أود أن أطرح إشكالًا أعيشه منذ فترةٍ طويلة، وأبحث له عن تفسيرٍ أو توجيهٍ منهجي، لا سيما أنني لا أتحدث عن تجربةٍ عابرة، ولا عن انطباعٍ مؤقت، وإنما عن مسارٍ ممتدٍّ لسنوات من القراءة، والمتابعة، وحضور المجالس، والاستماع إلى المواد العلمية في مجالاتٍ متعددة، خصوصًا في المواد العلمية المنهجية التي أسعى من خلالها إلى بناءٍ معرفيٍّ متماسك، ثم في سائر ما أتعلمه من علومٍ ومجالاتٍ نافعة أرجو فيها الخير والنفع.
الحاصل عندي أنني أجد أحيانًا نفسي أمام الكتاب وكأنني أمام طلاسم، كما يُقال، لا من جهة الفهم اللحظي فقط، بل من جهة الأثر البعيد كذلك. فأنا أقرأ، وأتابع، وأحضر مجالس علمية، وأستمع إلى محاضرات ومواد معرفية متنوعة، بل وأحرص أحيانًا على التدوين، وعلى إتمام ما أبدأ به من كتب أو مواد، وأجتهد في التلخيص والتقييد، وقد جرّبت في ذلك طرائق متعددة ومسالك مختلفة، فتقلّبت بين أساليب في التدوين والمراجعة والاستحضار، وجرّبت التفريغ الحرفي أحيانًا، وتقييد الفوائد أحيانًا أخرى، والاعتماد على المراجعة الدورية، والاستعانة بالوسائل التقنية، ومحاولة الربط بين المعارف والمواد، ومع ذلك لا أشعر أن كفاءتي المعرفية قد تطورت بالقدر الذي كنت أتصوره بعد هذا الكم من الجهد والوقت.
فمثلًا: أقرأ مادةً معينة فأفهمها في حينها بدرجةٍ ما، لكن بعد مدة لا أجد لها أثرًا واضحًا في ذهني، ولا أستطيع استحضارها عند الحاجة، ولا التعبير عنها، ولا توظيفها في سياقٍ مناسب. وكذلك حين أحضر مجلسًا علميًا أو أتابع مادة معرفية، أخرج بانطباعٍ أنني استفدت، لكن حين أحاول أن أعبّر عمّا فهمت، أو أشرح الفكرة لغيري، أو حتى أستحضرها في نقاشٍ أو سياقٍ علمي، أجد أن الأثر ضعيف، أو غير متماسك، أو مبعثر.
ومن هنا أجد نفسي أُجري مقارنةً بيني وبين بعض من أرى أثر القراءة والمتابعة ظاهرًا في حديثهم، وفي طريقة تحليلهم، وفي قدرتهم على الربط والتعبير، فأشعر أنني -رغم كثرة القراءة والمتابعة- لم أصل إلى تلك المرحلة، ولم تتشكل لدي ملامح بناءٍ معرفيٍّ متماسك. كما أنني ألاحظ أن معرفتي كثيرًا ما تتكون في صورة معلوماتٍ متفرقة، أو فوائد متباعدة، لا تنتظم في إطارٍ كليٍّ واضح يمكن الرجوع إليه أو البناء عليه.
ومما يزيد الإشكال عندي أنني لا أطرح هذا من زاوية نقص الصبر أو استعجال النتائج؛ بل إنني أتحدث بعد سنوات من القراءة والمتابعة، وبعد محاولاتٍ متعددة في التدوين والتلخيص، والحرص على إتمام الكتب، وتقليل التنقل العشوائي، ومع ذلك لا أزال أشعر أن الثمرة ليست بالمستوى الذي كنت أرجوه، وأن الأثر المعرفي لا يظهر بصورةٍ واضحة، بل أجد أحيانًا أن الجهد المبذول لا يُترجم دائمًا إلى أثرٍ علميٍّ وعمليٍّ مستقر.
ولهذا بدأت أتساءل: هل الإشكال في المنهجية؟ أم في طبيعة المادة التي أقرأها وأتابعها؟ أم في طريقة التلقي نفسها؟ أم في غياب مشروعٍ معرفيٍّ واضح يجمع هذه الجهود المتفرقة؟ أم أن هناك مهاراتٍ معرفيةً مفقودة تتعلق بالفهم أو الاستيعاب أو الاستحضار؟ كما يراودني سؤالٌ آخر: ما الذي ينبغي أن يُفهم فهمًا عميقًا؟ وما الذي يُدوَّن؟ وما الذي يُحفظ؟ وما الذي يُكتفى فيه بالمرور؟ وما الذي لا يترتب على معرفته أثرٌ حقيقي؟ وما الميزان الذي يُفرّق بين الأصول والفروع، وبين ما يُبنى عليه الفهم، وما هو زائد أو قليل الأثر؟
وكذلك من الإشكاليات التي ألاحظها: أن معرفتي تتشكل أحيانًا على هيئة معلوماتٍ متفرقة أو شذراتٍ متباعدة، دون أن تتكون لدي صورةٌ كلية أو بناءٌ معرفيٌّ واضح، رغم كثرة ما أقرأ وأتابع. فأمتلك أحيانًا اقتباساتٍ أو أفكارًا متناثرة، لكنني لا أشعر أنها تصنع منظومةً معرفيةً مترابطة، ولا أنني انتقلت انتقالًا واضحًا من مجرد تلقي المعلومات إلى تكوين ملكةٍ معرفيةٍ تساعد على الفهم والتحليل والاستنباط.
ومن هنا أصبح هذا الإشكال عندي سؤالًا حقيقيًا يتكرر: كيف يمكن تحويل القراءة والمتابعة وحضور المجالس من مجرد نشاطٍ معرفيٍّ متفرق إلى بناءٍ معرفيٍّ متماسك؟ وكيف يمكن أن يظهر أثر القراءة في الفهم، والتحليل، والتعبير، والاستحضار؟ وكيف يمكن الانتقال من مرحلة جمع المعلومات إلى مرحلة تكوين الملكة، بحيث تصبح المعرفة أداةً للفهم والتفكير، لا مجرد مادةٍ للحفظ أو الاطلاع؟
وخاصة أنني لا أطرح هذا من موقع المبتدئ، ولا من باب الاستعجال، بل بعد تجربةٍ وصبرٍ ومحاولاتٍ متعددة، وبحثٍ عن تفسيرٍ منهجيٍّ يساعدني على إدراك موطن الخلل وتصحيح المسار، مع رغبةٍ في الوصول إلى منهجٍ عمليٍّ واضح، أو خطواتٍ متدرجة، أو قواعد مختصرة يمكن تطبيقها في القراءة والمتابعة والتدوين والمراجعة والربط بين المعارف.
فما تفسير هذه الحالة؟ وأين يمكن أن يكون موضع الإشكال غالبًا؟ وما المنهجية العملية التي يمكن أن تُحوّل هذا الجهد المعرفي إلى أثرٍ واضحٍ ومستقر؟ وما الميزان الذي يُعرف به: ماذا يُؤخذ وماذا يُترك، وكيف تتحول المادة المتعلَّمة إلى علمٍ نافعٍ ثابت الأثر في العقل والفهم والسلوك؟
حياكم الله وبارك بكم،
بداية طريقة شرحك لما تعانيه بحد ذاتها أراها إنجازا، فأنت تستطيع أن تصف شعورك ومشاكلك، على الأقل أنت قادر على وضع يدك على رأس المشكلة، وقادر على توصيف تفاصيل المشكلة. فمجرد القدرة على تحديد ذلك بوضوح، هذا إنجاز.
ما أراه في حالتك ليس ضعف اجتهاد أو سعي، بل هو على الأرجح خلل في استثمار المعرفة التي تحصلّها، أنت عمليا تحصّل معرفة لكنك لا تستفيد منها بشكل صحيح تماما.
أنت تُدخل معلومات كثيرة، لكن لا تتمكن من تحويلها لرصيد يُسعفك وقت الحاجة إليها.
وهذا يحصل غالبًا لأسباب:
أول سبب ما أسميه التلقي السلبي: حالة من القراءة والتشبع السريع اللحظي، دون أن يكون له تفعيل حقيقي في واقعك. فأنت تقرأ لمجرد القراءة لكن أين يذهب ما تتعلمه؟
ثاني سبب غياب الهيكل، لا يوجد لك أساس تبني عليه بشكل مريح وواضح المعالم، فغياب الإطار الجامع للمعلومات، يعني أنك تعيش عملية تكديس بلا جدوى.
قد يكون السبب أيضا ضعف الاستدعاء، أنت لا تخرج ما تعلمته بطريقة شرح أو كتابة أو نشر فوائده في لحظته كي يترسخ، فضعف هذه الممارسة يذهب بركة العلم.
ولعل أبرز الأسباب، تكون في التوسع قبل التأصيل: وهذا خطأ منهجي يقع فيه بعض برامج التعليم، يكثرون المواد التي تشتت الطالب لكنهم يقصرون جدا في بناء الأصول والقواعد الراسخة، فيجد نفسه بعد حين كمن يبحر في بحر بدون مجاديف، فيتشتت وتتجاذبه الأمواج.
بغض النظر الآن عن كل هذه الأسباب دعنا نوضح قاعدة علمية مهمة جدا: تثبيت العلم لا يكون بمجرد فهمه، بل بإعادة إنتاجه.
ماذا يعني ذلك؟
ما لم تعيد إخراج ما تعلمته بتدوينه، وشرحه وتطبيقه في حياتك لن يتحول إلى ملكة، سيبقى في إطار معرفة سطحية مؤقتة.
ولذلك أنت ترى غيرك متماسكا ليس لأنه قرأ أكثر منك أو تعلم أكثر منك بل لأنه يعيد بناء ما قرأه بطريقته. يعيد إخراجه بنفسه، بجهده الشخصي، فيترسخ فهما في صدره وحتى أثرا في حياته.
إذا تأملنا في وصف حالتك، نجدها مشكلة مركبة.
هناك كثافة تلقي، عالية، (أنت تقرأ، تحضر مجالسا، تطالع موادا) يوجد كمية تلقي كبيرة.
مقابل إخراج ضعيف أو غير منظم، لا يوجد التطبيق العملي المباشر لما تتلقاه، وحتى لو وجد سيكون ضعيف الأثر نظرا لكمية التلقي الأكبر.
ومع غياب غاية وهدف مركزي، يربط كل ما تسعى له، تصبح أمام سراب!
الذي أنصحك به، وأرجو أن ينفعك:
ابدأ مباشرة بتقليل كمية التلقي، اختزل كمية ما تتعلمه وتتلقاه، وفي المقابل أكثر من استثماره، مثلا أنت تدرس درسا في السيرة، قبل أن تتفرع وتدخل مواد أخرى، لخص فصول السيرة بطريقة ما، استخرج انت بنفسك أكثر الفوائد التي أثرت فيك، اكتب بقلم على ورقة ملخصا – وهذه مهمة جدا في الترسيخ –، اكتب عناوين ومخططات تختزل لك المعلومات – ولا تكتفي بذلك، بل امتحن نفسك في المادة، قم بالإجابة عن الأسئلة بخصوصها،
وأيضا، اترك لك أثرا من التأسي بها، مثلا سمعت وصية من النبي صلى الله عليه وسلم أقم نفسك فورا على العمل بها، وتعهدها، وسجلها، دونها في دفتر الملاحظات أو كناشة الفوائد.
ثم لا تنتقل بعدها مباشرةً إلى شيءٍ آخر! اصبر حتى تهضم هذه المعلومات، ثم تقدَّم؛ لتتقدَّم وأنت متشرِّبٌ للمعاني بوضوح، فهذا خيرٌ من أن تمضي بلا رؤيةٍ واضحة، مشتّتَ الذهن والهدف.
فالغاية من العلم العمل، الغاية منه أن تشرق روحك وتبصر، أن تقوى بصيرتك. هذا الهدف، ليس الهدف التكديس والكثرة، بل أن تقوى بصيرتك وتستنير. ويحيا قلبك وتحيا معه جوارحك بقاعدة هي أساس كل فلاح! بإخلاص الطلب والسعي لله جل جلاله،
أبق هذه النية حاضرة إن أردت التوفيق والفتوحات، لماذا أنا أتعلم؟ هل لكي يقال عني متعلم أو سبقت أو أو، لا، أنا أتعلم، لأتقرب من الله تعالى، لأعلي كلمته، لأصل لمرتبة محبته الأرجى .. حدث نفسك دوما بالنية بالغاية من الطلب، فهي تصلح الكثير وتجلب لك الكثير من الخير.
إذا القاعدة الأولى، لا تكثر، لكن أحسن الاستفادة مما تقرأ وتتلقى.
فقليل دائم خير من كثير منقطع.
واضبط نيتك وغايتك .. فهي سبيل الفلاح كله ومن موجبات المعية الأرجى.
كتاب واحد أهم من خمسة .. مجلس تفهمه وتعيده أهم من عشرة تحضرها.
ركز على الجودة لا تبهرك الكثرة أبدا ولا تتسرع، التحصيل الذي تحصل عليه في الأخير هو الأهم والأنفع لك.
عود نفسك كلما مرت عليك فكرة .. أن تقف عندها، ما هي تحديدا؟ هل يمكنني أن ألخصها أو أشرحها في سطرين؟ هنا تظهر أهمية تعويد نفسك الكتابة، مارس مهنة الكتابة، حفّز نفسك على التعبير وحسن التوصيف. وكتابة ما تتصوره وتراه .. كلما أتقنتها أذهلتك كم هي نافعة في استخراج رصيدك العلمي من الأعماق في لحظات الفتح والتأييد الرباني.. نسأل الله لك ولنا ذلك.
إذا رأيت نفسك عجزت عن شرحها، فغالبا أنت لم تفهمها .. وهنا تتجه نحو طلب الشرح، دع أحدا يشرحها لك، اسأل أكثر، ثم أعد الكرة مرة أخرى. لا تستلم أبدا حتى تتقن الرماية!
أنصح بشدة في حالتك أن يكون لك كناشة فوائد ولكن!
بمنهجية تقييد منظمة كي لا تتشتت، فمثلا، قسم الأفكار، رقائق، عقيدة، قرآن، حسب اختصاص الفائدة ونوعها.
أي قسم دفترك إلى محاور متخصصة، لا تجعلها مشتتة.
والمفترض في منهج علمي للتلقي أن لا تأخذ كل المواد مرة واحدة، إن أردت لنفسك الرسوخ، بل قف عند مادة مثلا، العقيدة، لا تنتقل لغيرها حتى تحوز نصاب العلم الكافي لك منها، ثم تنتقل، للسيرة على سبيل المثال وهكذا لا تنتقل لمادة حتى تشعر نفسك أنك حقا حصلت على نورك منها. طبعا العلم بحر لا ساحل له لكنها قواعد تساعدك جدا على التقدم على بصيرة.
بعد فترة ستلاحظ أن هناك ترابطا بين العلوم حاول أنت نفسك أن تربطه، فحديث يرتبط بمعنى آية، وقاعدة أصولية ترتبط بموقف في السيرة، واستشراف المستقبل يبدأ من تدبر فكرة!
هكذا تبدأ تتكون الصورة الكلية.
لكن لاحظ دوما، هي تُبنى على قواعد راسخة، في العلوم التي تطلبها، ثم تتوسع بقدر الرسوخ.
خصص وقتًا أسبوعيًا لكتابة ما تعلمته بتحديد موضوع بعينه، وشرح الفكرة بصوت عالٍ يمكن أن تكون تلخيص كتاب أو مقالة. هذه التمارين تقوي مهاراتك وتعطيك ثقة بالنفس. ومع المداومة تتمكن أكثر وتمتلك مهارة الارتجال.
هذا هو الذي يصنع الملكة.
والآن سؤالك: ماذا يُؤخذ ويُترك .. نصيحة أقولها لك وقد رأيت كمية الهدر التي تعاني منها المنهجيات غير المدروسة اليوم، احذر من الحشو الفارغ، بمعنى اسأل نفسك هل ما أتعلمه أصل يُبنى عليه أم مجرد حشو ينتهي أمره، بعد وقت، هل هي إضافة تفيدني حقا أم لا أثر لها في نفسي وحياتي.
كيف تحدد كل ذلك: اجعل بوصلتك أئمة العلم الراسخين من السابقين .. انظر هل يكثرون الرجوع إليه، هل يوصون به، هل يفسر غيره، هل يستخدم في التحليل والشرح؟
لا تشغل نفسك بصغار الأمور، تمسك وركز على كبرياتها. لا تنشغل بما ليس واجبا عن الواجب، فهذا خطأ منهجي كبير.
استفد أيضا من صحبة أهل العلم والتدارس فهو يساعدك في استحضار الأفكار وتثبيتها خاصة بمن هم أهله وليس أهل الجدال والمراء.
متى تعرف أنك بدأت تنجح؟
إذا لاحظت أنك تستطيع شرح ما تقرأ بدون قلق أو تشتت بل تسعد بذلك.
إذا أصبحت تربط بين موضوعين مختلفين.
إذا أصبحت حاجتك تقلّ للتدوين الكثير.
هنا تتكوَّن لديك قناعة راسخة وفهما حقيقيا، لا مجرَّدُ نقلٍ أو تشتّت.
وفقك الله وفتح عليك وبارك بك ونفع بك.