لكلِّ مؤمنٍ فتح… بل فتوحات.
لكنها لا تُلتمس عند الناس، ولا تُستجدى من تجارب الآخرين، بل تُطلب في قلبك… في موضع صدقك… في علاقتك أنت بربك.
كم يُحرَم أناسٌ لكثرة المقارنات!
يُرسلون أبصارهم إلى ما في أيدي غيرهم، ويظنون أن مفاتيح التوفيق معلّقة بأبوابهم …!
وما علموا أن مفاتيح التوفيق مودَعة بين أيدي الصادقين.
مفتاحك في صلتك بربك جلّ جلاله؛
بالذي يعلم خفاياك، ويدرك ذرات ضعفك، ويحيط بقصورك، فلا تكابر ولا تقارن! بل أقبل بصدق أنت كما أنت. فالعبرة بصدق الإقبال.
وهناك الفتح.
وهناك الفتوحات.
وبقدر انشغالك بإصلاح علاقتك أنت بربك – لا بتتبّع علاقة الناس بربهم – يُفتح لك من الخير ما لا يخطر لك على بال.
ركّز في نفسك، في وجهتك، في أسباب ارتقائك.
لا تُرهق قلبك بتشتّت المقارنات، ولا تُبدّد طاقتك في مراقبة الآخرين.
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾
فما عند الله خيرٌ وأبقى…
ومن شُغل بربّه، أغناه الله عن الناس، وفتح له أبوابًا لا تُقاس بمقاييس الدنيا.
السرّ كله فيك أنت، والتوفيق كله يبدأ منك أنت!
لا في غيرك ولا من الناس!
ولو انشغل الناس بهذه الحقيقة، لاشتدت قلوبهم تعظيمًا وحبًا وشوقًا لله عز وجل.
ولكن الغفلة تُفسد والجهل يحرم!
هذا تعليق مهم وصلني بعد نشر هذا المنشور، أسأل الله أن ينفع به:
البحث عن الكمال…المثالية، تلك العقبة الكؤود في طريق بعض السائرين إلى الله…لقد كنت واحدة منهم، أبحث دائما عن الأحسن، ويساورني شعور خفي مرعب؛ ماذا لو سبق الجميع وتخلفت؟!!
لم يكن شعورا متوازنا يدفع النفس نحو الإحسان في العمل، بل كان بفرط تسلطه كداء يكاد يفتك بالقلب، من شدة الخوف الذي يدفع لجلد للذات عند كل تقصير.
وما زاده فتكا مقارنة هذه النفس المكسورة بما يقدمه الآخرون من سعي في طريق الصلاح، فتتسلط عليها فكرة التخلف عن المسابقين، مما يدفعها نحو ظاهر العبادة لا حقيقتها، وحجمها وكثرتها لا حسنها، وكأنها تودّ سدّ عجز فيها، وإسكات ذاك الصوت الذي أكثر من جلدها لدرجة الإدماء، واستنزافها لحد الإرهاق الشديد.
أعترف أنني كنت واحدة من ضحايا هذا الداء الفتاك…كم تعذبت وبكيت لسنوات..كنت فعلا أريد الله وأود المسابقة لكن بالطريقة الخطأ…يقول الله تعالى: (هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا)، نعم أحسن عملا وليس أكثر عملا..
كل إنسان له تجاربه، ظروفه، طبائعه، فمن الجهل والظلم بالنفس أن تقارن بسعي كل أحد، فما ناسبه قد لا يناسبك، وما فتح الله به عليه قد لا يتوافق معك…
لذلك لابد أن يعيد كل من ابتلي بهذا حساباته، وليركز على نفسه فيعرف مواطن عجزها ومكامن القوة فيها، فيحمد الله على ما حباه من فضل وخير ويمضي به عاملا لله بإحسان، ويسعى لإصلاح ما فسد منها وتهذيبه وتطويعه لله…وإن أراد منافسة فلا ينافسنّ إلا نفسه، ليقدم كل يوم نسخة أحسن منه…
إني أقول هذه الكلمات بعد تجربة مريرة عشتها حرمتني في كثير من الأحيان سكونا وطمأنينة، رغم ما كنت أبذله من جهود كبيرة طلبا لمراتب السبق في طريق السائرين إلى الله…وكم احتقرت تلك الجهود التي اقتاتت وأخذت مني الكثير! فقط لأنني أنظر إلى ما ينجزه غيري ولم أنجزه، بينما لا أرى إنجازات وفقني الله إليها وطاقات كامنة يمكنني توظيفها أكثر فيما ينفع ويسد ثغرا لا يسدّه غيري.
وها أنا اليوم وقد منّ الله علي بمشاهدة هذه الحقيقة بعين القلب؛ أسعى إلى ربي بضعفي وبضاعتي المزجاة، مدركة أن الله الحكيم الخبير أعلم بعباده ومواطن قوتهم وضعفهم، وموقنة أن لا أحد يدخل الجنة بعمله، إنما هي رحمة من الله تغشى العباد فتقودهم إلى الجنان…
فالله الله في قلوبكم تعهدوها وتفقدوا الإخلاص فيها، فإن ظفرتم بذاك فلا تسألوا بعدها عن حسن العمل وجماله وأثره وإن كان في نظر البعض صغيرا هيّنا…
وكم من عمل صغير صدق النية عظم أثره، وكم من عمل عظيم ذهب هباءً بسبب سوء النية وانطفاء وهج الإخلاص فيه.
هذه تجربة عشت تفاصيلها المريرة نقلتها لكم بكل صدق…فعسى تختصر طريقكم نحو العلاج…
أرجوكم! توقفوا عن المقارنات حالا! توقفوا عن طلب الكمال فورا!
اسعوا فقط نحو الله بإخلاص في كل لحظة من حياتكم، وفي كل عمل مهما كانت بساطته، ومازلتم بخير ما نويتم الخير!
أخت لكم