حرّم مكة وأمّنها».
لكن في الوقت نفسه جاءت الأحاديث الصحيحة أيضا، بأن الله حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض.
ولا تعارض بين الأمرين؛ فكما قرر ابن كثير: كانت حرمة مكة ثابتة في علم الله وحكمه منذ خلق السماوات والأرض، ثم بلّغ إبراهيم حكم الله فيها وأظهر حرمتها للناس.
وهذا شبيه بدعاء إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾
فدعاء إبراهيم ليس هو الذي أنشأ قدر الله، وإنما كان سببًا مقدرًا في ظهور ما سبق به علم الله وقدره. ولهذا قال النبي ﷺ عن نفسه: «دعوة أبي إبراهيم».
وهنا يظهر معنى آخر في إمامة إبراهيم، فإبراهيم عليه السلام لم يكن إمامًا في العقيدة فقط، بل كان إمامًا في بناء المجتمع المؤمن.
ولنتأمل: بيتٌ يُعبد فيه الله، بلدٌ آمن، رزقٌ يسد حاجة الناس، مناسك يتعبدون بها، وذرية تحمل التوحيد، ورسول يُبعث فيهم.
وكأن دعاء الخليل يرسم معالم المجتمع الذي يريد الله أن تقوم فيه العبادة: توحيدٌ، وأمنٌ، ورزقٌ، وعبادةٌ، وتعليمٌ، وذريةٌ، ورسالة.
والدرس الأعمق، ولعل أجمل ما يُستخرج من هذه الآيات أن إبراهيم عليه السلام لم يطلب بقاء الأثر لنفسه، بل طلب أن يبقى الخير بعده. فقال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ وقال: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ وقال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾.
وهذه هي همة الإمامة: ألا يكون همّ العبد أن يصل وحده، وإنما أن يهيئ الطريق لمن بعده، وأن يسأل الله أن يجعل من ذريته وأمته من يحمل التوحيد ويقيم العبادة ويهدي الناس.
ولهذا فإن أعظم ما يلفت في قصة الخليل عليه السلام، أن بناء البيت لم يكن نهاية المشروع؛ بل كان بداية أثر امتد آلاف السنين. فقد بنى إبراهيم الحجارة، لكن الله بنى بعمله أمةً ونسكًا وملةً وأثرًا لا ينقطع.
وهذا يفسر روعة السياق كله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ ثم ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾؛ فالإمام الحق ليس من يطلب المقام، وإنما من يتم ما ابتلاه الله به، ويصدق في الطاعة، ثم يجعل الله من أثره هدايةً للناس من بعده.
ثم قال جل جلاله: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [ البقرة: 127]
البيت الحرام شاهد على إمامة إبراهيم عليه السلام. قال أهل التفسير في الآية السابقة إن الله ذكر البيت نموذجًا باقيًا دالًا على إمامة إبراهيم؛ فالبيت ليس مجرد بناء، وإنما هو أثر باقٍ من آثار التوحيد الذي حمله إبراهيم عليه السلام.
لقد ارتبط اسم إبراهيم بالبيت: تطهيرًا، وبناءً، ودعاءً، وتعظيمًا، وإقامةً لمناسك التوحيد. ولذلك قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾.
فصار هذا البيت مقصدًا تتعلق به قلوب المؤمنين، ومهوى أفئدتهم، ومشهدًا تتجدد فيه معاني العبودية لله وحده.
والتوحيد هو الأصل الذي قام عليه البيت، ومن أعظم ما يظهر في هذه الآيات أن البيت الحرام لم يُبنَ على تعظيم الأشخاص ولا على العصبيات، وإنما أقيم على ملة إبراهيم الحنيفية. وهذا مقام يستوجب الخشوع!
قال تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.
والحنيفية هي الميل عن الشرك إلى التوحيد، وعن الباطل إلى الحق، وعن كل معبود سوى الله إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
ولهذا كان إبراهيم عليه السلام إمامًا في التوحيد، لا لأنه بنى بيتًا فحسب، وإنما لأنه أقام البيت على معنى العبودية لله وحده لا شريك له، ودعا أن تكون ذريته وأهل هذا البيت من أهل الإسلام له عز وجل.
ثم إن عظمة العمل لا تعني الأمن من عدم القبول، وهذه من أبلغ المعاني في الآية: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
تأمل المشهد: إبراهيم خليل الرحمن وابنه إسماعيل عليهما السلام، وهما يرفعان قواعد بيت الله، ومع ذلك لا يعجبان بعملهما، ولا يريان أنه بلغ من الصلاح حدًّا يغني عن سؤال الله قبوله.
بل بعد العمل مباشرة يأتي الدعاء: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾.
وهنا يظهر مقام عظيم من مقامات العبودية: الجمع بين بذل الوسع والخوف من عدم القبول.
فالعبد الصادق لا يقول: عملتُ إذن استحققتُ القبول، وإنما يقول: بذلتُ ما استطعت، وأسأل الله أن يتفضل عليّ بقبوله. وهذا يربي القلب على ألا يغتر بالطاعة، ولا يرى لنفسه منزلة بسببها، ولا يمنّ على ربه بعمله.
وكلما عظم العمل عظم الافتقار إلى الله، فلم يكن إبراهيم وإسماعيل يبنيان بيتًا عاديًا، بل كانا يرفعان قواعد بيت الله، ومع ذلك كانت قلوبهما متعلقة بالله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾.
فليس شأن العارفين بالله أن يقل خوفهم كلما عظمت أعمالهم، بل قد يزداد خوفهم؛ لأنهم أعرف بالله، وأعرف بحقّه، وأعرف بآفات النفوس.
وهذا هو الفرق بين من ينظر إلى العمل بعين نفسه، ومن ينظر إليه بعين فضل الله عز وجل.
الأول يقول: ماذا فعلت؟ والثاني يقول: هل قَبِل الله مني؟
والقبول أعظم من مجرد العمل، وفي الآية إشارة بالغة إلى أن ليس كل عمل صالح يبلغ بصاحبه غايته بمجرد وقوعه؛ فالغاية أن يُقبل عند الله. ولهذا كان من دعاء إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾.
فالعمل قد يكون كثيرًا، ولكن تنقصه الإخلاص أو المتابعة أو يفسده العجب والرياء والمنّ والأذى. أما القلب الذي يرجو القبول، فإنه يبقى بعد العمل في مقام الافتقار، ولا يسمح لنفسه أن تتعامل مع الطاعة كأنها رصيد مضمون.
والسماع والعلم مناسبان لسؤال القبول قالا: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
فالله يسمع دعاءهما، ويعلم عملهما، ويعلم ما وراء العمل من النيات والمقاصد.
وفي ذلك تذكير بأن الله لا ينظر إلى صورة العمل وحدها، بل يعلم ما في القلب حين يعمل العبد، ولماذا عمل، ولمن عمل، وما الذي أراده من عمله.
فما أعظم أن يعمل الإنسان في موضع لا يراه فيه أحد، وهو مستحضر أن الله يسمعه ويعلمه.
والدعاء يكون بعد العمل لا قبله فقط، فمن اللافت أن إبراهيم وإسماعيل لم يكتفيا بالدعاء قبل العمل، بل دعوا بعد أن شرعا في البناء ورفعَا القواعد. وهذا يعلمنا أن الدعاء ليس بديلًا عن العمل، كما أن العمل ليس بديلًا عن الدعاء.
يبذلان السبب، ثم يسألان الله ثمرة السبب. وهذه قاعدة عظيمة في طريق العبودية: اعمل، واستعن، ثم لا تتكل على عملك؛ بل توكل على ربك.
والبيت ثمرة دعاء طويل ممتد، فحين نتتبع قصة إبراهيم نجد أن بناء البيت لم يكن حدثًا منفصلًا، بل كان ثمرة سلسلة طويلة من الدعوات: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ ثم: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ ثم دعاؤه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. ثم عند رفع القواعد: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾. ثم: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾.
فالقضية عند إبراهيم لم تكن بناء جدران، وإنما كانت بناء أمة على التوحيد والعبودية.
وهذه نقطة مهمة جدًا: فقد يكون الإنسان مشغولًا ببناء شيء عظيم في الظاهر، بينما يكون إبراهيم عليه السلام يعلمنا أن البناء الحقيقي هو بناء القلوب على الإسلام لله جل جلاله.
ثم من أعظم الدعاء: أن تسأل الله الثبات لك ولذريتك فبعد قولهما: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ قالا: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾. وهذا من أبلغ ما في السياق.
فهما لا يسألان فقط أن يتقبل الله عملهما الحالي، وإنما يسألان أن يكونا هما نفسيهما مسلمين له، وأن يمتد أثر هذا الإسلام إلى ذريتهما. وهنا يظهر أن همّ المؤمن ليس أن ينجح في عمل واحد، وإنما أن يموت على الإسلام، وأن يترك وراءه امتدادًا من أهل التوحيد والعبودية.
وأعظم ما ينبغي أن نخاف عليه: القبول والثبات، فإبراهيم عليه السلام لم يكن يخشى فقط ألا يستطيع بناء البيت، بل كان يخشى ألا يُقبل منه. ولم يكن يسأل فقط عن تمام العمل، بل كان يسأل عن تمام العبودية. ولهذا جاءت الآيات متتابعة في غاية العمق. وهذا يجعل قصة بناء الكعبة درسًا في كيف يبني المؤمن عمله لله: لا يغتر بحجم ما أنجز، ولا يستغني عن سؤال ربه، ولا يجعل غايته أن يرى الناس أثره، وإنما يبني ويقول: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
والأجمل في هذه الآيات أن إبراهيم وإسماعيل كانا يرفعان قواعد البيت، ونحن اليوم لا نرى أيديهما ولا نسمع أصواتهما، لكن الله أبقى أثر عملهما إلى قيام الساعة. فقد ينتهي العبد من عمله وينتهي ذكره، لكن الله لا يضيع عملًا أُقيم له، ولو لم يعرف الناس صاحبه.
ثم يأتي معنى مهيب! كلما عظم عملك، عظم خوفك من ألا يُقبل. وهكذا تأتي الآية التالية في قصة إبراهيم عليه السلام بمعنى عجيب للغاية.
فإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يرفعان قواعد البيت، أعظم بيتٍ وُضع للناس، ومع ذلك يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾. لم يقولا: ربنا لقد بنينا بيتك، فاجزنا عليه. لنتبه لهذا الهدي والأدب.
لم يغترّا بعظمة العمل. لم يريا أن مجرد بذل الجهد يكفي. بل كان خوف القلوب الصادقة حاضرًا: هل قُبل؟
وهذه من أعظم علامات صدق العبد. فكلما كان العبد أعرف بالله، لم يكن سؤاله فقط: كم عملت؟ بل: هل أخلصت؟ هل وافقت السنة؟ هل سلم قلبي من الرياء؟ هل كان عملي لله؟ هل قبله الله مني؟ فالعامل الصادق لله، يزداد وجلًا لا يزداد غرورًا كلما عمل، ومهما أبهر الناس ومهما صفقت له الجماهير، هو يرجو القبول .. وإن لم يرضي عمله الناس، ما دام عمله صالحًا. ولله خالصًا.
ولهذا قال الفضيل بن عياض رحمه الله في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: «أخلصه وأصوبه»، قيل: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: «إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا».
ولننظر كيف أن سيدنا إبراهيم عليه السلام يبني البيت، ثم يخاف من عدم القبول!
وهذا المشهد وحده كافٍ لتربية أجيال كاملة: نبي الله إبراهيم عليه السلام، خليل الرحمن، يبني بيت الله. وابنه إسماعيل يعينه. والعمل عظيم. والمقام عظيم. والأثر عظيم. ومع ذلك لا يتحدثان عن إنجازهما، ولا يتوقفان عند حجم ما بذلا، وإنما يرفعان أكف الضراعة: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وهنا ينبغي أن يرتجف قلب كل من يعمل لله: فليس السؤال فقط: هل يعرف الناس ما قدمت؟
السؤال: هل عرف الله منك الصدق؟
وقد يراك الناس ناجحًا، وأنت أشد الناس خوفًا من عملك، وهذه من أجمل الفوارق بين المخلصين ومن يغترون بأعمالهم.
قد ترى الناس عملًا عظيمًا، بينما يرى صاحبه تقصيره. قد يرون إنجازًا، ويرى هو فضل الله عليه وعجزه عن أداء حقه. قد يمدحونه، وهو في داخله يسأل الله القبول.
وهذا هو القلب الذي سلمه الله من فتنة العمل. أما أخطر ما يصيب العامل في سبيل الله أن يتحول العمل الصالح إلى مصدر إعجاب بالنفس: لقد فعلت. أنا أنجزت. أنا صبرت. أنا حملت. أنا ضحيت. أنا ثبتُّ.
حتى يصبح الإنسان بدل أن يعبد الله بعمله، يعبد صورته عن نفسه كعامل صالح.
ومن هنا كان دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام دواءً عظيمًا لهذا الداء: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾.
وبين ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ و﴿تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ مسافة ينبغي أن تقطعها الآن، فتأمل اتصال المعاني في السياق.
الله يحذر: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾. ثم يذكر إبراهيم وإسماعيل وهما يعملان ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾.
وهنا ندرك الرسالة: إذا كان ذلك اليوم آتيا، وإذا كان لا أحد يحمل عنك شيئًا، وإذا كان الفداء لا ينفع، وإذا كانت الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله، فلا تؤجل العمل الذي ينفعك إلى ذلك اليوم.
اعمل الآن وأخلص الآن وتب الآن. وأصلح ما بينك وبين الله الآن. واسأل الله القبول الآن.
فاليوم تستطيع أن تبني رصيدًا من الطاعات، وغدًا يأتي يوم لا تستطيع فيه أن تزيد حسنة واحدة.
وأعظم ما يخافه المؤمن ليس أن يتعب، بل أن يضيع تعبه، فإبراهيم وإسماعيل لم يسألا الله بعد هذا العمل أن يريهما ثمرته، وإنما سألاه القبول. وهذا يكشف شيئًا عظيمًا: فالعبرة ليست بكثرة التعب، وإنما بقبول الله للعمل.
قد يتعب الإنسان أعوامًا في مشروع، أو دعوة، أو علم، أو تربية، أو عبادة، ثم يكون الخلل في قلبه فيضيع من أجره بقدر ما دخل عليه من رياء أو طلب دنيا أو هوى. ولهذا كان السلف يخافون على أعمالهم بعد فعلها أكثر من خوفهم قبل فعلها. قال علي رضي الله عنه: «كونوا لقبول العمل أشد اهتمامًا منكم بالعمل، ألم تسمعوا الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾».
وهذه كلمة ينبغي أن تعلق في قلب كل عامل: لا يكفي أن تعمل لله؛ بل اسأل الله أن يتقبل منك.
ثم قال إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فالله يسمع الدعاء ويعلم حقيقة القلب ولم يكن دعاؤهما: «ربنا تقبل منا» فقط. بل قالا: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
فهما يعلمان أن الله يسمع الكلمات، ويعلم ما وراء الكلمات. يسمع دعاء اللسان، ويعلم خوف القلب. يسمع طلب القبول، ويعلم هل صاحبه صادق فيه. ويعلم العمل الذي يراه الناس، ويعلم النية التي لا يراها أحد. ويعلم لحظة النشاط، ويعلم لحظة الفتور. ويعلم ما أظهرته، وما أخفيته.
وهذا من أعظم ما يجعل الدعاء بالقبول دعاءً عظيمًا: لأنك تسأل من يعلم منك ما لا تعلمه أنت عن نفسك.
ثم العمل العظيم لا يعفيك من الافتقار، فقد يظن الإنسان أن عظمة العمل تغنيه عن كثرة الدعاء. لكن إبراهيم عليه السلام يعلمنا العكس. كلما عظم العمل، ازددت افتقارًا. كلما اتسع أثره، ازددت خوفًا. كلما كثر نفعه، ازددت سؤالًا لله أن يحفظ قلبك.
ولهذا لم يكن إبراهيم عليه السلام بعد بناء البيت منشغلًا بذكر فضله، وإنما منشغلًا بقبوله. وهذه هي عبودية أهل الصدق: يرون التوفيق من الله، والعمل بفضل الله، والقبول فضلًا آخر من الله. فلا يرون لأنفسهم استقلالًا في شيء. وإذا كان إبراهيم الخليل عليه السلام يخاف على قبول عمله، فكيف نأمن نحن؟
وهذا سؤال ينبغي ألا يفارق القلب. إبراهيم عليه السلام نبي الله وخليله، ومع ذلك يدعو: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾. فكيف بمن امتلأت أعماله بالتقصير؟ كيف بمن يخالط إخلاصه حب المدح؟ كيف بمن يفرح أن يعرف الناس عمله؟ كيف بمن يتألم إذا لم يُذكر اسمه؟ كيف بمن إذا نُقد عمله دافع عن نفسه أكثر مما دافع عن الحق؟ كيف بمن يعمل لله يومًا، ثم يعمل لنفسه أيامًا؟
إن مشهد إبراهيم عليه السلام لا ينبغي أن يزيدنا إعجابًا بأنفسنا، بل ينبغي أن يزيدنا خوفًا من الله، وافتقارًا إليه، ورغبةً في القبول. فإن كان خليل الرحمن لا يأمن على عمله، فلا يأمن أحد على نفسه. والآية تصنع فيك شخصية يقظة، لا تتوكل إلا على الله.
فمن أعظم التربية التي تحملها هذه الآية أن تتخفف من كل تعلق بغير الله عز وجل.
لا تجعل نجاتك في اسم. ولا كرامتك في جماعة. ولا قيمتك في تصفيق الناس. ولا طمأنينتك في كثرة الأتباع. ولا أمنك في كثرة الأعمال. بل كن دائمًا بين خوف ورجاء:
أعمل، ثم أسأل الله القبول. أطع الله، ثم أسأل الله الثبات. أدعوه سبحانه، ثم أسأل الله الإخلاص. أبذل، ثم أسأل الله ألا يكلك إلى نفسك طرفة عين.
فإذا جاء ذلك اليوم، لم تكن متكئًا على ما سواك، بل كنت عبدًا يرجو رحمة مولاه.
وإن أخطر الغفلة أن تعمل للآخرة وكأنك ضمنت الآخرة. فقد يعمل الإنسان في الخير طويلًا، ثم تنقلب أعماله نفسها إلى سبب لغروره. وهذه مصيبة خفية. يصبح كثير العمل قليل الخوف، وكثير الإنجاز قليل الافتقار، كثير الكلام عن الصلاح قليل المحاسبة للنفس. والقرآن يرد القلب إلى موضعه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾. تذكر ذلك اليوم. ثم انظر إلى إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾.
فالطريق الصحيح ليس أن تتوقف عن العمل خوفًا من عدم القبول، ولا أن تغتر بالعمل رجاءً في نفسك؛ وإنما أن تعمل بجد، وتخاف على عملك، وترجو فضل الله عز وجل.
وهكذا يجتمع في قلب المؤمن شيئان عظيمان: قوة العمل، وضعف الاتكال على النفس.
ثم لا يكفي أن تبني شيئًا لله؛ بل ابنِ قلبك معه. فإبراهيم وإسماعيل رفعا قواعد البيت، لكن القرآن لم يذكر البناء وحده؛ بل ذكر ما كان في قلوبهما أثناء البناء: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾. وهذا فارق عظيم.
يمكن للإنسان أن يبني مشاريع، ويؤسس مؤسسات، ويؤلف كتبًا، ويعلم الناس، ويخدم الدين، ويترك آثارًا واسعة، ثم لا يكون قلبه قائمًا مع الله. لكن البناء الذي يريده الله ليس بناء الجدران وحدها. إنه بناء القلب أثناء العمل. أن تبني وأنت عبد. أن تنجح وأنت مفتقر. أن يُقبل الناس عليك وأنت تخاف أن لا يقبلك الله. أن يعلو اسم العمل وألا يعلو اسمك في قلبك. أن يكون همك في النهاية: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾.
وهذه الآية كأنها تضع أمام العامل في سبيل الله ميزانًا لا ينبغي أن يغيب عنه: لا تغتر بما بنيت، وانظر أي قلب بنيت. ولا تنشغل بأن يرى الناس أثرك، وانشغل بأن يراه الله.
ولا يكن أكبر همك أن يقال: ما أعظم عملك؛ بل أن تقول بقلب منكسر: يا رب، تقبل مني.
ثم قال عز وجل: ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [ البقرة: 128]
هذه الآية من أعمق دعوات إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام؛ لأنهما بعدما رفعا القواعد بأيديهما لم يسألا الله أن يحفظ البناء، ولا أن يخلّد ذكرهما، ولا أن يجعلهما أصحاب أثر يُشار إليه، وإنما انتقلا مباشرة من بناء البيت إلى بناء القلب، ومن إقامة الجدران إلى سؤال الاستسلام، ومن العمل إلى القبول والثبات، ثم إلى تعليم المناسك والتوبة.
﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ تأمل عجيب الدعاء: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾.
لم يقولا: اجعلنا عاملين لك، ولا: اجعلنا عابدين لك فحسب، وإنما سألا الإسلام لله؛ أي أن يستسلم القلب له، وينقاد له، وتذعن له الجوارح، فلا يكون في العبد شيء ينازع أمر الله أو يطلب لنفسه حكمًا فوق حكمه.
وقد فسر ابن جرير ذلك بقوله: «واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدًا سواك، ولا في العبادة غيرك».
وهنا سرّ عظيم: الإسلام ليس مجرد أن تفعل ما أمر الله، بل أن يكون قلبك قد أسلم لله قبل جوارحك. قد يفعل العبد الطاعة وجوارحه قائمة بها، وقلبه متثاقل عنها، ينازع قدر الله، ويضيق بحكمه، ويطلب أن تكون الحياة على وفق مراده؛ أما الإسلام الذي سأله الخليلان فهو أعمق: أن يستسلم القلب قبل أن تستسلم الجوارح.
أن تقول لله بصدق: يا رب، إن أمرتني فعلت، وإن نهيتني انتهيت، وإن قدّرت عليّ شيئًا رضيت بحكمك، وإن أخذت مني شيئًا علمت أنك أرحم بي من نفسي، وإن دللتني على طريق سلكته ولو خالف هواي. ولهذا جاء في تفسيرها معنى: «مخلصين لك».
فالإسلام الذي سألاه ليس صورة ظاهرة فحسب؛ إنه إخلاص وانقياد وتجرد لله.
والأعجب: ﴿وَاجْعَلْنَا﴾. فإبراهيم وإسماعيل مسلمان بالفعل، ومع ذلك يقولان: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾.
وقد نقل ابن أبي حاتم عن سلام بن أبي مطيع في هذه الآية: «كانا مسلمين، ولكنهما سألاه الثبات».
وهذا من أبلغ ما يوقظ القلب. فالصالح لا يأمن على نفسه لمجرد أنه اليوم على الحق. ولا يقول: عرفت الحق، إذن أنا ثابت عليه. بل كلما عرف ربه، عرف ضعف نفسه، وعرف أن القلوب بين أصابع الرحمن، وأن الثبات فضل يُسأل بخشية ورجاء، لا منزلة يملكها العبد.
كانا مسلمين، فسألا الله أن يجعلهما مسلمين. وكأن الدعاء يقول: يا رب، لا تجعل إسلامنا حالة مرحلية، ولا طاعةً مرتبطة بوقت أو ظرف، ولا إيمانًا يقوى حين توافقنا الحياة ويضعف حين تخالفنا؛ بل اجعلنا لك في كل أحوالنا، حتى نلقاك.
وهذه من أشد الحاجات التي ينبغي أن يعرفها العامل لله: ليس السؤال فقط: كيف أبدأ؟ بل كيف أبقى؟
﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾
ثم لم يقفا عند نفسيهما. بعد أن سألا الله أن يجعلهما مسلمين، امتد نظرهما إلى ما بعد أعمارهم: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾.
إنها نفس عظيمة لا تنظر إلى الهداية على أنها نجاة شخصية. لم يكن همهما: نجّنا يا رب. بل: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾.
فالمؤمن إذا ذاق حلاوة العبودية، أحب أن يعبد الله الناس بعده. وإذا عرف نور الحق، لم يرض أن يبقى النور محصورًا في صدره. وإذا أحب الله، أحب أن يبقى في ذريته من يعرف الله ويعبده.
ولهذا جاء في دعاء عباد الرحمن: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
فمن علامات صدق العبد أن تتجاوز همته نفسه إلى من بعده. وليس المهم أن تترك وراءك أبناءً، بل أن تترك وراءك أمةً على الإسلام لاحظ التعبير: ﴿أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾.
لم يسألا مجرد كثرة الذرية، وإنما سألا ذريةً تحمل معنى الإسلام. فليس أعظم ما يتركه الإنسان بعده مالًا، ولا اسمًا، ولا بيتًا، ولا مشروعًا، وإنما أن يترك في الأرض قلوبًا تعرف الله وتعبده.
ولهذا كان الولد الصالح من العمل الذي يبقى للإنسان بعد موته، كما جاء في الحديث الصحيح: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
فيا لعظم همة إبراهيم! يبني بيتًا سيطوف حوله الناس، ثم يدعو أن يكون من ذريته من يعبد رب هذا البيت. كأنه يقول: يا رب، لا تجعل أثري حجرًا فقط؛ اجعل أثري إنسانًا موحدًا، وقلبًا عابدًا، وجيلًا يحمل الإسلام بعدي.
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾
ثم بعد سؤال الإسلام والثبات والذرية، جاء سؤال العلم: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾. وهذا ترتيب بالغ الدلالة، لأن العبد لا يستطيع أن يعبد الله كما يحب الله حتى يعرف كيف يعبده.
وقد قال ابن جريج عن عطاء في تفسيرها: «أخرجها لنا، علمناها». فهما لا يريدان مجرد الحماس للعبادة، وإنما يريدان بصيرة العبادة.
وكأنهما يسألان: يا رب، لا تتركنا نتعبد لك بأهوائنا، ولا تجعلنا نطلب رضاك بطريق لا نعرفه؛ أرنا كيف نعبدك، وأرنا ما تحب، ودلنا على الطريق الذي شرعته لنا.
وهذا معنى عظيم لكل من أراد العمل لله: الإخلاص وحده لا يكفي إذا غاب العلم. قد يريد الإنسان الخير بصدق، لكنه يسلك إليه طريقًا لم يأذن به الله. ولهذا كان من أعظم نعم الله على العبد أن يجمع له بين إخلاص القصد وصواب الطريق.
«أَرِنَا»… لأن العبادة توقيفية.. ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾. لأن هذا أدب العبودية.
نحن لا نقرر لله كيف نعبده، وإنما نتلقى عنه كيف نعبده. فهو المعبود، وهو الذي يبين لعباده سبيل عبادته سبحانه وتعالى.
ولهذا كان أعظم انحراف في العبادة أن يتحول الإنسان من عبدٍ يتلقى إلى إنسان يشرّع من عند نفسه. فالعبد يعبد الله كما أمر لا كما نفسه تهوى!
﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾
وهنا تبلغ الآية غاية عجيبة من الافتقار. بعد أن رفعا قواعد البيت، وسألا الإسلام، والذرية، والعلم بالمناسك، قالا: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾.
بل كأنهما يقولان: يا رب، مع أننا بذلنا، فعملنا لا يخلو من نقص، ونفوسنا لا تخلو من تقصير، فلا تكلنا إلى أعمالنا. وهذه هي منزلة العارفين.
كلما عظم العمل في أعين الناس، صغر في عين صاحبه. وكلما عرف العبد ربه، ازداد شعوره بحاجته إلى المغفرة. ولذلك كان من أخطر أمراض الطاعة أن تتحول الطاعة نفسها إلى سبب للعجب.
أن يصلي الإنسان فيرى نفسه خيرًا من غيره. أن يعمل للدعوة فيرى أنه صاحب فضل على الناس. أن ينفق فيرى أنه تميز وتفرد. أما إبراهيم وإسماعيل، وهما يبنيان بيت الله، فقلوبهما تقول: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ ثم: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾.
فالطاعة عندهما لا تزيدهما إلا افتقارًا.
﴿إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وختم الدعاء باسمين عظيمين: التواب الرحيم.
لم يقولا: أنت الغفور فقط، بل اختارا اسم التواب؛ لأن التوبة عودة متكررة إلى الله، والله يفتح لعبده باب الرجوع كلما رجع. و«التواب» صيغة مبالغة، وفيها معنى كثرة التوبة على عباده وقبول توبتهم. فيا لها من رحمة: العبد يخطئ، ثم يعود؛ والله يفتح له الباب. ثم يضعف، ثم يعود؛ والله يفتح له الباب. ثم يذنب، ثم يستغفر؛ والله لا يغلق عنه الباب. حتى لا يبقى للعبد عذر أن يقول: لقد كثرت عودتي. بل كلما عرفت أنك كثير التقصير، فكن كثير الرجوع.
ومن أعمق ما في الآية: أنها تعلمك كيف تبني مشروعًا لا ينهار، إذ يمكن أن تقرأ الآية كلها كأنها منهج بناء:
﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ ابدأ بإصلاح نفسك.
﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ لا تحصر همك في نفسك؛ ابنِ من بعدك.
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ اطلب العلم والبصيرة قبل أن تتصدر للعمل.
﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ لا تغتر بما أنجزت؛ راقب قلبك، واستدرك تقصيرك.
﴿إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ واجعل اعتمادك في الطريق على رحمة الله، لا على قوة نفسك فتكون ممن يرجون رحمة الله تعالى.
ولهذا فإن أعظم ما يلفت في دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، أنه جاء بعد بناء البيت، وكأن الله يعلمنا أن أعظم الأبنية لا قيمة لها إن لم يكن وراءها عبد مسلم لله، عالم بعبادته، راجع إلى ربه، حريص على أن يحمل ذريته هذا الدين من بعده.
لقد رفعا القواعد من الحجارة، لكنهما كانا في الوقت نفسه يطلبان من الله أن يرفع قواعد العبودية في قلبيهما وذريتهما.
وهذه هي العبرة التي يجب أن نحفظ: ليس المهم كم رفعتَ من بناء، وإنما من الذي بنيته في نفسك، ومن الذي سيبقى بعدك قائمًا على طاعة الله عز وجل.
ثم يقول عز وجل: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [ البقرة: 129]
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ لم يكن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يبنيان بيتًا من حجارة فحسب، بل كانا يبنيان أمةً تحمل التوحيد من بعدهما؛ ولذلك لم يقف دعاؤهما عند تمام البناء، بل امتد نظرهما إلى الأجيال التي ستسكن حوله، فقالا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾.
تأمل: بنيا البيت، ثم سألا الله من يبني الإنسان. فالأبنية لا تصنع أمة، إنما يصنعها الوحي؛ والمساجد لا تنتفع بها القلوب حتى تأتيها الرسالة التي تحييها.
وقد قال السلف في ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾: الكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة؛ وقال ابن عباس في ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: «يعني طاعة الله والإخلاص». فليست وظيفة الرسول أن يملأ العقول بالمعلومات فحسب، وإنما أن ينقل الإنسان من الجهل إلى العلم، ومن العلم إلى العمل، ومن العمل إلى الإخلاص والتزكية.
وهذه هي التربية التي تحتاجها كل دعوة: آيات تُتلى، وعلم يُعلَّم، ونفوس تُزكّى.
فكم من علمٍ لم يزكِّ صاحبه، وكم من معرفةٍ بقيت على اللسان ولم تبلغ القلب والجوارح! وإنما المنهج النبوي أن يتعلم العبد الكتاب ليعمل به، ويتعلم الحكمة ليحسن تنزيله، ويزكي نفسه حتى يكون العلم فيه عبادةً وسلوكًا وأثرًا.
والعجيب أن إبراهيم عليه السلام، وهو الخليل، وإسماعيل وهو نبي ابن نبي، لم يسألا لأنفسهما وحدهما، بل قالا: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ ثم سألا: ﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا﴾.
وهكذا يفكر أهل الرسالات: لا يريدون صلاح أنفسهم وحدها، بل يريدون أن يمتد أثر الهداية بعدهم.
ولهذا كان النبي ﷺ يقول عن نفسه: «أنا دعوة أبي إبراهيم»؛ فقد كان الرسول الكريم ثمرة دعوةٍ رفعها الخليل عند بناء البيت، فاستجاب الله دعوته بعد أزمان، وجعل من ذريته خاتم الأنبياء، ومن دعوته نورًا أخرج الله به أممًا من الظلمات إلى التوحيد.
فلا تحتقر دعاءً ترفعه اليوم من أجل أمةٍ لم تولد بعد، ولا عملًا صالحًا تزرعه ولا ترى ثمرته. إبراهيم دعا، ثم مضى؛ واستجاب الله دعاءه بعد قرون. وقد لا نرى تمام ما نبني، وقد لا ندرك أثر الكلمة التي نكتبها، أو العلم الذي نعلمه، أو النفس التي نعينها على الثبات؛ لكن الله لا يضيع دعوةً صادقة ولا عملًا أُريد به وجهه عز وجل.
ثم ختم عليهما السلام دعاءهما بقولهما: ﴿إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
فإن عظم المشروع، وضعفت الوسائل، وكثر المفسدون، فلا تنظر إلى عجزك؛ انظر إلى عزة الله وحكمته. هو العزيز الذي لا يعجزه أن يبعث من يحيي أمة، ولا أن يجعل من عملٍ صغير أثرًا يمتد قرونًا؛ وهو الحكيم الذي يعلم متى يأتي النصر، ومن أين يأتي، وعلى يد من، وما القدر الذي ينبغي أن يبقى لك من العمل والثمرة.
فابن ما استطعت، وادع بما عجزت عنه، واعمل لما بعدك؛ فربما كان أعظم ما في رسالتك أثرًا لا تراه، ودعاءً يستجيب الله له بعدك.
ثم يقول تعالى: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [ البقرة: 130]
﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ هذه الآية لا تسأل عن من خالف إبراهيم فقط، بل تكشف حقيقة أعمق: ماذا خسر من أعرض عن طريقه؟
فالله لا يقول: إلا من ضلَّ، وإنما يقول: ﴿إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾؛ أي جعل نفسه موضع السفه، وأهان قدرها، واختار لها ما يرديها مع قيام الحجة ووضوح الطريق. ولذلك قال السعدي: «جهلها وامتهنها، ورضي لها بالدون، وباعها بصفقة المغبون».
وملة إبراهيم ليست مجرد انتساب إلى رجل صالح، بل هي التجرد لله بالتوحيد؛ أن تُقبِل على الله وحده، وأن تتبرأ من كل ما يصرف القلب عن حقه، كما قال إبراهيم لقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾.
ولهذا قال ابن كثير إن إبراهيم «جرد توحيد ربه تبارك وتعالى، فلم يدع معه غيره، ولا أشرك به طرفة عين». وهنا موطن التدبر: فقد يظن الإنسان أن التنازل عن شيء من دينه يريحه، وأن موافقة الناس تحفظه، وأن التخفف من مقتضيات التوحيد يفتح له أبواب الدنيا؛ بينما تسمي الآية هذا كله سفهًا للنفس.
لأن النفس أثمن من أن تُباع للهوى، وأكرم من أن تُستعبد لغير الله، وأرفع من أن تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
إن ملة إبراهيم تعني أن تعرف لمن تنتمي وما الذي تتبعه ومن ترضيه أولا.
فإبراهيم لم يكن أسير بيئته، ولا تابعًا لأكثرية قومه؛ بل وقف وحده حين كان الحق معه، وقال:
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾.
ثم انظر إلى التكريم الذي أعقب هذا التجرد: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾.
فمن أخلص وجهه لله، اصطفاه الله وهداه، ومن اختار طريق إبراهيم لم يخسر وإن خالفه الناس. والعبرة ليست بكثرة السائرين في الطريق، وإنما بمن كان الطريق الذي يسير فيه يوصله إلى الله عز وجل.
ثم يقول: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
كأن الآية تقول: لا تنظر إلى إبراهيم في لحظة الابتلاء وحدها؛ انظر إلى خاتمة الطريق. هذا هو الطريق الذي بدأ بالتجرد وانتهى بالصلاح. بدأ بمفارقة الشرك، وبذل النفس لله، والصبر على مخالفة القوم؛ وانتهى بالاصطفاء في الدنيا والصلاح في الآخرة.
ولهذا قال أبو العالية وقتادة إن الآية نزلت في اليهود حين أحدثوا طريقًا يخالف ملة إبراهيم، ثم قال الله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾.
ثم اليهودية والنصرانية بوصفهما ملتين منتسبتين إلى أتباعهما المعروفين جاءتَا بعد هؤلاء الأنبياء، فلا يمكن تاريخيًا أن يكون إبراهيم عليه السلام يهوديًا أو نصرانيًا بهذا المعنى.
ثم لا يكفي أن تنتسب إلى الحق اسمًا؛ لا بد أن تحمل حقيقته.
ولا يكفي أن تحب إبراهيم؛ حتى تسأل نفسك: أين أنا من حنيفيته؟ أين أنا من تجرده؟ أين أنا من تقديم رضا الله على رضا الخلق؟
وأخوف ما في الآية أن الإنسان قد يسفه نفسه وهو يظن أنه يحسن إليها؛ يظن أن التنازل نجاة، وأن التلون حكمة، وأن مسايرة الباطل فطنة، وأن بيع شيء من دينه سيحفظ له ما يحب.
لكن الله سمّى ذلك كله في ميزان الآخرة بوصف واحد: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾.
فلا تبع نفسك بثمن قليل. ولا ترضى لها بالدون. ولا تترك ملة إبراهيم لتكسب رضا أحد، أو سلامة مؤقتة، أو قبولًا من الناس.
فمن عرف قدر نفسه لم يرضَ لها إلا بالله، ومن عرف قدر إبراهيم لم يرغب عن ملته، ومن عرف قدر الآخرة لم يبع الباقي بالفاني.
ثم قال تعالى ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [ البقرة: 131]
هذه الآية من أجمع الآيات في تصوير حقيقة الاستسلام لله؛ فإبراهيم عليه السلام لم يتردد حين جاءه أمر ربه، ولم يجعل بين الأمر والاستجابة مسافةً من التردد والاعتراض، بل كان جوابه في غاية الاختصار والعظمة: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أي: أذعنت وانقدت، واستسلمت لمن هو ربي ورب كل شيء.
وفي التعبير بـ «لرب العالمين» إشارة بديعة؛ فهو لا يستسلم لأمرٍ مجهول، بل لربٍ يعرفه ويوقن بربوبيته، فمن عرف ربه حق المعرفة هان عليه الانقياد لأمره، واطمأن قلبه إلى حكمه، ولم يرَ في الاستسلام له نقصًا، بل غاية الكمال والعز.
وهكذا يكون الإسلام الحق: أن يستسلم القلب لله قبل الجوارح، وأن تنقاد النفس لأمره محبةً وتعظيمًا وثقةً، فإذا جاء أمر الله لم تقل: لماذا؟ بل قالت كما قال الخليل: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿ وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [ البقرة: 132]
وهذه الآية من أبلغ مواضع القرآن في بيان أن أعظم ما يورثه الأب لأبنائه ليس مالًا ولا اسمًا ولا مكانة، وإنما أن يورثهم الإسلام، وأن يحملهم على الثبات عليه حتى يلقوا الله عز وجل.
﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾
لم تكن وصية إبراهيم لذريته بالدنيا، ولا بتعظيم اسمه، ولا بحفظ ما ترك من جاه، وإنما كانت وصيته بالدين. كأن القرآن يقول لنا: إن كنت تحب أبناءك حقًّا، فلا تجعل أكبر همك ماذا تترك لهم، بل ماذا تترك فيهم. فالمال قد يُنفق، والبيت قد يُباع، والاسم قد يندرس، أما الإيمان إذا استقر في القلب فهو ميراث يمتد أثره إلى ما بعد موت صاحبه.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية: «وصّاهم بالإسلام، ووصّى يعقوب بمثل ذلك».
وهنا سؤال ينبغي أن يوقظ القلب: لو قيل لك إنك لن تترك لذريتك إلا شيئًا واحدًا، فما الذي تختار أن يبقى فيهم بعدك؟ إبراهيم عليه السلام اختار لهم الإسلام.
﴿يَا بَنِيَّ﴾ تأمل حنان النداء قبل عظمة الوصية. لم يقل: يا قوم، ولا يا ذرية، بل قال: ﴿يَا بَنِيَّ﴾.
وهكذا تكون الوصية بالدين: ليست قسوةً تُلقى على الأبناء، وإنما محبةٌ تحمل صاحبها على أن يخاف عليهم من أعظم خسارة: أن يلقوا الله بغير الإسلام.
فالمحبة الحقيقية لا تكتفي بأن تطعم ولدك وتسكنه وتعلمه أسباب الدنيا، بل ترتجف خوفًا على قلبه: هل يعرف الله؟ هل يوحّده؟ هل يحب طاعته؟ هل إذا فتن ثبت؟ هل إذا جاءت ساعة الموت كان على الإسلام؟
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ﴾ ليست القضية أن الدين اختيار بشري من جملة اختيارات؛ بل إن الله اصطفاه. اختاره لعباده رحمةً بهم، وأقامهم عليه هدايةً لهم، فما أعظم نعمة أن تكون ممن اصطفاهم الله لدينه!
والعبد حين يستشعر هذا المعنى لا يتعامل مع الإسلام باعتباره عبئًا من الأوامر، بل باعتباره اصطفاءً ومنّةً ونجاة.
فيا من أثقله الالتزام: تذكر أن الذي اصطفى لك الدين هو أرحم بك من نفسك.
ويا من تردد أمام أمر الله: تذكر أن الشرع الذي أمرك به هو الدين الذي اختاره الله لك.
وبدل أن تسأل نفسك: ماذا أريد أنا من ديني؟ اسألها: ماذا اصطفى الله لي؟
﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ليس المعنى أن الإنسان يملك وقت موته، وإنما المعنى: لا تفارقوا الإسلام لحظة، لأنكم لا تعلمون متى يأتيكم الموت. وهنا ينتقل القرآن بك من مجرد حب الدين إلى حراسة الخاتمة.
لا تقل: سأستقيم حين أكبر. ولا: سأعود إلى الله بعد أن تنتهي مشاغلي. ولا: سأثبت حين تأتي الفتنة. فأنت لا تملك الغد.
ولهذا قال ابن جرير في معنى الآية: «فلا تفارقوا هذا الدين وهو الإسلام أيام حياتكم»؛ لأن أحدًا لا يدري متى تأتيه منيته.
فالوصية ليست: كونوا مسلمين عند الموت فقط، وإنما: عيشوا مسلمين، حتى إذا جاء الموت وجدكم حيث أمركم الله أن تكونوا.
وفي الآية معنى بالغ الخطر: إن الخاتمة تُبنى في أيام الحياة. فمن أراد أن يموت على الإسلام، فليجتهد أن يعيش عليه. ومن أراد الثبات عند الفتنة، فليتدرب على الثبات قبل الفتنة. ومن أراد حسن الخاتمة، فلا يؤجل التوبة والاستقامة. ولهذا كان من دعاء إبراهيم وإسماعيل قبل هذه الوصية: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ وهما إبراهيم وإسماعيل، من أنبياء الله عز وجل، ومع ذلك يسألان الله الإسلام والثبات عليه.
فليس العاقل من اغتر بحاله اليوم، وإنما العاقل من خاف على قلبه حتى يلقى الله.
والآية ترسم للأبوين منهجًا عظيمًا: فإبراهيم لم يكتفِ بأن يكون صالحًا؛ أراد أن تنتقل الصلاحية إلى ذريته. وهذه من أعظم صور المسؤولية: أن لا يكون إيمانك مشروع نجاة فردية، بل ميراثًا إيمانيًا تحرص أن يصل إلى من بعدك.
فإن كنتِ عاملا في سبيل الله، أو داعية، أو مربيًا، فلا تنظر إلى أثر عملك في يومك فقط. ربما يكون أعظم ما صنعته أن تغرسي معنى في قلب إنسان، ثم يحمله إلى غيره، ثم يمضي بعد موتك وأنت لا تعلم أين انتهى. هكذا كان ميراث إبراهيم: عقيدةً تُورث ويُوصى بها، وإسلامًا يُحفظ ويعتز به، وثباتًا يستمسك به ويستمر.
ولذلك جاءت الآية بعد قوله تعالى: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾
فالدين الذي حمله إبراهيم لم يمت بموته؛ بل أوصى به، فحمله من بعده من حمله، حتى وصل إلى خاتم الأنبياء ﷺ.
فليكن لك من إبراهيم نصيب: لا تكتفي بأن تسلم أنت، بل اجعل همّك أن يبقى الإسلام حيًّا فيمن يأتي بعدك.
وأعظم وصية يمكن أن يتركها الإنسان خلفه ليست كلمات يحصي فيها ما تركه من ميراث الأملاك والأموال! وإنما قلوبًا تعرف الله، ونفوسًا موحدة، وأجيالًا تقول بعده: لقد أوصانا آباؤنا أن نموت ونحن مسلمون.
ثم قال عز وجل: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [ البقرة: 133]
هذه الآية تأتي كأنها المشهد الأخير من وصية إبراهيم ويعقوب: بلغ يعقوب الموت، فلم يسأل أبناءه عن دنياهم، ولا عن أموالهم، ولا عمّن سيحكم بعده، وإنما سأل السؤال الذي يكشف حقيقة الإنسان كلها: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾.
وهذه من أشد الآيات إيقاظًا لمعنى الأمانة تجاه الذرية. ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾
يا لها من كلمة تختصر ميراث الأب كله! كان يعقوب على فراش الموت، والموت يقترب، والإنسان في تلك اللحظات لا يتكلف الأسئلة؛ يسأل عن أهم ما يخاف عليه. فما الذي كان يخاف عليه يعقوب من بعده؟
التوحيد.
لم يقل: من يرعى أموالكم؟ ولا: أين تسكنون؟ ولا: كيف تدبرون شؤون دنياكم؟
بل قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾.
وهنا ينبغي أن يقف كل أب وأم مع أنفسهما طويلًا: إذا غبتُ عن أبنائي، فما الشيء الذي أخشى أن يفقدوه بعدي؟ هل تخاف أن يضيع مالك؟ أن يضيع اسمك؟ أن تتعطل مشاريعك؟ أن ينسى الناس أثرك؟
أم أن أعظم خوفك أن تضيع عقيدتهم، وصلتهم بالله، واستقامتهم على الحق؟
يعقوب عليه السلام يعلمنا أن أعظم ما يُورَّث للأبناء ليس ما يبقى لهم بعدك، بل ما يبقى فيهم. ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ لم يقل: ما تؤمنون؟ فقط، بل سأل عن العبادة؛ لأن التوحيد ليس فكرة تسكن الذهن، وإنما عبودية يتوجه بها القلب والجوارح إلى الله عز وجل.
ولهذا قال ابن جرير في معنى جوابهم: «نخلص له العبادة ونوحد له الربوبية، فلا نشرك به شيئًا ولا نتخذ دونه ربًّا».
فليست القضية أن تعرف أن الله واحد فحسب، وإنما أن يكون هذا الواحد هو الذي تعبده نفسك، وتخضع له جوارحك، وتحكم شرعه في حياتك، وتقدم مرضاته على هواك.
﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ﴾ ما أجمل أن يرى الأب ثمرة وصيته قبل أن يغادر الدنيا!
لقد أوصى إبراهيم بنيه، وأوصى يعقوب بنيه، فجاءت الإجابة من الجيل التالي تحمل العقيدة نفسها.
إله واحد. وطريق واحد. وعبودية واحدة.
وهنا تظهر قيمة التربية التي تتجاوز صاحبها. فإبراهيم مات، لكن توحيده بقي في ذريته. ويعقوب سيموت، لكن وصيته لن تموت. وهذا هو الأثر الحقيقي الذي ينبغي أن يطلبه الإنسان.
قد ينتهي صوتك، لكن هل تبقى كلماتك في قلوب من ربيتهم؟ قد ينقطع عمرك، لكن هل يستمر ما غرسته فيمن بعدك؟
﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ بعد أن ذكروا الآباء، قطعوا الطريق على كل معنى للوثنية التي تتعلق بالأشخاص: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾.
فالآباء الصالحون لا يُعبدون، ولا يُجعل حبهم طريقًا إلى الشرك، وإنما يتركون وراءهم التوحيد.
وهذا معنى عظيم: أن يكون أعظم ما تتوارثه الأجيال ليس تعظيم الأشخاص، وإنما تعظيم الله جل جلاله.
ولهذا لم يقل أبناء يعقوب: نعبد إله آبائنا لأنهم آباؤنا فحسب، بل قالوا: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾.
فالحق لا يصير حقًا لأن آباءنا حملوه، ولكن آباءنا الصالحين حملوا الحق لأنه حق.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ وهنا يكتمل المشهد.
قالوا: نعرفه ونعبده ونوحده، ثم قالوا: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. أي لسنا أصحاب معرفة نظرية فحسب، بل منقادون له بالطاعة والعبودية.
قال ابن جرير في معناها: «ونحن له خاضعون بالعبودية والطاعة».
وهذا هو الإسلام في حقيقته: أن تعرف من تعبد، ثم تخضع لمن عرفت إلها واحدًا.
فكم من إنسان يعرف الحق ولا يستسلم له! وكم من إنسان يحسن الكلام عن الله، لكن هواه عند الأمر والنهي هو المعبود!
أما أبناء يعقوب فجمعوا بين الأمرين:
﴿نَعْبُدُ﴾ .. عقيدة وعبادة.
﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ .. توحيد وتجريد.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ .. انقياد وطاعة.
وفي الآية درس عظيم للمربين، فيعقوب لم ينتظر أن تأتي الفتنة حتى يسأل أبناءه عن دينهم. بل كان يبني فيهم قبل أن يفقدهم. وهذا هو الفرق بين من يربي أبناءه على الدين، ومن يكتفي بأن يتمنى لهم الصلاح. لا يكفي أن تقول: أريد لابني أن يكون صالحًا. بل تفحص قواعده:
ماذا زرعت فيه حتى إذا غبت عنه بقي صالحًا؟
فإن التربية الحقيقية هي أن يبلغ بك الأمر أن يصبح الحق قناعةً في غيابك، وعبادةً دون رقابتك، وثباتًا حين لا تكون هناك.
والآية شديدة الصلة بالآية السابقة: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
ثم يأتي المشهد العملي عند الموت: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾
وكأن الخلاصة تقول: هذه هي الوصية، وهذا هو اختبارها.
فيا من يحمل همَّ الذرية، ويا من تعمل على إصلاح جيل، لا تجعل أكبر طموحك أن تترك وراءك أبناءً ناجحين، أو تلاميذ كثيرين، أو مشروعًا مشهورًا. بل اجعل من أعظم دعائك: اللهم ثبتهم على التوحيد والعمل بشريعتك إلى آخر رمق.
فهذا هو الميراث الذي لا يخشى عليه صاحبه من الموت. أن تموت أنت، ولا يموت ما عشت له في قلوب من بعدك.
ثم قال عز وجل: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [ البقرة: 134]
تأتي هذه الآية كأنها تقطع آخر حبلٍ يتعلّق به من أراد أن يستند إلى صلاح غيره، بدل أن يبني صلاحه هو نفسه.
فبعد أن ذكرت الآيات إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وذكرت توحيدهم وإسلامهم ووصيتهم لأبنائهم، لم تدع مجالًا لأحد أن يقول: أنا على طريقهم لأنني أنتسب إليهم، أو أتشرف باسمهم، أو أرفع شعار ملتهم؛ بل جاءت الكلمة الفاصلة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾.
مضى أولئك الصالحون بما قدموا، وانقضى زمانهم، وصار بينهم وبيننا حجاب الموت، فلم يبقَ لك منهم إلا الطريق الذي سلكوه، والعمل الذي عملوه.
قال أهل التفسير في معنى الآية: إن لكل نفس ما عملت من خير، ولكم أنتم ما عملتم، ولا تنفعكم دعاوى الانتساب إليهم؛ فالعبرة بما تقدّمونه أنتم من صالح الأعمال.
وهنا يوقظ القرآن القلب من غفلة دقيقة: أن يعجب الإنسان بصلاح من سبقه، ثم يظن أن مجرد الانتساب إليه يرفعه معه.
قد تكون من ذرية إبراهيم، ولا تكون على ملته. وقد تحمل اسم الإسلام، ولا يتحقق فيك الإسلام الذي كان عليه إبراهيم. وقد تكثر حديثك عن الصالحين، وتنتصر لهم، وتنتسب إلى طريقهم، ثم يكون نصيبك من طريقهم مجرد الاسم.
إن إبراهيم لم يورّث أبناءه اسمًا يتكئون عليه، بل دينًا يحملونه؛ ولذلك قال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ﴾، ثم قال: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.
وكأن المعنى: لا تجعلوا صلاح آبائكم عذرًا عن صلاح أنفسكم.
إن كان والدك صالحا، فهذا فضلٌ له، وليس شهادة نجاة لك. وإن كان في تاريخك علماء ومجاهدون ودعاة وصالحون، فهذا ميراث عظيم، لكنه أمانة لا عصمة. وإن انتسبت إلى مدرسة شرعية أو جماعة أو بيئة صالحة، فلا يغنيك ذلك عند الله شيئًا إن لم يظهر أثره في إيمانك وعملك. ولهذا جاء الختام: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
لن تُسأل عن رصيدهم، بل عن رصيدك. لن تُفتح صحيفتك لتوضع فيها أعمال آبائك، ولا إنجازات من سبقوك، ولا صلاح من كنت تحبهم وتعظمهم.
صحيفتك لك. وطريقك لك. وسؤالك لك.
وما أشد حاجة القلب إلى هذا المعنى حين يكثر حديثه عن السابقين، ويقل تفقده لنفسه.
حين يستحضر من كان أبي؟ وإلى من أنتسب؟ ومن شيوخي؟ ومع أي أهل الخير أسير؟ بينما السؤال الذي يضع القرآن به يدك على موضع الداء: ماذا كسبت أنت؟
فقد يكون المرء قريبًا من الصالحين وهو بعيد عن خصالهم، يعيش بين كتبهم ولا يعيش على هديهم، ويحفظ أقوالهم ولا يعمل بها، ويدافع عن سيرتهم بينما سيرته هو لا تشبه سيرتهم.
وهذا من أخطر أبواب الاغترار: أن يتحول تاريخ الصالحين في حياتنا من قدوة تدفعنا إلى العمل، إلى وسام نتزين به دون عمل.
فإن كنت تحب إبراهيم عليه السلام، فاسأل نفسك: أين التوحيد الذي عاش له؟ وإن كنت تحب إسماعيل، فأين التسليم؟ وإن كنت تحب يعقوب، فأين وصيته لأبنائه؟ وإن كنت تنتسب إلى أهل العلم والدعوة، فأين أثر العلم والدعوة فيك؟
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾. يا لها من آية تُسقط الأوهام كلها!
إنها تقول لك: لا تعش على أمجاد غيرك. اجعل سيرتهم جسرًا تعبر عليه، لا ظلًا تختبئ تحته.
واجعل انتسابك إليهم باعثًا على أن تلحق بهم، لا وسيلة لتوهّم أنك قد بلغت منزلتهم.
فإن السابقين مضوا، وقد حمل كل واحد منهم صحيفته، وها أنت اليوم تكتب صحيفتك.
فاحذر أن تنشغل طويلًا بقراءة صفحاتهم، وتنسى أن لك صفحةً تُكتب الآن.
تلك أمة قد خلت. لها ما كسبت. ولك ما كسبت. فلا يكفي أن تعرف طريق إبراهيم؛ بل سر فيه.
ولا يكفي أن تعظم التوحيد؛ وإنما حققه وحقق مقتضياته. ولا يكفي أن تحب الصالحين؛ إنما اقتدي بهم. ولا يكفي أن تتمنى أن تموت مسلمًا؛ بل عش مسلمُا.
فإن الموت خاتمة، والخاتمة لا تُبنى في لحظتها، وإنما تُبنى بما يسبقها من زمن. ومن أراد أن يلحق بالصالحين غدًا، فليصدق في السير على طريقهم اليوم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [ البقرة: 135]
هذه الآية تضع أمام المؤمن مشكلة الطريق والمرجعية: حين تتعدد الأصوات التي تدعي الهداية، لا تكون النجاة بأن تختار واحدًا من الشعارات المتنافسة، وإنما بأن ترجع إلى الحق الذي جاء به الوحي.
قالت اليهود: ﴿كُونُوا هُودًا … تَهْتَدُوا﴾، وقالت النصارى: ﴿كُونُوا … نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾؛ كل فريق جعل نفسه مقياس الهداية، ثم دعا الناس إلى أن يدخلوا في اسمه وطريقه.
فجاء الجواب الإلهي: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.
ليس الميزان: من أنتم؟ بل: على أي شيء كان إبراهيم؟
وليس السؤال: إلى أي جماعة تنتسب؟ بل: هل أنت على التوحيد الذي كان عليه إبراهيم؟
وقد ذكر الطبري أن الله احتج على الفريقين بأبلغ حجة: أن يرجعوا جميعًا إلى ملة إبراهيم التي يقرون بأنها دين الله، بدل أن يتنازعوا في الملل التي أحدثوها واختلفوا فيها. ثم قرر أن الحنيفية هي الاستقامة على دين إبراهيم واتباعه على ملته.
وهنا معنى بالغ الأهمية: فالحق لا يصير حقًا لأن جماعةً ما تكثر من الدعوة إليه، ولا الباطل يصير حقًا لأن له أتباعًا وشعارات وتاريخًا.
قد تسمع من يقول: كن معنا تهتدِ. وقد يقول آخر: طريقنا هو الحق. وقد يملك الثالث علمًا، ورصيدًا من الأسماء، وتاريخًا طويلًا، وأتباعًا كثيرين. لكن المؤمن لا يجعل كثرة الداعين ميزانًا، ولا قوة الاسم ميزانًا، ولا الانتماء ميزانًا.
إنما يرجع إلى الوحي، ويسأل: أين الملة التي جاء بها الرسل؟ أين التوحيد؟ أين الاستسلام لله؟ أين الحنيفية؟
﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ وكلمة ﴿حَنِيفًا﴾ وحدها ترسم لك صورة الطريق.
ذكر السلف في تفسيرها معاني متقاربة: قال مجاهد: «متبعين»، وقال السدي: «مخلصًا»، وفسرها آخرون بالاستقامة، وذكر الطبري أن الحنيف عنده هو الاستقامة على دين إبراهيم واتباعه على ملته.
فالحنيف ليس مجرد إنسان ترك باطلًا؛ بل إنسان استقام وجهه لله. ليس مشتت القلب بين الأبواب، ولا مترددًا بين الآلهة والأهواء، ولا يجعل دينه خليطًا من هذا وذاك.
حنيفًا: يميل عن الباطل إلى الحق، وعن الشرك إلى التوحيد، وعن اتباع الناس إلى اتباع الوحي، وعن الهوى إلى أمر الله عز وجل.
وهذه الحنيفية تحتاج إلى شجاعة؛ لأن إبراهيم لم يكن حنيفًا في عالم خالٍ من الضغوط، بل كان في مواجهة قومه، فقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾.
فالحنيفية ليست فكرة تحفظها، بل وجهة قلب وحياة. أن يكون لله وحده توجهك، وخوفك، ورجاؤك، ومحبتك، وعبادتك، وطاعتك.
ثم تأتي الكلمة التي تمنع أي التباس: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وكأن القرآن يقول: لا يكفي أن تقول: أنا على ملة إبراهيم، ثم يبقى في قلبك أو عملك شيء يناقض التوحيد.
إبراهيم حنيف؛ ولذلك لم يكن من المشركين. فلا يمكن أن تجمع بين دعوى الحنيفية وبين التعلق بما يناقضها، ولا بين تعظيم التوحيد وبين التساهل في أبواب الشرك، ولا بين الانتساب إلى ملة إبراهيم وبين اتباع ما خالفها. وهنا امتحان دقيق للقلب.
قد يظن الإنسان أن الثبات على الحق يعني أن يعرف من يخالفه، لكن الآية تدعوه إلى أن يعرف قبل ذلك ما الذي هو عليه هو. فإبراهيم لم يكن مجرد رجل رفض اليهودية والنصرانية؛ بل كان حنيفًا مسلمًا. وهذا فارق عظيم.
فلا تجعل هويتك قائمة على الرفض وحده؛ بل ابنها على الحق الذي تؤمن به.
لا يكفي أن تعرف الباطل لتتركه، بل اعرف الحق حتى تستقيم عليه. ولا يكفي أن تقول: لست مع هؤلاء؛ بل ينبغي أن تعرف: مع من أنتِ؟ وعلى أي طريق تسير؟
ولهذا كان الجواب: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.
أي: لسنا أسرى للأسماء التي تتنازع الناس، ولا للرايات التي يرفعها البشر؛ مرجعنا إلى ملة إبراهيم: توحيدٌ خالص، واستسلامٌ لله، واتباعٌ للحق. وهذا درس شديد الأهمية في زمن تكثر فيه الدعوات، وتتعدد فيه الجماعات، وتتضخم فيه الأسماء والانتماءات: ألا تجعل الاسم دليلًا على الحق؛ اجعل الحق دليلًا على الاسم.
ولا تسأل أولًا: من قال؟ بل اسأل: ماذا قال؟ وما دليله؟ وهل وافق كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما كان عليه سبيل الأنبياء؟
فإن الطريق إلى الله لا يُعرف بكثرة سالكيه، ولا ببريق شعاراته، ولا بقوة من ينتسب إليه؛ وإنما يُعرف بالوحي الذي جاء به رسل الله عز وجل.
ومن أعظم ما نتعلمه من إبراهيم هنا: أن تكون لله، ولو خالفك الناس. وأن تستقيم على الحق، ولو كثرت الدعوات إلى غيره. وأن يكون ميزانك الوحي، لا الجماعة. وأن يكون توحيدك لله، لا للأسماء والرايات.
فالهداية ليست أن تكون يهوديًا أو نصرانيًا أو تابعًا لاسم من أسماء البشر؛ الهداية أن تكون حنيفًا لله، مسلمًا له، على ملة إبراهيم التي جاء خاتم الأنبياء ﷺ بتجديدها وإتمامها.
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. وهذه هي القضية كلها:
أين وجهك؟ ولمن؟ فإذا استقام الوجه لله، استقام الطريق.
ثم قال تعالى: ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [ البقرة: 136]
من ملة إبراهيم إلى حقيقة الإسلام. هذه الآية ترسم صورةً بديعة لعقيدة المؤمن: إيمانٌ جامع لا يعرف الانتقائية، وتعظيمٌ لجميع رسل الله وكتبه، وتسليمٌ لله وحده. فالمؤمن لا يختار من الوحي ما يوافق هواه، ولا يفرّق بين رسل الله، بل يقول بقلبٍ مطمئن: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ﴾.
ثم تأتي الخاتمة التي تجمع هذا الإيمان كله في كلمة واحدة: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾؛ فكلهم جاؤوا بالحق من عند رب واحد، ودعوتهم في أصلها واحدة: عبادة الله وحده والانقياد له. وهنا يظهر كمال هذا الدين؛ فهو لا يبني إيماننا على هدم ما سبق من وحي الله، بل يربطنا بسلسلة النبوة كلها، ويجمع قلوبنا على أصل واحد.
فليكن إيمانك بهذا الاتساع: قلبٌ يؤمن بكل ما جاء من عند الله، ولسانٌ يقر بالحق، ونفسٌ لا تنتقي من أمر ربها ما تشتهي، بل تختم مقامها كما ختمت الآية: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
ومن هنا نفهم أيضا لماذا قال الله قبل ذلك: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾؛ فالاصطفاء لم يكن لمجرد النسب أو المكانة، وإنما لما قام به من العبودية والتوحيد والاستسلام، حتى صار إمامًا في هذا الطريق. ثم امتد أثره في ذريته بالوصية، لا بمجرد الدم والنسب.
فمن أراد أن يكون على ملة إبراهيم، فليسأل نفسه: من أعبد؟ ولمن أسلم؟ وعلى أي طريق أسير؟ وهل ألقى الله وأنا على ما أوصى به إبراهيم ويعقوب أبناءهما؟
ثم قال تعالى: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [ البقرة: 137]
في هذه الآية يظهر ميزان الحق واضحًا: الهداية ليست بمجرد الانتساب إلى دين أو دعوى الإيمان، وإنما بتحقيق الإيمان الحق الذي جاء به الوحي؛ فمن وافق المؤمنين في أصل إيمانهم بالله وكتبه ورسله، فقد سلك طريق الهدى، ومن أعرض عن ذلك، فقد اختار طريق الشقاق والمخالفة.
ثم تأتي الكلمة التي تسكب الطمأنينة في قلب المؤمن: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾؛ فلا تجعل ثباتك على الحق متوقفًا على رضا الناس عنك، ولا تستوحش إذا خالفك المخالفون، فالله كافٍ عبده، حافظٌ دينه، ناصرٌ من تمسك بحقه. وما عليك إلا أن تستقيم على ما آمنت به، وتدع أمر الخصومة لمن ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾؛ يسمع ما يقال، ويعلم خفايا القلوب، ولا يخفى عليه من أمر عباده شيء.
فإذا صدقت في إيمانك، فلا تخف من كثرة المخالفين؛ فإن قوة الحق ليست في كثرة أهله، وإنما في أن الله قائم عليه، وكافٍ لمن اعتصم به.
ثم قال عز وجل: ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [ البقرة: 138]
في قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ تصوير بديع لحقيقة الإيمان؛ فالإيمان ليس مجرد كلماتٍ، ولا مظهرًا، وإنما أثرٌ يصبغ القلب والروح والسلوك حتى تظهر آثاره على حياة العبد كلها. إنها صبغة الله التي تميّز بها المؤمن، وتشكّل بها قلبه ونظرته للحياة، فيعرف الحق حقًّا، ويحبّه، وينقاد له.
ثم يأتي الاستفهام الذي يملأ القلب تعظيمًا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾؟! وأي صبغة أحسن من صبغةٍ يصبغ الله بها قلبك، فتزكو بها نفسك، ويستقيم بها طريقك، وتجد بها معنى العبودية والطمأنينة؟!
ثم يجيء تمام المعنى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾؛ فهذه الصبغة ليست دعوى، وإنما حقيقتها عبوديةٌ لله، وانقيادٌ له، واتباعٌ لما شرع. فكلما رسخت صبغة الإيمان في القلب، ظهرت على الجوارح، واستقامت بها الحياة.
فاسأل نفسك: أيُّ شيء تركه الإيمان فيك؟ وهل إذا رآك الناس رأوا أثر صبغة الله في خُلُقك، واختياراتك، وطاعتك، ونظرتك إلى الدنيا؟ فليست العبرة أن تقول: أنا مسلم، وإنما أن تكون قد اصطبغت بالإسلام حتى صار ظاهر حياتك شاهدًا على ما استقر في قلبك.
فالقرآن لا يترك الدين في دائرة الانتساب النظري. إنما يقول: هذه هي صبغة الله. أي: الإسلام ودين الله وفطرته التي فطر الناس عليها، كما نقل الطبري عن مجاهد وقتادة وغيرهما.
والصبغة صورة بديعة للغاية؛ لأن الثوب إذا دخل في الصبغ تشربه حتى صار اللون ظاهرًا فيه، فكذلك الإيمان إذا استقر في القلب ظهر أثره على الإنسان كله.
وهذا هو المعنى الذي أبرزَه السعدي في تفسير الآية: أن الدين إذا صار صفة راسخة للعبد، حمله ذلك على الانقياد لأوامر الله محبةً واختيارًا، وظهر أثره في أخلاقه وأعماله.
فلا يكون الإسلام مجرد بطاقة تعريف، ولا مجرد انتساب تاريخي، ولا مجرد قول باللسان؛ بل صبغة تستولي على الاعتقاد والقول والعمل والخلق والسلوك.
ويمكن اختصار سياق الآيات في قاعدة واحدة: ليس الدين أن تنتسب إلى إبراهيم، ولا إلى يعقوب، ولا إلى موسى، ولا إلى عيسى، ولا أن تفخر بسلف صالح؛ وإنما الدين أن تكون على ما كانوا عليه: توحيدًا لله، وإيمانًا برسله، وتصديقًا بوحيه، واستسلامًا له، واتباعًا لشرعه.
ولهذا تتابعت الآيات بهذا البناء البديع، لأن أحسن صبغة هي التي تصنع منك إنسانًا على ملة الأنبياء حقيقةً، لا اسمًا وانتسابًا.
ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [ البقرة: 139]
في هذه الآية يتجلّى وضوح التوحيد وتجرد العبودية لله؛ فلا مجال للخصومة حين يكون أصل الأمر بيّنًا: ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾، فالله رب الجميع، والخلق كلهم عباده، وإنما يتمايزون بما يقدّمون من أعمال.
ثم يأتي هذا الإعلان الواثق: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾؛ فليس الانتساب وحده هو الذي ينجي، ولا دعوى الحق تكفي صاحبها، وإنما لكل امرئ عمله، وعليه تبعته، ويحاسب على ما قدّم.
لكن أجمل ما تختم به الآية هو قولهم: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾؛ فغاية الطريق ليست أن ينتصر الإنسان في الجدل، وإنما أن ينتصر على نفسه، فيجعل عمله لله وحده، لا لثناء الناس ولا لمجرد الانتصار للنفس.
فإذا امتلأ قلبك بإخلاص كهذا، لم تعد بحاجة إلى أن تثبت للناس أنك على الحق؛ يكفيك أن يعلم الله أنك له، وأنك لا تريد بعبادتك إلا وجهه. ومن هنا تكون العبودية أصدق من كل جدال، ويصبح الإخلاص هو البرهان الذي لا يحتاج إلى ضجيج.
وهنا يتصل قوله بهذه السلسلة السابقة: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾. فهي ليست عبارات متكررة بلا معنى، بل تتدرج في تصوير حقيقة المؤمن: إسلام وانقياد وعبادة وإخلاص.
ثم قال تعالى: ﴿ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [ البقرة: 140]
في هذه الآية يتجلّى خطر أن يتكلم الإنسان في دين الله بغير علم، وأن يجعل الهوى والانتماء مقدَّمًا على الحق. فقد زعم أهل الكتاب أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا على اليهودية أو النصرانية، فجاء الرد الإلهي الحاسم: ﴿قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾؛ وكأنها قاعدة تُردّ بها أبواب الجدل كلها: إذا جاء خبر الله، فليس بعده رأي، ولا مذهب، ولا دعوى.
ثم يكشف الله قبح جريمة أخرى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ فليس الخطأ دائمًا أن تجهل الحق، وإنما البلاء الأعظم أن تعرفه ثم تكتمه، أو تعلمه ثم تقول خلافه. ولهذا ختمت الآية بتهديد يوقظ القلب: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾؛ فما تخفيه النفوس، وما تكتمه الألسن، وما يُغيَّر من الحق عمدًا، كله عند الله معلوم ومحفوظ.
فليكن من أدبك مع الوحي أن تتذكر دائمًا أنه قد يخفى الحق على الإنسان، لكن لا يخفى الحق على الله؛ فإذا أخبر، فحسب المؤمن أن يقول: صدق الله، فهو أعلم بمن خلق، وأعلم بما شرع، وأعلم بمنهج أنبيائه.
وفي سياق الآيات، يدخل في ذلك كتمان حقيقة ملة إبراهيم وأنها الحنيفية المسلمة، وعدم نسبة إبراهيم إلى اليهودية أو النصرانية.
وذكر الطبري أيضًا قولًا آخر عن قتادة وغيره في أن من كتمان الشهادة كتمان أمر النبي ﷺ وصفته، إلا أن الطبري رجح حمل الآية على سياق قصة إبراهيم ومن ذكر معه؛ لأن الكلام متصل بهم.
والمحاجة الصحيحة تقوم على الجمع بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين. وهذه قاعدة عقلية ومنهجية عظيمة. فإذا اشترك فريقان في أصل، وجب ألا يُجعل ذلك الأصل سببًا للتفريق بينهما بلا موجب. وإذا اختلفا في أمر مؤثر، وجب بيان وجه الاختلاف.
ولهذا قالت الآية: ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ فهذا أصل مشترك. ثم قالت: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ فهذا موضع مسؤولية وتفاوت. ثم قالت: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ فهذا وصف فارق.
فالمحاجة القرآنية لا تقوم على رفع الصوت ولا على مجرد إبطال الخصم، وإنما على تحديد محل الاتفاق، ثم تحديد محل النزاع، ثم إقامة البرهان.
والخاتمة تربي على استحضار رقابة الله ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
فبعد الحديث عن الكتمان، والتحريف، والدعاوى، والمجادلة، تأتي هذه الجملة لتقرر: قد يستطيع الإنسان أن يخفي الحقيقة عن الناس، لكنه لا يستطيع أن يخفيها عن الله. وقد يخفي الإنسان كلمته، أو يحرف دلالتها، أو ينتسب إلى ملة، أو يدعي اتباع نبي، لكن الله يعلم ما وراء الدعوى، وما وراء اللسان، وما في القلب، وما عملت الجوارح.
يقول تعالى لنبيه ﷺ: إذا جادلك أهل الكتاب في دين الله، وزعموا أنهم أحق بالله منكم، فقل لهم: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾؟ إن ربنا وربكم واحد، وليس الله ربًّا لطائفة دون أخرى، وكل إنسان إنما يحمل نتيجة عمله: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾. فلا يكفي الانتساب إلى إبراهيم أو إسماعيل أو إسحاق أو يعقوب، ولا مجرد دعوى الانتساب إلى دين سماوي؛ وإنما العبرة بالإيمان الصحيح والعمل الذي يصدقه.
ثم تقطع الآية طريق المفاخرة بالانتساب بقولها: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾؛ أي إن الفارق الحقيقي ليس في الدعاوى والأسماء، وإنما في إخلاص العبادة لله واتباع ما شرعه.
وهذا يتصل اتصالًا بديعًا بما سبق.
قال السعدي في معنى الآية إن التفضيل إنما يكون بإخلاص الأعمال الصالحة لله، وأن هذا هو الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
وهذا معنى عظيم جدًا؛ لأن القرآن لا يعلّم المؤمن أن يقول: نحن أفضل لأننا ننتسب إلى كذا، وإنما يعلّمه أن يقول: نحن لله.
ثم تأتي الآية الأخيرة في هذا الربع: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [ البقرة: 141]
هذه الآية تأتي كخاتمة قوية لما سبقها؛ لتقطع طريق الاغترار بالانتساب، وتردّ الإنسان إلى ميدان العمل الذي لا ينفعه فيه اسمٌ ولا نسب. وقد بيّن الطبري وابن كثير أن المراد أن لكل أمة عملها، وأن العبرة بما يقدمه العبد لا بما ينتسب إليه من الآباء والأسلاف.
تأمل كيف يكرر القرآن: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾؛ فكأن الآية تنتزع القلب من الاتكال على أمجاد من سبقوه، وتضعه أمام مسؤوليته الخاصة: أولئك مضوا بما قدموا، وأنت اليوم تمضي في الطريق نفسه، وستلقى الله بما قدمت أنت. لا يكفي أن تنتسب إلى إبراهيم، ولا أن تفتخر بصلاح الآباء، ولا أن تسكن إلى تاريخ عظيم؛ فالمجد الذي صنعه غيرك لا يحملك إلى الله، وإنما الذي يحملك هو ما تصنعه أنت.
وهنا تشرق في النفس حقيقة عظيمة: ليس المطلوب أن تكون امتدادًا لأمجاد غيرك فحسب، بل أن تصنع لنفسك صحيفةً تليق بأن تلقى الله بها. فاسأل نفسك: ماذا أكتب اليوم في صحيفتي؟ وما الذي سيبقى لي حين يصبح كل ما أفتخر به من الماضي، ويقال لي: “لَكَ مَا كَسَبْتَ”؟
فلا تغترّ بصلاح من سبقك، ولا تجعل انتسابك إلى أهل الخير غطاءً لتقصيرك؛ فهم لهم أعمالهم، ولك أعمالك، وكل نفس مرهونة بما قدمت. وهذه ليست دعوة إلى نسيان سير الصالحين، بل إلى أن تجعل سيرتهم باعثًا لك على العمل، لا عذرًا لك عن العمل.
وفي الختام،
لا تنفعك دعوى الهداية حتى تؤمن، ولا ينفعك اسم الإسلام حتى تصطبغ به، ولا ينفعك الانتساب إلى أهل الحق حتى تكون على الحق، ولا ينفعك الانتساب إلى الأنبياء حتى تتبع سبيلهم، ولا تحمل عنك أعمال آبائك شيئًا؛ فلك عملك، وعليك عملك، وبين يدي الله تقف وحدك.
وهذا أيضًا يهيئ الانتقال إلى قضية القبلة التي ستأتي في بداية الجزء الثاني لسورة البقرة؛ لأن الأمة التي ستُناط بها الرسالة والقيادة والشهادة على الناس لا تُعرَّف بمجرد النسب، وإنما تُعرَّف بملة إبراهيم الحنيفية، والتسليم لله، والإخلاص له، والطاعة لأمره. ولذلك يأتي بعد هذا مباشرة الحديث الطويل عن تحويل القبلة وبناء هوية الأمة المسلمة وتمييزها عن أهل الكتاب.
وهكذا ينتهي بنا هذا الربع الثامن والجزء الأول من سورة البقرة، وقد نقلنا من إبراهيم الذي ابتلاه ربُّه فأتمَّ الكلمات إلى أمةٍ تفتخر بإبراهيم، وبين المشهدين مسافةٌ شاسعة: مسافةٌ بين من يُثبت انتسابه بالعمل، ومن يكتفي بالانتساب بالقول.
لقد أراد الله أن يعلّمنا أن الاصطفاء ليس لقبًا يُورث، ولا مقامًا يُدَّعى، ولا شرفًا يُستمد من آباء صالحين؛ وإنما هو أمانةٌ يحملها العبد، وابتلاءٌ يثبت فيه، وتسليمٌ يصدق ذلك عند الاختبار.
فإبراهيم عليه السلام لم ينل الإمامة بنسبٍ يُفتخر به، وإنما نالها حين ابتلاه الله فأتمّ ما أمره به. ولم تكن عظمة ملته في نسبٍ يُنتسب إليه، وإنما في قلبٍ أسلم لله، ووجهٍ أقبل عليه، وحياةٍ قامت على التوحيد والطاعة.
ثم تكشف الآيات لنا آفةً قد تتسلل إلى أهل الإيمان من حيث لا يشعرون: أن يتحول الانتساب إلى الحق إلى بديل عن القيام بحق الحق؛ فيطمئن المرء إلى الجماعة التي ينتسب إليها، أو الآباء الذين يفخر بهم، أو الطريق الذي يسمي نفسه عليه، وينسى أن الله سيقول له يوم القيامة: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾.
فلا يحمل عنك صالحٌ صلاحه، ولا ينجيك اسمٌ إذا خالفته الحقيقة، ولا يرفعك نسبٌ إذا وضعك عملك. ومن هنا يصبح قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ تحذيرًا لكل من عرف الحق ثم سكت عنه، أو بدّل معالمه، أو جعل هواه حاكمًا عليه، أو استخدم الانتساب إلى الدين ستارًا يحجب به ما في قلبه من مخالفة.
ثم تأتي الخاتمة التي تقطع كل وهم: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾.
كأن القرآن ينتزع الإنسان من كل ما يتكئ عليه خارج نفسه، ويضعه أمام الله مجردًا إلا من عمله.
فيا من تنتسب إلى ملة إبراهيم: أين تسليمك حين تُبتلى؟
ويا من تقول إنك على طريق الحق: ماذا صنعت حين كُلِّفت؟
ويا من تفرح بصلاح من سبقك: ماذا قدمت أنت؟
ويا من تحمل اسم الدين: هل صبغ الدين قلبك حتى صار عملك شاهدًا على دعواك؟
إن هذه الآيات لا تريد منا أن نعجب بإبراهيم فحسب، بل أن نُشبه إبراهيم في مقام التسليم؛ أن نعرف أن الطريق إلى الإمامة يمر بالابتلاء، وأن صدق العبودية يظهر حين تتعارض رغبة النفس مع أمر الله، وأن أعظم ما يملكه العبد عندها أن يقول بفعله قبل قوله: سمعنا وأطعنا.
فاحذر أن تكون ممن ورثوا الاسم وفقدوا الحقيقة، وحفظوا النسبة وضيعوا الملة، وأحبوا مقام الصالحين ولم يسلكوا طريقهم. فالأنساب تنتهي، والأمم تمضي، والأسماء تُنسى، ويبقى بين يدي الله شيء واحد لا يضيع: ماذا كنتَ لله؟ وماذا قدمتَ له؟
وهناك، حيث لا تنفع الدعاوى، ولا تنقذ الانتسابات، ولا يستطيع أحد أن يستعير عمل أحد، سيبقى قول الله ماثلًا أمام كل نفس: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾.
فطوبى لمن لم يكتفِ بأن يقول: أنا على طريق إبراهيم، بل جعل حياته كلها جوابًا صادقًا عن هذا الانتساب.
نهاية الجزء الأول من سورة البقرة
هنا، عند ختام هذا الربع، نكون قد أتممنا الجزء الأول من سورة البقرة؛ وكأننا لا نطوي صفحاتٍ قرأناها، وإنما نطوي مرحلةً كاملةً من التربية القرآنية، أخذتنا السورة فيها خطوةً خطوة، حتى أوقفتنا عند حقيقةٍ عظيمة: أن القرآن لا يريد منا علمًا مجردًا، ولا معرفةً تنتهي عند حدود الذهن، وإنما يريد أن يهدي قلوبنا، ويزكي نفوسنا، ويصنع منا عبادًا لله مخلصين.
فبدأت السورة ببيان حال الناس أمام هذا الكتاب: فكان هدىً للمتقين، ثم عرضت لنا نماذج الإيمان والكفر والنفاق، وكشفت شيئًا من حقيقة الإنسان في علاقته بربه، وذكّرتنا بأصل خلقه وعداوة الشيطان له، ثم أخذتنا إلى قصة آدم عليه السلام؛ لنتعلم منها معنى الاستخلاف، والتوبة، والرجوع إلى هدى الله.
ثم انتقلت بنا إلى تاريخ بني إسرائيل؛ نستعرض ما أفاء الله عليهم من نعمه، وما كان منهم من نقضٍ للعهود، وكتمانٍ للحق، وتحريفٍ له، لتنكشف لنا من خلال قصتهم سنن الثبات والانحراف، وحقيقة الانتساب حين ينفصل عن الإيمان والعمل.
ثم انتهت بنا هذه المرحلة إلى إبراهيم عليه السلام؛ ذلك العبد الذي لم تكن منزلته في مجرد الانتساب إليه، وإنما في عبوديته لله، وتمام استجابته لأمره، حتى ابتلاه الله فأتمّ ما ابتلاه به، فاستحق أن يكون إمامًا للناس.
وهكذا لا نخرج من هذا الربع بمجرد معلوماتٍ عن أممٍ وأحداث، وإنما نخرج بسؤالٍ يطرق القلب: أين أنا من هذا كله؟ وهل صنعت آيات القرآن مني عبدًا لله كما أراد؟
وما أعجب ختام هذا الجزء! فبعد أن رأينا أمةً تنتسب إلى آباء الأنبياء، جاء الجواب:
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾.
وكأن القرآن يريد أن يتركنا عند الباب قبل أن ننتقل إلى بقية السورة، وقد سقطت من أيدينا كل الأعذار:
لا ينفعك أن تقول: أنا من أهل الحق، إن لم تكن من أهله عملًا.
ولا ينفعك أن تقول: أنا على طريق الصالحين، إن لم تمشِ في طريقهم.
ولا ينفعك أن تفتخر بمن سبقك، إذا لم يكن لك أنت في سجل العمل ما تفتخر به.
لقد مضى إبراهيم، ومضى الأنبياء، ومضت الأمم، ونحن الآن أصحاب الدور.
هم كانت لهم أيامهم، ولنا أيامنا.
هم كانت لهم ابتلاءاتهم، ولنا ابتلاءاتنا.
هم قدموا إلى الله ما قدموا، ونحن سنقدم إليه ما قدمنا.
ولهذا فإن ختام هذا الجزء ليس نهاية قراءة، بل بداية مسؤولية. فبعد كل ما قرأناه، لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا فهمنا من الجزء الأول؟ بل ينبغي أن نسأل سؤالًا أشد وقعًا: ماذا غيّر فينا؟
هل صرنا أخوف من النفاق؟ أصدق في الإيمان؟ أشد تعظيمًا لأمر الله؟ أبعد عن اتباع الهوى؟
أثبت عند الابتلاء؟ أصدق في التسليم؟ أقل اتكالًا على أسمائنا وانتساباتنا، وأكثر رجاء لرحمة الله وسعيا للعمل الصالح؟
فإن كان القرآن قد مرّ على قلوبنا ولم يترك فيها أثرًا، فما أعظم الخسارة!
أما إن كان قد هزّ فينا شيئًا، وأيقظ فينا شيئًا، وأصلح فينا شيئًا، فالحمد لله الذي لم يجعل نصيبنا من القرآن ألفاظًا تمر على الألسنة، بل نورًا يتسلل إلى القلب، وهدايةً تنبعث فينا حياة.
ولعل أجمل ما نختم به هذا الجزء أن نتذكر أن القرآن لم يسمِّ إبراهيم إمامًا لأنه لم يُبتلَ، بل لأنه أتمّ ما أمره الله به. ولا يعني ذلك أن نبقى نفكر: هل سنُبتلى؟ فنحن في دار ابتلاء. وإنما أن نكون حين يأتي الابتلاء، على استعداد لإتمام ما أمر الله تعالى به.
وهل سنبقى لله حين تتغير الظروف؟ وهل نطيع حين لا توافق الطاعة أهواءنا؟ وهل نصبر حين يطول الطريق؟ وهل نحفظ العهد حين تثقل كلفته؟ وهل نختار الله حين تدعونا الدنيا إلى غيره؟
هذه هي الرسالة التي يحملها إلينا الجزء الأول من البقرة:
كن عبدًا لله، ولا تكن مغترًا باسمك. واثبت على الحق، ولا تتكئ على انتسابك.
وأتمّ ما ابتلاك الله به، فلعل الله أن يرفعك بعد ذلك إلى مقامٍ لم تكن تظن أنك تبلغه.
وهكذا نودّع الجزء الأول، بقلب أشد اشتياقًا: لقد انتهت معنا مرحلة من الطريق، وما زال الكتاب يربينا، وما زالت الرحلة طويلة، وما زال في القلب الكثير مما يحتاج إلى أن يصلح.
اللهم لا تجعل القرآن حجةً لنا على غيرنا فحسب، بل اجعله حجةً لنا على أنفسنا، ونورًا في قلوبنا، وهادياً لأعمالنا، حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا. اللهم آمين.
… تم الإعجاب بذلك!