ما وراء صعود السياسيين من الجالية المسلمة في الولايات المتحدة؟

استبشر الكثير من المسلمين بفوز 10 أمريكيين من أصول مسلمة في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، من بينهم 6 نساء محجبات. باعتباره انتصارًا سياسيًا تاريخيًا للجالية المسلمة في أمريكا.

ولعل أكثر شخصية بلغت شهرة لم يبلغها أحد من هؤلاء الذين وصلوا للمشهد السياسي الأمريكي، الأمريكية الصومالية إلهان عمر، وهي ناشطة سياسية أمريكيّة من مينيسوتا بدأت تحقق شهرة محلية منذ عام 1437هـ (2016م)، عند انتخابها عضوة في مجلس نواب منيسوتا ممثلة للحزب الديمقراطي.

 وجذبت إلهان عمر اهتمام الإعلام والجماهير، بصفتها أيقونة “إسلامية” أثارت جدلا كبيرا سواء بشأن حياتها الخاصة أو تصريحاتها الناقدة وتراشقاتها مع الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب.

كان فوز إلهان أول فوز تسجله دوائر الانتخابات الأمريكية لمسلمة صومالية. فدفعها هذا الفوز للترشح إلى المنافسة على عضويّة مجلس النواب الأمريكي عن مينيسوتا في الانتخابات النصفيّة في عام 1439هـ (2018م)، وفازت فيها لتصبح بذلك أول صومالية-أمريكية تُنتخب في كونغرس الولايات المتحدة جنبًا إلى جنب مع رشيدة طليب الفلسطينية الشهيرة ببكائها عند الحديث عن قضية فلسطين!.

وكان هذا الخبر مدويًا في الفضاء الإعلامي وبنت عليه الجماهير المسلمة الكثير من الأحلام والآمال بل وصل الأمر لاعتبار إلهان ورشيدة نموذجًا للنجاح الإسلامي في اختراق السياسة الأمريكية!

وكان أكثر المعوّلين على هذا الصعود أصحاب الانتماءات السياسية المؤمنون بالديمقراطية بشعارات إسلامية.

الخلفية المؤثرة

لا شك أن قصة إلهان كانت من أهم أسباب التعاطف مع صعودها السياسي، كلاجئة صومالية فرت مع عائلتها من الحرب الأهلية في عام 1411هـ (1991م)؛ إلى مخيم للاجئين في كينيا، لتتمكن في  عام 1415هـ (1995م)؛ من الهجرة إلى الولايات المتحدة، وبحسب تصريحات إلهان للصحافة فقد تربت منذ صغرها على مبادئ الديمقراطية الأمريكية. وساعدها في التقدم في ميدان السياسة بمبادئ الحزب الديمقراطي تخرجها من جامعة نورث داكوتا مع درجة البكالوريوس في العلوم السياسية والدراسات الدولية في عام 1432هـ (2011م).

ورغم الآمال التي بنتها شريحة عريضة من المسلمين لصعود إلهان السياسي، كان واضحا بما لا يحتاج لتبرير، إعلان إلهان عن تبنيها لجميع سياسات ومبادئ الحزب الديمقراطي، بكل ما تحمله من تناقضات مع الدين الإسلامي. وهذا ما يفسر موقف إلهان الداعم لمشروع قانون أمريكي يعاقب دولة بروناي على تطبيق نظام الشريعة الإسلامية، فكانت في الصف الأول للمعترضين على حق هذه الدولة الصغيرة في تطبيق الشريعة على أرضها بل والمحرضين على عقابها.

القضية الفلسطينية

لكن أكثر ما جعل الجماهير المسلمة تتعاطف مع إلهان عمر وتتوقع منها دورًا أكبر مما هي عليه، هو انتقاداتها لسياسات الاحتلال الإسرائيلي، الذي وصفته يوما ما بأنه «نظام فصلٍ عنصري» وقد جلبت عليها دعوتها لجامعة مينيسوتا بسحب الاستثمارات والسندات من تل أبيب انتقادات لاذعة، وصلت إلى حد اتهامها بمعاداة السامية من قبلِ بعض اليمينيين الأمريكيين والجمهوريين. فالغرب يعتبر كل من ينتقد الاحتلال الإسرائيلي معادٍ للسامية، أما سب وشتم وشيطنة الإسلام فليس إلا مجرد حرية تعبير ولو كان يتفجر عدوانًا وظلمًا.

لقد دافعت إلهان عمر عن نفسها –بالتأكيد- بضرورة الفصل بين انتقادها للحكومة الإسرائيلية وبين أن تكون في حالة كراهية للشعب اليهودي، ومع وصول اسم إلهان إلى خطابات الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب الجمهوري، أصبحت التراشقات بينهما مثيرة لاهتمام الملايين من الناس عبر العالم، فزاد ذلك من شهرة المرأة السمراء التي تظهر بغطاء رأس على الشاشات الأمريكية.  

الإسلاموفوبيا

دفعت الانتقادات المستمرة والعدوانية في كثير من الأحيان من السياسيين الأمريكين، إلهان عمر إلى إثارة المطالب ضد الإسلاموفوبيا، ودفع زملاؤها من أصل مسلم في الكونغرس الأمريكي قادة مجلس النواب إلى اتخاذ إجراءات ضد هذه الظاهرة العدوانية ضد المسلمين.

 وتعد انتقادات إلهان عمر لحكومة الاحتلال الإسرائيلي ومطالبها بمحاربة الإسلاموفوبيا فضلا عن طلب مساءلة لمرتكبي جرائم الحرب في أفغانستان والأراضي الفلسطينية المحتلة، أبرز القضايا التي اشتهرت بها كمنافحة عن حقوق المسلمين. لكن فعليًا في واقع الجالية المسلمة في أمريكا، لم تقدم إلهان عمر أي تغيير ملموس أو فعال في طبيعة القوانين الأمريكية التي تتصل بحياة المسلمين في تلك البلاد. واقتصر دورها على شغل الشاشات كممثلة عن الحزب الديمقراطي تمثل الديمقراطية أحسن تمثيل وتقاتل الجمهوريين بشراسة كما يفعل كل ديمقراطي أمريكي!

ويبدو أن طموح الوصول لواجهة السياسة الأمريكية أضحى مطلبًا لجيل من الشباب من أصول مسلمة تربى ونشأ على المبادئ الديمقراطية في أمريكا. فكانت إلهان عمر قدوة لهم ومصدر إلهام!.

جيل من الشباب “الطموح

مع أن إلهان كانت الأكثر شهرة كامرأة من أصول مسلمة تظهر في الشاشات الأمريكية تنتقد وتمارس “ديمقراطيتها” بكل حرية! إلا أن في الواقع جيلًا من الشباب الأمريكي المسلم، أصبح يسابق على هذه المرتبة من التصدر في المشهد السياسي الأمريكي وإن كانوا أقل شهرة، منهم مانا عبدي التي كانت من بين الذين انتخبوا في المجلس التشريعي لولاية مين،  وهي تحمل سيرة مشابهة لإلهان عمر بنفس الأصول ومراحل الانتقال.

 ثم الباكستانية الأمريكية، أليشا خان، وهي الأصغر سنّاً بينهم (21 عاماً) فازت أيضا في انتخابات التجديد للمجالس التشريعية للولايات في نيو برونزويك، نيو جيرسي.

وفي ولاية إنديانا، دخل الديمقراطي المسلم أندريه كارسون التاريخ من خلال انتخابه لعضوية الكونغرس للمرة السابعة، ثم  الديمقراطيان سلمان بوجاني وسليمان لالاني حيث تم انتخابهما لعضوية المجلس التشريعي في تكساس.

وفي ولاية ميشيغان انتُخبت الديمقراطية رشيدة طليب للمرة الثالثة، وفي ولاية جورجيا، ظهر اسم سيناتور الشيخ رحمن هو المسلم الوحيد في المجلس التشريعي، مع امرأتين مسلمتين، نبيلة إسلام ورواء رمان.

طبيعة الأجيال الجديدة للمسلمين في أمريكا

صعود هذه الشخصيات الأمريكية من أصول مسلمة للمشهد السياسي في أمريكا، جاء بعد مرحلة من الإسلاموفوبيا على إثر هجمات الحادي عشر من سبتمر، فكانت محاولة من الجالية المسلمة للانخراط في الواقع الأمريكي بحس وطني مخلص لبلاد نشأوا فيها وتعلموا فيها قيمها ومبادئها الديمقراطية، وقد تمكنوا من كسب تعاطف الديمقراطيين لطبيعة معركتهم الشرسة مع الجمهوريين بقيادة الرئيس ترامب، الذي كانت سياساته مناهضة للمهاجرين في أمريكا. ولم تكن مشكلة أن يصطف هؤلاء مع مجتمع الشواذ والمطالبين بالحريات الواسعة المحاربة للدين والفطرة، ما دامت مظلة الحزب الديمقراطي تسعهم جميعًا.

ولا شك أن التطرف الأمريكي دفع المسلمين في هذه البلاد إلى محاولة التخفيف من أضرار الاستسلام لقيادة معادية للإسلام ولكنهم في نهاية المطاف لم يقدموا غير الدفاع عن نسخة من الإسلام الأمريكي الذي تريده القيادة الأمريكية. وهذا ما زاد من شعبية هذه الشريحة في معارك طاحنة بين الديمقراطيين والجمهوريين.

 حقيقة الصعود الإسلام في السياسة الأمريكية

إن المطلع على السياسات الأمريكية في العالم الإسلامي، وخاصة الدراسات والبحوث التي تعكف على إخراجها مؤسسات واشنطن البحثية، يعلم جيدًا أن القيادة الأمريكية لن تكون بمثل هذه السذاجة لتفتح الباب لمسلمين يحملون الإسلام منهج جياة لتولي مناصب مهمة في إدارتها، بينما هي تحارب كل محاولة لاستقلال إسلامي في موطنه! ولا يمكن لدولة بسطت هيمنتها على العالم وطاردت المسلمين المطالبين بنظام الشريعة الإسلامية بلا هوادة، مع بعد المسافة بينهم وبين أرض أمريكا إلا أن يكون لها استراتيجية تخدم طموحاتها في استمرار الهيمنة الأمريكية. فالسياسات الأمريكية تصب دائما في صالح استمرار الهيمنة الغربية على العالم الإسلامي وترسيخ مبادئ الديمقراطية التي تهدم “قدسية” الدين والانتماء الأممي، وتحول الأفراد لعمال مخلصين لصالح مجد أمريكا، وقد أثبتت ذلك الأيام التي تلت هذا التنصيب وهذه الدعايات والترويج الكبير لصور نساء بحجاب وللمشاهد المؤثرة من التعاطف مع قضية فلسطين!

لقد اكتشف الكثيرون أن هؤلاء الذين حملوا اسم الإسلام شكليًا، وصعدوا المنابر السياسية الأمريكية يتحدثون بلغة القوم وبمفاهيمهم ومبادئهم، ليسوا سوى جنودًا عند اليسار وخدامًا لأجندته. وهذا ما يفسر خبر إلقاء القبض على إلهان عمر خلال تظاهرها أمام المحكمة الأمريكية العليا دعمًا لحق الإجهاض والشواذ وما يسمى مجتمع الميم في الولايات المتحدة!

لقد كانت إلهان عمر ولا تزال من أشد المدافعين عن هذه الحقوق، اعتقادًا بالمبادئ الديمقراطية! وهو تماما ما تريده الإدارة الأمريكية لعكس صورة “الديمقراطية الأمريكية” التي تجمع كل الأديان والأصول والخلفيات والثقافات تحت ظل الحكم الأمريكي، بينما هي في الواقع تجمع الصورة المشوهة والمناسبة لبقاء هيمنتها وقيادتها للعالم. فكيف يمكن أن تمثل مسلمة الإسلام وهي تدافع عن حقوق المثليين وتناصرهم وتطالب بالإجهاض وكل ما يدعو له الحزب الديمقراطي من حرب سافرة على الفطرة قبل الدين!!

إنه باختصار “الإسلام الأمريكي” الذي يصدمنا في كل مرة بمشاهد لا تحمل من الإسلام إلا الانتماء العرقي! لكن في الواقع إنه إسلام أمريكي على مقاسات الديمقراطية والعلمانية وهو مخالف تماما للإسلام الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم!

وإنه لمشهد عجيب أن يناضل الجمهوري اليميني ضد التساهل مع الإجهاض ويرفض بصرامة دعم الشواذ في حين تتصدى له بجرأة امرأة محسوبة على المسلمين لتدافع عن هذه المطالب التي يرفضها الإسلام ويعاديها!

وقد أثارت مواقف إلهان عمر سخط الكثير من المسلمين في الداخل والخارج الأمريكي، واعتبرها العديد من الناشطين على مواقع التواصل مجرد أداة من أدوات الغرب لهدم هيبة الدين الإسلامي، والثقافة الإسلامية بامتطاء صهوة التصريحات السياسية الرنانة ودغدغة مشاعر المناصرين لقضية فلسطين! بروح ديمقراطية أمريكية يسارية! ورأى آخرون أنها البراغماتية السياسية التي لا يهم فيها مبدأ ولا عقيدة ولا دين، إنما الأهم أن تحقق السياسية الصاعدة أحلامها في الشهرة والمال والنفوذ!

وفي الواقع إن كل ما تفعله إلهان عمر ومن هم على طريقتها، إنها هو تجسيد كامل لمعنى القتال من أجل الروح الأمريكية والمبادئ الأمريكية التي تحاول فرضها واشنطن على كل العالم.

وأما الإسلام فبريئ من كل تماهي مع الباطل وكل غاية لرفع مجد أمريكا وتدجين المسلمين لصالح المشروع الغربي في العالم.

من هنا وجب التنبيه إلى ضرورة التمييز بين الأشكال والمعاني! فظهور شخصيات بأصول مسلمة لا يعني نجاحًا للأمة المسلمة بل قد يكون مكرًا يدبر لهذه الأمة المكلومة.

ووضع قطعة من القماش على الرأس لا يغفر الرقص المختلط في التجمعات والأحضان والقبل مع رجال أجانب ولا دعم الشواذ والمطالبين بالإجهاض ومناشدة دعمهم ومحاربة الشريعة الإسلامية، ثم نطمع أن ينصر صعود من هذا القبيل في منظومة السياسة الأمريكية المعقدة الإسلام!

ما يحدث أيها السادة هو تشويه كامل لصورة الإسلام ومنهجه بتقديم رموز من الجالية المسلمة في الغرب قد أشربوا في قلوبهم الديمقراطية الأمريكية حتى أضحت دينًا يعبد وغاية تُنشد! وهي ديمقراطية محاربة لشريعة الله وقيم الإسلام الجليلة، والتصفيق على دعاتها هزيمة كبرى تسجل في صفحات الخزي والعار في تاريخ هذه الأمة.

لم تقدم إلهان عمر شيئًا يذكر للمسلمين في أمريكا ولا في بلادها، وكل ما قدمته هو صورة “نجاح” للديمقراطية الأمريكية تُستغفل بها الشعوب المسلمة. وها هي اليوم تطرد على يد الجمهوريين من لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأمريكي ليس لأنها المسلمة بل لأنها الديمقراطية المعادية التي مهما قدمت من فروض الطاعة فلن يغفر لها أي كلمة تصنف في “معاداة السامية” ولو قدمت لها ألف تبرير من قبيل تصريحها الذي أصدرته لإرضاء اليهود: إن “معاداة السامية حقيقية وأنا ممتنة للحلفاء والزملاء اليهود الذين يعلموني التاريخ المؤلم للقوالب المعادية للسامية”، مع ذلك يقول الديمقراطيين إن خطوة العزل جاءت ثأرا من عزل اثنين من الجمهوريين من لجان في عام 1441هـ (2020م) عندما كان الديمقراطيون يمثلون أغلبية في مجلس النواب. وهذه هي حقيقة الديمقراطية الأمريكية.

وإن كان هناك من يعوّل على صعود الجالية المسلمة في أمريكا في هذا المشهد فإن العارف بطبيعة المنظومة الأمريكية وأهدافها يدرك جيدًا أن اختراق أقوى دولة في العالم لن يكون أبدًا عبر آلياتها السياسية التي جُعلت أساسا للترويج لديمقراطيتها الخادعة. ومن يشاهد صعود الهنود والإيرانيين والجاليات الأخرى في أمريكا للمشهد السياسي يدرك أن هذا الصعود لا علاقة له بنصرة المعتقدات والأصول إنما هو من صميم مطالب الديمقراطية الأمريكية التي تسخر مواطنيها بغض النظر عن معتقداتهم وأصولهم لصالح “المصلحة الأمريكية” و”القوة الأمريكية” و”الهيمنة الأمريكية”.

ويبقى الانجرار إلى استراتيجية تطويع الإسلام لباطل أمريكا، جريمة لا تغتفر، ويبقى الإسلام الحق شامخا صادعا بالحق، وليذهب دعاة الإسلام الأمريكي إلى مزبلة التاريخ.



_____________________________

المصادر:

مواقع إخبارية

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x