ليس للروح وطنٌ إلا الإسلام

مهما تفرّق الإنسان في أودية الأرض، وتقاذفته المنافي، وأرهقته الهزائم، وأحاطت به الوحشة، وتكسّرت في يديه كل أسباب النجاة؛ فلن يجد لروحه دواءً أعظم من الإسلام.

ذلك لأن الإسلام لا يرمّم ظاهر الحياة فحسب، بل يعيد بناء الإنسان من جذوره، ويغرس في قلبه من اليقين، وفي نفسه من السكينة، وفي إرادته من العزم، ما يعجز عنه كل علاج بشري.

إن شعائر الإسلام ليست طقوسًا تؤدّى فحسب، وإنما منابع قوة تتدفق في القلب.

فالصلاة تشدّ الروح إلى السماء فلا تنكسر أمام الأرض، والقرآن يسري في القلوب سريان الغيث في الأرض العطشى؛ فما إن يلامسها حتى تتفتح فيها ينابيع الإيمان والحياة.

والدعاء يفتح للعبد أبواب الرجاء حين تنغلق في وجهه أبواب الخلق، فيجبره شعور العبودية لله القريب، وينبعث قويا بيقين الإجابة.

والذكر يبدّد وحشة القلب، ويصنع الأنس في قلب الغربة والعتمة!

والصيام يعلّم السيادة على الشهوة ويجعل لذة القيادة للنفس تمكينا وسعادة، والزكاة تطهّر النفس من أسر الدنيا وتستعلي بها على فتات الدنيا الزائل وتعلمها فضائل العطاء والإيثار والمواساة، والحج يجمع الإنسان على معنى العبودية الكبرى ووحدة القلب والصف في الأمة.

والجهاد يسكب في الروح معاني العزة والبذل، ويجري أثره في القلب والجوارح، حتى يستعذب المؤمن الرباط في سبيل ربه، ويرى الكَلْمَ وسامًا، والتضحيةَ شرفًا، والفداءَ قربةً، قد امتلأ قلبه بحب الله ورجاء ما عند الله. قد أبصر طريقه لحياة بمرتبة الشرف، لا موت بعدها!

والحجاب يغرس في النفس معاني الحياء والعزة، ويعلن حرية المرأة من الاستعباد للشهوة ومعايير البشر، فيغدو رمزًا للعفاف، ولباسًا للكرامة، وشعارًا للطاعة، وحصنًا تُعرف به المسلمات.

وكل عبادة في الإسلام تضيف لبنة في بناء الشخصية المؤمنة، حتى يخرج الإنسان قويًا ثابتًا، لا تهزّه العواصف وإن عصفت به الدنيا كلها.

لقد عرف ربَّه، فسقط من قلبه الخوف من كل أحد سواه، وعرف نفسَه، فلم يخدعه الهوى، ولم تستزله حبائل الشيطان، وعرف سبيله، فلم يمل عنه إلى دروب الذل والضياع. فكانت عبوديته لله قمةَ الحرية، لأنه لم يعد أسير شهوة، ولا عبد هوى، ولا رهين مخلوق، وإنما انعتق قلبه لله وحده، فاستقام قويًّا عزيزًا.

وعظمة الإسلام لا تُدرك حقًّا بمجرد قراءة أحكامه، وإنما تُدرك حين ترى أثره في النفوس؛ كيف ينتشل الإنسان من ظلمات الجاهلية إلى نور الهداية، ومن عبودية الهوى إلى عزّ العبودية لله، ومن التشتت إلى الوحدة، ومن القلق إلى الطمأنينة، ومن العبث إلى الرسالة، ومن الضعف إلى القوة. فإذا بالنفس التائهة تستقيم، وإذا بالقلب المكسور ينهض، وإذا بالإنسان الذي كان حطامًا يسير في الأرض ثابت الخطى، مطمئن القلب، عظيم المقصد.

إن الإسلام بناء مهيب، كل جزء فيه يسند الآخر، وكل حكم فيه يخدم غاية، وكل عبادة فيه تغذّي جانبًا من جوانب الإنسان، حتى تتكامل قواه العقلية والروحية والنفسية والأخلاقية والجسدية في انسجام بديع لا يعرفه نظام من صنع البشر.

فلا ترى فيه تناقضًا، ولا اضطرابًا، ولا خللًا، بل ترى منهجًا إلهيًا يصنع الإنسان قبل أن يصنع الحضارة، ويقيم القلب قبل أن يقيم الدولة.

ولذلك فإن أعظم معجزة يشهدها المتأمل ليست مجرد انتشار الإسلام اللافت، وإنما قدرته المتجددة على إحياء الإنسان في كل زمان ومكان؛ يدخل إليه وهو مشتت، فيخرج موحَّد الوجهة، ويدخل إليه وهو مكسور، فيخرج عزيز النفس، ويدخل إليه وهو تائه، فيخرج صاحب رسالة. تلك هي عظمة الإسلام؛ دينٌ يصنع الإنسان، فإذا صلح الإنسان صلح به كل شيء.

قال الله جل جلاله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [ الحج: 78]

فالحمد لله الذي هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. اللهم اجعلنا من أهل هذا الدين حقًّا، ومن خير من حمل رسالته، وعظّم شعائره، وذبّ عن حياضه، ودعا إليه، وثبّتنا عليه حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا. اللهم آمين.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
عبدالرحمن ابن سعيد

اللهم آمين

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x