ما لا يسع المسلم والمسلمة الغفلة عنه، بعد انقضاء رمضان

ما لا يسع المسلم والمسلمة الغفلة عنه، بعد انقضاء رمضان

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، نبيّنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستنَّ بسنته إلى يوم الدين، أما بعد:

الحمد لله الذي بلّغنا رمضان، وأعاننا فيه على الصيام والقيام، ثم كتب علينا فراقه؛ ليختبر صدقنا بعده: أكنّا عبادَ موسمٍ ينقضي بانقضائه، أم عبادَ ربٍّ لا تنقطع طاعته ولا تُهمل عزائم السعي لمرضاته؟

وها هو شوال قد انقضى أيضًا بعده، فالأيام تمضي مسرعة، تطوي الأعمار طيًّا، وتقودنا إلى آجالنا خطوةً خطوة. وما بين رمضان الذي مضى ورمضان الآتي، ليس حقبة زمنية يُستهان بها، بل ميدانُ صدقٍ ومجاهدة، تُقام فيه القلوب على الاستقامة ويُجمع له أسباب الثبات والنجاة والسعادة!

لقد كان رمضان محطةَ تطهيرٍ عظمى، اغتسلت فيها الأرواح من أدرانها، وتخففت القلوب من أثقالها، فامتلأت نورًا وسكينة تحفّها الرحمات. غير أن الرجاء الذي يحمله المؤمن بعد اجتهاده في أيام الشهر الفضيل ولياليه – بغض النظر عن درجة اجتهاده – لا يكفي وحده، ما لم يُترجم إلى عملٍ متصل، ونَفَسٍ طويل في السير إلى الله عز وجل.

وما أكثر ما تعترض طريق السائر العقبات!

فها قد جاء شوال، فاختلطت الوتيرة، وتنازعت النفس عاداتها القديمة مع بقايا إشراقها، يحاول المرء أن يحفظ ذلك الإقبال الذي به يسعد مُستجيبًا، وأن لا يخبو ذلك النور التي به يسير مجتهدًا. فما هي إلا أيام حتى تلاشى العزم، وتكدّر الصفاء، وعادت الحياة بثقلها، بأخبارها المتلاحقة، وجراحها المفتوحة: فلسطين تنزف، والأقصى يُستباح، وآهات الأسرى تتردد في الآفاق، وطغيان الطغاة يبلغ ذورة مستواه، ومآسي المسلمين تحاصر القلب من كل جهة، ثم حبال العجز واليأس تتسلل بهدوء لحصار الهمم ووأد المبادرة.

في خضم هذا الضجيج وبين ركام المعوّقات والمآسي، يجد المؤمن نفسه كأنما يسير على أرضٍ من شوك؛ يحرس دينه من التآكل، ويجاهد أن لا تتخطفه الفتن، وقد تفرّقت همّته بين واقعٍ مضطرب يؤرّقه، ونفسٍ تفتّش عن أسباب الثبات تعانده.

وهنا تبرز الحقيقة الكبرى، والأولوية التي لا تحتمل التأجيل والخط الأحمر الذي يجب أن يقف عنده المؤمن والمؤمنة بتمام المسؤولية والخشية! لا تسمح لنفسك أن تنطفئ!

فما خرجتَ به من رمضان ليس ذكرى تُستحضر بشجن وليس بسعي يُطوى بلا أثر! بل زادٌ يُستصحب بعزيمة، ومنهجٌ يُعاش بمسؤولية، وأمانةٌ تُختبر في كل يوم. وإنما يظهر صدقك في الطريق إلى رمضان القادم؛ لا بوصفه موعدًا لاغتسال الروح وطلب المغفرة والعتق من النار فحسب، بل بوصفه رحلةَ مجاهدةٍ ممتدة، من حافظ على أصوله وصان يقينه فيها، ثبت وارتقى، ومن فرّط في كل ذلك تراجع وخبا.

وفي زمنٍ تتكاثر فيه الفتن، وتتسارع فيه الأحداث، لا يكون الثبات عفويًا أو صدفة، بل معركة واعية تحتاج إلى بصيرةٍ حاضرة، وقواعد راسخة، وعزمٍ لا يلين؛ حتى تمضي بقلبٍ حيّ، وروحٍ مستبشرة بوعد الله عز وجل، تنتظر مواسم الفتح وهي أقوى وأصفى وأقرب.ولا شك أن الدخول لمواسم الخير بغنائم السنة كاملة، أرجى للارتقاء ونيل فضائل الله عز وجل وفتوحاته، وتلك مراتب يتباين فيها أهل السبق! فلا تغيب عن ذاكرة المؤمن والمؤمنة، وبقدر الإعداد يكون الفتح!

ثم رمضان ينبغي أن يكون نقطة تحوّل حقيقية، لا محطةً زمنية تُجتاز بانقضائه. فليس رمضان غايةً تُطلب ثم يُنصرف عنها، بل بدايةُ طريقٍ يُسلك ونتائج صدق تُعاش. ومن وعى هذه الحقيقة تغيّر مسار حياته وأبصر كل دقائق حياته وأنفاسه كرأس مال له للنجاة! فأحسن استثمارها وأخلص التجارة مع الله عز وجل. ومن غفل عن هذه الحقيقة، عاد كما كان في مستويات ما قبل الوعي! وربما عاد وهو أشدُّ بعدًا وتراجعًا وحرمانًا والعياذ بالله عز وجل.

ولهذا فالسؤال الأهم ليس: كيف كان رمضان؟ بل: كيف سيكون ما بعد رمضان؟

فرمضان في حقيقته مدرسةٌ كبرى تعلّمنا ضبط النفس، وتربّي فينا مراقبة الله عز وجل، وتفتح قلوبنا للقرآن العظيم، وتربطنا بالصلاة والذكر والصبر، محطة أدركنا فيها حقيقة ضعف أنفسنا وحقيقة مكانة عزيمتنا وإيماننا واحتسابنا في كل معادلات الإقبال والمسابقة. فإن خرج العبد منها بلا أثر، فقد فوّت أعظم فرصة في العام.

أمّا الصادق، فإن حاله بعد رمضان يكون خيرًا مما قبله؛ لأن الحسنة توجب أختها، والطاعة تجرّ إلى طاعة، وأمانة الدين هي له دافع لا ينهزم، وبيعة عقدت مع الله جل جلاله، مهرها الفداء، هي له محرضة ولطريقه في المسابقة منيرة ومحفّزة! وتلك من أوضح علامات القبول.

فإن رأيت نفسك بعده:محافظًا على الصلاة، قريبًا من القرآن، مستمرًا على الذكر، مجتنبًا للمعاصي فهذه بشائرُ خير، وعلاماتُ حياة.أما إن انقطع الحبل فجأة، وخبا ذلك النور سريعًا، فهنا موطن الخطر والمصاب الذي يستوجب الوجل!

لقد كان السلف يخافون من أن تُرد أعمالهم ولا تُقبل أكثر من خوفهم من التقصير؛ لأن القضية ليست عملًا يُؤدَّى ثم يُبتهج به! بل عملٌ يُرفع أو يُردّ.

وأخطر ما بعد رمضان: الانتكاس.ولا أعني به الفتور الطبيعي؛ فذاك ضعفٌ عارض مع بقاء الأصل والوعي، أما الانتكاس فهو رجوعٌ كامل إلى المعصية، وانقطاعٌ عن الطريق، وتضييعٌ لما بُني من الأساس.

وفي هذه الحال المؤلمة، ينحرف الاتجاه وتختل البوصلة، فيتحول قيام الليل إلى سهرٍ ولهو، ويصير ورد القرآن هجرًا متتابعًا يثقل القلب، ويتبدل الذكر غفلةً تحيط بالروح كالأغلال، فتحرمها نورها وحياتها.ويتحول إهمال أسباب الثبات والقوة، إلى أسباب سقوط المرء وضعفه. وهذا هو الانقلاب الذي يجب الحذر منه.

فكيف إذا كانت المسيرة إلى رمضان القادم عامًا كاملًا؟ ليست مسألة ساعة واحدة!

كيف يُرجى للعبد الاستعداد والارتقاء، والطريق إليها ممتدٌّ بكل هذه الأشهر بلا حصانة ولا تزوّد ولا جمع؟

هنا تتأكد الحقيقة أن لا بد من جمع أسباب الثبات، وتوفير زادٍ يكفي لهذه الرحلة الطويلة؛ فمن أحسن الإعداد ثبت، ومن أهمل تراجع وسقط، ومن صدق في المسير بلغه الله مراده وزيادة.

والثبات ليس شعورًا لحظيًا يمرّ بالقلب ثم يزول، بل هو نظام حياة متكامل، تُبنى أركانه يومًا بعد يوم، حتى تُصبح الاستقامة طبعًا لا تكلّفًا، ومسيرًا لا انقطاع فيه. ولهذا الثبات له ركائز لا يقوم بدونها، نحاول تلخيصها فيما ها هنا لعل الله ينفع بها.

مع التنبيه إلى أن الساحة الدعوية تزخر بالكثير من المواعظ والدروس المتكاملة المتعاضدة، في شأن الثبات بعد رمضان، وسبق أن نشرت الوصايا الأساسية لهذه المهمة ذات الأولوية، إلا أن ما يعيشه المسلم من خطوب ونوازل، وما توجبه أمانة التذكرة لعلها تنفع المؤمنين، وما يمليه التواصي بالحق والصبر، يجعل من استحضار أسباب الثبات واجبا لا يليق التهاون فيه، وتدارسها وتعهدها والتواصي بها، عبادة أخرى نرجو بها رحمة الله وقبوله ورضوانه. ويصنع كل ذلك، هداية الله تعالى لأسباب الفلاح. قال الله عز وجل ﴿ وَٱلۡعَصۡرِ (1) إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ (2) إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ (3) ﴾ وقال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [ العنكبوت: 69]

كيف للمسلم والمسلمة اليوم أن يثبتوا ويحفظوا إيمانهم وسعيهم إلى رمضان المقبل؟

  1. الاستعانة بالله أصل كل ثبات

فأول الطريق وآخره: أن تدرك أنك لا تقوم بنفسك، ولا تثبت بقوتك.لتتجلى القاعدة العظمى ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [ الفاتحة: 5]. فما لم تستمدّ العون من الله جل جلاله، فكل عزيمة مهددة بالانهيار.والاستعانة حالٌ تُعاش، برجاءٌ صادق أن ينال العبد والأمة توفيق الله تعالى، وباستشعارٌ دائم لحاجتهما إليه جل وعلا.ولذلك جدير بكل مؤمن ومؤمنة تربية القلب واللسان على كثرة الدعاء: “اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك”، “اللهم ثبّت قلبي على دينك”.تعهدها، وردّدها بيقين، صباحًا ومساءً، فإنما هي اعترافٌ دائم بأنك لا تملك لنفسك هدايةً ولا ثباتًا إلا به سبحانه.

  • لا تفرّط في “الحد الأدنى

هذا هو حزام الأمان في طريقك إلى الله عز وجل، أشدد على الحفاظ عليه جدًا. فمن حفظه نجا وادّخر لنفسه خط رجعة أقوى، ومن ضيّعه فلا يلومنّ إلا نفسه.فاجعل لك أساسًا يوميًا لا تتنازل عنه تحت أي ظرف، بالصلوات في وقتها وأداء أذكار الصباح والمساء بحضور قلب ورجاء، والحفاظ على ورد يومي من القرآن ولو صفحة واحدة، واستغفار وصلاة على النبي ﷺ، والانكسار لله عز وجل في خلوة أو سجود أو لحظة تفكر وتأمل تُرتجى، لا تنفك تجبر قلبك!

هذا الحد الأدنى هو ما يُمسكك عند الفتور، ويمنعك من السقوط الكامل. لا تساوم عليه، ولا تؤجّله، ولا تُبرّر تركه أبدًا ولا تسمح بالمساس به إطلاقًا.

  • القرآن صحبة لا تبلى

أعظم خسارة بعد رمضان هي أن يُهجر القرآن.بل إن هجره هو البوابة الكبرى للانتكاس، وأسرع طريق لقسوة القلب.والروح التي اعتادت أن تُسقى يوميًا، تختنق إن انقطع عنها هذا المورد.ومع الإهمال وامتداد اللامبالاة، تجفّ المعاني، ويثقل الرجوع، ويصبح الطريق أشقّ.وكم يخسر من خيرٍ وفضلٍ وفتحٍ المتقاعس! فاحذر هذا الفخ الذي سيزيّنه الشيطان لك بكل الأعذار.والحل سهل جدًا لكنه حاسم:حدد وقتًا ثابتًا يوميًا للقرآن، كحال من له موعد مع دواء ضروري لحياته يشربه أو قدر من الماء يجب أن يتناوله كي يعيش، ولو صفحة واحدة ولكن بحضور قلب.لا تحرم قلبك من روائه.وتذكّر أن القرآن ليس تلاوة فقط، بل هداية، وثباتًا، ونورًا، وحياة.وسرّه ليس في الكثرة، بل في الاستمرار عليه، مع حضور القلب – أكرر ذلك مرة وثانية وثالثة -.فقليلٌ دائمٌ بخشوع خير من كثيرٍ بلا حضور.

  • قيام الليل حبل أمان في زمن الفتن

في زمن تتكاثر فيه الفتن، أقلّ ما تحفظ به نفسك “ركعتان كل ليلة”.لا تُثقِل على نفسك بالبدايات، بل الزم الركعتين تخلو فيهما بربك، تُفرغ همّك، وتغتسل روحك.في أي وقت من الليل تتعهده بحضور قلب، بقصار السور أو بعدد يسير من الآيات بنية ختمة، ولو طالت لسنة! واستحضر قول النبي ﷺ في شأن ابن عمر:  “نِعم الرجل لو كان يقوم الليل.”وركعتان ثابتتان كل يوم، خير من اندفاعٍ ينقطع.وهذا باب عظيم الفضائل والموجبات لمن صدق فيه.

  • احفظ عملك، فالهدم أسرع من البناء

وليس الشأن أن تعمل بل أن تحفظ عملك.وأخطر ما يفسده:الرياء والعجب  والغيبة والكذب وإطلاق البصر والسمع، والمراء والخوض مع الخائضين. وقد تبني في أيام وتهدم في لحظات ما بنيته وتعبت في بنائه.فكن حارسًا لعملك كما كنت ساعيًا فيه.ومن يدرك قيمة ما يسعى له فإنه أهون عليه الموت من خسارة سعيه! بل يصونه بكل ما يمكنه ويملكه!

  • اصنع لك “خبيئة” لا يعلمها إلا الله عز وجل

ففي زمن الضجيج، يحتاج القلب إلى سرّ بينه وبين ربه.عملٌ خالص لا يراه أحد، ولا يُطلب به ثناء:صدقة خفية، ركعات في جوف الليل، كفالة يتيم، جبر ضعيف، دعاء في خلوة، وما يهدي الله له عباده المحسنين المجاهدين، فهذه الأعمال هي مفاتيح الثبات والفتوحات، وسرّ القرب الحقيقي.ومن بحث عنها وجد وسعِد.

  • اختر بيئتك فإنها تصنعك

أنت ابن بيئتك، تتأثر بها شئت أم أبيت.فإن كانت صحبة صالحة وفّرت لك أسباب الثبات،وإن كانت صحبة غافلة هدمت فيك في كل يوم شيئا عزيزًا دون أن تشعر!

ولا تختبر نفسك في مواطن الفتنة فالنجاة ليست في المواجهة بثقة دائمًا، بل كثيرًا ما تكون في البُعد ببصيرة. والعاقل يتشبث بوصايا سورة الكهف، ويتحصّن من الفتن والانحرافات لا ينغمس فيها فيضلّ ويشقى!

  • راقب قلبك لا جوارحك فقط

فقد تعمل كثيرًا لكن بلا أثر.لأن بين العمل والقلب مسافة.واسأل نفسك بصدق:هل ازداد خوفي من الله جل جلاله؟  هل قلّ تعلقي بالدنيا؟  هل صرت أصدق وأرقّ قلبًا؟  فإن لم يتغيّر القلب فثمّة خلل وحالة طوارئ تستوجب الاستنفار.أعد البناء على إخلاص وحسن اتباع ووجل!

  • عالج الفتور بالاستدراك السريع

ستضعف وهذا طبيعي جدًا، لكن الخطر ليس في الضعف، بل في الاستسلام له والتعايش معه.لذلك كن فطنًا، كلما فترت، ارجع فورً. وسارع لتغيير أجوائك، وأقبل للصلاة، والذكر، ولأصناف لم تجربها من البرّ والمسابقة بالخير، وقد تفعل في نفسك الركعتان وصفحة قرآن ما لا تفعله كل المواعظ والمحاولات. فلا تسمح للانقطاع أن يطول، فإن البداية حالًا تُنقذك من سقوطٍ كبير وتُكسبك رصيدًا يُفدى!

  1. ارفع سقف همّتك

لا تجعل هدفك: “أبقى كما أنا”بل: أن “أكون أفضل أنا”. اسأل نفسك:هل تريد الجنة أم أعلاها؟ فالناس نوعان:من يعيش للدنيا ومن يعيش للآخرة. ورمضان القادم لا يبدأ عند رؤية هلاله، بل يبدأ من الآن لمن يبصر في أفق المسابقة فضائله وموجباته.

لقد كان السلف رحمهم الله يعيشون مع رمضان بروحٍ لا تنقطع؛ يدعون ستة أشهر أن يبلغهم الله تعالى رمضان، وستة أشهر أن يتقبّله تعالى منهم.فكأن العام كلَّه رمضان: انتظارًا له، واشتغالًا بأثره.ومن فقه هذه الحال، علموا أن القبول أعظم من العمل، وأن الثبات بعد الموسم هو الإنجاز الحقيقي.فمن أراد رمضان القادم مختلفًا وأرجى،فليبدأ من اليوم.فالثبات بعد رمضان لا يأتي صدفة، ولا هو حالة مؤقتة، بل عزيمةٌ عنيدة:عزيمةٌ على الاستمرار، وعزيمةٌ على مجاهدة النفس، وعزيمةٌ على ألا تعود كما كنت.وتذكّر دائمًا، وأبدًا:هذه ليست رحلة شهر بل رحلة عمر.فاثبت حتى تلقى الله عز وجل وتنال القبول والرضوان. اللهم إنا نسألك من فضلك العظيم يا رحمن.

ومما يجب التنيه إليه، وكثيرًا ما يدور حوله العجز، أن أكثر الناس اليوم لا ينقصهم الوعي بالأمر والنهي، إنما تنقصهم الاستجابة والمبادرة بلا تردد ولا لجلجة، والاستجابة والمبادرة لا تكون قوية إلا باستشعار المسؤولية بشدة! ولأجل إشعال ميادين المسابقة، ألخص هذه التذاكر الجامعة للثبات في مسيرة محفوفة بفرص الارتقاء المهيبة وحفر الانتكاس الأليمة!

  • اجعل بينك وبين الله عهدًا لا تنقضه: ولتأكيد هذا العهد اربط نفسك بعمل ثابت لا تتركه مهما تغيّرت أحوالك، تعرف به نفسك، ويعرفك به ربك.
  • ابدأ يومك بنيةٍ صادقة: لا تترك يومك يمضي عشوائيًا؛ بل جدد نيتك دوما وباستمرار، وحدد الأعمال الصالحة التي تريدها، وانهض لها بعزم، فاليوم الذي لا تنجز في عملا في سبيل الله عز وجل، عملا تتقرب به لله تعالى، هو هدر! وصلاح النية يبارك الأعمال الصالحة. ومع الوقت ستصبح لحظات سعادتك باستشعار أداء الصالحات في يومك وليلتك. وستختنق ليوم يمر بلا عمل صالح!
  • احرس على لحظات الخلوة: ففي الخلوات تُعرف حقيقة القلوب؛ فاجعل لك وقتًا لا يراك فيه إلا الله عز وجل. ولا تعيش فيه إلا تمام الإخلاص لله جل جلاله.
  • اقطع أسباب المعصية قبل وقوعها: فالثبات لا يكون بمقاومة الفتنة فقط، بل بالابتعاد عن أبوابها. وسد الذرائع فقه اللبيب النجيب!
  • لا تزدحم بالطاعات فتملّ، ولا تفرّط فيها فتغرق مراكبك: خذ من العمل ما تطيق وتداوم عليه، فخير العمل أدومه وإن قل. وما لا يُدرك كله لا يُترك جلّه.
  • جدّد إيمانك باستمرار بذكرٍ، بآيةٍ، بدعاءٍ، بموقف صدق، بتفكر، بتدبر، بمعايشة المعاني الجليلة، لا تترك قلبك بلا سقيا المعاني التي يهتز لها، والرباط في رياض العلم وصحبة الخير والمسابقة لله، مغنم بل مغانم كثيرة وأبواب فتوحات عظيمة!
  • إذا زللت فلا تتأخر في الرجوع: فالتأخير أخطر من الذنب، والعودة السريعة من علامات الصدق. والكيّس الفطن سلاحه دائما في صدره: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ [ هود: 114]. و﴿ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ ﴾. ولا تيأس من ذنب، قال النبي ﷺ: “اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن”. والذنب واقع لكن الفارق في ماذا تفعل بعده؟ هل ترتقي لمرتبة المؤمنين التوابين! أو تنحدر لمرتبة المكابرين المرتابين؟ بل سارع للتوبة والاستغفار والعمل الصالح يمحو سواد صفحاتك مهما كثرت ذنوبك، فإن العلاج الدائم، هو الرجوع لله تعالى والانكسار له جل جلاله. فكن فطنًا: كلما زللت أسرع بمسح سجل سيئاتك، لا تسمح للشيطان أن يفرح بحرمانك الفضل. وفضل الله واسع جدًا ورحمته عظيمة جدًا!
  • بادر ولا تُسوِّف إذا فُتح لك باب طاعة، فادخله فورًا. لا تؤجّل، لا تنتظر “الوقت المناسب”، فذلك من مداخل الخذلان. قال ابن القيم رحمه الله: “الحزم كل الحزم في انتهاز الفرصة، والعجز في تأخيرها والتسويف بها”. واعلم أن أخطر العقوبات: أن يُفتح لك باب خير ثم لا تدخله، فيُحال بينك وبينه بعد ذلك. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [ الأنفال: 24] ولو علم الناس ما في الاستجابة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم من فضائل وموجبات، لبكوا دمًا على كل لحظة تفريط وتهاون وتسويف!
  • عِش الشكر، لا مجرد قول فقط، بل الشكر حالٌ شامل: بالقلب، خضوعًا وافتقارًا. وباللسان، ثناءً واعترافًا، وبالجوارح، طاعةً وانقيادًا. ومن وُفّق للطاعة ولم يشكرها عُوقب بزوالها. وإن الوقوف عند قول الله عز وجل ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [ سبأ: 13] لموجب لتصدع القلب والحياء من الله جل جلاله!
  • فتّش عن قلبك قبل الفرح بعملك، فإن لم تجد حلاوة الطاعة، فاتهم عملك. قال ابن القيم: “إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحًا فاتهمه، فإن الرب شكور.” فالله لا يضيع عملًا صادقًا مخلصًا، لذلك إن غاب الأثر، فراجع الإخلاص، وصدق التوجه وأصلح سعيك وعملك لا تتأخر ولا تغتر. وكم من الانشراح يصنعه الاجتهاد لنيل مرضاة الله عز وجل! فكيف بما يوجبه القبول والرضوان، اللهم إنا نسألك من فضلك العظيم يا رب..!
  • احذر مداخل الشيطان الثلاثة، قال ابن القيم: “لا طريق للشيطان عليك إلا من ثلاث: الإسراف، والغفلة، والتكلف.” فراقب نفسك: لا تُسرف فتُثقل ثم تفقد الشغف. ولا تغفل، فالذكر حصن لك يبقيك يقظًا. ولا تتكلف فتهلك بالتشدّد  وتحرم نفسك الخير!
  • احفظ بصرك لا تطلقه فيما عند الآخرين، كفّ عن إجراء المقارنات وتتبع ما في أيدي الناس، اهتم بنفسك وبقلبك وبإصلاح حالك مع ربك .. قال جل جلاله ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [ طه: 131] وهذه من أهم أسباب التخلص من نزعات الحسد والغلّ والسخط والتذمر والكبر، ومما يحفظ للنفس صفاءها ورضاها .. وما أجمل صفاء القلب وزكاء القلب وسلامة القلب! وما أجمل ما يوجب كل ذلك!
  • القرآن حياة ودونه الموت. والقرآن لا يغيّر من يمرّ عليه مرورًا لرفع العتب! بل من يعيشه حقًا. قال البشير الإبراهيمي رحمه الله: “القرآن لا يؤتي آثاره إلا إذا تولته عقول كعقول السلف، ونفوس كنفوسهم.” فتعامل معه بفهم، بحضور قلب، باستجابة وعمل، واجعل لك وردًا لا ينقطع. فالقلب إن لم يُسقَ بالوحي هلك.
  • احفظ قلبك ووقتك فهما أغلى ما تملك، قال ابن القيم: “أصل كل إضاعة: إضاعة القلب وإضاعة الوقت.” وإضاعة القلب تقع بتقديم الدنيا وإضاعة الوقت تقع بطول الأمل. فاجمع قلبك على الله واختصر أملك. واستحضر دوما لحظة الموت!
  • اقطع الطرق الدنيئة عن همّتك، وهي قاعدة ثابتة: إن أردت المعالي فأغلق أبواب السفول. قال ابن القيم: “من طمحت همته للعلياء، وجب أن يسد عنها الطرق الدنيئة.” فلا تجمع بين طريقين إما صعود أو هبوط. والحزم دلالة الصدق!
  • احذر أبواب الهلاك الثلاثة بشدة! قال ابن القيم:” دخل الناس النار من ثلاثة أبواب: شبهة، وشهوة، وغضب.” فالشبهة تُفسد عقلك والشهوة تُفسد قلبك والغضب يُفسد سلوكك. فاحرس نفسك منها فإنها مجتمعة تهدم الدين.
  • ابنِ يقينك بثلاثة كما قال ابن تيمية رحمه الله: “يحصل اليقين بثلاثة: تدبر القرآن، وتدبر الآيات، والعمل بالعلم”. فلا تكتفِ بالمعرفة بل اجعلها سلوكًا وسيرةً. فاليقين يتمكن في القلب بحسن الاستجابة والعمل. وربّ عامل يجتهد بما لا يسع المسلم جهله، خير من ألف طالب علم يتبختر بالشهادات والألقاب بين الناس، ولم يقده علمه إلى العمل!
  • كن ممن يُرجى خيره، وقد وصفه النبي ﷺ فقال: “خيركم من يُرجى خيره ويؤمن شره”. فاسأل نفسك: هل أنا مصدر خير لمن حولي؟ أم عبءٌ وأذى؟ واحذر الظلم مرتين وثلاثا وإلى آخر نفس!
  • الزم الحق ولو اختلطت الأصوات في زمن الفتن، قد يقول الحكيم باطلًا، وقد ينطق المنافق بحق. لكن القاعدة التي يجب أن تستحضرها في كل مقام ومقال: الحق له نور. والحق ما قاله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. واطلب الهداية بصدق. قال ابن تيمية:” هداية الله لعبده بحسب طلبه وقبوله”.  فكلما صدقت في الطلب فُتح لك بقدر هذا الصدق!
  • الزم الوسطية واحذر الغلو. قال ابن القيم:” جمع بين كونها حنيفية وكونها سمحة، فهي حنيفية في التوحيد سمحة في العمل، وضد الأمرين الشرك وتحريم الحلال، وهما اللذان ذكرهما النبي -صلى الله تعالى عليه وآله- فيما يروي عن ربه -تبارك وتعالى- أنه قال: «إني خلقتُ عبادي حُنَفَاء، وإنهم أتتهم الشياطين فَاجْتَالَتْهُم عن دِينهم، وحرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتْهم أن يشركوا بي ما لم أُنْزِلْ به سلطانًا»، وقال ﷺ وكررها ثلاثا: “هلك المتنطعون”. فلا تُشدّد فتملّ ولا تُفرّط فتنقض الغزل. والشيطان يهمه أن تنحرف لإفراط أو تفريط، وقهره يكون بالاستقامة على منهاج النبيّ صلى الله عليه وسلم .
  • تذكّر النهاية دائمًا: أن هذا الطريق ينتهي بلقاء الله عز وجل، وأن الثبات ليس خيارًا ثانويُا أو تفصيلًا للترف! بل هو طريق النجاة يوم الحساب العظيم! وردد كما ردد من سبق: لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة.

وطريق الثبات ليس بكثرة المعلومات وغزارة العلم! بل بحسن التعامل مع هذه الذخائر: فعلم بلا مبادرة وصدق تعهد، علم بلا دوام عمل وحذر من الإحباط ونقض الغزل، علم بلا إخلاص ومجاهدة يضر صاحبه ولا ينفعه.وكم من صادق، سمع قول الله تعالى فاستجاب وأطاع، أفضل عند الله من عالم سوء يحمل أسفارًا!

وإن كانت أسباب الثبات كثيرة وتتطلب تواصيًا، فإن ما ذكرته في هذا المقام، إن التزمه المقبل والمقبلة، بإخلاص لله تعالى وحسن اتباع، أحسبه ذخيرة وحصانة إلى رمضان المقبل إن شاء الله تعالى، فيدخلانه يحملان ثمرة عامٍ كامل من الثبات.ما يصنع فارقا في الإقبال وفرص الارتقاء. ويبقى فضل الله واسع وعظيم لكل مقبل ولو ببضاعة مزجاة!

فابدأ الآن ولا تنتظر أن تأتي فرصة ولا تقل “ٍسوف”، بل اصنع لنفسك فورًا طريقًا لا تنطفئ فيه.احمل هذه الوصايا بقلبٍ حاضر، وعقلٍ واعٍ، ونفسٍ مجاهدة، واسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يجعلك من الثابتين حتى تلقاه وهو عنك راضٍ.

ومع أن ما ذكرته مهم جدًا وأولويات لا يليق الغفلة عنها، إلا أنني في خاتمة لقائنا هذا، أختم بأرجى وصية في زماننا – كما أحسبها -: إنها وصيتي لكل مسلم ومسلمة بالثبات على ثغور وميادين المراغمة والجهاد.

فلا يكفي أن نحفظ أنفسنا من الانتكاس، ولا أن ننجو بقلوبنا بصيانتها من الفتن والانحرافات فحسب، بل إن أعظم ما تُستثمر فيه هذه المجاهدة كلّها: أن تُقام النفس على ثغور المراغمة.

فالثبات الذي تحدّثنا عنه ليس غايةً في ذاته، بل هو وسيلةٌ لغايةٍ أعظم: أن تكون عبدًا لله قائمًا بدينه، مغايظًا لعدوّه، سائرًا في درب نصرة الحق.

قال ابن القيم رحمه الله:

“مغايظة الكفار غاية محبوبة للرب مطلوبة له… وهي عبودية خواص العارفين، وتسمى عبودية المراغمة… ولا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوه وإغاظته له.”

وهذه عبوديةٌ يغفل عنها كثيرون؛ لأنها ليست مجرد عملٍ ظاهر، بل حال قلبٍ، واتجاه حياة. أن تعيش لله وتغضب لله وتتحرك في كل ميدان بما يرضيه، فيغتاظ بذلك عدوّه.

ولهذا أشار الله تعالى إليها بقوله: ﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ﴾ [ النساء: 100] وقوله عز وجل: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [ الفتح: 29].

وكل خطوةٍ تثبتك على الطاعة هي مراغمة. وكل مجاهدةٍ لنفسك على الاستقامة هي مراغمة. وكل ثباتٍ في زمن الفتن هو سهمٌ في وجه عدوّ الله. بل حتى في دقائق العبادات: قال النبي ﷺ في سجود السهو: “إن كانت صلاته تامة كانتا ترغمان أنف الشيطان” فتأمل حتى جبر النقص يتحول إلى مراغمة!

وهنا تتضح الغاية الكبرى: فليست القضية أن تثبت فقط بل أن تُسخّر ثباتك في ميدان أعظم.

وهنا غايتان لا تنازعهما غاية في حياة المسلم:

  • زكاء القلب.
  • وإعداد النفس لإعلاء كلمة الله.

فزكِّ قلبك لكن لا تحبسه. وأعدّ نفسك ولا تُعطّلها. بل لتكن في سبيل الله تعالى نقية خالصة!

وفي هذا الزمن، حيث تتكاثر الفتن، وتشتدّ الهجمة على الإسلام، وتُفتح أبواب الانحراف ليضلّ الناس، يكون من أعظم القُرُبات: أن تكون من أهل “الجمع” كما في وصف الحديث: “يجمعون لأهل الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام”.

هذا الجمع – جمع الوسائل والأسباب، وجمع الكلمة والصف، وجمع الجهود والمساعي – هو من أعظم ميادين المراغمة اليوم. وهو يحتاج إلى صبر وتوكّل وحلم ويقين لا ينضب، يحتاج لحرقة تحرسه لا تنطفئ، يحتاج لاستحضار عظم المسؤولية وفداحة التفريط وموجبات الفضل وصيانة العهد، وتعظيم كل سبب يوصل لله تعالى، والتحصن من كل ما يصنع التأخر والتخلف!

واعلم أن الحياة الحقيقية ليست في السلامة الباردة، بل في الانخراط الواعي في ميادين النصرة. الحياة الحقيقية هي العمل لإعلاء كلمة الله، والانغماس في ميادين المراغمة، تلك هي الوظيفة الأرجى.

وهنا فقط تذوق طعم الحياة. وتفهم معنى الثبات. وتدرك لماذا كان الصادقون لا يهنون ولا يضعفون. قال الله جل جلاله ﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [ آل عمران: 146],

ولعل من عجيب ما تقودنا له هذه الكلمات، وهو من فضل الله جل في علاه علينا، أن نجد أبرز سبب للثبات وحفظ أسباب الثبات، يوجد في ميداين المراغمة والجهاد، وكأنها تربة القلب الموحد! تربة القلب المهاجر لربه، المرابط على أبواب فضله، المجاهد لإعلاء كلمة خالقه! فيها يتجذر فيثبت، فيها يشرق ويزهر ويثمر، ومنها يصعد إلى معارج القبول الأرجى!

والخلاصة التي يجب أن تستقر في قلبك أيها المسلم، أيتها المسلمة:

اثبت لكن لا تثبت لنفسك فقط. بل اثبت لتكون لبنةً في إقامة بنيان الإسلام في الأرض.  

اثبت لتُرغم أنف الشيطان، وتُغيظ أعداء الله بطاعتك، وثباتك، وصدقك واستعلائك بدينك.

اثبت حتى يكون رمضان القادم محطةَ انطلاقٍ جديدة لا إعادة بداية عطّلتها الخسارات والتراجعات!

اثبت لترتقي .. اثبت لتحيا وتعيش معاني العبودية لله جل جلاله .. شهيدًا يمشي على الأرض!

فإن عشت هذه المعاني لم تعد رحلة الثبات عبئًا، بل صارت رسالة وجهادًا وحياة لا ترى معها سوى منازل المؤمنين في الفردوس الأعلى، فكيف يكون المسير؟!

بشغف وعزيمة! بإقدام لا يضطرب لحد الفداء!

اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا واجعلها الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل شر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.

اللهم لا تدع لنا ذنبًا إلا غفرته، ولا عيبًا إلا سترته، ولا همًّا إلا فرجته، ولا دينًا إلا قضيته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضا ولنا صلاح إلا قضيتها يا أرحم الراحمين.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، فالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرًا.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
عبدالرحمن

جزاك الله خير الجزاء، ونفع بك البلاد والعباد.”
​”جعل الله ما قدمت في ميزان حسناتك، وصدقة جارية لك ولوالديك.”
​”بارك الله في علمك ووقتك، وزادك الله من فضله ونوره.”

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x