لا تجعلوا البلاء طريقًا لخصومة كل مسلم .. فمن يقدر على الخصومة بفجور أمام الجبار؟!

من أشد ما يؤلم في أزمنة المحن، أن يخرج بعض الناس وقد استولى عليهم الغضب والوجع، فيجعلون من مصابهم سيفًا على الأمة كلها، يخاصمون كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، ويكيلون اللعن والتخوين والتعميم، ويتوعدون كل مسلم بالخصومة أمام الجبار! كأن خذلان بعض الناس أو خيانة الحكومات يبرر معاداة أمة بأكملها بكل مسلم فيها. وكأن الابتلاء يجيز لعن كل مسلم ومخاصمته مخاصمة المعتدي الظالم!

حنانيكم… اتقوا الله في ألسنتكم وقلوبكم وكفوا عن فجور الخصومة!

لقد أبيدت قرى كاملة عبر عقود، واغتُصبت نساء، وقُتل صغار وكبار وحتى الحيوانات، في مجازر تقشعر منها الأبدان، واختفى قسرًا شباب في زهرة أعمارهم، في بلاد لم تكن عدسات الإعلام تهتم لإبراز مآسيها، ولا كانت أخبارها تتصدر الشاشات كما يحصل اليوم مع غيرها من مآسي. كانت هناك أمم تُذبح في صمت، وأناس يموتون تحت الركام أو في المعتقلات أو على قارعة النزوح، بينما كان غيرهم يعيش حياته اليومية بأمان. ومع ذلك، كم من أولئك خرجوا يلعنون الأمة كلها؟ كم منهم قال: أين كنتم؟ وكم منهم جعل من جراحه سببًا لعداوة كل مسلم؟

لقد التقيت امرأة ثكلى، تقص علي ما عاشته من مجازر وقتل وفتك! وكيف قتل أحباؤها أمام عينها وكيف شلّ ابنها بالتعذيب، ولم يبق لها ما تملكه بعد أن عاث الكافر في بلد مسلم فسادًا وتدميرًا، لن أذكر تفاصيله الآن إلى أن أدونها لله ثم للتاريخ بحبر يقطر دما إن شاء الله تعالى!

وحينها وأقولها بكل ألم!! كانت الفيديوهات والصور لمباني غزة وجمالها وجمال فعالياتها قبل الحرب، تنشر للترويج لحال الأمن والأمان والإنجازات هناك! وكانت القنوات اليوتيوب تتسابق على اللايكات وجمع الإعجابات والمشاركات! ولم تقل يومها أين الغزاوي الذي يصور الفيديوهات ويطلب اللايكات! لم أسمعها تلعنه أو تقول لم لم يذكرونا ولو بكلمة، ولو ببيان!! بل قلبها كان مشفقا وتقول: اللهم لا تفجع مسلما بما عشناه، اللهم لا تسلط كافرًا على مسلم!! بل كانت وغيرها يضمون غزة في دعواتهم وكل فلسطين!!

فأين الناشطون الذين يخاصمون كل مسلم من غزة من هذا الفقه الذي تحمله امرأة في قرية نائية!! أين هم من أدب التضرع والرحمة بأنفسهم وبالمسلمين، وهل من ذاق البلاء يلعن الناس أو يتأدب منه؟

أمثال هذه المسلمة كانوا يعلمون أن الأمة جسد مثخن بالجراح، وأن الضعف عام، وأن المصائب في تضييع ديننا وتفرقنا وإن اختلفت صور المصائب وأماكنها. فسخرت أدعيتها على الطغاة والمجرمين ولم يكن يخطر ببالها لعن المسلمين كافة!!

أما اليوم، فصار بعض الناس يتحدث وكأن الأمة تعيش في سيادة ونعيم، ثم اختارت أن تتخلى عنه وحده! وكأن كل مسلم في الأرض يملك القرار والقدرة والنصرة ثم تعمد الخذلان. وهذا ظلم عظيم، وغطرسة خفية قد تتسلل إلى قلب المبتلى دون أن يشعر. وليته حدد بدون اعتداء .. أولئك الذي يمكنهم النصرة ولم يفعلوا، أولئك الذين يمكنهم العمل ولم يعملوا لنصرة دينهم! لكان أهون وأنصف!

احذروا الكبر في حضرة البلاء، فإن البلاء ليس مقام استعلاء على الخلق، بل مقام افتقار إلى الله، وتضرع بين يديه، جل جلاله، ومراجعة للنفس، وانكسار له سبحانه. ولا يقع بلاء إلا لحكمة يجب أن يتأدب منها المسلم.

إن المصائب لا تبرر الظلم، ولا تجعل الإنسان معصومًا من الخطأ، ولا تعطيه حق التعدي على أمة كاملة بالشتم واللعن والتخوين بل ووصل الأمر لإسقاط أركان الدين وقوم سبقونا قتلوا في سبيل إقامة أركان هذا الدين!

ولا يحرض على أركان الدين إلا منزوع الخشية لا يرجو لله وقارًا، إلا من امتلأ قلبه بهوى الرافضي فجعل خذلان غزة فرصة للفجور مع المسلمين. انتصارًا لسيد هواه. فاعرفوهم وميّزوهم، فالأيام دول، ودوام الحال من المحال، وستعرفونهم من لحنِ قولهم، ومن مرارةِ خطابهم، ومن خصومتهم للأمة أكثر من خصومتهم لأعدائها.

تفضحهم الكلمات حين تمتلئ كبراً وسخطاً وتعميمًا، ويكشفهم لحنُ القول حين يغيب العدل وتحضر الأحقاد.

وكيف يرضى امرؤ أن يقف يوم القيامة خصماً لملايين المسلمين، فيهم المستضعف والعاجز والفقير والمحاصر، فقط لأنه رأى تقصيراً أو عجزاً أو صمتاً؟ أو لأنه لم يعد يطيق البلاء الذي ابتلي به؟ كيف يقدر على الوقوف أمام الجبار وهو يخاصم بفجور من قد يكون له حق عنده!

وهل يطيق أحد أن يُقال له يوم القيامة: وأنت، أين كنت حين كانت أمم أخرى تُذبح وأنت صامت؟ هل يرضى أن يقال له: هذه بتلك؟

والحقيقة أن الجميع خذل الجميع!! فلا داعي للمزايدات، لأن مآسي الأمة لا ترفع إلا بعودة كاملة لدين الله تعالى بأدب التضرع والتأدب من الابتلاءات ومصائبنا المتوالية.

إن الأمة اليوم تحتاج إلى من يجمعها على تعظيم الله جل جلاله وإقامة دينه كاملا غير منقوص، وإلى من يوقظ فيها الرحمة بالمسلمين لا الأحقاد، وإلى من يذكرها بالله لا من يدفعها إلى اليأس والخصومة.

تأدبوا في حضرة البلاء.

تأدبوا، فإن الابتلاء يوجب التضرع لا الاستكبار، والانكسار لا التعالي، والدعاء لا اللعن، والرحمة لا الخصومة.

ومن عرف سنن الله في عباده علم أن القلوب إذا امتلأت سخطاً على الخلق، وامتلأت كبرًا وغضبًا واحتقارًا، فإن ذلك لا يرفع البلاء بل قد يكون سببًا في زيادته.

فاتقوا الله، واحفظوا ألسنتكم، ولا تجعلوا جراحكم بابًا للعداوة مع كل مسلم في أمة أنهكتها الجراح من كل صوب.

قال الله تعالى (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُم تَختَصِمُونَ)

يقولها العبد وليته يقدّر حقيقة الموقف حينها أمام الله سبحانه في يوم الحساب والجميع يختصم إليه، كل مظلوم وكل ذي حق يطلب حقه!

إنها كلمة ترتجف لها القلوب الحية!

ورحم الله عبدا تأدب في حضرة البلاء فتاب لله تعالى وسأله الرحمة به وبالمسلمين. وتعلم من القرآن وأحاديث نبينا صلى الله عليه وسلم أن أرض فلسطين أرض موعودة بالنصر، ولكن قبل الوصول للحظة النصر هناك ملاحم تمييز يميز فيها الله الخبيث من الطيب ويفضح الظالمين ويصطفي الشهداء! قال جل جلاله ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [ آل عمران: 140]

ووالله إني أخشى أن ما تضمره القلوب من سخط وحقد هو في حقيقته اعتراض على قدر الله عز وجل، وهو الذي سيجر المزيد من الويلات على المسلمين كافة حتى يرجعوا لدينهم!

أما أولئك الذين جعلوا منابرهم ميدانًا للتشنيع على المسلمين، يوزّعون اللعنات والخصومات، ويزدرون شعائر الله عز وجل في مواطن تعظيمها، فاتقوا الله في أنفسكم؛ فإن القلوب التي أنهكها البلاء، والأرواح التي تعذبت في زمن أمنكم ورخائكم، قد تقف يومًا شاهدة عليكم، تسألكم: أين كانت كلماتكم؟ وأين كانت دعواتكم؟ وأين كانت رحمتكم؟

وحينها ستدركون أن جراح هذه الأمة أعمق وأفدح مما كنتم تظنون، وأن أخطر ما أصابها ليس ضعف العدة وحده، بل موت الإحساس بآلام المسلمين، والتجرد من الأخوة والرحمة والعدل وحصرها في حدود وطنية وهمية من صناعة المحتل والطواغيت.

وحسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير. فلن يرفع البلاء إلا الله جل جلاله، والتعلق بالمسلمين جهل! بل التعلق يكون بالله رب السماوات والأرض، بيده أن يرفع البلاء وإن خذل العالم كله غزة. فمن ينتظر من الناس نصرته هو الذي يلعن الناس، ويعيش متخبطًا قد أوكله الله لحظ نفسه، أمام من ينتظر من الله جل جلاله أن ينصره، فمطمئن لقدره، متأدّب متضرّع قد قدر ربه حق قدره! فينعم بمعية ويسر وتأييد لا يناله العبد إلا بالتقوى.

غزة وكل فلسطين ستتحرر، وستعمر من جديد خير العمران وأهيبه، ولكن قبل ذلك، سيتعلم الناس الوفاء لمقتضيات لا إله إلا الله محمد رسول الله. صلى الله عليه وسلم. وسنن الله ماضية لهذا القدر بوعد الله الحق!

اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا تجعل الفتن تفرق بين قلوب المؤمنين، واجعلنا ممن إذا ابتُلوا تضرعوا، وإذا غضبوا عدلوا، وإذا تكلموا أنصفوا.

فما أحوج الأمة اليوم إلى قلوب يملؤها الرفق والرحمة واليقين، لا الخصومة والتشفي والسفه، وإلى ألسنة تذكر بالله لا تؤجج الأحقاد، وإلى همم تجمع المسلمين على دينهم لا على وطنيات بالية.

والبلاء مقام افتقار إلى الله، لا مقام استعلاء على الخلق، ومن أدب المحنة أن يحفظ المرء قلبه من الكبر ولسانه من الظلم، حتى لا يتحول الألم إلى باب لتمزيق الأمة وإثقال الصحائف بالعداوات.

اللهم أصلح أحوال المسلمين، واجبر كسر المظلومين، وارحم الضعفاء والمستضعفين في كل مكان، واجمع القلوب على الحق والمودة والرحمة.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x