في خضمّ ما يُتداول اليوم من تسريبات وصور تتعلق بفضائح إبستين، يقف المسلمون أمام ابتلاء دقيق لا يقلّ خطرًا عن الجريمة ذاتها، إنه ابتلاء النظر.
فليس كل ما كُشف يُطلب الاطلاع عليه، وليس كل ما أُتيح يُباح التحديق فيه، وليس كل “فضيحة” إذ أُشهرت صارت مبرّرًا لاقتحام المحرّمات باسم الوعي أو المتابعة وإشباع فضول المشاهدة!
إن إطلاق البصر في هذه الصور ـ مهما كانت الذريعة ـ يفتح الباب أما سهم مسموم، يجرح الفطرة، ويهدم شيئا من البصيرة، ويفتح ثغرةً ينفذ منها كيد الشيطان. وقد قرر القرآن القاعدة الجامعة: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، لأن النظر ليس مجرّد حركة عين، بل مدخل قلب، ومفتاح شهوة، وبداية انحدار.
والأخطر من النظر العابر، كثرة المساس؛ فالتكرار يُميت الإحساس، ويكسر الحواجز، ويحوّل الفجيعة إلى مشهد عادي، والمنكر إلى مادة استهلاك.
هكذا تُدار المعارك الأخلاقية اليوم: لا بتسويق الرذيلة صراحة، بل بتعويد الناس عليها، وبإغراقهم في تفاصيلها، حتى يفقدوا دهشة الرفض، وتخبو فيهم حرارة الإنكار. وحينها يصبح الانشغال بالفضيحة غاية، وتغيب القضية، ويُستنزف القلب في تتبّع القبح بدل مقاومته.
لقد حرّم الإسلام النظر إلى الصور المحرّمة والانتهاكات، لأنه يحمي الإنسان من أن يُستدرج إلى مستنقعها.
فالشر والظلم والانحراف والشذوذ لا يُهزم بإطلاق البصر في تفاصيله المحرمة. إنما يُواجه بإقامة العدل، وصيانة الفطرة، وصناعة سياج يمنع إثارة الشهوة بإغلاق أبوابها.
ثم إن إشغال الناس بهذه المشاهد ـ تحليلًا ومشاهدةً وتداولًا ـ صرفٌ متعمّد عن الأهم:
عن محاسبة المنظومات وكسر سرديتها وهيمنتها، وعن مساءلة القيم وكشف زيف الحضارة الغربية، وعن طرح البديل الأرجى والأشفى.
والبديل ليس التعبير عن الدهشة وإطلاق الحبل لفضول المشاهدة الساذجة، بل دعوة مسؤولة لإنقاذ البشرية من مكائد معسكر كفر يقود لواءه إبليس نفسه!
فنحن في صراع حضاري، صراع بين الإيمان والكفر، فهل يعقل أن ننجر لما يريده لنا شياطين الإنس والجن، بآلة إعلامية أغرقت العالم في تفاصيل قذرة بلا رادع ولا محاسبة!!
الآن وقت العمل على إعادة تعريف الكرامة، وإقامة ميزان الحلال والحرام، وإنقاذ الإنسان من متاهة الإثارة والانحطاط الذي تقوده له الحضارة الغربية المنحلة.
الدور اليوم ليس أن نكون شهودًا يتفرجون على الانهيار، بل حملة للرسالة التي جاءت لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. كما قالها يوما الصحابي البصير، ربعي بن عامر رضي الله عنه وأرضاه، نعم!
فـ ” الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه”.
هذه مهمتنا أيها الناس وليس الخوض مع الخائضين تبعا! بل قادة يقودون البشرية لمرافئ الإيمان والأمان!
الآن وقت العمل وأداء لأمانة الرسالة، وقت الاستعلاء بالإيمان ورفع راية الإسلام لتحرير العباد، بأقصى طاقة لدينا وبكل وسيلة متاحة لنا.
ولننشغل بحفظ فطرة الناس ودعوتهم لحياة قلوبهم وحماية أبنائهم، ولنحذر من الانجرار إلى التطبيع مع القبح، فإلفه إفساد للذوق والبصيرة!.
والعالم لا يحتاج مزيد صور، فصورة واحدة لدى العقلاء كافية بإسقاط كل دعاويهم المخادعة!
بل يحتاج هزة ضمير تقوده لنور الإسلام العظيم؛
لا يحتاج تتبع تفاصيل الفضائح بل إلى تقديم البديل الحضاري الأكثر أمانا وحفظا لفطرة الناس، والأشفى للقلوب التي أضحت إنسانيتها مهددة وقلوبها مستنزفة وفطرتها محاصرة.
فلنغضّ أبصارنا، ولنحرس فطرتنا،
لننصرف عن الإثارة والضجيج الفارغ، بل المضر! إلى تبليغ الرسالة،
وعن التلصص وإشباع فضول النظر المحرّم، إلى الدعوة لله جل جلاله،
وعن متابعة السقوط الكبير، إلى نصرة الحق العظيم.
هذا هو الطريق… وهذا هو الواجب الآن.
فاتقوا الله في أبصاركم ونفوسكم، وأعدوا أنفسكم لسد ثغور مهماتكم، حيا على ساحات العمل والفلاح! حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله تعالى.