متلازمة “التعظيم يُلزم الحرب والتحقير”

من أكثر الأفكار اضطرابًا التي تسللت إلى الجدل اليومي أن تعظيم شيء لا يكتمل في النفس إلا بتحقير ما سواه؛

فإذا أحب المرء شيخًا فلا بد أن ينتقص من غيره،

وإذا عظّم رمزًا فلا بد أن يبحث عن خصمه ليحقره ويسقطه،

وإذا اعتز بوطن فلا بد أن يحتقر وطنًا آخر،

وإذا انحاز إلى فكرة أو جماعة، صار من لوازم ولائه أن يجعل كل ما سواها في الجهة الأخرى أدنى وأحط.

وحتى إذا دافع عن الرجل، لا بد أن يحقّر المرأة.

وهكذا تتحول المحبة إلى عصبية، والاعتزاز إلى استعلاء، والوفاء إلى خصومة، ويصبح الإنسان محتاجًا دائمًا إلى “آخر” يحطمه حتى يشعر هو بأنه أعلى أو يدافع عن فضيلته.

وهذه ليست قوة في التعظيم، بل عقدة في النفس؛ لأن النفس السوية تستطيع أن تعظّم الحق وأهله، وتعرف فضل الفضلاء، وتحب ما تحب، دون أن تحتاج إلى صناعة عدوّ تحطّ من قدره وتبخسه كل حق وإن كان في شريعة الله مقررًا، لتثبت لنفسها مكانتها.

إن من أكبر الأخطاء الفكرية التي تسربت إلى الوعي المعاصر، أن كثيرًا من الناس صاروا يظنون أن تكريم طرف لا يكون إلا بإهانة الطرف الآخر، وكأنها متلازمة!

والله جعل ميزانا منصفا ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [ الحجرات: 13]

وقال عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [ المائدة: 8]

وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [ الشعراء: 183]

وكونُ أحدهم أفضلَ لا يمنع أن يكون الآخر فاضلًا أيضًا، وإن كان أحدهم أعلمَ فلا يمنع أن يكون الآخر عالمًا أيضًا، وإن كان أحدهم أرجحَ عقلًا أو أقوى أثرًا أو أعظم منزلةً في باب، فلا يلزم من ذلك أن يكون الآخر ساقطَ القدر في كل باب. فالفضل ليس مجلسًا لا يتسع إلا لواحد، والمكانة ليست مقعدًا لا يجلس عليه إلا رجل واحد. قد يجتمع الفضل في أكثر من شخص، وتتفاوت مراتبه، ويختص كل واحد بباب من أبواب الخير؛ وليس من العدل أن نحول المفاضلة في خصلة إلى إلغاءٍ شامل للآخر، ولا أن نجعل إثبات فضيلة أحدهم متوقفًا على نفي فضيلة غيره.

إنها آفة نفسية متجلية، حين يضيق الإنسان بالفضل إذا لم يكن له وحده، وهي من جنس “حب التفرد بالصيت”، فيرى أن اعترافه بمزية غيره انتقاصٌ من نفسه، وأن محبته لشيخه لا تثبت إلا بإسقاط أو استنقاص بقية المشايخ، وأن اعتزازه بجماعته لا يكتمل إلا بتسفيه غيرها، وأن تعظيم الرجل لا يتم إلا بتحقير المرأة. وكأن النفس لا تستطيع أن تقول: هذا فاضل، وهذا فاضل، وهذا أفضل في هذا الباب؛ بل لا بد أن يكون أحدهم عظيمًا والآخر وضيعًا.

وهذا منطق العصبية، لا منطق العدل؛ ومنطق التنازع على المكانة، لا منطق معرفة الفضل. أما النفس الراشدة فتستطيع أن تحب هذا، وتحترم ذاك، وتعترف بفضل الثالث، وتقول في الوقت نفسه: هذا أفضل في هذا الباب، وذاك أفضل في باب آخر، وكلاهما من أهل الفضل. فالتفاضل لا يعني الإلغاء، والاختصاص لا يعني الاحتقار، وعلو المنزلة لا يستلزم سقوط من دونها.

وحين يتحرر الإنسان من هذه المعادلة المختلة، يستطيع أن يعظّم دون أن يتعصب أو يبخس، ويحب دون أن يظلم أو يطغى، ويفاضل دون أن يهدم أو يجحد، وينصر من يراه على الحق دون أن يحوّل مخالفه إلى عدوٍّ مباح القدر والحق. وهنا يستقيم التعظيم؛ لأنه يصبح تعظيمًا للحق والفضل، لا تعظيمًا للذات من خلال تحقير الآخرين.

اللهم طهّر قلوبنا من حظوظ النفوس، وارزقنا عدلًا لا يظلم، ومحبةً لا تعمي، وتعظيمًا للحق لا يجعلنا نبخس الناس أقدارهم، وأرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، واجعل تقوانا ميزاننا، وإليك وحدك مرجعنا ومآلنا. يا رحمن يا رحيم.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x