ما هي عوامل الثبات في هذا الزمان خاصة؟


الله يحفظك دكتورة مر عليكِ بحث عن عوامل الثبات في هذا الزمان خاصة؟
خصوصًا الثبات على الأوراد الخاصة بالإنسان الأوراد الشخصية.

حياكم الله وبارك بكم..
هذا سؤال يتكرر كل يوم ويفرض نفسه بشدة لما نعيشه من واقع مرير وبعد عن الإسلام فتاك
وأحب أن ألخص هنا معالم مهمة جدًا للثبات وهي تعتمد على ثلاث قواعد أساسية متكاملة بعضها ببعض.

  • القاعدة الأولى: قاعدة الإعداد
  • القاعدة الثانية: قاعدة الحصانة
  • القاعدة الثالثة: قاعدة العمل

القاعدة الأولى: الإعداد


لا بد من إعداد القلب لتحمل تكاليف الاستقامة كما أمر الله عزّ وجل والثبات على سبيل المؤمنين وهذا الإعداد يشمل طلب العلم اللازم وتحقيق نصاب من العبادات بحد لا ننزل عنه أبدًا.
فطلب العلم اللازم يشمل معرفتنا بالعقيدة الصحيحة والسنة الشريفة والفقه لنعبد الله على نور من الله تعالى.
والعبادات تشمل الأذكار والأوردة من القرآن والتدبر في خلق الله تعالى وكل ما يقوي القلب من رصيد حسنات متنامي.
ولتحقيق ذلك يجب أن يشمل جدول الأعمال اليومي مواعيد العبادات الثابتة مثل الصلاة وورد القرآن والأذكار في الصباح والمساء وأيضًا محطة لقراءة نافعة وتعلم شيء مفيد من أمور الدين، فطلب العلم فريضة ولو كان فائدة كل يوم نقرأها بقلب حي، ونحول مدادها لعمل وأثر ممتد بروح الإخلاص ورجاء رحمة الله تعالى.
وهذا الإعداد يتطلب حزمًا وإقامة للنفس بقوة عليه، ويكون بالترغيب والترهيب والاستدراك.
فالترغيب يكون باستحضار أجر هذا الإعداد واستحضار مراتب الجنة السامقة فنقبل عليها سراعًا.
والترهيب باستحضار عذاب الله تعالى وأسباب الانتكاس التي تؤدي للتراجع والفشل فنفر منها فرارًا.
والاستدراك يكون بعقاب النفس عند التقصير وذلك بتعويض الورد من العبادة والعلم وبحزم وخوف من التأخر عن ركب المسابقين لله تعالى.

القاعدة الثانية: الحصانة


لا يكفي أن نتزود بالعلم والعبادات بل يجب أن نحصن أنفسنا من الفتن ونترفع عن كل سبيل وسبب يؤدي بنا إلى الفتن، لذلك لابد لنا من فقه سد الذرائع وحفظ النفس من اتباع خطوات الشيطان، وهذا يعني قطع كل صحبة مثبطة أو مفسدة وكل صحبة تشغلنا عن علو الهمة وذكر الله تعالى والحب في الله جل جلاله ولو بقي المرء لوحده لكان خيرًا له من صحبة تعطله، وتؤخره عن المسابقة في سبيل المؤمنين.
وحفظ النفس من كل وسط يضعف الهمة بشغلها بسفاسف الأمور والاهتمامات الدنية المشوشة من سماع أو مشاهدة أو انخراط.
وحفظ النفس من أسباب الفتنة من إطلاق البصر أو سماع الموسيقى والأغاني، وما يستهين به الناس اليوم من معاصي فكلما حصنا القلب من هذه الفتن كلما كان أداؤها أقوى وأثبت.
يدخل في ذلك نوع القراءات والمشاهدات والحسابات التي نتابع فكل ما يشتتنا عن أهدافنا السامقة، كل ما يشغلنا عن العمل والأفكار الملهمة لا داعي له، فحتى لو لم يكن مضرًا فهو يشغل مساحة من الأجدر أن يشغلها الأفضل.


والحصانة تكون بحفظ النفس عمّا يؤذي صفاءها ونقاءها وأداءها وأيضاً بشغلها بكل ما يمني قواها ومهاراتها وقدراتها من رياضة النفوس والعقول والأجساد.
والنفس إن لم تشغلها بحق شغلتك بباطل فاحفظها تحفظ لك الأثر.

القاعدة الثالثة: العمل


وأرى هذه القاعدة من أهم أسباب الثبات في زماننا حتى لو كان المرء مقتصدًا في باب العبادات إلا أن مداومته على عمل صالح من أسباب الثبات بشدة ومفتاح لفتوحات مقبلة إن صدق.
وأنصح لذلك دائمًا كل مسلم ومسلم أن يبحثا عن موطئ قدم لهما في مسيرة الأمة في زمن استضعاف وهوان، في زمن يجب أن نجمع فيه عوامل القوة والإصلاح والانبعاث ونعززها بعلو همة ونبتعد عن عوامل الضعف والانتكاس والهدم ونتجنبها بهمة،
وهذا يعني أن تبحث لك عن عمل صالح يكون مشروع حياتك تطوره بحسب ما يتوفر لك وتخلص فيه وتسخر نفسك لتنميته.
عمل في سبيل الله تعالى لا تبتغي به جزاء ولا شكورًا عند الناس ولا تريد منه أن تبرز ويعرفك به الناس.
إنما هو عمل لنصرة الله ورسوله والمؤمنين. عمل تصب جهوده في سبيل إقامة بنيان الإسلام في الأرض. قدوتك فيه الصحابة والسلف الصالح .. بإيمانهم ويقينهم وزهدهم وحبهم لله تعالى وخشيتهم منه ورجاءهم العظيم،
وهذا العلم ستصل له بإذن الله حين تخلص النية لله وتبذل الأسباب في البحث عن ثغر تقوم عليه والله تعالى يقول، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
لا تبقى فارغًا بدون عمل في سبيل الله جل جلاله خاصة اليوم ثغور العمل كثيرة وتشتكي الفقد لتكن مسيرة مستنيرة بقول الله تعالى عاملا لله، ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِی وَنُسُكِی وَمَحۡیَایَ وَمَمَاتِی لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ * لَا شَرِیكَ لَهُۥۖ وَبِذَ ٰ⁠لِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِینَ ﴾
وبإذن الله سألخص مجموعة أفكار مشاريع في سبيل الله قريبًا لتكون كدليل لكل تواق.


عقبات في الطريق ..

لابد أن هناك دائمًا عقبات وحلقات ضعف وأوقات تنزل فيها الهمة وهذا طبيعي جدًا في حياة الناس.

لكن الذي لا يجب قبوله هو الاستسلام لهذا الضعف أو التراجع ولعلاجه لا بد من صحبة صالحة ملهمة، وهي متوفرة بإذن الله تعالى على مواقع التواصل إن لم تكن في ميدان الحياة اليومية بوجود نماذج مثابرة لا تكل ولا تمل في سبيل الله سبحانه.

ولو لم تكن في حياتنا ففي الكتب وسير الصحابة والسابقين فهي مليئة بنماذج علو لهمة.
ومع الصحبة الصالحة أو الملهمة لابد من معرفة بالنفس البشرية وأنصح هنا بالقراءة لابن القيم -رحمه الله – فهو يقدم خلاصات ثمينة في قيادة النفس.
ولا بد أن يخوض المسلم ملاحم الحياة بمعرفة بطبيعة نفسه وأسباب استقامتها، وسبل تحقيق انتصاراتها وإلا فإنه يدخل بلا إعداد فيتعثر وينهزم مرات ومرات.

ويبقى الدعاء وسؤال الله المعونة من أهم أسباب الثبات ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فإنما هو فضل الله تعالى وبمقدار الصدق تأتي الفتوحات الربانية ولكن بشرط الصبر واليقين الذي لا ينضب، فأدم الوصال مع السماء لا تفتر!

كلمة أخيرة في هذا الصدد


نحن في زمن يجب أن لا نعيش فيه لأنفسنا بل يجب أن نعيش فيه لديننا ولأمتنا ولو كنا نحمل جراحات تنزف وهموما وأثقالًا يتصدع لها القلب.

لأننا لن نداوي هذا الضعف الذي فينا ولن نداوي هذه الجراحات إلا بالعمل الذي يبنينا كأفراد وكأمة فهو خير علاج باذن الله تعالى لكل مشاكلنا، فنحن في غربة حتى نعيد للإسلام مجده ومكانته ونقيم صروحه شامخة ولذلك ننذر أعمارنا وأملاكنا وكل حياتنا لله جل جلاله ولإعلاء كلمته ونصرة دينه.

وهذا الإقبال بإخلاص لوحده مفتاح يجلب التوفيق الرباني والمعية التي نرجو من ربنا وفي الحديث: (من كانتِ الآخرةُ هَمَّهُ جعلَ اللَّهُ غناهُ في قلبِهِ وجمعَ لَه شملَهُ وأتتهُ الدُّنيا وَهيَ راغمةٌ ، ومن كانتِ الدُّنيا همَّهُ جعلَ اللَّهُ فقرَهُ بينَ عينيهِ وفرَّقَ عليهِ شملَهُ ، ولم يأتِهِ منَ الدُّنيا إلَّا ما قُدِّرَ لَهُ) صحيح لترمذي.


ولا أجد في هذا المقام مثل الهدي المهيب في آيات من سورة آل عمران التي يجب أن تحدوا قلب كل مؤمن في زماننا.

قال تعالى: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) ﴾

تأمل كيف بدأ الربيون الدعاء بطلب المغفرة من الذنوب والإسراف في الأمر، ثم طلب الثبات والنصر!

من هنا تدرك السرّ في كونهم لم يهنوا ولم يضعفوا ولم يستكينوا وكانوا أهلاً للصبر.
إنهم يذنبون ويسرفون في الأمر ولكنهم يديمون الوصال بربهم جل جلاله فيستعينون به سبحانه بالدعاء والتوبة والاستدراك والاجتهاد حتى يفتح الله عليهم.

إنها قصة مجاهدة بصدق لا يشوبه شك ولا بدعة ولا شرك فيستوجب نصر الله تعالى وتأييده ولا يؤثر فيه ضعف بشري لا بد منه.

وحتى الوصول لتلك المرحلة ليكن الرفيق القرآن وسنة الحبيب صلى الله عليه وسلم وسيرته وسير صحابته الملهمة، ليكن العمل في الأرض لأجل رفقة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا في جنة الخلد، رضي الله عنهم ورضوا عنه.

اللهم صدقًا وثباتًا ويقينًا لا ينضب..

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest
2 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
دلال خليف

جزاكم الله الفردوس الأعلى من الجنة من غير حساب ولا سابقة عذاب وثبتنا الله وإياكم

دلال خليف

استأذن منك نسخت مقالاتك ونشرتها عندي وبين من اعرف مع حفظ اسمك طبعا جزاك الله خيرا

2
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x