خرج المسلمون من مرحلة الاحتلال الأوروبي بذهنية تجيد التعلق بأستار الرموز والأوطان، فعاشوا أمدا -لا يزال-، يتعصبون لأوطانهم وقبائلهم وزعمائهم .. لحد جاهلي أفسد وخذل ركن الولاء للمؤمنين وعمّق الحدود وتقسيم العالم الإسلامي والتفرقة.
ثم برزت حقبة الجماعات الإسلامية التي تنشد تحرير الأمة من أغلال الهيمنة والاحتلال وإعادة وحدة هذا العالم الإسلامي، فرافقتها ظاهرة النصرة العمياء، والتعصب المزمن، حيث صنعت لها أتباعا مخلصين لها حصرا وحكرا، دورهم التصفيق والمدح والثناء، والترقيع والتبرير، بدعم لا يقف ولا ينقطع، على طريقة أحزاب الديمقراطية الغربية. مهما خالفت شريعة ربها!
مخلصون هم جدا لجماعاتهم ولديهم كامل الاستعداد لتبديل مواقفهم مع كل تغير لمواقف هذه الجماعات التي هي في نظرهم المرجعية ونقطة الارتكاز، فكان لهذا الإخلاص المطلق تداعيات،
لقد أظهروا الجرأة على لي أعناق النصوص والتدليس، بل وحتى البغي والعدوان وغمط الحقوق والبخس في سبيل هذه النصرة التي في نظرهم هي دلالة الصدق والحل الوحيد للأمة لنصرة الجماعة التي ستحمل لواء النصر المبين كما يجزمون!
وفي الواقع، قبل الحديث عن أي نصر مبين، والجزم بمن سيحمله ولا يعلم ذلك إلا الله جل جلاله، لن يصلح حال هذه الأمة لتكون أهلا لهذه المرتبة العظيمة من الفضل، حتى نعيد الهيبة التي لا مساومة عليها، لأصل إخلاص الدين لله وحده لا شريك له، ونعيد الاجتماع والاحتكام لشريعة الله تعالى لا على الاصطفافات المناصرة.
لن يكون المسلمون أهلا لنصر وتمكين، حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة. فيعم العدل والأمان، وتتقلص مساحات الاختلاف وتصحح الأخطاء وتؤثر عملية الإصلاح بكفاءة وفعالية.
ولذلك لابد من تصحيح مفهوم النصرة التي امتهنتها ذهنيات نشأت على “ّذلة” الحكم الجبري، و”عاطفة الانجرار الأعمى”، ولا يكون ذلك حتى نرسخ مفهوم النصرة كما أوصانا نبينا صلى الله عليه وسلم:
“انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا”.
فقالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أنْصُرُهُ إذا كانَ مَظْلُومًا، أفَرَأَيْتَ إذا كانَ ظالِمًا، كيفَ أنْصُرُهُ؟
قالَ: “تَحْجُزُهُ -أوْ تَمْنَعُهُ- مِنَ الظُّلْمِ؛ فإنَّ ذلكَ نَصْرُهُ”. صحيح البخاري.
حتى نعيد العظمة للدين والاحتكام له والخشية من الله تعالى والاستقامة كما أمر بتقوى ووجل إلى قلوب الناس، فتكون راسخة لا تباع ولا تشترى.
حتى نعيد الهيبة والصلاحيات الكاملة، لشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونكف عن التعامل بجاهليات كلفتنا أثمانا مثخنة!
من لم يتأدب بتجارب الماضي ورصيد الفشل والهزائم والفواجع المثخنة، ويتخلص من مخلفات الحكم الجبري في نفسه وطرق تفكيره، لن يمكنه أن ينصر دينه ولا أمته النصر المبين.
من عجز عن تربية نفسه تربية إيمانية لا تقدم على خشية الله أحدا، فأخرج أقبح ما فيه انتصارا لفريقه، لا يزال بعيدا جدا عن موجبات الفضل! وتصفيقه لا يقدم ولا يؤخر في استجلاب الفضل والله ذو الفضل العظيم!
هي أمة موعودة بالنصر والتمكين على منهاج النبوة، لا على منهاج الحكم الجبري وذهنيات الاستعباد والذلة لغير الله تعالى.
فلمثل هذه الغاية يجب العمل والدعوة لله جل جلاله، غاية إخلاص الدين لله وحده لا شريك له، ونبذ التعصب لغير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. والتعامل بوازع الخشية والوجل، لا العدوان والبغي والجزم بالتزكيات المطلقة والمرء لا يعلم هل بات والله ساخط عليه أم راضٍ!!
فلتكن النصرة على الحق الذي تحمله الجماعات لا على الجماعات بحد ذاتها، والبراءة والإنكار على قدر الانحراف والمخالفة، فلا حي معصوم ولا نزكي على الله أحدا وما أكثر التبديل!
ليكن الولاء للمسلمين كافة، بدون خذلان لهذا الأصل العظيم الذي قطعت أوصاله العصبيات والجاهليات.
وهذه مرحلة قادمة لا محالة، مرحلة الاجتماع تحت غاية إخلاص الدين لله تعالى، طوعا أو قسرا!
لذلك فإن الدعوة لها، ليست إلا تمهيدا للاستعداد لما ستحدثه سنن الله في الأرض من تأديب للناس وإيقاظ لبصائرهم.
اللهم اجمع المسلمين على كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، واجعل تعصبهم لربهم ورسولهم يرجون رحمة الله ورضوانه. واكفهم شرور الفتن ما ظهر منها وما بطن، والتعصبات الظاهرة والجاهليات التي تسترت بستار الإسلام وهو الهوى والاغترار.
اللهم آمين